﴿ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا ﴾ وَجَدَ نَارًا بَيضَاءَ تَتَوَقَّدُ فِي شَجَرَةٍ خَضرَاءَ مِن أَسفَلِهَا إِلَى أَعلَاهَا، وَكَانَت شَجَرَةَ العُنَّابِ أَوِ العَوسَجِ([1])، وَلَم يَجِد عِندَهَا أَحَدًا، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن حُسنِ ذَلِكَ الضَّوءِ، وَشِدَّةِ خُضرَةِ تِلكَ الشَّجَرَةِ، فَلَا شِدَّةُ حَرِّ النَّارِ تُغَيِّرُ حُسنَ خُضرَةِ الشَّجَرَةِ، وَلَا كَثرَةُ مَاءِ الشَّجَرَةِ وَلَا نِعمَةُ الخُضرَةِ تُغَيِّرَانِ حُسنَ ضَوءِ النَّارِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كُلَّمَا طَلَبَهَا بَعُدَت عَنهُ فَإِذَا تَرَكَهَا قَرُبَت مِنهُ، وَهُنَاكَ ﴿ نُودِىَ ﴾ مُوسَى: ﴿ يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ ﴾.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ ﴾ وَالمَعنَى أَنَّ اللهَ أَزَالَ عَن سَمعِ مُوسَى الحِجَابَ المَعنَوِيَّ المَانِعَ مِن سَمَاعِ كَلَامِهِ، فَسَمِعَ مُوسَى بِسَمعِهِ الحَادِثِ كَلَامَ اللهِ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ كَلَامَ اللهِ ابتُدِئَ وَاختُتِمَ([2]) ﴿ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ ﴾ انزِعهُمَا لِتُصِيبَ قَدَمَيكَ بَرَكَةُ الوَادِي المُقَدَّسِ، أَو لِأَنَّ كَونَهُ حَافِيَ القَدَمَينِ تَوَاضُعٌ للهِ، وَمِن ثَمَّ طَافَ السَّلَفُ بِالكَعبَةِ حَافِينَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ احتِرَامٌ لِلبُقعَةِ وتَعظِيمٌ لَهَا، فَخَلَعَهُمَا وَأَلقَاهُمَا مِن خَارِجِ الوَادِي لَيسَ دَاخِلَهُ ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ ﴾ المُطَهَّرِ أَوِ المُبَارَكِ ﴿ طُوًۭى ١٢ ﴾ وَهُوَ اسمُ عَلَمٍ لِلوَادِي([3]).
﴿ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ ﴾ اصطَفَيتُكَ مِن قَومِكَ لِلنُّبُوَّةِ ﴿ فَٱسْتَمِعْ ﴾ أَي أَنصِت، وَالإِنصَاتُ الِاستِمَاعُ مَعَ سُكُوتٍ ﴿ لِمَا ﴾ لِلَّذِي ﴿ يُوحَىٰٓ ١٣ ﴾ إِلَيكَ مِنِّي، أَو لِلوَحيِ، وَقَفَ عَلَى حَجَرٍ وَاستَنَدَ إِلَى حَجَرٍ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَأَلقَى ذَقَنَهُ عَلَى صَدرِهِ، وَوَقَفَ يَستَمِعُ([4])، وَكَانَ كُلُّ لِبَاسِهِ صُوفًا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى ﴾ وَحِّدنِي وَأَطِعنِي([5]) ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤ ﴾ أَيْ لِأَوْقَاتِ ذِكْرِي وَهِيَ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ، أَوْ أَنَّ مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ يُحْمَلُ عَلَى ذِكْرِ الصَّلَاةِ بَعْدَ نِسيَانِهَا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤ ﴾([6]).
﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ﴾ يُرِيدُ القِيَامَةَ ﴿ ءَاتِيَةٌ ﴾ لَا مَحَالَةَ، أَي جَائِيَةٌ، وَهَذَا الكَلَامُ مَبنِيٌّ عَلَى مَا قَبلَهُ، وَهُوَ مِن تِتِمَّتِهِ، إِذ مَعنَاهُ: حَافِظْ عَلَى مَا أَمَرتُكَ بِهِ فَإِنَّ القِيَامَةَ آتِيَةٌ، وَكُلُّ إِنسَانٍ حَافَظَ عَلَى الأَمرِ يُجزَى خَيرًا، وَإِن لَم يُحَافِظ عَلَيهِ يُجزَى شَرًّا، فَهُوَ كَالعِلَّةِ فِيمَا قَبلَهُ، وَفِيهِ تَحذِيرٌ وَوَعِيدٌ ﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ أُرِيدُ إِخفَاءَ وَقتِهَا عَنِ النَّاسِ وَإِظهَارَ قُربِهَا لَهُم بِعَلَامَاتِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَخفَى السَّاعَةَ الَّتِي هِيَ القِيَامَةُ وَالسَّاعَةَ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا الإِنسَانُ، وَذَلِكَ لِيَعمَلَ الإِنسَانُ وَالأَمرُ عِندَهُ مُبهَمٌ فَيَكُونَ عَلَى وَجَلٍ مِنهَا وَلَا يُؤَخِّرَ التَّوبَةَ ﴿ لِتُجْزَىٰ ﴾ فِيهَا ﴿ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ١٥ ﴾ بِسَعيِهَا مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ([7]).
﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ ﴾ لَا يَصرِفَنَّكَ ﴿ عَنْهَا ﴾ عَنِ العَمَلِ لِلسَّاعَةِ، أَو عَن إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَو عَنِ الإِيمَانِ بِالقِيَامَةِ، فَالخِطَابُ لِمُوسَى وَالمُرَادُ بِهِ أُمَّتُهُ ﴿ مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ لَا يُصَدِّقُ بِهَا ﴿ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ﴾ فِي إِنكَارِهَا وَمُخَالَفَةِ أَمرِ اللهِ بِأَنْ جَعَلَ شَهوَةَ النَّفسِ أَمَامَهُ، وَأَصلُ الِاتِّبَاعِ هُوَ المَشيُ خَلفَ الشَّىءِ، وَالهَوَى مَا تَشتَهِي النَّفسُ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا مُخَالَفَةُ أَمرِ الشَّرعِ ﴿ فَتَرْدَىٰ ١٦ ﴾ فَتَهلِكَ إِن صَدَدتَ عَنهَا، وَالمُرَادُ أُمَّتُهُ، وَذَلِكَ كَقَولِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّنَا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ٦٥ ﴾([8])، لَيسَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ عَلَيهِ حُصُولُ الشِّركِ مِنهُ، وَإِنَّمَا المُرَادُ تَحذِيرُ أُمَّتِهِ مِنَ الشِّركِ.
- ذِكرُ عَصَا سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَصِفَةِ انقِلَابِهَا حَيَّةً
﴿ وَمَا تِلْكَ ﴾ المَأخُوذَةُ ﴿ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ١٧ ﴾ وَالِاستِفهَامُ لِلتَّنبِيهِ لِمَا يَأتِي بَعدَهُ مِنَ المُعجِزَاتِ، أَو لِلتَّوطِينِ لِئَلَّا يَهُولَهُ انقِلَابُهَا حَيَّةً، وَلَيسَ السُّؤَالُ لِطَلَبِ العِلمِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعلَمُ كُلَّ شَىءٍ لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ.
﴿ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ ﴾ أَعتَمِدُ ﴿ عَلَيْهَا ﴾ أَعتَمِدُ عَلَيهَا إِذَا أَعيَيتُ أَو وَقَفتُ عَلَى رَأسِ القَطِيعِ ﴿ وَأَهُشُّ ﴾ أَي أَخبِطُ وأَضرِبُ ﴿ بِهَا ﴾ أَغصَانَ الشَّجَرِ لِيَسقُطَ وَرَقُهَا فَيَسهُلَ ﴿ عَلَىٰ غَنَمِى ﴾ تَنَاوُلُهُ وَأَكلُهُ ﴿ وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ ﴾ جَمعُ مَأرَبَةٍ وَهِيَ الحَاجَةُ ﴿ أُخْرَىٰ ١٨ ﴾ مِثلُ أَن يُلقِيَهَا عَلَى عَاتِقِهِ إِذَا سَارَ وَيُعَلِّقَ عَلَيهَا إِدَاوَتَهُ مِن زَادٍ وَسِقَاءٍ، أَو يُلقِيَ عَلَيهَا الكِسَاءَ وَيَستَظِلَّ بِهِ، وَإِذَا تَعَرَّضَتِ السِّبَاعُ لِغَنَمِهِ قَاتَلَ بِهَا، وَيَطرُدَ بِهَا الهَوَامَّ، وَكَانَت بَعدَ تَكلِيمِ اللهِ لَهُ تُمَاشِيهِ، وَتُحَدِّثُهُ، وَتُحَارِبُ العَدُوَّ وَالسِّبَاعَ، وَتَصِيرُ رِشَاءً([9]) فَتَطُولُ بِطُولِ البِئرِ، وَتَصِيرُ شُعبَتَاهَا دَلوًا، وَتَكُونَانِ شَمعَتَينِ بِاللَّيلِ، وَتَحمِلُ زَادَهُ، وَيَركُزُهَا([10]) فَتثمِرُ ثَمَرَةً يَشتَهِيهَا، وَيَركُزُهَا فَيَنبُعُ المَاءُ، فَإِذَا رَفَعَهَا نَضَبَ، وَكَانَت تَقِيهِ الهَوَامَّ، وَهَذِهِ آيَاتٌ بَاهِرَةٌ وَمُعجِزَاتٌ قَاهِرَةٌ أَحدَثَهَا اللهُ فِيهَا لِأَجلِهِ، وَلَيسَت مِن خَوَاصِّهَا.
﴿ قَالَ أَلْقِهَا ﴾ أَيِ اطرَح عَصَاكَ ﴿ يَـٰمُوسَىٰ ١٩ ﴾.
﴿ فَأَلْقَىٰهَا ﴾ طَرَحَهَا ﴿ فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ ﴾ ثُعبَانٌ عَظِيمٌ ﴿ تَسْعَىٰ ٢٠ ﴾ تَمشِي عَلَى بَطنِهَا سَرِيعًا كَسُرعَةِ الثُّعبَانِ الصَّغِيرِ، قِيلَ: انقَلَبَت ثُعبَانًا يَبتَلِعُ الصَّخرَ وَالشَّجَرَ، فَلَمَّا رَآهَا تَبتَلِعُ كُلَّ شَىءٍ خَافَ مِنهَا الخَوفَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي يَكُونُ فِي الإِنسَانِ عِندَ رُؤيَةِ الحَيَّةِ وَنَفَرَ مِنهَا وَابتَعَدَ عَنهَا، وَإِنَّمَا وُصِفَت بِالحَيَّةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ وَوُصِفَت فِي غَيرِهَا بِالثُّعبَانِ وَهُوَ العَظِيمُ مِنَ الحَيَّاتِ، وَوُصِفَت بِالجَانِّ وَهُوَ الدَّقِيقُ الصَّغِيرُ مِنَ الحَيَّاتِ، لِأَنَّ الحَيَّةَ اسمُ جِنسٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَجَازَ أَن تَنقَلِبَ حَيَّةً صَفرَاءَ دَقِيقَةً ثُمَّ يَتَزَايَدَ جِرمُهَا حَتَّى تَصِيرَ ثُعبَانًا، فَأُرِيدَ بِالجَانِّ أَوَّلُ حَالِهَا وَبِالثُّعبَانِ مَآلُهَا، أَو لِأَنَّهَا كَانَت فِي عِظَمِ الثُّعبَانِ وَسُرعَةِ الجَانِّ، وَقِيلَ كَانَ بَينَ لَحيَيهَا أَربَعُونَ ذِرَاعًا.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَخذِهَا وَهِيَ عَلَى حَالِهَا حَيَّةً، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿ قَالَ ﴾ لَهُ رَبُّهُ ﴿ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ ﴾ بَلَغَ مِن ذَهَابِ خَوفِهِ أَن أَدخَلَ يَدَهُ فِي فَمِهَا وَأَخَذَ بِلَحيَيهَا فَعَادَت عَصًا، وَأُرِيَ ذَلِكَ مُوسَى لِئَلَّا يَفزَعَ مِنهَا إِذَا انقَلَبَت حَيَّةً عِندَ فِرعَونَ([11]) ﴿ سَنُعِيدُهَا ﴾ سَنَرُدُّهَا إِلَى ﴿ سِيرَتَهَا ﴾ حَالَتِهَا ﴿ ٱلْأُولَىٰ ٢١ ﴾ عَصًا كَمَا كَانَت، فَلَمَّا قَالَ لَهُ رَبُّهُ ذَلِكَ اطمَأَنَّت نَفسُهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيهَا حَتَّى أَدخَلَ يَدَهُ فِي فَمِهَا وَأَخَذَ بِلَحيَيهَا، فَعَادَت عَصًا، وَأُرِيَ ذَلِكَ مُوسَى لِئَلَّا يَفزَعَ مِنهَا إِذَا انقَلَبَت حَيَّةً عِندَ فِرعَونَ.
([1]) العَوسَجُ: شَجَرٌ مِن شَجَرِ الشَّوكِ لَهُ ثَمَرٌ أَحمَرُ مُدَوَّرٌ كَأَنَّهُ خَرَزُ العَقِيقِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج2 ص324).
([2]) تَنبِيهٌ: يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الكَلامُ، وَهُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَا يُشبِهُ كَلَامَ المَخلُوقِينَ، لِأَنَّ كَلَامَ المَخلُوقِينَ حَادِثٌ وَهُوَ صَوتٌ يَعتَمِدُ عَلَى مَخَارِجَ وَمَقَاطِعَ وَيُبتَدَأُ وَيُختَتَمُ وَيَكُونُ بِلُغَاتٍ وَحُرُوفٍ وَمِنهُ مَا يَحصُلُ بِتَصَادُمِ جِسمَينِ،
وَكَلَامُ اللهِ لَيسَ كَذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِن حَيثُ العَقلُ أَنَّهُ لَو لَم يَكُن مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَبكَمَ، وَالبَكَمُ نَقصٌ، وَالنَّقصُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ، وَأَمَّا دَلِيلُهُ النَّقلِيُّ النُّصُوصُ القُرءَانِيَّةُ وَالحَدِيثِيَّةُ، وَمِن ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا ١٦٤ ﴾ [سُورَةَ النِّسَاءِ:164] أَي أَسمَعَهُ كَلامَهُ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ فَفَهِمَ مِنهُ مُوسَى مَا فَهِمَ، فَتَكلِيمُ اللَّهِ أَزَلِيٌّ وَمُوسَى وَسَمَاعُهُ لِكَلامِ اللَّهِ حَادِثٌ، لِأَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَيسَ حَرفًا وَلا صَوتًا وَلا يُبتَدَأُ وَلا يُختَتَمُ وَلا يَزِيدُ وَلا يَنقُصُ.
([3]) وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَوجُودًا بِذَاتِهِ فِي ذَلِكَ المَوضِعِ، بَلِ المُرَادُ أَنَّ اللهَ أَسمَعَ مُوسَى كَلَامَهُ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ فِي ذَلِكَ المَوضِعِ، كَمَا أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَرَجَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَسَمِعَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى هُنَاكَ، وَلَم يَكُنِ اللهُ تَعَالَى فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فِي الحَالَتَينِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَحوِيَهُ مَكَانٌ وَعَن أَن يَجرِيَ عَلَيهِ زَمَانٌ، لَا يُوصَفُ بِالحَيِّزِ وَلَا بِالحَدِّ وَلَا بِالكَمِّيَّةِ، لَيسَ جِسمًا
وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَمِن صِفَاتِ الأَجسَامِ المَكَانُ، فَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنهُ، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١١ ﴾، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([4]) عَن وَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: مِن أَدَبِ الاستِمَاعِ: سُكُونُ الجَوَارِحِ، وَغَضُّ البَصَرِ، وَالإِصغَاءُ بِالسَّمعِ، وَحُضُورُ العَقلِ، وَالعَزمُ عَلَى العَمَلِ، وَذَلِكَ أَن يَكُفَّ العَبدُ جَوَارِحَهُ وَلا يَشغَلَهَا فَيَشتَغِلَ قَلبُهُ عَمَّا يَسمَعُ، وَيَغُضَّ طَرفَهُ فَلا يَلهُوَ قَلبُهُ بِمَا يَرَى، وَيَحصُرَ عَقلَهُ فَلا يُحَدِّثَ نَفسَهُ بِشَىءٍ سِوَى مَا يَستَمِعُ إِلَيهِ، وَيَعزِمَ عَلَى أَن يَفهَمَ فَيَعمَلَ بِمَا يَفهَمُ. وَقَالَ سُفيَانُ ابنُ عُيَينَةَ: أَوَّلُ العِلمِ الاستِمَاعُ، ثُمَّ الفَهمُ، ثُمَّ الحِفظُ، ثُمَّ العَمَلُ، ثُمَّ النَّشرُ، فَإِذَا استَمَعَ العَبدُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ أَفهَمَهُ كَمَا يُحِبُّ وَجَعَلَ لَهُ فِي قَلبِهِ نُورًا.
([5]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مُوَحِّدًا، بَل كُلُّ الأَنبِيَاءِ مُؤمِنُونَ بِاللهِ تَعَالَى قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، لَم يَكُن أَحَدٌ مِنهُم كَافِرًا بِاللهِ أَو مُشرِكًا بِهِ وَلَا لِلَحظَةٍ فِي حَيَاتِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ أَوَّلَ مَا أُمِرَ بِهِ الأَنبِيَاءُ هُوَ التَّوحِيدُ.
([6]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ- كِتَابُ المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ – بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الفَائِتَةِ – رقم الحديث: (680).
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً لِعُذْرٍ كَالنَّوْمِ أَوِ النِّسْيَانِ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا، وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الفُقَهَاءِ وَأَهْلِ العِلْمِ، قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ “المَجْمُوع”: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.اهـ وَقَالَ الإِمَامُ الشِّيرَازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ “المُهَذَّب”: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ: “مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا”.
([7]) وَعِلمُ السَّاعَةِ مِمَّا استَأثَرَ اللهُ تَعَالَى بِعِلمِهِ، فَلَا يَعلَمُ أَحَدٌ وَقتَ قِيَامِ السَّاعَةِ، لَا نَبِيٌّ مُرسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ، فَلَا يَجُوزُ قَولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ وَأَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنَ الدُّنيَا إِلَّا وَهُوَ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٩ ﴾، [سُورَةُ الأَحقَافِ:9]، فَالرَّسُولُ ﷺ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ لَا يَعلَمُ جَمِيعَ تَفَاصِيلِ مَا يَفعَلُهُ اللهُ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ.
([9]) الرِّشَاءُ: الحَبلُ الَّذِي يُربَطُ بِهِ الدَّلوُ.
([10]) أَي يَركُزُ عَصَاهُ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: «رَكَزتُ الرُّمحَ رَكزًا -مِن بَابِ قَتَلَ-: أَثبَتُّهُ بِالأَرضِ فَارتَكَزَ»، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص237).
([11]) تَنبِيهٌ: يَستَحِيلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ الجُبنُ، أَمَّا الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَستَحِيلُ عَلَيهِم بَلِ الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ مَوجُودٌ فِيهِم وَذَلِكَ مِثلُ النُّفُورِ مِنَ الحَيَّةِ فَإِنَّ طَبِيعَةَ الإِنسَانِ تَقتَضِي الهَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ مِثلُ التَّخَوُّفِ مِن تَكَالُبِ الكُفَّارِ عَلَيهِم حَتَّى يَقتُلُوهُم. وَلا يُقَالُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَرَبَ بِحَيثُ يُشعِرُ بِالجُبنِ، أَمَّا فَرَّ مِنَ الأَذَى مَثَلا فَلا يُشعِرُ بِالجُبنِ يُقَالُ هَاجَرَ فِرَارًا مِنَ الكُفَّارِ أَي مِن أَذَى الكُفَّارِ، هَذَا جَائِزٌ مَا فِيهِ نَقصٌ، وَعَلَى هَذَا المَعنَى قَولُ مُوسَى: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ٢١ ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاء:21]، وَكَذَلِكَ الأَنبِيَاءُ مَحفُوظُونَ مِنَ الأَمرَاضِ المُنَفِّرَةِ، فَلَا يُصِيبُهُم مَرَضٌ مُنَفِّرٌ كَخُرُوجِ الدُّودِ مِن أَجسَادِهِم وَكَالبَرَصِ.