- ذِكرُ إِهلَاكِ اللهِ تَعَالَى لِبَعضِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ لِلِاعتِبَارِ بِهَا
﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ ﴾ يُبَيِّنِ اللهُ ﴿ لَهُمْ ﴾ لِكُفَّارِ مَكَّةَ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ أَي كَثِيرَ إِهلَاكِنَا ﴿ قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ ﴾ أَيِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ بِتَكذِيبِ الرُّسُلِ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ أَي يَمشِي أَهلُ مَكَّةَ ﴿ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ ﴾ فِي مَسَاكِنِ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَومِ لُوطٍ فِي سَفَرِهِم إِلَى الشَّامِ وَغَيرِهَا وَيُعَايِنُونَ آثَارَ هَلَاكِهِم وَعَلَامَاتِهِ فَيَعتَبِرُوا ﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ ﴾ لَعِبَرًا ﴿ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ١٢٨ ﴾ لِذَوِي العُقُولِ إِذَا تَفَكَّرُوا وَعَلِمُوا أَنَّ استِئصَالَهُم لِكُفرِهِم فَلَا يَفعَلُونَ مِثلَ مَا فَعَلُوا.
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ وَهِيَ الحُكمُ بِتَأخِيرِ عَذَابِ الِاستِئصَالِ عَن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنيَا ﴿ لَكَانَ ﴾ العَذَابُ ﴿ لِزَامًۭا ﴾ لَازِمًا لَهُم فِي الدُّنيَا كَمَا لَزِمَ القُرُونَ المَاضِيَةَ الكَافِرَةَ ﴿ وَأَجَلٌۭ ﴾ وَلَولَا أَجَلٌ ﴿ مُّسَمًّۭى ١٢٩ ﴾ مَضرُوبٌ لَهُم إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، أَي لَكَانَ كَذَلِكَ.
- ذِكرُ الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ
﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ فِيكَ ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ صَلِّ ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أَي وَأَنتَ حَامِدٌ لِرَبِّكَ عَلَى هِدَايَتِهِ وَتَوفِيقِهِ، أَو نَزِّههُ عَنِ الشِّركِ وَسَائِرِ مَا يُضِيفُونَ إِلَيهِ مِنَ النَّقَائِصِ حَامِدًا لَهُ عَلَى مَا مَيَّزَكَ بِالهُدَى مُعتَرِفًا بِأَنَّهُ المُولِي أَيِ المُعطِي لِلنِّعَمِ كُلِّهَا ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ ﴾ يَعنِي صَلَاةَ الفَجرِ ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ ﴾ يَعنِي الظُّهرَ وَالعَصرَ، لِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فِي النِّصفِ الأَخِيرِ مِنَ النَّهَارِ بَينَ زَوَالِ الشَّمسِ وَغُرُوبِهَا ﴿ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ أَي وَتَعَهَّدْ مِن سَاعَاتِ اللَّيلِ وَأَطرَافِ النَّهَارِ مُختَصًّا لَهَا بِصَلَاتِكَ. وَقَد تَنَاوَلَ التَّسبِيحُ فِي آنَاءِ اللَّيلِ صَلَاةَ العِشَاءِ وَفِي أَطرَافِ النَّهَارِ صَلَاةَ المَغرِبِ ﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ١٣٠ ﴾ بِمَا تُعطَى مِنَ الثَّوَابِ، أَيِ اذكُرِ اللهَ فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ رَجَاءَ أَن تَنَالَ عِندَ اللهِ مَا بِهِ تَرضَى نَفسُكَ وَيُسَرُّ قَلبُكَ.
- ذِكرُ الأَمرِ بِالزُّهدِ وَالتَّحذِيرُ مِنَ المَيلِ إِلَى الدُّنيَا
﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أَي نَظَرَ عَينَيكَ([1]) وَالخِطَابُ وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِرِ لِلرَّسُولِ ﷺ فَالمُرَادُ أُمَّتُهُ وَهُوَ كَانَ أَبعَدَ شَىءٍ عَنِ النَّظَرِ فِي زِينَةِ الدُّنيَا بَل هُوَ ﷺ أَزهَدُ النَّاسِ﴿ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا ﴾ أَصنَافًا ﴿ مِّنْهُمْ ﴾ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ زِينَتَهَا وَبَهجَتَهَا([2])﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ ﴾ لِنَبلُوَهُم بِأَن يَطغَوا حَتَّى يَستَوجِبُوا العَذَابَ لِوُجُودِ الكُفرَانِ مِنهُم، أَو لِنُعَذِّبَهُم فِي الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ ﴾ ثَوَابُهُ وَهُوَ الجَنَّةُ، أَوِ الحَلَالُ الكَافِي ﴿ خَيْرٌۭ ﴾ مِمَّا رُزِقُوا وَأُوتُوهُ فِي الدُّنيَا ﴿ وَأَبْقَىٰ ١٣١ ﴾ أَدوَمُ.
- ذِكرُ أَمرِ الأَهلِ بِالصَّلَاةِ وَوُجُوبُ ذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ المُمَيِّزَينِ
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ ﴾ أَهلَ بَيتِكَ، أَوِ التَّابِعِينَ لَكَ مِن أُمَّتِكَ ﴿ بِٱلصَّلَوٰةِ ﴾([3]) لِيَتَعَاوَنُوا عَلَى خَصَاصَتِهِم وَلَا يَهتَمُّوا بِأَمرِ المَعِيشَةِ وَلَا يَلتَفِتُوا لَفتَ أَصحَابِ الثَّروَةِ ﴿ وَٱصْطَبِرْ ﴾ اصبِر وَدَاوِم ﴿ عَلَيْهَا ۖ ﴾ أَنتَ ﴿ لَا نَسْـَٔلُكَ ﴾ نُكَلِّفُكَ ﴿ رِزْقًۭا ۖ ﴾ أَي لَا نَسأَلُكَ أَن تَرزُقَ نَفسَكَ وَلَا أَهلَكَ ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ ﴾ وَإِيَّاهُم، فَلَا تَهتَمَّ لِأَمرِ الرِّزقِ، وَفَرِّغ بَالَكَ لِأَمرِ الآخِرَةِ([4]) ﴿ وَٱلْعَـٰقِبَةُ ﴾ أَي حُسنُ العَاقِبَةِ المَحمُودَةِ، أَوِ الجَنَّةُ ﴿ لِلتَّقْوَىٰ ١٣٢ ﴾ لِأَهلِ التَّقوَى.
- ذِكرُ اقتِرَاحِ المُشرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الآيَاتِ
﴿ وَقَالُوا۟ ﴾ أَيِ الكَافِرُونَ ﴿ لَوْلَا ﴾ هَلَّا ﴿ يَأْتِينَا ﴾ مُحَمَّدٌ ﴿ بِـَٔايَةٍۢ ﴾ مِمَّا يَقتَرِحُونَهُ ﴿ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ ﴾ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ ﴾ بُرْهَانُ ﴿ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٣٣ ﴾ أَيِّ القُرآنُ الَّذِي سَبَقَ التَّبشِيرُ بِهِ فِي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وَالَّذِي اشتَمَلَ عَلَى أَنبَاءِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ وَإِهلَاكِهِم بِتَكذِيبِ الرُّسُلِ، يَعنِي أَنَّهُمُ اقتَرَحُوا عَلَى عَادَتِهِم فِي التَّعَنُّتِ آيَةً عَلَى النُّبُوَّةِ فَقِيلَ لَهُم: أَوَ لَم تَأتِكُم آيَةٌ هِيَ أُمُّ الآيَاتِ وَأَعظَمُهَا فِي بَابِ الإِعجَازِ، يَعنِي القُرآنَ وَهُوَ المُعجِزَةُ البَاقِيَةُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَالاستِفهَامُ تَوبِيخٌ لَهُم.
﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ ﴾ مِن قَبلِ أنْ نُرسِلَ الرَّسُولِ أَوْ نُنْزِلَ القُرآنِ ﴿ لَقَالُوا۟ ﴾ يَومَ القِيَامَةِ ﴿ رَبَّنَا لَوْلَآ ﴾ هَلَّا ﴿ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا ﴾ يَدعُونَا إِلَى طَاعَتِكَ ﴿ فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ ﴾ المُرسَلَ بِهَا ﴿ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ﴾ بِالقَتلِ وَالسَّبيِ وَنُزُولِ العَذَابِ فِي الدُّنيَا ﴿ وَنَخْزَىٰ ١٣٤ ﴾ بِدُخُولِ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهُم ﴿ كُلٌّۭ ﴾ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَمِنكُم ﴿ مُّتَرَبِّصٌۭ ﴾ مُنتَظِرٌ لِلعَاقِبَةِ وَمَا يَؤُولُ إِلَيهِ أَمرُنَا وَأَمرُكُم ﴿ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ ﴾ أَنتُم ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ إِذَا جَاءَتِ القِيَامَةُ ﴿ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ﴾ الطَّرِيقِ ﴿ ٱلسَّوِىِّ ﴾ المُستَقِيمِ ﴿ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ١٣٥ ﴾ إِلَى النَّعِيمِ المُقِيمِ.
([1]) وَمَدُّ النَّظَرِ مَعنَاهُ إِثبَاتُ النَّظَرِ عَلَى الشَّىءِ وَأَن لَا يَكَادَ يَرُدُّهُ استِحسَانًا لِلمَنظُورِ إِلَيهِ وَإِعجَابًا بِهِ مِن دُونِ طَرفٍ، فَالإِنسَانُ إِذَا أَعجَبَهُ شَىءٌ يَمُدُّ النَّظَرَ إِلَيهِ مِن دُونِ طَرفٍ، أَمَّا إِذَا لَم يُعجِبهُ يَمُدُّ النَّظَرَ إِلَيهِ ثُمَّ يَطرِفُ، وَلَقَد شَدَّدَ المُتَّقُونَ فِي غَضِّ البَصَرِ عَن أَبنِيَةِ الظَّلَمَةِ وَعُدَدِ الفَسَقَةِ فِي مَلَابِسِهِم وَمَرَاكِبِهِم.
([2]) قَالَ الحَسَنُ البِصْرِيُّ: لَا تَنظُرُوا إِلَى دَقدَقَةِ هَمَالِيجِ الفَسَقَةِ وَلَكِنِ انظُرُوا كَيفَ يَلُوحُ ذُلُّ المَعصِيَةِ مِن تِلكَ الرِّقَابِ.اهـ وَهَذَا لِأَنَّهُم إِنَّمَا اتَّخَذُوا هَذِهِ الأَشيَاءَ لِعُيُونِ النَّظَّارَةِ فَالنَّاظِرُ إِلَيهَا مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِم وَمُغرٍ لَهُم عَلَى اتِّخَاذِهَا.
([3]) يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ المُمَيِّزَينِ أَن يَأمُرَهُمَا بِالصَّلاةِ ويُعَلِّمَهُمَا أَحكَامَهَا بَعدَ سَبعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ، وَيَضرِبَهُمَا عَلَى تَركِهَا بَعدَ عَشرِ سِنِينَ كَصَومٍ أَطَاقَاهُ، وَيَجِبُ عَلَيهِ أَيضًا تَعلِيمُهُمَا مِنَ العَقَائِدِ وَالأَحكَامِ يَجِبُ كَذَا وَيَحرُمُ كَذَا وَمَشرُوعِيَّةَ السِّوَاكِ وَالجَمَاعَةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَمرُ أَهلِهِ بِالصَّلاةِ وَكُلِّ مَن قَدَرَ عَلَيهِ مِن غَيرِهِم.
([4]) عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى مَا عِندَ السَّلَاطِينِ قَرَأَ: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ١٣١ ﴾ الآيَةَ، [سُورَةُ طَهَ:131]، ثُمَّ يُنَادِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللهُ، جَامِعُ البَيَانِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج16 ص217)، وَكَانَ بَعضُ السَّلَفِ إِذَا أَصَابَ أَهلَهُ خَصَاصَةٌ قَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا، بِهَذَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، مِرقَاةُ المَفَاتِيحِ، لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي (ج3 ص932)، وَعَن مَالِكِ بنِ دِينَارٍ مِثلُهُ، وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ: كَانَ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى، مَعنَاهُ إِذَا أَصَابَهُ شَىءٌ يُحزِنُهُ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ، مِرقَاةُ المَفَاتِيحِ، لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي (ج3 ص990).