الخَاتِمَةُ
مُلَخَّصُ تَفسِيرِ سُورَةِ طَهَ:
سُورَةُ طَه سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ فِي أَشَدِّ مَرَاحِلِ الدَّعوَةِ وَطْأَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصحَابِهِ، فَكَانَ مِنْ أَوَائِلِ مَا خَاطَبَهُ اللهُ بِهِ فِيهَا: ﴿ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ ﴾، وَفِي هَذَا الِاستِهْلَالِ مَا يُنَاسِبُ الَّذِي جَاءَ فِي السُّورَةِ كُلِّهَا، إِذْ هِيَ فِي جَوهَرِهَا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الأَمرَ مِنْ بَلَاءٍ وَكَربٍ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ لَا مِنْ صُنعِ البَشَرِ، وَأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيِّنَا وَبِآيَاتِنَا لَنْ يُعجِزَ اللهَ.
وَقَدْ سَرَى هَذَا المَقصِدُ فِي جَمِيعِ مَوضُوعَاتِ السُّورَةِ، فَقِصَّةُ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّتِي اسْتَغْرَقَتْ أَكْثَرَهَا لَمْ تُذْكَرْ عَبَثًا، فَقَدْ ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ مِنْ شَأنِ مُوسَى وَقِصَّتِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ مِنْ أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ وَاجَهَ طَاغِيَةً مُكَذِّبًا مُدَّعِيًا لِلأُلُوهِيَّةِ، وَصَبَرَ حَتَّى جَاءَ نَصرُ اللهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ دَائِمًا عِندَ نُزُولِ البَلَاءِ وَاشْتِدَادِهِ يَتَذَكَّرُ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا([1])، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ([2]). فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ([3])، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».اهـ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذكُرُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ قَومِهِ وَصَبْرِهِ عَلَيهِمْ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ فِي الفَترَةِ المَكِّيَّةِ بِالتَّفصِيلِ فِي قِصَّةِ مُوسَى لِلتَخْفِيفِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَخُتِمَتِ السُّورَةُ بِقِصَّةِ آدَمَ لِتُذَكِّرَ بِمَعنًى عَظِيمٍ وَهُوَ أَنَّ الصِّرَاعَ بَينَ الهُدَى وَالضَّلَالِ مَا زَالَ يَحصُلُ وَحَصَلَ مُنذُ زَمَانٍ بَعِيدٍ، وَلَيسَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَعَ الرُّسُلِ مِنْ تَكذِيبِ أَقوَامِهِمْ لَهُمْ وَمُعَادَاتِهِمْ لَهُمْ وَمُقَابَلَةِ الأَنبِيَاءِ لِهَذا الصَّدِّ بِالصَّبرِ وَالتَّسلِيمِ حَتَّى يَأتِيَ وَعْدُ اللهُ وَنَصرُهُ لَهُمْ.
([1]) وَنِسبَةُ هَذَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ضَلَالٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
([2]) أَي مَا أُرِيدَ بِهَا ثَوَابُ اللهِ وَرِضَاهُ فَالوَجهُ هُنَا عَلَى مَعنَى الثَّوَابِ وَلَيسَ مَعنَاهُ الوَجهَ الجَارِحَةَ فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوَارِحِ وَالأَعضَاءِ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١١ ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى:١١].
([3]) أَي بِمَا قَالَهُ هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الضَّلَالِ وَنِسبَةِ الظُّلمِ فِي قِسمَةِ الغَنَائِمِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.