- ذِكرُ إِيمَانِ السَّحَرَةِ بَعدَ أَن رَأَوا هَذِهِ المُعجِزَةَ البَاهِرَةَ
﴿ فَأُلْقِىَ ﴾ خَرَّ ﴿ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا ﴾ للهِ تَعَالَى لِعِظَمِ مَا رَأَوا مِنَ الآيَةِ، قَالَ الأَخفَشُ: مِن سُرعَةِ مَا سَجَدُوا كَأَنَّهُم أُلقُوا، فَمَا أَعجَبَ أَمرَهُم قَد أَلقَوا حِبَالَهُم وَعِصِيَّهُم لِلكُفرِ وَالجُحُودِ ثُمَّ أَلقَوا رُؤُوسَهُم بَعدَ سَاعَةٍ لِلشُّكرِ وَالسُّجُودِ، فَمَا أَعظَمَ الفَرقَ بَينَ الإِلقَاءَينِ، وَذَلِكَ بَعدَ أَن رَأَوا هَذِهِ المُعجِزَةَ وَتَحَقَّقَ عِندَهُم أَنَّهُ لَيسَ بِسِحرٍ بَل هُوَ آيَةٌ مِن آيَاتِ اللهِ وَمُعجِزَةٌ مِن مُعجِزَاتِهِ، وَ﴿ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠ ﴾ لِأَنَّهُم عَرَفُوا حَقِيقَةَ مَا أَتَى بِهِ مُوسَى، فَعَلِمُوا أَنَّهُ سَمَاوِيٌّ وَأَنَّهُ آيَةٌ لَيسَ بِسِحرٍ، فَآمَنُوا إِيمَانًا لَمْ يَرتَابُوا فِيهِ قَطُّ.
﴿ قَالَ ﴾ فِرعَونُ ﴿ ءَامَنتُمْ لَهُۥ ﴾ لِمُوسَى، يُقَالُ آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ ﴿ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ ﴾ أَنَا ﴿ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ﴾ مُعَلِّمُكُم أَو عَظِيمُكُم فِي فَنِّكُم وَأَعلَمُكُم بِهِ، أَو أُستَاذُكُمُ ﴿ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ ﴾ وَأَنتُم تَوَاطَأتُم عَلَى مَا فَعَلتُم، وَإِنَّمَا أَرَادَ فِرعَونُ بِقَولِهِ هَذَا أَن يُلَبِّسَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُم فَيُؤمِنُوا كَإِيمَانِهِم، وَإِلا فَقَد عَلِمَ فِرعَونُ أَنَّهُم لَم يَتَعَلَّمُوا مِن مُوسَى، بَل قَد عَلِمُوا السِّحرَ قَبلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ ﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ ﴾ القَطعُ مِن خِلَافٍ: أَن تُقطَعَ اليَدُ اليُمنَى وَالرِّجلُ اليُسرَى، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ العُضوَينِ يُخَالِفُ الآخَرَ، وَلَا يَقطَعَ مَثَلًا اليَدَ اليُمنَى وَالرِّجلَ اليُمنَى ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى ﴾ أَي عَلَى ﴿ جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ﴾ تَشهِيرًا لِعُقُوبَتِكُم، وَخَصَّ النَّخلَ لِطُولِ جُذُوعِهَا ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ ﴾ يَعنِي نَفسَهُ وَرَبَّ مُوسَى ﴿ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ٧١ ﴾ أَدوَمُ، فَقَطَّعَهُمْ وَصَلَبَهُمْ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
﴿ قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ ﴾ لَن نَختَارَكَ ﴿ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ القَاطِعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدقِ مُوسَى، يَعنُونَ اليَدَ وَالعَصَا ﴿ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ ﴾ أَي خَلَقَنَا، أَي لَن نَختَارَكَ عَلَى الَّذِي جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي خَلَقَنَا ﴿ فَٱقْضِ ﴾ اصنَع ﴿ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ ﴾ صَانِعٌ مِنَ القَتلِ وَالصَّلبِ، أَوِ احكُم مَا أَنتَ حَاكِمٌ ﴿ إِنَّمَا تَقْضِى ﴾ تَصنَعُ، أَو تَحكُمُ فِينَا ﴿ هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ٧٢ ﴾ فِي مُدَّةِ حَيَاتِنَا فِي الدُّنيَا وَتُجزَى عَلَيهِ فِي الآخِرَةِ، فَإِنَّ سُلطَانَكَ فِي الدُّنيَا لَا فِي الآخِرَةِ.
﴿ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا ﴾ مِنَ الإِشرَاكِ وَغَيرِهِ ﴿ وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ ﴾ تَعَلُّمًا وَعَمَلًا لِمُعَارَضَةِ مُوسَى، رُوِيَ أَنَّهُم قَالُوا لِفِرعَونَ: أَرِنَا مُوسَى نَائِمًا، فَفَعَلَ، فَوَجَدُوهُ وَتَحرُسُهُ عَصَاهُ، فَقَالُوا: مَا هَذَا بِسِحرٍ، السَّاحِرُ إِذَا نَامَ بَطَلَ سِحرُهُ، فَكَرِهُوا مُعَارَضَتَهُ خَوفَ الفَضِيحَةِ، فَأَكرَهَهُم فِرعَونُ عَلَى الإِتيَانِ بِالسِّحرِ ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ ﴾ مِنكَ ثَوَابًا إِذَا أُطِيعَ ﴿ وَأَبْقَىٰٓ ٧٣ ﴾ مِنكَ عَذَابًا إِذَا عُصِيَ، وَهُوَ رَدٌّ لِقَولِ فِرعَونَ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ﴾([1]).
﴿ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا ﴾ بِأَن يَمُوتَ عَلَى كُفرِهِ وَعِصيَانِهِ كَفِرعَونَ ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ ﴾ لِلمُجرِمِ ﴿ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا ﴾ فَيَستَرِيحَ بِالمَوتِ ﴿ وَلَا يَحْيَىٰ ٧٤ ﴾ حَيَاةً يَنتَفِعُ بِهَا.
﴿ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا ﴾ مَاتَ عَلَى الإِيمَانِ ﴿ قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ﴾ بَعدَ الإِيمَانِ مِنَ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ﴿ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ٧٥ ﴾ جَمعُ العُليَا، وَهِيَ المَنَازِلُ الرَّفِيعَةُ، أَو دَرَجَاتُ الجَنَّةِ.
﴿ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ ﴾ أَي إِقَامَةٌ فِيهَا ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ﴾ دَائِمِينَ ﴿ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦ ﴾ تَطَهَّرَ مِنَ الشِّركِ بِقَولِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمِنَ الذُّنُوبِ، قِيلَ هَذِهِ الآيَاتُ الثَّلَاثُ حِكَايَةُ قَولِهِم، وَقِيلَ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَا عَلَى وَجهِ الحِكَايَةِ، وَهُوَ أَظهَرُ.
- ذِكرُ إِنجَاءِ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ وَإِغرَاقِ فِرعَونَ وَجُنُودِهِ
وَلَمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى إِهلَاكَ فِرعَونَ وَقَومَهُ أَمَرَ مُوسَى أَن يَخرُجَ بِبَنِي إِسرَائِيلَ مِن مِصرَ لَيلًا وَيَأخُذَ بِهِم طَرِيقَ البَحرِ، فَقَالَ: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى ﴾ أَي سِر بِهِم لَيلًا مِن أَرضِ مِصرَ ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ ﴾ اجعَل لَهُم بِالضَّربِ بِعَصَاكَ ﴿ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا ﴾ أَي يَابِسًا ﴿ لَّا تَخَـٰفُ ﴾ أَيِ اضرِب لَهُم طَرِيقًا غَيرَ خَائِفٍ ﴿ دَرَكًۭا ﴾ أَي أَن يُدرِكَكَ فِرعَونُ وَجُنُودُهُ وَيَلحَقُوا بِكَ ﴿ وَلَا تَخْشَىٰ ٧٧ ﴾ أَن يَمَسَّكَ غَرَقٌ فِي البَحرِ إِن غَشِيَكَ، فَامتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ بِهِم مُوسَى مِن أَوَّلِ اللَّيلِ، وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلفٍ.
فَلَمَّا عَلِمَ فِرعَونُ فِي الصَّبَاحِ بِخُرُوجِهِم رَكِبَ فِي أَلفِ أَلفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلفٍ مِنَ القِبطِ وَاتَّبَعَ أَثَرَهُم، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ ﴾ أَي خَرَجَ خَلفَهُم ﴿ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ ﴾ وَهُوَ مَعَهُم ﴿ فَغَشِيَهُم ﴾ أَصَابَهُم ﴿ مِّنَ ٱلْيَمِّ ﴾ مِنَ البَحرِ ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ٧٨ ﴾ مَا لَا يَعلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ مِن جَوَامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَستَقِلُّ مَعَ قِلَّتِهَا بِالمَعَانِي الكَثِيرَةِ.
﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ ﴾ عَن سَبِيلِ الرَّشَادِ بِدُعَائِهِم إِلَى عِبَادَتِهِ ﴿ وَمَا هَدَىٰ ٧٩ ﴾ أَي أَضَلَّهُم فِي الدِّينِ وَمَا هَدَاهُم إِلَى الحَقِّ وَالسَّدَادِ، بَل أَوقَعَهُم فِي الهَلَاكِ، وَهُوَ خِلَافُ قَولِهِ: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩ ﴾([2]).
- ذِكرُ بَعضِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ
ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ فَخَاطَبَهُم بَعدَمَا أَنجَاهُم مِنَ البَحرِ وَأَهلَكَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَقَالَ: ﴿ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ ﴾ فِرعَونَ وَقَومِهِ بِإِغرَاقِهِم ﴿ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ ﴾ بِإِيتَاءِ مُوسَى التَّورَاةَ لِلعَمَلِ بِهَا ﴿ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاعَدَ مُوسَى أَن يَأتِيَ هَذَا المَكَانَ وَيَختَارَ سَبعِينَ رَجُلًا يَحضُرُونَ مَعَهُ لِنُزُولِ التَّورَاةِ، وَإِنَّمَا نَسَبَ إِلَيهِمُ المُوَاعَدَةَ لِأَنَّهَا كَانَت لِنَبِيِّهِم وَنُقَبَائِهِم وَإِلَيهِم رَجَعَت مَنَافِعُهَا الَّتِي قَامَ بِهَا شَرعُهُم وَدِينُهُم ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ﴾ فِي التِّيهِ ﴿ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ٨٠ ﴾ وَالمَنُّ هُوَ التَّرَنجَبِينُ، وَهُوَ شَيءٌ كَالصِّمغِ يُشبِهُ العَسَلَ، وَكَانَ يَنزِلُ عَلَيهِم كُلَّ لَيلَةٍ مِثلَ الثَّلجِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمسِ لِكُلِّ إِنسَانٍ صَاعٌ، وَالسَّلوَى هُوَ طَائِرُ السُّمَانَى، نَوعٌ مِنَ الطَّيرِ وَهُوَ الفِرِّي.
﴿ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ﴾ أَيِ المُنعَمِ بِهِ عَلَيكُم مِن حَلَالِ الرِّزقِ ﴿ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ ﴾ وَلَا تَتَعَدَّوا حُدُودَ اللهِ فِيهِ بِأَن تَكفُرُوا النِّعَمَ وَتُنفِقُوهَا فِي المَعَاصِي، أَو لَا يَظلِمْ بَعضُكُم بَعضًا ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ ﴾ فَتَنزِلَ عَلَيكُم عُقُوبَتِي ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ٨١ ﴾ هَلَكَ، أَو سَقَطَ سُقُوطًا لَا نُهُوضَ بَعدَهُ، أَو سَقَطَ فِي النَّارِ، وَأَصلُهُ أَن يَسقُطَ مِن جَبَلٍ فَيَهلِكَ، وَتَحقِيقُهُ: سَقَطَ مِن شَرَفِ الإِيمَانِ إِلَى حُفرَةٍ مِن حُفَرِ النِّيرَانِ.
﴿ وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ ﴾ الغَفَّارُ: الَّذِي يَغفِرُ ذُنُوبَ عِبَادِهِ مَرَّةً بَعدَ أُخرَى، فَكُلَّمَا تَكَرَّرَت ذُنُوبُهُم تَكَرَّرَت مَغفِرَتُهُ ﴿ لِّمَن تَابَ ﴾ عَنِ الشِّركِ ﴿ وَءَامَنَ ﴾ وَحَّدَ اللهَ تَعَالَى وَصَدَّقَهُ فِيمَا أَنزَلَ ﴿ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ﴾ أَدَّى الفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ٨٢ ﴾ ثُمَّ استَقَامَ وَثَبَتَ عَلَى الهُدَى المَذكُورِ وَهُوَ التَّوبَةُ وَالإِيمَانُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ وَاستَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى المَوتِ.
- ذِكرُ مُوَاعَدَةِ اللهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لِإِنزَالِ التَّورَاةِ عَلَيهِ وَإِضلَالِ السَّامِرِيِّ لِبَعضِ بَنِي إِسرَائِيلَ
وَلَمَّا نَجَّى اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسرَائِيلَ وَأَغرَقَ فِرعَونَ قَالُوا: يَا مُوسَى، لَو أَتَيتَنَا بِكِتَابٍ مِن عِندِ اللهِ فِيهِ الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَالفَرَائِضُ، فَأَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيهِ يَعِدُهُ أَنَّهُ يُنزِلُ عَلَيهِ ذَلِكَ فِي المَوضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فَاختَارَ سَبعِينَ وَذَهَبُوا مَعَهُ إِلَى الطُّورِ لِأَخذِ التَّورَاةِ، فَعَجِلَ مُوسَى مِن بَينِهِم وَسَبَقَهُم شَوقًا إِلَى كَلَامِ رَبِّهِ، وَأَمَرَهُم بِلَحَاقِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿✵([3])۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٨٣ ﴾ أَي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَن تَسبِقَ السَّبعِينَ الَّذِينَ اخْتَرتَهُم لِمَجِيءِ مِيعَادِ أَخذِ التَّورَاةِ.
﴿ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ ﴾ أَي بِالقُربِ مِنِّي وَلَيسَ بَينِي وَبَينَهُم إِلَّا مَسَافَةٌ يَسِيرَةٌ يَأتُونَ ﴿ عَلَىٰٓ أَثَرِى ﴾ أَي خَلفِي يَلحَقُونَ بِي، ثُمَّ قَالَ: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ ﴾ أَي إِلَى المَوعِدِ الَّذِي وَعَدتَ ﴿ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ٨٤ ﴾ أَي لِتَزدَادَ رِضًا عَنِّي، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجتِهَادِ.
﴿ قَالَ ﴾ تَعَالَى: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ﴾ أَلقَينَاهُم فِي فِتنَةٍ وَابتَلَينَاهُم بِعِبَادَةِ العِجلِ([4]) ﴿ مِنۢ بَعْدِكَ ﴾ بَعدَ خُرُوجِكَ مِن بَينِهِم وَفِرَاقِكَ لَهُم، وَهُمُ الَّذِين خَلَّفَهُم مَعَ هَارُونَ ﴿ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ٨٥ ﴾ أَي كَانَ سَبَبًا فِي إِضلَالِهِم بِدُعَائِهِ إِيَّاهُم إِلَى عِبَادَةِ العِجلِ وَإِجَابَتِهِم لَهُ، وَهُوَ مَنسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا: السَّامِرَةُ، وَقِيلَ كَانَ عِلجًا([5]) مِن كَرمَانَ([6]) وَاسمُهُ مُوسَى بنُ ظَفَرٍ، وَكَانَ مُنَافِقًا.
﴿ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ ﴾ مِن مُنَاجَاةِ رَبِّهِ بَعدَمَا استَوفَى الأَربَعِينَ وَأَخَذَ التَّورَاةَ ﴿ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ ﴾ مِن جِهَتِهِم شَدِيدَ الغَضَبِ عَلَيهِم ﴿ أَسِفًۭا ۚ ﴾ شَدِيدَ الحُزنِ بِمَا فَعَلُوا ﴿ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ ﴾ أَي صِدقًا أَنَّهُ يُعطِيكُمُ التَّورَاةَ الَّتِي فِيهَا هُدًى وَنُورٌ، وَكَانَت أَلفَ سُورَةٍ، كُلُّ سُورَةٍ أَلفُ آيَةٍ، يَحمِلُ أَسفَارَهَا سَبعُونَ جَمَلًا، وَلَا وَعدَ أَحسَنُ مِن ذَلِكَ ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ ﴾ أَي مُدَّةُ مُفَارَقَتِي إِيَّاكُم ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ ﴾ يَجِبَ ﴿ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ بِعِبَادَتِكُمُ العِجلَ، أَي أَأَرَدتُم أَن تَصنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكُم ﴿ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ٨٦ ﴾ وَعَدُوهُ أَن يُقِيمُوا عَلَى أَمرِهِ وَمَا تَرَكَهُم عَلَيهِ مِنَ الآيَاتِ فَأَخلَفُوا مَوعِدَهُ بِاتِّخَاذِ العِجلِ.
﴿ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ أَي بِقُدرَتِنَا، أَو أَمرِنَا، أَي لَو مَلَكنَا أَمرَنَا وَخُلِّينَا وَرَأيَنَا لَمَا أَخلَفنَا مَوعِدَكَ، وَلَكِنَّا غُلِبنَا مِن جِهَةِ السَّامِرِيِّ وَكَيدِهِ ﴿ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا ﴾ أَثقَالًا ﴿ مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ مِن حُلِيِّ القِبطِ قَومِ فِرعَونَ الَّتِي استَعَرنَاهَا مِنهُم حِينَ هَمَمنَا بِالخُرُوجِ مِن مِصرَ بِاسمِ العُرسِ وَبَقِيَت عِندَنَا، أَو أَرَادَ بِالأَوزَارِ أَنَّهَا آثَامٌ وَتَبِعَاتٌ لِأَنَّهُم قَدِ استَعَارُوهَا لَيلَةَ الخُرُوجِ مِن مِصرَ بِعِلَّةِ أَنَّ لَنَا غَدًا عِيدًا، فَقَالَ السَّامِرِيُّ إِنَّمَا حُبِسَ مُوسَى لِشُؤمِ حُرمَتِهَا لِأَنَّهُم كَانُوا مَعَهُم فِي حُكمِ المُستَأمَنِينَ فِي دَارِ الحَربِ وَلَيسَ لِلمُستَأمَنِ أَن يَأخُذَ مَالَ الحَربِيِّ، عَلَى أَنَّ الغَنَائِمَ لَم تَكُن تَحِلُّ حِينَئِذٍ فَأَحرَقُوهَا فَخَبَّأَ فِي حُفرَةِ النَّارِ قَالِبَ عِجلٍ فَانصَاغَت عِجلًا مُجَوَّفًا فَخَارَ بِدُخُولِ الرِّيحِ فِي مَجَارٍ مِنهُ أَشبَاهِ العُرُوقِ. وَقِيلَ نَفَخَ فِيهِ تُرَابًا مِن مَوضِعِ قَوَائِمِ فَرَسِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَومَ الغَرقِ وَهُوَ فَرَسُ حَيَاةٍ فَحَيَّ فَخَارَ وَمَالَت طِبَاعُهُم إِلَى الذَّهَبِ فَعَبَدُوهُ. قَالُوا ﴿ فَقَذَفْنَـٰهَا ﴾ فِي نَارِ السَّامِرِيِّ الَّتِي أَوقَدَهَا فِي الحُفرَةِ وَأَمَرَنَا أَن نَطرَحَ فِيهَا الحُلِيَّ ﴿ فَكَذَٰلِكَ ﴾ كَمَا أَلقَينَا ﴿ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ٨٧ ﴾ مَا مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ فِي النَّارِ، أَو مَا مَعَهُ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي أَخَذَهُ مِن أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ ﴾ السَّامِرِيُّ مِنَ الحُفرَةِ ﴿ عِجْلًۭا ﴾ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الحُلِيِّ الَّتِي سَبَكَتهَا النَّارُ ابتِلَاءً ﴿ جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ ﴾ صَوتٌ يُسمَعُ وَكَانَ يَخُورُ كَمَا تَخُورُ العَجَاجِيلُ، انقَلَبَ كَذَلِكَ بِسَبَبِ التُّرَاب الَّذِي أَثَرُهُ الحَيَاةُ فِيمَا يُوضَعُ فِيهِ وَوَضَعَهُ بَعدَ صَوغِهِ فِي فَمِهِ ﴿ فَقَالُوا۟ ﴾ أَيِ السَّامِرِيُّ وَأَتبَاعُهُ الَّذِينَ افتُتِنُوا ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ٨٨ ﴾ أَي فَنَسِيَ مُوسَى رَبَّهُ هُنَا وَذَهَبَ يَطلُبُه عِندَ الطُّورِ([7])، فَأَجَابَ عَامَّتُهُم إِلَّا اثْنَي عَشَرَ أَلفًا.
﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا ﴾ أَي أَنَّهُ لَا ﴿ يَرْجِعُ ﴾ العِجلُ ﴿ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا ﴾ كَلَامًا وَلَا يَرُدُّ عَلَيهِم جَوَابًا ﴿ وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا ﴾ أَي دَفعَهُ ﴿ وَلَا نَفْعًۭا ٨٩ ﴾ أَي جَلبَهُ، أَي هُوَ عَاجِزٌ عَنِ الخِطَابِ وَالضَّرِّ وَالنَّفعِ فَكَيفَ تَتَّخِذُونَهُ إِلَهًا؟! وَقِيلَ إِنَّهُ مَا خَارَ إِلَّا مَرَّةً.
([4]) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَيرَ وَالشَّرَّ وَالإِيمَانَ وَالكُفرَ، شَاءَ لِلمُؤمِنِ الإِيمَانَ وَأَمَرَهُ بِهِ، وَشَاءَ لِلكَافِرِ الكُفرَ وَنَهَاهُ عَنهُ، لَكِنِ الكُلُّ بِخَلقِهِ وَإِرَادَتِهِ.
([5]) “عِلْجًا”: أَي وَاحِدًا مِن كُفَّارِ العَجَمِ.
([6]) كَرمَانُ بِفَتحِ الكَافِ اسمُ بَلَدٍ بِفَارِس.
([7]) يَجِبُ اعتِقَادُ أَنَّ أَنبِيَاءَ اللهِ تعالى تَجِبُ لَهُمُ العِصمَةُ مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، فَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ عَن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ هُنَا هُوَ مَحضُ كَذِبٍ وَافتِرَاءٍ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، فَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ أَن يُضَيِّعَ رَبَّهُ أَو أَن لَا يَكُونَ عَارِفًا بِهِ، بَل كُلُّهُم مُوَحِّدُونَ مُؤمِنُونَ مُوقِنُونَ بِاللهِ تَعَالَى يَعرِفُونَهُ حَقَّ المَعرِفَةِ سُبحَانَهُ، وَصَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم أَجمَعِينَ.