- ذِكرُ عِنَادِ فِرعَونَ وَعَدَمِ إِجَابَتِهِ الدَّعوَةَ
﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ٤٩ ﴾ وَإِنَّمَا خَاطَبَ الِاثنَينِ وَخَصَّ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ الأَصلُ وَهَارُونُ وَزِيرُهُ وَتَابِعُهُ، وَلِإِدلَالِهِ عَلَيهِ بِالتَّربِيَةِ.
﴿ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ مِنَ الخَلقِ وَالأَنوَاعِ ﴿ خَلْقَهُۥ ﴾ أَيْ أَعطَى كُلَّ شَىءٍ صُورَتَهُ وَشَكلَهُ الَّذِي يُطَابِقُ المَنفَعَةَ المَنُوطَةَ بِهِ كَمَا أَعطَى العَينَ الهَيئَةَ الَّتِي تُطَابِقُ الإِبصَارَ وَالأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوَافِقُ الِاستِمَاعَ وَكَذَا الأَنْفَ وَالرِّجْلَ وَاليَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهَا مُطَابِقٌ لِلْمَنْفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهَا ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ ﴾ عَرَّفَ كَيفَ يَرتَفِقُ بِمَا أُعطِيَ لِلمَعِيشَةِ فِي الدُّنيَا وَالسَّعَادَةِ فِي العُقبَى، فَإِن قِيلَ: مَا وَجهُ الِاحتِجَاجِ عَلَى فِرعَونَ مِن هَذَا؟ فَالجَوَابُ: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ وُجُودُ خَلقٍ وَهِدَايَةٍ، فَلَا بُدَّ مِن خَالِقٍ وَهَادٍ([1])، وَالخَلَائِقُ كُلُّهُم مُفتَقِرُونَ إِلَيهِ وَمُحتَاجُونَ إِلَيهِ، وَلِذَلِكَ بُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَأُفحِمَ عَنِ الدَّخَلِ عَلَيهِ([2]) فَلَم يَرَ إِلَّا صَرفَ الكَلَامِ عَنهُ.
﴿ قَالَ ﴾ فِرعَونُ ﴿ فَمَا بَالُ ﴾ حَالُ ﴿ ٱلْقُرُونِ ﴾ الأُمَمِ ﴿ ٱلْأُولَىٰ ٥١ ﴾ السَّابِقَةِ، سَأَلَهُ عَن حَالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ كَقَومِ نُوحٍ وَهُودٍ وَلُوطٍ وَصَالِحٍ فِي عِبَادَتِهِمُ الأَوثَانَ، وَعَن شَقَاءِ مَن شَقِيَ مِنهُم وَسَعَادَةِ مَن سَعِدَ.
﴿ قَالَ ﴾ مُوسَى مُجِيبًا: ﴿ عِلْمُهَا ﴾ أَي عِلمُ حَالِهِم مَحفُوظٌ ﴿ عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ ﴾ هُوَ اللَّوحُ المَحفُوظُ يُجَازِيهِم عَلَيهَا يَومَ القِيَامَةِ، أَي هَذَا سُؤَالٌ عَنِ الغَيبِ وَقَدِ استَأثَرَ اللهُ بِهِ لَا يَعلَمُهُ إِلَّا هُوَ وَمَا أَنَا إِلَّا عَبدٌ لَا أَعلَمُ مِنهُ إِلَّا مَا أَخبَرَنِي بِهِ عَلَّامُ الغُيُوبِ، وَعِلمُ أَحوَالِ القُرُونِ مَكتُوبٌ عِندَ اللهِ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ ﴿ لَّا يَضِلُّ ﴾ لَا يُخطِئُ ﴿ رَبِّى ﴾ عَن شَىءٍ، يُقَالُ: ضَلَلتُ الشَّىءَ إِذَا أَخطَأتُهُ فِي مَكَانِهِ فَلَم أَهتَدِ لَهُ، أَي لَا يُخطِئُ فِي سَعَادَةِ النَّاسِ وَشَقَاوَتِهِم ﴿ وَلَا يَنسَى ٥٢ ﴾ رَبِّي شَيئًا مِن ثَوَابِهِم وَعِقَابِهِم([3]).
- ذِكرُ بَعضِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ
هُوَ ﴿ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ﴾ فِي جُملَةِ الخَلقِ ﴿ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا ﴾ فَرشًا ﴿ وَسَلَكَ ﴾ أَي جَعَلَ وَسَهَّلَ ﴿ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا ﴾ طُرُقًا ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ﴾ أَي مَطَرًا([4])([5]) ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ ﴾ بِالمَاءِ، قِيلَ: تَمَّ كَلَامُ مُوسَى عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَا يَنسَى ٥٢ ﴾ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَنْ إِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يُحْدِثُ لَهُمْ مِنَ الغَيثِ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ﴿ أَزْوَٰجًۭا ﴾ أَصنَافًا ﴿ مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ٥٣ ﴾ أَي مِنَ النَّبَاتِ المُختَلِفِ الأَزوَاجِ وَالأَلوَانِ وَالطُّعُومِ، أَي إِنَّهَا مُختَلِفَةُ النَّفعِ وَاللَّونِ وَالرَّائِحَةِ وَالشَّكلِ، بَعضُهَا لِلنَّاسِ وَبَعضُهَا لِلبَهَائِمِ، وَمِن نِعمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ أَرزَاقَنَا تَحصُلُ بِعَمَلِ الأَنعَامِ، وَقَد جَعَلَ اللهُ عَلَفَهَا مِمَّا يَفضُلُ عَن حَاجَتِنَا مِمَّا لَا نَقدِرُ عَلَى أَكلِهِ.
﴿ كُلُوا۟ ﴾ مِنهَا ﴿ وَٱرْعَوْا۟ ﴾ أَمرٌ لِلإِبَاحَةِ ﴿ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ ﴾ فِيهَا مِن إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَالمَعنَى أَخرَجنَا أَصنَافَ النَّبَاتِ آذِنِينَ فِي الِانتِفَاعِ بِهَا مُبِيحِينَ أَن تَأكُلُوا بَعضَهَا وَتَعلِفُوا بَعضَهَا ﴿ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا ﴿ لَـَٔايَـٰتٍۢ ﴾ لَدِلَالَاتٍ وَعِبَرًا ﴿ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ٥٤ ﴾ لِأَصحَابِ العُقُولِ، جَمعُ نُهْيَةٍ، سُمِّيَ بِهَا العَقلُ لِأَنَّهَا تَنهَى صَاحِبَهَا عَنِ المَحظُورِ وَالقَبَائِحِ، أَو لِأَنَّهُ يُنْتَهَى إِلَيهَا فِي الأُمُورِ.
﴿✵([6])۞ مِنْهَا ﴾ مِنَ الأَرضِ ﴿ خَلَقْنَـٰكُمْ ﴾ بِخَلقِ أَبِيكُم آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنهَا ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ إِذَا مُتُّم فَدُفِنتُم ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ ﴾ عِندَ البَعثِ ﴿ تَارَةً ﴾ مَرَّةً ﴿ أُخْرَىٰ ٥٥ ﴾ كَمَا أَخرَجنَاكُم عِندَ ابتِدَاءِ خَلقِكُم، عَدَّدَ اللهُ عَلَيهِم مَا فِي الأَرضِ مِن مَرَافِقِهَا، حَيثُ جَعَلَهَا لَهُم فِرَاشًا وَمِهَادًا يَتَقَلَّبُونَ عَلَيهَا، وَسَوَّى لَهُم فِيهَا مَسَالِكَ يَتَرَدَّدُونَ فِيهَا كَيفَ شَاؤُوا، وَأَنبَتَ فِيهَا أَصنَافَ النَّبَاتِ الَّتِي مِنهَا أَقوَاتُهُم وَأَعلَافُ بَهَائِمِهِم، وَهِيَ أَصلُهُمُ الَّذِي مِنهُ تَفَرَّعُوا، وَهِيَ كِفَاتُهُم إِذَا مَاتُوا.
- ذِكرُ تَكَبُّرِ فِرعَونَ عَن إِجَابَةِ الدَّعوَةِ وَتَجَبُّرِهِ وَمُحَاوَلَتِهِ مُعَارَضَةَ المُعجِزَةِ بِالسِّحرِ
﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ﴾ أَي أَبصَرنَا فِرعَونَ ﴿ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا ﴾ وَهِيَ تِسعُ آيَاتٍ: العَصَا وَاليَدُ وَفَلقُ البَحرِ وَالحَجَرُ وَالجَرَادُ وَالقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ وَنَتقُ الجَبَلِ ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ بِالآيَاتِ وَزَعَمَ أَنَّهَا سِحرٌ ﴿ وَأَبَىٰ ٥٦ ﴾ قَبُولَ الحَقِّ وَأَن يُوَحِّدَ اللهَ تَعَالَى.
﴿ قَالَ ﴾ فِرعَونُ ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا ﴾ مِصرَ وَتَغلِبَنَا عَلَيهَا وَيَكُونَ لَكَ المُلكُ فِيهَا ﴿ بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٥٧ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَافَ مِنهُ خَوفًا شَدِيدًا، وَقَولُهُ: بِسِحرِكَ تَعَلُّلٌ أَي تَموِيهٌ وَتَلبِيسٌ، وَإِلَّا فَأَيُّ سَاحِرٍ يَقدِرُ عَلَى أَن يُخرِجَ مَلِكًا مِن أَرضِهِ.
﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ ﴾ أَي فَلَنُعَارِضَنَّكَ بِسِحرٍ مِثلِ سِحرِكَ ﴿ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا ﴾ أَي مَكَانَ مَوعِدٍ لِذَلِكَ ﴿ لَّا نُخْلِفُهُۥ ﴾ لَا نُجَاوِزُهُ وَلَا يَقَعُ مِنَّا خِلَافٌ فِي حُضُورِهِ ﴿ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ ﴾ المَعنَى اجعَل بَينَنَا وَبَينَكَ وَعدًا لَا نُخلِفُهُ ﴿ مَكَانًۭا سُوًۭى ٥٨ ﴾ أَي مُنَصَّفًا بَينَنَا وَبَينَكَ وَسَطًا تَستَوِي إِلَيهِ مَسَافَةُ الجَائِي مِنَ الطَّرَفَينِ.
﴿ قَالَ ﴾ مُوسَى ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ ﴾ وَهُوَ يَومُ عِيدٍ كَانَ لَهُم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ وَيَخرُجُونَ، وَإِنَّمَا استَقَامَ الجَوَابُ بِالزَّمَانِ وَإِن كَانَ السُّؤَالُ عَنِ المَكَانِ لِأَنَّ اجتِمَاعَهُم يَومَ الزِّينَةِ يَكُونُ فِي مَكَانٍ لَا مَحَالَةَ، فَبِذِكرِ الزَّمَانِ عُلِمَ المَكَانُ، وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ لِأَنَّهُ اليَومُ الَّذِي يَجتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ، فَيَظهَرُ الحَقُّ وَيَزهَقُ البَاطِلُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ وَيَشِيعُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ البِلَادِ ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ﴾ يُجمَعَ ﴿ ٱلنَّاسُ ﴾ أَهلُ مِصرَ ﴿ ضُحًۭى ٥٩ ﴾ أَي وَقتَ الضَّحوَةِ لِنَكُونَ أَبعَدَ عَنِ الرِّيبَةِ وَأَبيَنَ لِكَشفِ الحَقِّ وَلِيَشِيعَ فِي جَمِيعِ أَهلِ الوَبرِ وَالمَدَرِ([7]).
- ذِكرُ قِصَّةِ يَومِ الزِّينَةِ وَانقِلَابِ العَصَا حَيَّةً
﴿ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ ﴾ أَدبَرَ عَن مُوسَى مُعرِضًا ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ﴾ مَكرَهُ وَسَحَرَتَهُ، وَكَانُوا اثنَينِ وَسَبعِينَ، أَو أَربَعَمِائَةٍ، أَو سَبعِينَ أَلفًا ﴿ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠ ﴾ حَضَرَ بِهِم إِلَى المَوعِدِ.
﴿ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ ﴾ أَي لِلسَّحَرَةِ ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ أَي أَلزَمَكُم اللَّهُ الوَيلَ ﴿ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴾ لَا تَدَّعُوا آيَاتِهِ وَمُعجِزَاتِهِ سِحرًا ﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ يُهلِكَكُم وَيُعدِمَكُم وَيَستَأصِلَكُم ﴿ بِعَذَابٍۢ ۖ ﴾ عَظِيمٍ ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾ خَسِرَ ﴿ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ٦١ ﴾ كَذَبَ عَلَى اللهِ.
﴿ فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ ﴾ اختَلَفُوا ﴿ أَمْرَهُم ﴾ أَيِ السَّحَرَةُ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ فِي مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، فَقَالَ بَعضُهُم: هُمَا سَاحِرَانِ مِثلُنَا، وَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ هَذَا بِكَلَامِ السَّحَرَةِ ﴿ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ٦٢ ﴾ أَي تَشَاوَرُوا فِي السِّرِّ وَقَالُوا: إِنْ كَانَ سَاحِرًا فَسَنَغلِبُهُ، وَإِن كَانَ مِنَ السَّمَاءِ فَلَهُ أَمرٌ.
ثُمَّ لَفَّقُوا هَذَا الكَلَامَ: فـ﴿ قَالُوٓا۟ ﴾ لِأَنفُسِهِم ﴿ إِنْ هَـٰذَٰنِ ﴾ أَي مُوسَى وَهَارُونُ ﴿ لَسَـٰحِرَٰنِ ﴾ أَي مَا هُمَا إِلَّا سَاحِرَانِ ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم ﴾ مِصرَ ﴿ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ﴾ بِدِينِكُم وَشَرِيعَتِكُمُ ﴿ ٱلْمُثْلَىٰ ٦٣ ﴾ الفُضلَى.
﴿ فَأَجْمِعُوا۟ ﴾ فَأَحكِمُوا، أَيِ اجعَلُوهُ مُجمَعًا عَلَيهِ حَتَّى لَا تَختَلِفُوا ﴿ كَيْدَكُمْ ﴾ هُوَ مَا يُكَادُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ سِحرُهُم وَمَكرُهُم ﴿ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ﴾ مُصطَفِّينَ، لِأَنَّهُ أَهيَبُ فِي صُدُورِ الرَّائِينَ ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ﴾ فَازَ ﴿ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ٦٤ ﴾ غَلَبَ، فَاجتَهِدُوا أَن تَستَعلُوا.
﴿ قَالُوا۟ ﴾ أَيِ السَّحَرَةُ ﴿ يَـٰمُوسَىٰٓ ﴾ اختَر: ﴿ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ ﴾ عَصَاكَ أَوَّلًا ﴿ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ٦٥ ﴾ مَا مَعَنَا، مَعنَاهُ: اختَرْ أَحَدَ الأَمرَينِ.
فَـ﴿ قَالَ ﴾ مُوسَى: ﴿ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ ﴾ أَنتُم أَوَّلًا، وَلَيسَ هَذَا رِضًا مِنهُ بِمَا يَفعَلُونَهُ، بَل هُوَ تَهَكُّمٌ بِهِم وَازدِرَاءٌ لِشَأنِهِم وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِم وَاعتِمَادٌ عَلَى أَنَّ المُعجِزَةَ لَن يَغلِبَهَا سِحرٌ أَبَدًا، أَي فَسَتَرَونَ مَا يَحُلُّ بِكُم مِنَ الخِزيِ، وَلَم يَكُن هَذَا أَمرًا بِتَنفِيذِ السِّحرِ وَرِضًا بِهِ، وَلَكِنَّهُ تَهدِيدٌ، وَقِيلَ: كَانَ أَمرًا عَلَى وَجهِ التَّعجِيزِ، فَلَمَّا أَبرَزُوا مَا مَعَهُم مِن مَكَايِدِ السِّحرِ سَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وَاستَرهَبُوهُم وَأَلقَوا حِبَالَهُم وَعِصِيَّهُمُ الَّتِي كَانَت مَعَهُم وَهُم يَقُولُونَ: بِعِزَّةِ فِرعَونَ إِنَّا لَنَحنُ الغَالِبُونَ ﴿ فَإِذَا ﴾ أَي فَفَاجَأَ مُوسَى ﴿ حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ أَي سَعيُ حِبَالِهِم وَعِصِيِّهِم ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ إِلَى مُوسَى ﴿ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا ﴾ حَيَّاتٌ ﴿ تَسْعَىٰ ٦٦ ﴾ عَلَى بُطُونِهَا، وَلَم يَسحَرُوا عَينَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا هُوَ تَخَيُّلُ العَينِ، رُوِيَ أَنَّهُم لَطَّخُوهَا بِالزِّئبَقِ فَلَمَّا ضَرَبَت عَلَيهَا الشَّمسُ اضطَرَبَت وَاهتَزَّت فَخَيَّلَت ذَلِكَ([8]).
﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ أَحَسَّ وَوَجَدَ ﴿ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ٦٧ ﴾ كَانَ خَوفَ طَبِيعَةٍ، وَالعَاقِلُ قَد يَخَافُ طَبعًا عِندَ رُؤيَةِ الأَشيَاءِ الفَظِيعَةِ فِي أَوَّلِ الأَمرِ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ فَيَسكُنُ، أَو خَافَ أَن يَفتَتِنَ النَّاسُ بِسِحرِهِم قَبلَ أَن يُلقِيَ.
وَلَكِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ثَبَّتَهُ أَمَامَ هَذَا الجَمعِ مِنَ السَّحَرَةِ وَأَوحَى إِلَيهِ فَقَالَ: ﴿ قُلْنَا ﴾ لَهُ ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ٦٨ ﴾ أَيِ الغَالِبُ القَاهِرُ([9]).
﴿ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ ﴾ أَي عَصَاكَ ﴿ تَلْقَفْ ﴾ تَبتَلِع ﴿ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ ﴾ وَافتَعَلُوا زُورًا، أَيِ اطرَح عَصَاكَ تَبتَلِع عِصِيَّهُم وَحِبَالَهُم، وَلَم يَقُل عَصَاكَ تَعظِيمًا لَهَا، أَي لَا تَحتَفِل بِمَا صَنَعُوا فَإِنَّ مَا فِي يَمِينِكَ أَعظَمُ مِنهَا، أَو تَحقِيرًا لِعَمَلِهِم، أَي لَا تُبَالِ بِكَثرَةِ حِبَالِهِم وَعِصِيِّهِم وَأَلقِ العُوَيدَ الفَردَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ فَإِنَّهُ بِقُدرَتِنَا يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحدَتِهِ وَكَثرَتِهَا ﴿ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ ﴾ وَالكَيدُ: المَكرُ وَالحِيلَةُ، وَإِنَّمَا وَحَّدَ ﴿ سَـٰحِرٍۢ ۖ ﴾ وَلَم يَجمَع لِأَنَّ القَصدَ فِي هَذَا الكَلَامِ إِلَى مَعنَى الجِنسِيَّةِ لَا إِلَى مَعنَى العَدَدِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَولِهِ: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ ﴾ أَي هَذَا الجِنسُ ﴿ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ٦٩ ﴾ أَينَمَا كَانَ، أَو حَيثُ أَتَى بِسِحرِهِ، فَأَلقَى مُوسَى عَصَاهُ فَابتَلَعَت كُلَّ مَا صَنَعُوهُ.
([1]) هَذَا مِنَ المَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا سُؤَالُ فِرعَونَ عَن رَبِّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَتُبَيِّنُ اعتِقَادَ مُوسَى فِي اللهِ أَنَّهُ الخَالِقُ الَّذِي لَا يُشبِهُ مَخلُوقَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعتَقِدُ فِي اللهِ تَعَالَى كَونَهُ فِي السَّمَاءِ أَو فِي مَكَانٍ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «إِنَّ فِرعَونَ لَمَّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الإِلَهِ تَعَالَى مِن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَزِد مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى ذِكرِ صِفَةِ الخَالِقِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٣ ﴾، [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:23]، فَفِي المَرَّةِ الأُولَى قَالَ: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤ ﴾، [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:24]، وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٦ ﴾، [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:26]، وَفِي المَرَّةِ الثَّالِثَةِ: ﴿ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ٢٨ ﴾، [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:28]، وَكُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الخَالِقِيَّةِ، وَأَمَّا فِرعَونُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ ٣٦ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ٣٧ ﴾، [سُورَةُ غَافِرٍ:36-37]، فَطَلَبَ الإِلَهَ فِي السَّمَاءِ، فَعَلِمنَا أَنَّ وَصفَ الإِلَهِ بِالخَالِقِيَّةِ وَعَدَمَ وَصفِهِ بِالمَكَانِ وَالجِهَةِ دِينُ مُوسَى وَسَائِرِ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ، وَجَمِيعُ وَصفِهِ تَعَالَى بِكَونِهِ فِي السَّمَاءِ دِينُ فِرعَونَ وَإِخوَانِهِ مِنَ الكَفَرَةِ».
([2]) فِي القَامُوسِ: «الدَّخَلُ بِفَتحَتَينِ: مَا دَاخَلَ الإِنسَانَ مِن فَسَادٍ فِي العَقلِ أَوِ الجِسمِ وَالخَدِيعَةِ وَالعَيبِ فِي الحَسَبِ وَالقَومُ الَّذِينَ يَنتَسِبُونَ إِلَى مَن لَيسُوا مِنهُم»، القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص998).
([3]) فَالنِّسيَانُ الَّذِي هُوَ الذُّهُولُ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِن نَحوِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ ٦٧ ﴾[سُورَةُ التَّوبَةِ:67]، فَهَذَا عَلَى وَجهِ المُقَابَلَةِ، وَمَعنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَرَكَ إِكرَامَهُم لِأَنَّهُم تَرَكُوا طَاعَتَهُ، إِن تَرَكُوا طَاعَةَ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللهَ لَا يَرحَمُهُم، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يُوصَفُ بِالنِّسيَانِ الَّذِي هُوَ الذُّهُولُ، هَذَا لَا يَجُوزُ.
([4]) المَاءُ الَّذِي يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ أَصلُهُ مِن تَحتِ العَرشِ، قَالَ ﷺ: «اللهم اسقِنَا مَاءً مَغزُورًا مِن تَحتِ عَرشِكَ»، رَوَاهُ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ، ثُمَّ عِندَمَا يَنزِلُ المَاءُ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ، لَكِن هَذَا أَصلُهُ.
([5]) تُطْلَقُ كَلِمَةُ المَطَرِ فِي القُرآنِ غَالِبًا عَلَى مَا يَنزِلُ لِلعَذَابِ، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا النِّعْمَةُ وَالغَيثُ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا.اهـ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِوُرُودِ الْمَطَرِ بِمَعْنَى الْغَيْثِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًۭى مِّن مَّطَرٍ ١٠٢ ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ:102]، فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْثُ قَطْعًا، مَعْنَى التَّأَذِّي بِهِ: الْبَلَلُ الْحَاصِلُ مِنْهُ لِلثَّوْبِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ».اهـ
([7]) أَي أَهلِ البَدوِ وَالحَضَرِ، وَالمَدَرُ: القُرَى.
([8]) قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ البَعضِ أَنَّهُم سَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وَعَينَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ حَتَّى تَخَيَّلَ ذَلِكَ مُستَدلًّا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ١١٦ ﴾، [سُورَةُ الأَعرَافِ:116]، وَبِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ٦٦ ﴾، [سُورَةُ طَهَ:66]، فَهَذَا غَيرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ الوَقتَ وَقتُ إِظهَارِ المُعجِزَةِ وَالأَدِلَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبهَةِ، فَلَو صَارَ بِحَيثُ لَا يُمَيِّزُ المَوجُودَ عَنِ الخَيَالِ الفَاسِدِ لَم يَتَمَكَّن مِن إِظهَارِ المُعجِزَةِ، فَحِينَئِذٍ يَفسُدُ المَقصُودُ، فَإِذًا المُرَادُ أَنَّهُ شَاهَدَ شَيئًا لَولَا عِلْمُهُ بِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ الشَّىءِ لَظَنَّ فِيهَا أَنَّهَا تَسعَى». انتَهَى كَلَامُ الرَّازِيِّ، وَليُعلَم أَنَّهُ مِمَّا يَستَحِيلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَأثِيرُ السِّحرِ فِي عُقُولِهِم، فَلَا يَجُوزُ أَن يُعتَقَدَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَثَّرَ السِّحرُ فِي عَقلِهِ، وَأَمَّا تَأثِيرُ السِّحرِ عَلَى جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَد قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: إِنَّهُ جَائِزٌ، فقد وَرَدَ أَنَّ يَهُودِيًّا عَمِلَ السِّحرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَأَلَّمَ الرَّسُولُ ﷺ مِن أَثَرِ ذَلِكَ مِن غَيرِ أَن يُؤَثِّرَ ذَلِكَ فِي عَقلِهِ.