- أَسمَاءُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ: قَد يَكُونُ لِلسُورَةِ اسمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَقَد يَكُونُ لَهَا اسمَانِ فَأَكثَرُ مِن ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهَا، فَإِنَّ كَثرَةَ الأَسمَاءِ دَالَّةٌ عَلَى شَرَفِ المُسَمَّى([1]).اهـ
وَإِنَّ لِسُورَةِ طَهَ أَسمَاءً عِدَّةً مِنهَا:
- سُورَةُ طَهَ: هُوَ أَشهَرُ أَسمَائِهَا، سُمِّيَت بِهِ بَاسِمِ الحَرفَينِ المَنطُوقِ بِهِمَا فِي أَوَّلِهَا، وَوَرَدَت تَسمِيَتُهَا بِهِ أَيضًا فِي كُتُبِ السُّنَّةِ فِي حَدِيثِ إِسلَامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ([2]).
- سُورَةُ التكلِيمِ أَوِ الكَلِيمِ: ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الإِتقَانِ عَن عَلَمِ الدِّينِ السَّخَاوِيِّ([3]).
- سُورَةُ مُوسَى: نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الإِتقَانِ أَيضًا عَنِ الهُذَلِيِّ فِي الكَامِلِ([4]).
- كَونُ سُورَةِ طَهَ مَكِّيَّةً أَم مَدَنِيَّةً([5])
قَالَ القُرطُبِيُّ: «سُورَةُ طَهَ مَكِّيَّةٌ فِي قَولِ الجَمِيعِ، وَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ قَولُ الجُمهُورِ».اهـ([6]). وَاقتَصَرَ ابنُ عَطِيَّةَ وَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ وَلَم يَذكُرُوا خِلَافًا. وَقَالَ البِقَاعِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «هَذِهِ السُّورَةُ وَالَّتِي قَبلَهَا مِن أَقدَمِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ».اهـ([7]) بَل نَقَلَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ الإِجمَاعَ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ([8]).
لَكِن ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الإِتقَانِ أَنَّهُ استُثنِيَ مِنهَا آيَةُ: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ١٣٠ ﴾([9])، وَقَالَ: «الظَّاهِرُ أَن يُستَثنَى مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ١٣١ ﴾».اهـ([10])([11])
- تَرتِيبُ نُزُولِهَا
عُدَّت هَذِهِ السُّورَةُ الخَامِسَةَ وَالأَربَعِينَ فِي تَرتِيبِ النُّزُولِ، نَزَلَت بَعدَ سُورَةِ مَريَمَ وَقَبلَ سُورَةِ الوَاقِعَةِ، وَنَزَلَت قَبلَ إِسلَامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى قَولِ بَعضِ المُفَسِّرِينَ([12]).
- عَدَدُ آيَاتِهَا وَكَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا([13])
- عَدَدُ آيَاتِهَا: عِندَ أَهلِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ: مِائَةٌ وَأَربَعٌ وَثَلَاثُونَ، وَعِندَ أَهلِ الشَّامِ: مِائَةٌ وَأَربَعُونَ، وَعِندَ أَهلِ البَصرَةِ: مِائَةٌ وَاثنَتَانِ وَثَلَاثُونَ، وَعِندَ أَهلِ الكُوفَةِ: مِائَةٌ وَخَمسٌ وَثَلَاثُونَ.
- وَكَلِمَاتُهَا: أَلفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَإِحدَى وَأَربَعُونَ.
- وَحُرُوفُهَا: خَمسَةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَاثنَانِ وَأَربَعُونَ حَرفًا.
- مَوَاضِيعُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ
احتَوَت سُورَةُ طَهَ عَلَى عِدَّةِ مَوَاضِيعَ وَرَمَت إِلَى جُملَةٍ مِنَ الأَغرَاضِ، مِن أَهَمِّهَا:
- التَّحَدِّي بِالقُرآنِ بِذِكرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ فِي مُفتَتَحِهَا.
- التَّنوِيهُ بِأَنَّ القُرءَانَ تَنزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِهِدَايَةِ مَن شَاءَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ.
- بَسطُ الكَلَامِ فِي بَعضِ القَصَصِ القُرآنِيَّةِ، كَقِصَّةِ وِلَادَةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَنَشأَتِهِ، وَتَربِيَةِ فِرعَونَ لَهُ، وَقَتلِهِ القِبطِيَّ، وَتَكلِيمِ اللهِ لَهُ فِي طَرِيقِ عَودَتِهِ إِلَى مِصرَ، وَإِرسَالِ أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ مَعَهُ، وَقِصَّةِ يَومِ الزِّينَةِ، وَقِصَّةِ غَرَقِ فِرعَونَ، وَقِصَّةِ عِبَادَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ العِجلَ، ثُمَّ تَنَاوَلَت قِصَّةَ خَلقِ آدَمَ، وَإِبَاءِ إِبلِيسَ السُّجُودَ، وَهُبُوطِ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الجَنَّةِ، وَغَير ذَلِكَ.
- التَّعرِيضُ بِأَنَّ مَآلَ بِعثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَائِرٌ إِلَى مَا صَارَت إِلَيهِ بِعثَةُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ النَّصرِ عَلَى مُعَانِدِيهِ.
- وَعِيدُ مَن أَعرَضُوا عَنِ القُرآنِ وَلَم تَنفَعهُم أَمثَالُهُ وَمَوَاعِظُهُ.
- تَذكِيرُ النَّاسِ بِعَدَاوَةِ الشَّيطَانِ لِلإِنسَانِ بِمَا تَضَمَّنَتهُ قِصَّةُ خَلقِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
- ذِكرُ سُوءِ الجَزَاءِ فِي الآخِرَةِ لِمَنِ اقتَدَوا بِالشَّيطَانِ وَاتَّبَعُوهُ وَإِنذَارُهُم بِسُوءِ العِقَابِ فِي الدُّنيَا.
- التَّخفِيفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
- إِثبَاتُ البَعثِ.
- تَهوِيلُ يَومِ القِيَامَةِ وَمَا يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوَادِثِ وَالأَهوَالِ.
- مُنَاسَبَةُ سُورَةِ طَهَ لِمَا قَبلَهَا وَلِمَا بَعدَهَا
مُنَاسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ مَا قَبلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ تَيْسِيرَ القُرْآنِ بِلِسَانِ الرَّسُولِ ﷺ أَيْ بِلُغَتِهِ وَكَانَ فِيمَا عَلَّلَ بِهِ قَولُهُ: ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا ٩٧ ﴾([14])، أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ: ﴿ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ٣ ﴾([15]).
وَأَيضًا لَمَّا خُتِمَت سُورَةُ مَريَمَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ٩٨ ﴾([16])، بَعدَ قَولِهِ: ﴿ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا ٩٧ ﴾([17])، وَقَد رَأَى ﷺ مِن تَأَخُّرِ قُرَيشٍ عَنِ الإِسلَامِ وَرَدِّهَا الحَقَّ مَا تَسَبَّبَ بِإِشفَاقِهِ وَخَوفِهِ عَلَيهِم، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ﷺ يُحزِنُهُ تَأخُّرُ إِيمَانِهِم، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ٨٨ ﴾([18])، ثُمَّ بَشَّرَهُ سُبحَانَهُ بِقَولِهِ: ﴿ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ ﴾([19])، فَلَا عَلَيكَ مِن عَدَاوَةِ هَؤُلَاءِ وَتَأَخُّرِهِم، فَسَيَستَجِيبُ مَنْ كَانَ عِندَهُ شَىءٌ مِنَ الخَشيَةِ إِذَا ذُكِّرَ وَحُرِّكَ إِلَى النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللهِ، كَمَا قِيلَ لَهُ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ ٧٦ ﴾([20]).
ثُمَّ أَتبَعَ سُبحَانَهُ ذَلِكَ بِقَولِهِ: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ٥ ﴾([21])، إِلَى أَوَّلِ قَصَصِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، فَأَعلَمَ سُبحَانَهُ أَنَّ كُلَّ شَىءٍ خَلقُهُ وَمِلكُهُ وَتَحتَ قَهرِهِ وَحُكمِهِ، لَا يَشُذُّ شَىءٌ عَن مُلكِهِ، فَإِذَا شَاءَ هِدَايَةً لِمَن وَفَّقَهُ لَم يَصعُب أَمرُهُ فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.
ثُمَّ أَتبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ مِنهُ مِن إِلقَائِهِ صَغِيرًا فِي اليَمِّ، وَمَا جَرَى بَعدَ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الصُّنعِ، وَهَلَاكِ فِرعَونَ، وَظُهُورِ بَنِي إِسرَائِيلَ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ القَصدَ المُتَقَدِّمَ، وَاللهُ أَعلَمُ.
([1]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص187).
([2]) المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج8 ص147).
([3]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص194).
([4]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص199).
([5]) قَالَ السُّيُوطِيُّ: اعلَم أَنَّ لِلنَّاسِ فِي المَكِّيِّ وَالمَدَنِيِّ اصطِلَاحَاتٍ: وَأَشهَرُ الأَقوَالِ فِي أَنَّ المَكِّيَّ مَا نَزَلَ قَبلَ الهِجرَةِ وَالمَدَنِيَّ مَا نَزَلَ بَعدَهَا سَوَاءٌ أَنَزَلَ بِمَكَّةَ أَم بِالمَدِينَةِ عَامَ الفَتحِ أَم عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ أَم بِسَفَرٍ مِنَ الأَسفَارِ، أَخرَجَ عُثمَانُ بنُ سَعدٍ الرَّازِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحيَى بنِ سَلَّامٍ قَالَ: مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَمَا نَزَلَ فِي طَرِيقِ المَدِينَةِ قَبلَ أَن يَبلُغَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَهُوَ مِنَ المَكِّيِّ، وَمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَسفَارِهِ بَعدَمَا قَدِمَ المَدِينَةَ فَهُوَ مِنَ المَدَنِيِّ، وَهَذَا أَثَرٌ لَطِيفٌ يُؤخَذُ مِنهُ أَنَّ مَا نَزَلَ فِي سَفَرِ الهِجرَةِ مَكِّيٌّ اصطِلَاحًا.اهـ الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص37).
([6]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرءَانِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص163).
([7]) نَظمُ الدُّرَرِ فِي تَنَاسُبِ الآيَاتِ وَالسُّوَرِ، لِبُرهَانِ الدِّينِ البِقَاعِيِّ (ج12 ص258).
([8]) بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج1 ص310).
([11]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص61).
([12]) التَّحرِيرُ وَالتَّنوِيرُ، لِابنِ عَاشُورٍ (ج16 ص180).
([13]) بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِلفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج1 ص310).