بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ (1)﴾
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾(2)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الٓمٓر﴾
معناه عن الله سبحانه وتعالى أنا الله أعلمُ وأرى، جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
فائدة:
هذه الأحرُف التي كان بها افتتاحُ بعضِ سورِ القرآن الكريم ويقالُ لها الأحرفُ النورانيّة هذه الأحرف كما تقدّم معنا من أولِ تفسير كتابِ الله عزَّ وجلّ من سورة البقرة ﴿الم﴾ ذكرنا أقوالَ أهلِ التفسيرِ فيها ولا حاجةَ إلى إعادةِ كلِّ ما قالوا إلا أننا نذكر أن من العلماء مَن قال: كلُّ حرفٍ من هذه الحروف يدلُّ على اسمٍ من أسماء الله عزَّ وجلّ صحيح بعضُهم قال: الله أعلم ما هو المعنى المراد بكلِّ حرفٍ من هذه الحروف لكن بعضُهم قال: كلُّ حرفٍ منها يدلُّ على اسمٍ من أسماء الله عزَّ وجلّ ولذلك في بعضِ ما يكون من أنفعِ الشفاء والعلاج من السّحر والحسد وللحفظ وللتَحَصُّن يذكرون أوائلَ هذه السُّوَر التي جاء فيها الافتتاحُ بالأحرف النورانية.
في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿الٓر تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ﴾ وهنا ﴿الٓمٓر﴾ فقالوا: هذه الزيادة الميم، الزيادة هنا يوجد زيادة في المعنى فما هو المعنى هنا؟ أنّ الله أعلمُ وأنّ الله تعالى يرى هذا فيه إثباتُ صفةِ العلم وصفةِ الرؤية لله سبحانه وتعالى معناه عن الله أنا الله أعلمُ وأرى؛ لأن الله سبحانه وتعالى عالِمٌ بكلِّ شىء ولا تخفى على الله سبحانه وتعالى خافِية لا في الأرض ولا في السماء لا في البرّ ولا في البحر ولا في بطنِ حوت ولا في جَوفِ شجرة يعلمُ الله سبحانه وتعالى ويرى، علمُ الله أزليّ ورؤيةُ الله أزليّة، وعندما يستحضرُ الواحدُ منا في كلِّ أوقاتِه أنّ الله تعالى عالِمٌ به مُطَّلِعٌ عليه وأنّ الله تعالى يراه فهذا يزيدُه تَوَكُّلًا على الله سبحانه وتعالى حسبي الله تعالى يراني وعالِمٌ بي وبعد ذلك لا أُبالي لو لم يرَني أحدٌ من الخَلق الله تعالى يراني.
مما جاء في معجزات النبيّ عليه الصلاة والسلام القرآنُ الكريم وهو أعظمُ معجزةٍ لنبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، معجزاتُه عليه الصلاة والسلام بلغت نحو الثلاثة آلاف معجزة لكن أعظمُها القرآنُ الكريم لذلك كانت بعضُ السور أوائلُها مُفتَتَحة بهذه الأحرف قيل كان في ذلك التَّبكيت، المشركون كانوا يقولون نحن أمراءُ العرب البُلَغاء الفُصَحاء جاءهم بشىء لا مرَّ معهم في شعر ولا مرَّ معهم في نثر فهذا من عند الله سبحانه وتعالى فكانت هذه لما تنزل ولها وَقعُها ولذلك كما قلت كما أنّ لها وَقع على المشركين في ذلك الوقت لها وَقع عندما تُتلى على الشياطين تنزلُ عليهم شديدة قد يحترقون بها، لذلك كما قدّمت هذه الآيات الأحرُف النورانية في أوائل السُّوَر في الرقيا الشرعية بالقرآن الكريم كثيرًا ما تُستَعمَل ويكونُ سرُّها كبيرًا جدًّا مجرد أنك تقرأ هذه ﴿الم﴾ ﴿المر﴾ ﴿الر﴾ ﴿ق﴾ ﴿ن﴾ وهكذا.
إذًا على هذا القول الذي مرَّ معنا ﴿الٓمٓر﴾ معناه عن الله أنا الله أعلمُ وأرى وهذا المعنى عندما يستقرُّ في نفوسِنا تتذكر تقرأ ﴿الٓمٓر﴾ تتذكر الله يعلم ويرى، أخلِص لله واعمل كان بعضُ العارفين يقول: (ادفن نفسَك في أرضِ الخمول) معناه حيثُ لا يكون لك ذِكر اعمل لله تعالى ولا تسأل، تقول لم يُقَدِّرني أحد لم يرَني أحد لا أحد يهتمّ لي وما لَك تسألُ عن الناس أليس عملُك لله تعالى فما لَك تسأل الناس ماذا سيقولون عني؟ والناس هؤلاء هم أول مَن سيتركني إن ساروا في جنازتي ثم بعد ذلك يفترقون ماذا سنُفطِر ماذا سنَطعَمُ اليوم وكانوا قبل قليل يبكون على الجنازة ثم يتفرّقون، فأنتَ اذكُر الله يعلم ويرى يستقرُّ هذا المعنى في بالِك إذًا أنت مهما كنتَ في شِدّة مهما كنت في فقر، يا إخوة ما سمِعنا وما رأينا من بعضِ أمهاتِنا في فلسطين كيف منهن مَن فقدت كلَّ أبنائها لكن قُتِلوا في سبيلِ الله وهي تفرح تودِّعُ ولَدَها الشهيد وهي تبكي لكنها تحتسِب ،يجعلُ الله تعالى الصبر في قلوبِ مَن شاء من عبادِه فيكون هذا رحمة ،حُرقَة قلب هذه الأم على ولدِها الشهيد الله تعالى يعلمُ بذلك، إذًا حتى الذي في قلبِك.
﴿تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ﴾
(تلك)
إشارةٌ إلى آيات السورة أي تلك الآيات آياتُ السورةِ الكاملةِ العجيبةِ في بابها فهذه السورة سورةُ الرعد بما فيها من هذه الشواهد هي عجيبةٌ في بابها.
(ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ)
أُريدَ بالكتاب السورة مع أنه بعضُ أهلِ التفسير قال المراد به القرآن لكن هنا اختيرَ هذا القول أنه أُريدَ بالكتاب السورة
أما في يوسف ﴿ تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ ٱلمُبِينِ﴾ أي الظاهر فيه أمرُ الإعجاز والفصاحة والظاهرُ فيه أنه من عند الله تعالى وكان في أحد التفاسير أن ﴿ٱلكِتَٰبِ﴾ في سورة يوسف المراد به السورة
جاء الكتاب في القرآن الكريم على :
معنى الجنس يعني الكتب السماوية
وجاء على معنى التوراة
وجاء على معنى القرآن
وجاء على معنى السورة (أما السورة معناه الجزءُ المخصوص)
فائدة:
في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام أخبار قصة من أعظم القصص لنبيّ كريم سيّدنا يوسف الصَّدّيق عليه الصلاة والسلام بتفاصيل كيف عرَفها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا بوحيٍ من الله فكان في ذلك معجزة للنبيّ عليه الصلاة والسلام.
هنا في سورة الرعد سنشهدُ الإشارةَ إلى الدلائل على وجود الله وعلى وَحدانيّة الله وعلى قدرةِ الله فيُضرَبُ لك المثل بما تشاهده في الأرض حتى من أنواع الزرع وفي السماء من الشمس والقمر والكواكب وذلك على وجه التَّمَدُّحِ لله سبحانه وتعالى فسياقُ الآيات وخصوصًا في بداية سورة الرعد في مدحِ الله سبحانه وتعالى عندَ بيانِ الشواهد والدلائل على قدرة الله سبحانه وتعالى.
﴿ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ﴾
الذي أُنزِلَ إليك من ربِّك القرآن، القرآنُ كلُّه
فائدة:
القرآنُ الكريم الذي كان نزولُه في رمضان في ليلةِ القَدر وكان ذلك الوقت ليلةَ الرابع والعشرين من شهرِ رمضان نزل القرآن الكريم جملةً واحدة من اللوحِ المحفوظ، اللوحُ المحفوظ أين هو؟
بعضُ العلماءِ قال: فوق العرش وبعضُ العلماء قال: تحت العرش ولم يَرِد نَصٌّ صحيحٌ صريحٌ يُعَيِّنُ أحدَ المكانَين له لذلك قيل: الراجح أنه تحت العرش.
اللوحُ المحفوظ كُتِبَ فيه كلُّ ما هو كائن إلى يوم القيامة ولا نقول إلى ما لا نهاية؛ لأنه في الواقع إلى يوم القيامة أما بعد ذلك لم يُكتَب، أليس ينادى في الآخرة يا أهلَ الجنة خلودٌ ولا موت يا أهلَ النار خلودٌ ولا موت، عددُ أنفاسِ أهلِ الجنة لا نهايةَ لها وعددُ أنفاسِ أهلِ النار لا نهاية لها والله يعلم عددَ أنفاسِ أهلِ الجنة وعدد أنفاسِ أهلِ النار ولكن لم يُسَجَّل في اللوح المحفوظ كم عددُ أنفاسِ أهلِ الجنة وكم عددُ أنفاسِ أهلِ النار إنما كُتِبَ كلُّ ما هو كائن إلى يوم القيامة، أسماءُ أهلِ الجنة، وأسماءُ أهلِ النار ،الكتب السماوية ،أرزاقُنا آجالُنا أحوالُنا كلُّ ذلك في اللوح المحفوظ.
في ليلة القَدر في السَّنة التي نزل فيها القرآن، نزل القرآنُ الكريم جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى مكانٍ في السماء الدنيا يقال له بيتُ العِزَّة نزل جملةً واحدة، لذلك تلك الليلة يقالُ لها ليلةُ الشرف ﴿إِنَّآ أَنزَلنَٰهُ فِي لَيلَة مُّبَٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ ثم بعد ذلك تنزَّلَ القرآن الكريم على نبيِّنا عليه الصلاة والسلام في نحو ثلاثٍ وعشرين سنة مُنَجَّمًا في ما بين مكة والمدينة.
﴿ ٱلحَقُّ﴾
أي فما خالف القرآنَ الكريم باطل وليس حقًّا
ولا يَحِقُّ لأحدٍ أن يُحِقَّ الباطلَ وأن يجعلَ الباطلَ حقًّا وأن يقول لأهلِ الباطل الحقُّ فيما يفكرون وفيما يختارون وفيما يعتقدون نقول له: كأنك ما قرأتَ كتابَ الله عزَّ وجلّ ثم جلستَ وصِرتَ تفتي وتتكلم للناس وتعطي الأحكام وتقول لكم الحقّ أن تعبدوا ما تريدون وأن تختاروا ما تريدون ، ليس قولَك أنت ولا قولَ غيرِك، ربُّنا ماذا يقول: ﴿وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ ٱلحَقُّ﴾ هذا هو الحقّ الذي أُنزِلَ من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن عندما ترى حالَ أكثر الناس وترى إعراضَهم وماذا ترى؟ كَثرَةَ الجدال كَثرةَ العناد ترى رَدَّ النصوص خصوصًا في هذا الزمان تجدُ كُلًّا صار يفتي وصار يتكلّم وصارَ يُفسِّرُ الحديث وصارَ يُصَحِّحُ الحديث ويُضَعِّفُ الحديث ويُطلِقُ الأحكام واجب وحرام ومباح ومكروه ومن أين هذا؟
ولذلك حتى يَقرُبَ إليك فَهم ماذا يصير ، الله ماذا يقول: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤمِنُونَ﴾ يذَكرنا بآية كريمة في سورة يوسف في آخر السورة الكريمة ﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ﴾ ولذلك مَن كان على نعمة الإيمان فليَحمَدِ اللهَ سبحانه وتعالى صباحًا ومساءً وبعد ذلك لا يبالي بما فاته من حظِّ الدنيا لماذا؟؛ لأن هذا أجلٌ قصير وفيما سيأتي من الآيات في هذه السورة الكريمة مَزيدُ بيانٍ لطيفٍ جدًّا في بيانِ هذه المعاني فتَسكُنُ النَّفس إليها.
﴿وَلَٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤمِنُونَ﴾
فيقولونَ تَقَوَّلَه محمّد، ثم ذكر ما يُوجِبُ الإيمان، هم يُكَذِّبون نبيَّنا عليه الصلاة والسلام مع أنهم يعلمون أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام ليس شاعرًا ولا ساحرًا ولا كاهنًا وهو نبيٌّ أُمِّيٌّ عليه الصلاة والسلام ثم أليس هم كانوا يقولون عنه الصادقُ الأمين نبيُّنا عليه الصلاة والسلام الصادقُ الأمين ولكن لما نزل عليه هذا الكتاب مع ما فيه وجاء التحدّي لهم يأتوا بسورة عجَزوا بثلاث آيات عجَزوا عنها، إذًا هم كانوا في عَجْزٍ وجاء التحدّي لهم في أكثر من مَوضِع من كتابِ الله سبحانه وتعالى ﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلمَوتَ إِن كُنتُم صَٰدِقِينَ﴾ ما تجرَّأوا أن يتمنَّوا الموت كم جاء من الأخبار؟ ومع ذلك الذي يريد أن يُعاند مهما رأى من الآيات يبقى يعاند.
تنبيه:
رأيتُ بعضًا من سنوات بعضَ المعاندين عندما أُظهِرَت له الأدلة فماذا قال؟ قال: أنا مع فلان، قلت له: فإن كان فلان الذي أنت تَتبَعُه إذا كان يخالِفُ جماعةَ المسلمين يخالِفُ إجماعَ المسلمين فكيف أنت ترضى أن تكونَ معه؟ قال: لو كان في النار أنا أرضى أن أكونَ معه في النار، إذًا هذه أيَّ عصبيَّةٍ صارت، هذه عصبيَّةُ الباطل نحن لماذا نتّبِعُ أئمةَ أهلِ السُّنّةِ والجماعة؟ لماذا؟ سيّدنا الشافعي أنا لماذا أقول سيّدنا الشافعيّ لقرابَةٍ بيني وبين الشافعيّ؟ سيّدنا أبو حنيفة سيّدنا أحمدُ بن حنبل سيّدنا مالكُ بنُ أنس سيّدُنا أبو الحسن الأشعريّ سيّدُنا أبو منصور الماتريديّ سيّدُنا النوويّ سيّدُنا فخرُ الدّينِ الرّازيّ ألقَرابَةٍ بيننا وبينهم أم حبًّا في الله ونُصرَةً لدينِ الله تعالى لأنهم نصروا دينَ الله؟
فاحذَر بعضُ الناسِ يقول لك لكن فلان أتباعُه كثير أما فلان لا يحضُر عندَه إلا قليل وهل العِبرة كانت بالعدَد؟ جيشُ النبيّ عليه الصلاة والسلام يومَ بدرٍ كم كان؟ ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ رجلًا اليوم أصغر قرية في بوادينا فيها أكثر من ثلاثمائة وثلاثة عشر ليس العبرة بالعدد، لكن بعد ذلك عندما حجَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام الذين كانوا معه في الحجّ أكثر من مائة ألف غير الذين لم يأتوا مع النبيّ عليه الصلاة والسلام وقتَ الحجّ.
فإذًا ماذا يقول سيّدُنا عليّ بن أبي طالب في بيانِ ذلك: (لا يُعرَفُ الحقُّ بالرجال ولكنَّ الرجالَ يُعرَفون بالحقّ)
كما قال الفُضَيل بن عياض: (إذا أردتَ أن تَسلُك لا يَغُرَّنَّكَ كَثرَةُ وقِلَّةُ السّالكين)،
لا تَغتَرّ بذلك والفُضَيل من أين جاء به؟ جاء من قَولِه: ﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ﴾
جاء من قولِه: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤمِنُونَ﴾ هكذا قولُ الله سبحانه وتعالى فأنت احرِص أن تبحثَ عن الحقّ وأن تكونَ مع الحقّ ولا تبالي بعد ذلك لو كنتَ وسَط ألف إنسان تكلّموا بباطل وأنت على حقّ لا تخشى في الله لَومةَ لائم مثل ما قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: “قُلِ الحقّ ولو كان مُرًّا”
لا تَهَب بل من علامات كمالِ الإيمانِ للمسلم جُرأتُه في قَولِ الحقّ هذه علامة على كمالِ الإيمان الذي لا يكونُ جريئًا في قَولِ الحقّ يعني يكونُ في مجلس ثم يأتي بعضٌ من هؤلاء الذين يُرَدِّدون عقائدَ اليهود في التشبيه والتجسيم فلا ينبغي أن يسكُت بل لا يجوزُ له أن يسكُت إذا كان قادرًا على أن يُنكِرَ هذا المُنكَر.
ثم بعد هذه الآية الكريمة جاء بعد ذلك ذِكرُ ما يُوجِبُ الإيمان الشَّواهِد الدّلائل العقليّة التي سنبدأ تِباعًا إن شاء الله بذِكرِها.
ثم ذَكر ما يُوجِبُ الإيمانَ فقال:
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾(2)
الله سبحانه وتعالى الذي خلق هذا العالَم والعالَم هو كلُّ ما سِوى الله من دلائلِ قدرةِ الله سبحانه وتعالى أنه رفع السماوات أي خلقها مرفوعةً لا أن تكونَ موضوعةً فرفعها يعني ليست السماء سقفاً مثلًا كان على الأرض ثم بعد ذلك رُفِعَ، ليس سقفًا هابطًا ثم بعد ذلك رُفِعَ إلى فوق إنما السماء خُلِقَت مرفوعة
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾
خلقها مرفوعة هذا يدُلّ على وَحدانيّة الله سبحانه وتعالى
سقفُ بيتٍ بل سقفُ غرفةٍ واحدة كم واحدًا يحتاج حتى يجتمعوا لأجلِ رفعِه؟ ومع ذلك قد يظهرُ مُتَصّدِّعًا متشقِّقًا مشروخًا مائلًا ثم بعد وقت تظهرُ عِلَّةٌ في هذه الزاوية وفي هذه الزاوية سقفُ ، لا أقول فقط سقف بيت، سقفُ غرفة ويكون عدد كثير، نستدِلّ على وَحدانيّة الله سبحانه وتعالى بهذه السماء، السماء على سَعَتِها وامتدادِها وهَيبتِها وعِظَمِها فهذه السماء الله سبحانه وتعالى جعلها سَميكة ولها سَمك وجعلها جسمًا كثيفًا ليست أبخِرة وغازات هذه السماء ليست أبخِرة ليست غازات ليست دُخان بل هذه السماء
﴿بِغَيرِ عَمَد﴾
عَمَد جمعُ عِماد أو عمود كقولك عمود الخيمة
﴿تَرَونَهَا﴾
ترونها إلى أين يرجِعُ الضمير؟ وماذا يحتمِل؟ نَرجِع ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا﴾ هل يرجِعُ الضمير إلى السماوات أم إلى عمد؟ وعلى حسبِ رجوعِ الضمير سيختلفُ التفسير كما أنك تجد على حسب اختلاف القراءة أحيانًا تجدُ اختلافًا في التفسير
١: يوجد قول هو أنّ الضميرُ يعود إلى السماوات ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾
إذًا الضمير ﴿بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا﴾ الضمير يعود إلى السماوات أي ترَونها كذلك نرى السماء بغيرِ أعمِدة وعلى هذا كذلك فلا حاجة إلى البيان السماء نراها من غير أعمدة
٢: ويوجد مَن قال من أهلِ التفسير وإن كان هذا الأول أولى قالوا ﴿تَرَونَهَا﴾ الضمير يرجِع إلى عمَد
تقول وكيف يختلفُ المعنى؟ قالوا: فيكونُ في مَوْضِعِ جَرّ على أنه صِفَة لعَمَد فيصيرُ المعنى أي بغيرِ عمَدٍ مَرئِيّة يعني على قولِهم أنتم لا ترَون العَمَد بقدرةِ الله تعالى يعني على قولِهم يوجد عَمَد لكن أنتم لا ترَونها
لكنَّ القولَ الأولَ الطبريّ يقول أنّه أولى، معناه هذه السماء على سَعَتِها وامتدادِها وعَظَمَتِها الله تعالى رفعها من غير عَمَد ألا يدُلُّ هذا على وَحدانيّة الله
مَن يسألُ عن دليلٍ على وجودِ الله سبحانه وتعالى لكلِّ مَن يُلحِدُ ويُنكرُ وجودَ الله سبحانه وتعالى هل الفِعل يحصلُ من غيرِ فاعل؟ أما ترى في هذا العالَم كأنّ هذا العالَم بيت في ترتيبِه كيف؟ أرض وسقف ويوجد نجوم مصابيح في البيت وهناك نجوم في السماء وشمس وقمر حتى إنّ القمر وجهُه الذي إلينا يُضيءُ الأرض في الليل ووجهُه الذي إلى السماء يضيءُ السماء الله قال: ﴿وَجَعَلَ ٱلقَمَرَ فِيهِنَّ نُورا وَجَعَلَ ٱلشَّمسَ سِرَاجا﴾ وكذلك في بيتِك تدَّخِرُ شيئًا من الذخائر تقول: إذا حصل كذا إذا حصلت مجاعة غذا حصلت ضائقة إذا حصل شىء تدَّخِر وكذلك تجد في داخل الأرض جواهر مخزونة مكنونة من الذّهب والفِضة واليواقيت ثم ترى كذلك في الأرض التي ذَلَّلَها الله سبحانه وتعالى تجد أنواع البهائم والدّوابّ وما تنتفع به والنباتات وفي بيتِك أنواعَ المَتاع، فلو نظرتَ في هذا العالَم ونظرت في بيتِك حتى بيتُك هذا يُذَكِّرُكَ بعظيمِ قدرةِ الله سبحانه وتعالى.
فائدة:
ليس هناك أعمدة ترفع السماء مع أن السماء كما قدَّمت جسم كثيف سميك وليست فضاءً فارغًا بل ولها أبواب والسماء لها سكّان، الملائكة، الملائكة يسكنون السماء بل كما قال عليه الصلاة والسلام: “ما فيها -أي في السماء- مَوضِعُ أربعِ أصابع إلا ومَلَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجد” حتى سيّدنا عيسى عليه السماء أليس رُفِعَ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُم﴾ وأين رُفِعَ في أي سماء سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام؟ في السماء الثانية ويصلّي ثم النبيُّ عليه الصلاة والسلام محمّد عندما أُسرِيَ به من الأرضِ المبارَكة من مكة إلى المسجد الأقصى ثم عُرِجَ به عليه الصلاة والسلام من الأقصى إلى السماوات العُلا أليس في كلِّ سماء كان يستقبِلُه نبيٌّ من الأنبياء ويُسَلِّمُ عليه إلى السماء السابعة، إذًا هذه السماوات هي جسم كثيف له سَمْك، سَمكُ السماء (السَّمك يعني الارتفاع) سَمْكُ السماءِ الواحدة مسيرةُ خمسِمائة عام من هنا من الأرض إلى السماء خمسُمائة عام ثم سَمْكُ السماءِ الواحدة هي سبع سماوات سَمْكُ السماءِ الواحدة خمسُمائةِ عام ثم من السماء إلى التي فوقَها مسافة خمسُمائة عام ثم السماءُ الثانية سَمكُها ارتفاعُها خمسُمائةِ عام ثم فراغ مسافة خمسُمائةِ عام وهكذا إلى السماءِ السابعة خَلْقٌ عظيم خلقه الله تعالى، الشمس والقمر والنجوم هي ليست في داخلِ السماء، دونَها، هذه السماء لها أبواب لا تُفَتَّحُ أبوابُ السماء إلا لمَن أذِنَ الله سبحانه وتعالى.
في مِعراجِ نبيِّنا الكريم عليه الصلاة والسلام لما عُرِجَ به صلى الله عليه وسلّم كان معه جبريل ثم الملك الكريم خازن السماء الأولى اسمَه إسماعيل وهذا الاسم له سِرّ من جملةِ ما يذكرُه بعضُ أهلِ التفسير يقولون: مَن جاء له ولد وهو كبير في السِّنّ يعني على كِبَر يُسمّيه إسماعيل فهذا اسمُ نبيّ وفيه سِرّ إن شاء الله في سورة إبراهيم نرجِع لهذا وهو اسمُ خازنِ السماءِ الأولى تحتَه سبعونَ ألفًا من الملائكة، فلما عُرِجَ بالنبيّ عليه الصلاة والسلام معه جبريل وصلوا السماء الأولى فالخازن قال: مَن؟( يعني لها أبواب)، قال: مَن؟ قال: جبريل، قال: مَن معك؟ قال: محمّد، قال: أبُعِث؟ أبُعِث معناه أعُرِجَ به؟ أما بِعثَتُه عليه الصلاة والسلام فكانت مشهورةً من قبل.
فهذه السماء لها أبواب روحُ المؤمن عندما تُقبَض فيُصعَد بها فيُؤذَن لها فتدخل تدخلُ في هذه السماء روحُ الكافر لا تدخل في السماء لا يُؤذَن فتنزل روحُ الكافر إلى أين؟ خَرْق في الأرض لاحظوا في آيات وشواهد منها ما نشاهد ومنها ما لا نشاهد تنزل في الأرض من خَرق من الأرض الأولى إلى الثانية إلى الأرض السابعة .
﴿ ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾
استولى بالاقتدارِ ونُفوذِ السلطان
اللهم فقِهنا في الدين وعلِّمنا الحكمة وتأويلَ الكتاب والحمد لله وأُصلي وأُسَلِّم على سيّدي محمَد رسولِ الله.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.