بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ(2) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا﴾
فائدة :
خلقَ الله عزَّ وجلّ السماءَ مرفوعة جعلها مرفوعةً وليس أنها كانت موضوعةً ثم رُفِعَت بل خلقها الله سبحانه وتعالى مرفوعةً وجعلها الله تعالى سقفًا محفوظًا وجعلها الله سبحانه وتعالى مَهبِطًا للرَّحمات والبركات وقِبلةً للدَّاعين ومسكَنًا للملائكة وجعلها سميكةً ليس أنها فضاء ليس فيه شيء وجعلها الله سبحانه وتعالى ممتدة حتى إنّ كلَّ جزءٍ من الأرض لا يخرجُ عن السماء معنى ذلك أنّ السماء ممتدة أكثر من الأرض بكثير يعني السماء تُظَلِّلُ الأرض وزيادة، كلُّ جزءٍ من الأرض لا يخرجُ عن السماء، فالسماءُ واسعةٌ جدًا، والسماء مكانٌ مُشَرَّف لم يُعص الله تعالى فيه قَطّ
النوويُّ رحمه الله يقول:
(نحن نستقبل السماءَ بالدعاء؛ لأنها قِبلةُ الداعين كما أننا نستقبلُ الكعبة في الصلاة؛ لأنها قبلةُ المصلين وليس لأن الله تعالى يسكنُها)
ويُستحبُّ لنا إن دعَونا الله سبحانه وتعالى وكنا خارجَ الصلاة فعند الدعاء أن نَشخَصَ بأبصارِنا إلى السماء، هذا وإنّ السماءَ النظرُ إليها يُدخِلُ سَكينةً وراحةً إلى القلب حتى إنّ مَن كان يشكو لبعضِ العارفين ضيقَ الصَّدر والوَحشة فكان يقولُ لهم أطيلوا النظرَ في السماء، إذا أردتَ أن ترتاح أن يرتاحَ قلبُك انظر إلى السماء فإنها راحة، تقولُ أنا في مكان لا أستطيع أن أسافر ولا أن أذهبَ إلى مكانٍ بعيد ولا أن أُغيِّرَ الهواءَ الذي حولي هذا، انظر فوق لا تمشِ من غير أن تمشي مكانَك وأنت في مكانِك لا حاجةَ لك أن تبتعدَ كثيرًا، بعضُ الناس إلا أن يبتعدَ مسافات طويلة يسافر مسافات طويلة ويدفعُ ما يدفعُ من المال يقول لأجل نفسي تتنشط هلّا نظرتَ في السماء؟ هذه السماء أمرُها عجيب ،النظر إلى السماء فيه راحة النظر إلى السماء فيه راحة كيف إذا كان النظر إلى السماء في ليالي رمضان وخصوصًا في العشر الأواخر عندما يكون المسلمون ينتظرون ليلةَ القدر ينظرون في السماء رجاءَ أن يَروا أبوابَها مُفَتَّحَة رجاءَ أن يرَوا الأنوارَ فيها أيَّ راحةٍ هذه تدخلُ عليهم؟ حتى لو كنت في مكان وفوقَك ما فوقك من البناء من السقف لو كنتَ في قبو تحت وشاء الله تعالى لك أن ترى أبوابَ السماء مُفَتّحَة في ليلةِ القدر ستراها مُفَتَّحَة ولو كنتَ في قَبوٍ سُفليّ ولو شاء الله تعالى لواحد لو كان على أعلى قمة جبل في الدنيا جبل عُلوي ما شاء الله تعالى له أن يراها مُفَتَّحَة لن يراها مُفَتَّحَة، فهذه السماء مباركة
ولذلك بما أنّ السماء مما شرَّفَ الله سبحانه وتعالى فحُكمُ الذي يسُبُّ السماء كحُكمِ الذي يسُبُّ الكعبة، كحُكمِ الذي يسُبُّ المسجد كحُكمِ الذي يسُبُّ الصلاة ،هذا مكان مُشَرَّف ،كحُكمِ من يسُبُّ الجنة والعياذُ بالله فإنَّ هذا يكون خروجًا عن الدين والعياذ بالله
هذه السماء رفعها الله تعالى من غيرِ عمَد هذا هو القولُ الصحيح كما قدَّمنا ليس هناك أعمِدة ترفعُها إنما بقدرة الله سبحانه وتعالى محفوظة، هذه السماء مع سَمكِها ومتانتِها وأبوابِها يوجد في المَغرب باب يقال له بابُ التوبة هذا الباب مفتوح ،التوبة مفتوحة نتوب إلى الله سبحانه وتعالى ونستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيومُ ونتوبُ إليه، هذا الباب يا أخوة لم يُغلَق بعد، الباب لم يُغلَق وليس بأيدينا نحن، متى يُغلَق هذا الباب؟ عندما تطلُعُ الشمس من مغربِها عندها يُغلَق هذا الباب عرضُ الباب مسافةُ سبعين سنة وليس عرضُ السماءِ هناك؛ لأنَّ السماء أوسعُ من ذلك بكثير إنَّما هذا باب مسيرةُ عرضِه سبعون سنة هذه السماء جعل الله تعالى فيها ما لا يُحصى من الملائكة أعداد كبيرة من الملائكة؛ لأنَّ الملائكة جعل الله تعالى لهم مسكنًا يسكُنونَه منه ينزلون يصعدون هذا المَسكن هو السماء، السماء الأولى والسماءُ الثانية والسماءُ الثالثة والسابعة كلُّها كما قال عليه الصلاة والسلام:
“ما فيها موضِعُ أربعِ أصابع إلا وملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ”
أعداد ضخمة من الملائكة “ليس في السماء موضِعُ أربعِ أصابع إلا وملك قائمٌ أو راكعٌ أو ساجد”
الملائكة يُصلونَ الصلواتِ الخمس ليس المعنى قائم أنه يبقى قائمًا إلى يومِ القيامة كما هو
أو أنه يبقى ساجد إلى يومِ القيامة كما هو، إنّما هذا في إشارة إلى أنهم يُكثرون من الصلاة، الملائكة يُحبون الصلاة فيُكثرون من الصلاة ثم عند السجود يسجدون على سطح العرش مَن شاء الله تعالى له منهم يسجدُ على سطح العرش فهذه السماء مزدحمة أطّت (أي ازدحمت ، امتلأت) يستحيل أن يكونَ الله تعالى ساكنًا في السماء إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: “ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد”
فكيف يكون الخالق سبحانه وتعالى ساكنًا في هذه السماء في قَدرِ أربعةِ أصابع مُزاحمًا والعياذ بالله للملائكة ثم أليس ربُّنا سبحانه وتعالى كان موجودًا قبل خلق السماوات؟ بلى، قبل خلق السماء فالله لا يحتاج إلى السماء هذه السماء ،الله حفظَها وكما سيأتي وحَفِظَ ما هو أعظمُ منها من الأجرام العُلويّة بكل هذه الضخامة وبكل هذا السَّمك وبكل هذا الاتِّساع مرفوعة من غيرِ عَمَد مساحتُها أوسع من هذه الأرض بكثير مكان مشرَّف عند الله سبحانه وتعالى
ويومَ القيامة هذه السماء لا تُلقى في جهنم إنما تُطوى كَطَيِّ السِّجِل للكتب ثم توضع في الجنة ليس كالأرض إذًا هي مكان عظيم ومكان مشرَّف لذلك كم جاء ذكرُ السماء؟ وهو من آياتِ الله سبحانه وتعالى ونلاحظ هنا أن هذه الآيات هي في سياقِ المدح لله سبحانه وتعالى مع ما سيأتي من ذِكر أسماءِ الله تعالى الكبير المُتَعال في الآيات اللاحقة مع ذكر الاستواء كلُّها في سياق يدلُّ على المدح لله سبحانه وتعالى معناه وكما قدَّمنا بأنَّ سورةَ الرعد هذه السورة الكريمة فيها كثير من الآيات والشواهد الشواهد العِيانية والبراهين والحُجَج العقلية التي ينبغي أن نتفكرَ فيها يقفَ عندها أولو الألباب أن يقفَ عندَها الذين يعقِلون ينبغي أن لا تُغفَلَ هذه الحُججَ وهذه الآيات وهذه إنما يُستَدَلُّ بها على وجودِ الله وعلى وَحدانيةِ الله وعلى قدرةِ الله سبحانه وتعالى
بل وزاد بعضُ العلماء كالفخرِ الرازيّ قال:
(وقَدَّمَ في هذه الآيات ذِكرَ السماوات ثم بعد ذلك ذَكَرَ العرش ثم بعد ذلك صار الكلام عن الأشياء التي في الأرض كما سيأتي من الزرع من الأعناب من النخيل صِنوان وغير صِنوان:
(ولماذا قدَّم ذِكرَها؟ قال: قدَّمَ ذِكرَ ما كان في جهةِ العُلوّ في جهة فوق في إشارة إلى حاجتِها للحِفظ فما كان في جهة فوق كان محتاجًا إلى الحِفظ)
معنى ما ذكرَه الرازيّ قال فما كان في جهةِ فوق كان محتاجًا إلى الحِفظ من هذه الأجرام فقدَّمَ ذِكرَه
قال الرازيّ:
(وإذًا هذا يدلُّ على أنّ اللهَ تعالى تستحيلُ عليه الجهة؛ لأن الذي في جهةِ فوق مخلوق كما أن الذي في جهةِ تحت مخلوق؛ لأن الذي خلق الجهات كلَّها هو الله سبحانه وتعالى فما كان في جهة هو مُفتَقِرٌ إلى مَن خصَّصَهُ بهذه الجهة نحن الآن في جهة، الملائكة في جهة، السماء في جهة فوق، الجنة في جهة فوق، الكرسيّ في جهةِ فوق، العرش في جهة فوق، هذه أجسام افتقرت احتاجت إلى من جعلها في جهةِ فوق دون جهة تحت، ونحن في جهةِ تحت دون جهةِ فوق، إذًا فهذا الجسمُ إذا كان علويًا أو سُفليًا مُخَصَّص والمُخَصَّص مُفتَقِرٌ إلى مُخَصِّص والمُفتَقِرُ إلى غيرِه عاجز يكونُ مخلوقًا استُدِلَّ بذلك على أنَّ الله ليس مُخَصَّصًا ولا مُقَدَّرًا بحجم ولا مُتحَيِّزًا في جهةٍ من الجهات؛ لأن الذي يكون مُتَحيِّزًا في جهةٍ من الجهات لا بد أن يكون مخلوقًا )
هكذا وقف أكابرُ علماء أهلِ السُّنّة وأنا أُلَخِّص لكم ما ذكره الإمامُ الرازيّ في هذا المَوضع هكذا لخَّصوا وكلّ ما يسرُدونَه في هذا الموضع وهم يردِّدون عبارة لأنّ الله منزّه عن المكان كل هذه الآيات وهذه الشواهد يقول هذه فيها دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن المكان فهذه السماء التي رفعها الله سبحانه وتعالى وجعلها بهذا الوَصف وعلى هذا الحجم كلُّ سماء سَمكُها خمسُمائة عام بين السماء والتي فوقها خمسُمائة عام (هنا خمسُمائة عام ليس بخفقان الطير بل بالمشي بمشيِ الأقدام )إذًا هذه مِسافة ضخمة مِسافة عظيمة وإذا كنا قد قلنا بأنَّ كلَّ جزءٍ من الأرض لا يخرجُ عن السماء فإذًا السماء أوسعُ بكثير من الأرض وإذا كان نحن عِلمُنا لم يشمل كلَّ الأرض فكيف بما فوقَ
والفَهمُ الصحيح نعمة، أهلُ التنزيه أهلُ التوحيد عندما يسمعون هذه الآيات ماذا يجري على قلوبهم معاني تنزيهِ الله وتوحيدِ الله سبحانه وتعالى أما أهلُ التشبيه والتجسيم فطالما يقرأون هذه وإذ بهم يتصورون الله والعياذ بالله أنه جسم وأنه في السماء وأنه ينزِل كلَّ ليلة ويصعد وينزل أعوذ بالله كيف يكون الخالق يصعدُ وينزل؟! هذا خالق سبحانه وتعالى كيف يجوزُ عليه ما يجوز على المخلوقات
النبيّ عليه الصلاة والسلام كما روى أبو القاسم الأنصاريّ والسيوطيّ قال:
“لا فكرةَ في الرَّب”
لا فكرةَ في الرَّب لا يجوز لك أن تتصوَّرَ الله بل أنت في عَجزٍ عن الإحاطة بذات الله كما قال الصَّدَّيق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه:
العجزُ عن دَرَكِ الإدراكِ إدراكُ
والبحثُ عن ذاتِه كفرٌ وإشراكُ
أنت تُقِرّ بأنك عاجز أن تعجِزَ عن الإحاطةِ بذات الله أن تُقِرَّ بذلك هذا هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ليس أنك تتصور ربَّ العالَمين لذلك إن تفكَّرتَ في نفسِك لماذا كَثُرَ في القرآن الكريم ذِكرُ هذه الشواهد حتى نتفكرَ فيها وحتى نستدلَّ بها على وجودِ الله سبحانه وتعالى
﴿ ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾
الإمام النَّسَفيّ يقول:
( استولى بالاقتدارِ ونفوذِ السلطان) اه.
استوى على العرش و هذا فيه إخبار أي وقد استوى على العرش و عُدّيَ العرش بعلى
وليس لترتيبِ الحُصول لماذا؟ ما الذي خُلِقَ قبل ، السماوات أم العرش؟الجواب العرش ولكن هنا ذُكِرَ ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَا ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾ إذًا ليس في الترتيب في الحُصول إنما عطفٌ في الأخبار؛
لأنَّ أولَ مخلوقات الله سبحانه وتعالى على الإطلاق الماء عندما جاء كما في صحيح البخاريّ وفدٌ من أهل اليمن إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقَّه في أمرِ الدين فأنبئنا عن أولِ هذا الأمر ما كان ماذا أجاب عليه الصلاة والسلام؟ “كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه وكان عرشُه على الماء”
الحافظُ ابنُ حجر قال:
(كانَ الأولى) تُفيد الأزليّة (كان الثانية) تفيد الحدوث أي بالنسبةِ للمخلوق
“كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه” في رواية “كان الله ولم يكن شيءٌ معه” في رواية “كان الله ولم يكن شيء قبلَه”
معناه الله سبحانه وتعالى موجودٌ قبل هذه المخلوقاتِ كلِّها قبل الزمان وقبل المكان
بخَلقِ الماء وُجِدَ الزمان والمكان ، الزمان بين الماء والعرش بخَلقِ الماء وُجِدَ الزمان والمكان ،كم بين الماء والعرش؟ الله أعلم لكن العرش خُلِق من الماء ، الماء خلقه الله من غيرِ أصل و إلا لو قيل بأنّ الماء خُلِقَ من أصل فهذا يقتضي الدَّور أو التسَلسُل يعني لأدّى هذا إلى القول بأنه يوجد شيء قبلَ الماء وقبلَه شيء وقبلَه شيء وهذا ينفي خالقيةَ الله سبحانه وتعالى فإذًا الماء خُلِقَ من غيرِ أصل ثم ما سِوى الماء خُلِقَ من الماء بعضُه خُلِقَ من الماء مباشرة بعضُه خُلِقَ بواسِطة، تقول الإنسان خُلِقَ من التراب، الملائكة من النّور، الجنّ من النّار، الحورُ العين من الزعفران الذي في الجنة لكن كلُّ ذلك يرجِع إلى ماذا؟ يرجِع إلى الماء فالماء هو الأصل “وكان عرشه على الماء” خلق الله تعالى العرش إظهارًا لقدرته
يقول الإمامُ عليُ بنُ أبي طالب رضي الله عنه وكرَّم الله تعالى وجهَه: (إن الله خلق العرش إظهارًا لقدرتِه ولم يتَّخِذهُ مكانًا لذاته)
إظهارًا لقدرة الله سبحانه وتعالى خَلَقَ العرشَ لا احتياجًا له لذلك
والسُّبكيّ يقول: لا محظور فيمَن فسّر الاستواء بالاستيلاء وذلك لا يقتضي المُغالَبَة ولا المُنازَعَة
بعضُهم أنكرَ قال كيف يكون استولى؟ نقول أليس الله وصف نفسَه بأنه قاهر؟ وبأنه قهّار؟ هل يلزَمُ من ذلك مغالَبَة؟ لا يلزَم من ذلك مغالَبَة لذلك استوى تُفَسَّر بقَهَرَ تُفَسَّر بحَفِظَ بأبقى
استوى لها خمسةَ عشرَ معنًى أو يزيد في لغة العرب
هذه من الآيات المتشابهة والمنهَج الذي علّمَ القرآن وأرشدَ إليه القرآنُ الكريم أنّ الآياتِ المتشابهة تُرَدُّ إلى ماذا؟ إلى الآيات المُحْكَمَة ﴿هنّ أم الكتاب﴾ الأصول التي يُرجَعُ إليها هذه الكلمة في لغة العرب تحتملُ معانٍ من المعاني ما لا يليقُ بالله سبحانه وتعالى ﴿واستوت على الجوديّ﴾ استقرت سفينةُ نوح عليه الصلاة والسلام على الجوديّ في المَوصل استقرّ استوى أبناءُ الأربعين إذا بلغ الأربعين فيقال استوى إذا بلغ الأربعين هل هذا يليقُ بالله سبحانه وتعالى؟ عن الثمر عند نضوجِه إذا قيل استوى هذا لا يليق بالله لكن يُنظَر هنا ماذا من المعاني التي تحتَمِلُها كلمةُ استوى في لغة العرب ولكن في شرط آخر ما هو؟ يجوز أن يُطلَقَ هذا على الله؟ هذا الشرط، من معاني استوى قهرَ والله تعالى قال: ﴿وهو الواحد القهار﴾ وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ فإذًا وصفُ اللهِ سبحانه وتعالى بالقِهر مدحٌ في حقِّ الله ولغةُ العرب تقبل تفسيرَ استوى بالقهر فإذًا إذا قيل استوى معناه قهرَ فهذا حقّ وهذا منهجُ القرآن الكريم
ما معنى العرش مقهور لله؟ معناه لا يخرُجُ عما أراده الله سبحانه وتعالى هذا معناه لا يخرج عما أراده الله مقهور تقول أنت هؤلاء الناس مقهورونَ تحتَ فلان معناه لا يخرجون عن أمرِه والعرش ما فائدةُ تخصيصِ العرش بالذِّكر؟؛ لأنَّ العرشَ من حيث الحجم أعظمُ مخلوقات الله تعالى حجمًا فإذا كان العرش الذي هو أعظمُ مخلوقاتِ الله حجمًا إذا كان مقهورًا لله سبحانه وتعالى فمِن بابِ أولى أن يكونَ ما دون العرش مقهورًا لله سبحانه وتعالى
من الأرض إلى السماء خمسُمائة سنة ثم السَّمك في السماءِ الواحدة خمسُمائة سنة ثم إلى التي فوقَها المسافة بين السماء والسماء خمسُمائة سنة وهكذا سبعُ سماوات وأين الجنة؟ فوق السماءِ السابعة وليست فيها ،الجنة فوق السماءِ السابعة منفصلة ليست فيها ثم الجنة ما هو سقفُها؟ العرش سقفُها العرش فأين الكرسيّ؟ الكرسيّ إلى جنبِ الجنة يرتفعُ عنها وهو إما إلى يمينِ العرش وإما إلى شِمال العرش والظاهر أنّه إلى يمينِ العرش ولا يُظَلِّلُ هذا الكرسيّ الجنة ،الذي يُظَلِّلُ الجنة العرش
قال العلماء: السماواتُ السَّبع و الأراضون السَّبع مجتمعة بالنسبة إلى الكرسيّ قبل أن نقول بالنسبةِ إلى العرش بالنسبةِ إلى الكرسيّ ما هي إلا كحَلْقة ملقاة في أرضٍ فلاة خاتَم ارمِه في أرضٍ فلاة في بريّة واسعة ماذا ترى منها؟ شيء قليل كأنك لا تراه بالنسبةِ إلى الكرسيّ وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضلِ الفلاةِ على الحلْقَة
فإذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلّم قد قال: “أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن واحدٍ من حمَلَةِ العرش ما بين شحمةِ أُذُنِه إلى عاتِقِه مسيرةُ سبعِمائة عام” لكن هنا بخفَقان الطّيرِ المُسرِع
هذا العرش دائمًا ساكن لا يتحرك لو شاء الله تعالى لهوى هذا العرش وحطّم ما تحتَه لم يخلقه الله سبحانه وتعالى لاحتياجه إليه
الله لا يحتاجُ أحدًا من خلقِه الله غنيٌّ عن العالمين الله لا يحتاجُنا ولا ينتفعُ بنا، لا ينتفعُ بصيامِنا، لا ينتفعُ بصلاتِنا لا ينتفعُ بعبادتِنا ولا ينضَرُّ بعصيان العصاة كما أنّ اللهَ سبحانه وتعالى غنيٌّ عنّا، غنيٌّ سبحانه وتعالى عن هذه الأرض وغنيٌّ سبحانه وتعالى عن السماء وغنيٌّ سبحانه وتعالى عن العرش فيستحيل على الخالق سبحانه وتعالى أن يكونَ مفتقِرًا إلى شيءٍ من خلقه فيستحيلُ على الله الجلوسُ على العرش؛ لأن العرشَ مخلوق ولأن الجلوسَ لا يتصفُ به إلا ما كان له نصفٌ أعلى ونصفٌ أسفل ثم الجلوسُ قد يكونُ تربُّعًا أو افتراشًا أو تورُّكًا أو غيرَ ذلك البشرُ يجلسون البهائم تجلس إذًا الجلوس صفة من صفات الخَلق نسبةُ صفةٍ من صفاتِ الخلقِ إلى الخالق سبحانه وتعالى شتمٌ لله ولذلك كان اليهود لعنةُ الله عليهم ينسُبون إلى الله الجلوس هؤلاء كم عندَهم من العقائد الفاسدة، من العقائد الفاسدة عندَ اليهود اعتقادُهم أنَّ الله تعالى يجلس بعد أن خلق السماوات والأرض بزعمِهم تعب فاستلقى على العرش على قفاه والعياذ بالله، هذا يُعَدُّ سبًّا لله مَن نسب الجلوسَ إلى الله فقد شتم الله والعياذ بالله لأنّ الله تعالى قال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾
وقد قال الإمام الكبير من أئمةِ السلفِ الصالح الذي ينقل عقيدةَ أبي حنيفةَ النعمان رضي الله عنه ومحمدِ بنِ الحسن الشَّيباني رضي الله عنه وأبي يوسفَ القاضي رضي الله عنه بل وهي عقيدةُ كلِّ فقهاءِ الملة وفقهاءِ الإسلام يقول الإمامُ الطحاويُّ أبو جعفر:
(ومَن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر) في العقيدة الطحاوية لعلَّه أنفعُ ما في هذه العقيدة الطحاوية هذه العبارة لما فيها ولعلها كانت كرامةً له كيف سبَكها بهذا النَّظم الفصيح (ومَن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر) معنى ذلك نزِّهوا الله سبحانه وتعالى عن صفات البشر ومعنى كلامِه أيضا الذي يصفُ الله بصفةٍ من صفات البشر بصفة من صفات المخلوقات لا يكون مسلمًا؛ لأن هذا يكون قد شتم الله والعياذ بالله ثم من الكَذِب الذي أشاعه البعض وهو حديثٌ موضوع يقولون: بأن هذا قاله الله لموسى قال:( أنا جليس من ذكرني) هذا كذِبٌ موضوعٌ على رسول الله ﷺ كَذِب على نبيِّنا محمد عليه الصلاة والسلام وكَذِب على نبيِّ الله موسى عليه الصلاة والسلام يشيعه بعضٌ من المشبهة يقولون قال رسول الله قال الله لموسى أنا جليس من ذكرني الله لا يوصَف بأنه جليس لا يوصَفُ الله تعالى بأنه جليس ولا يوصَفُ الله تعالى بالجلوس إنما الله نحن ننزِّهه سبحانه وتعالى ولذلك هذه الآيات الكريمة من سورة الرعد من أولِّها فيها تنزيه الله سبحانه وتعالى إذًا:
فهذه الجنة التي خلقها الله سبحانه وتعالى على هذه الصورة وجعل فيها ما جعل من المنازل سقفُها هو العرش ، العرش أوسع من الجنة بكثير
قال العلماء:
كلُّ ما سِوى العرش بالنسبةِ إلى العرش كنقطة في بحر جعل الله العرشَ كعبةً للملائكة وقِبلةً للملائكة وفوق العرش كتب ربُّكم على نفسِه الرحمة هذا الكتاب مكتوب فوق العرش لما قضى الله الخَلقَ كتب في كتابٍ فهو مرفوعٌ فوق العرش “إنّ رحمتي سبقت غضبي” في رواية “إن رحمتي غلبت غضبي”
لكن هنا قالوا مادام قال سبقت وغلبت وصفاتُ الله تعالى ليس فيها سَبق وتَقَدُّم وتأَخُّر؛ لأنَّ كلَّ صفاتِ الله أزليّة قالوا إذًا المراد هنا برحمتي مظاهرُ رحمةِ الله والملائكة من مظاهرِ رحمةِ الله سبحانه وتعالى
هذا العرش لولا أنَّ الله سبحانه وتعالى قد حفِظَه لهوى ودَكَّ ما تحتَه إذا كان نحن بالنسبة للعرش كنقطة نقطة في بحر لو أنّ هذا العرش نزَل علينا فماذا يكونُ الحال؟ والعرش يحمِلُه أربعةٌ من الملائكة اليوم ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ في الآخرة ثمانية ثم هل يصلّي ملائكةُ العرش؟ لا شك يصلون طب وعندما يصلون ويسجدون فماذا يصيرُ حالُ العرش؟ بعضُ العلماء قال يبقى محمولًا بقدرة الله تعالى؛ لأن الغزاليَّ يقول العرشُ وحملةُ العرشِ محمولونَ بلُطْفِ الله وقدرتِه، العرش محمول بقدرة الله لا ينزِل لا يهوي أنت تقول هذا السقف لولا أنّ هناك جدران أربعة تحمله أو يوجد عمَد يرفعه ماذا يصير فيه؟ ينزل هذا عرش عظيم إذًا فوق العرش يوجد مكان هذا المكان مكتوب فيه هذا الكتاب موضوع فيه هذا الكتاب والله تعالى موجود قبل الماء قبل العرش في ترتيبِ الخَلق الماء خُلِقَ أوّلًا ثم العرش ثم القلم كم بين العرش والقلم؟ العلماء قالوا لم يَرِد نَصّ ثم بعد القلم اللوح المحفوظ وأمرَ الله تعالى القلم فكتب جرى كتب كلَّ ما هو كائن إلى يومِ القيامة
هذه الأربعة أولُّ ما خلقَ الله :
الماء ،العرش ،القلم ،اللوح المحفوظ
بعد خَلْقِ هذه الأربعة بخمسينَ ألفَ سنة خلق الله السماوات والأرض في ستةِ أيام اليومُ الواحدُ منها بألفِ سنةٍ مما نَعُدّ
﴿ وسخر الشمس والقمر﴾
أي سخَّرَ الله الشمسَ والقمر لمنافِعِ عبادِه ومصالِحِ بلادِه
فائدة:
هذه الشمس ضَوؤُها يمنعُ الماءَ من التَّعَفُّن فإذا أردت الماء لا يتعفَّن أبقه عند ضَوءِ الشمس هذه الشمس لها منازل مائة وثمانون مَنزِلا في خَطِّ ذَهابِها هذه الشمس يجرُّها ملَك
سأل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر وقد غرَبَت الشمس: “أتدرون أين تبيتُ هذه؟” قال: الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم: “فإنها تسجدُ تحت العرش” رواه مسلم
ما معنى تسجد؟ سُئِلَ بعضُ العلماء قال: معناه سجودًا فيه تذَلُّل وانقياد يدُلُّ على خضوعِها لله وعندما تسجد ليس هناك حاجز بينها وبين العرش تصعد حتى تصيرَ هناك
فهذه الشمس تسجد ، آية من آيات الله، الشمس حجم جسم كثيف، ضَوءُ الشمس لها ضَوء جسمٌ لطيف الضَّوء حرارةُ الشمس عَرَض ثم هذه الشمس والقمر في حركة فماذا أشار بعضُ العلماء قالوا:
قد ذُكِرَ مما هو في جهةِ فوق من الأجرامِ العُلويّة ما هو ساكن دائمًا كالسماء والعرش ثم بعد ذلك ذُكِرَ مما هو دونَ السماء يمشي مما نحن نراه مما هو متحرك قالوا: فهذا فيه شاهدٌ أيضًا كما أن الله سبحانه وتعالى تنزّه عن أن يكونَ جسمًا تنزّه سبحانه عن أن يكونَ في مكان تنزّه عن الحركة والسكون هذه الأجرام في حركة، النجوم في حركة، الحركة والسكون هذه من الأعراض الله تعالى يستحيل عليه الحركة ويستحيل عليه السكون
لو كانت النصوص تؤخَذ على الظاهر لصار الله والعياذ بالله في الأرض ، قالوا: ما معنى هذا الحديث
“ومن أتاني ماشيًا أتيته هرولة” “ومن تقرب إليه شبرًا تقربت إليه ذراعًا”؟ معناه أن الله تعالى يُثيبُ العبدَ أكثرَ من طاعتِه إن عمِلنا حسنة تُضاعَف إلى عشرة الله يُثيبُنا أضعافَ أضعاف طاعتِنا وهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى
ولذلك خليلُ الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام احتَجَّ بماذا على النُّمرود وعلى عابدِ الكواكب؟ بالشمس وحركةِ الشمس وأنها يُصيبُها الأُفول ويصيبُها التغيُّر وكذلك بالقمر وكذلك بالكوكب أنّ هذه تتحرك وتتحيّز في مكان وهي أجسام معناه الله تعالى ليس جسمًا ويستحيل عليه الحركة ويستحيل عليه السكون سبحانه وتعالى هذا القمر جعله الله منيرًا وجهُ القمر إلى السماوات وقفاهُ إلى الأرض وجعل الله القمر ينيرُ ليس فقط السماءَ الأولى إنما السماوات السّبع ،وجهُ القمر نحن ما نراه، قفا القمر وجهُ القمر إلى فوق يضيءُ السماوات السّبع مع كلِّ هذه المسافات ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ للمَنافع وما فيه من المنافع
في زمنِ عمر رضي الله عنه بعضُهم ذكر له أنه في بلاد الأعاجم لبعضِ الأمراض فكيف يتعالجون يذهبون إلى الحمامات الساخنة عندَهم شىء جدران يجعلون فيها حرارة ساخنة الآن صارت معروفة حتى في بلادِنا فيقولون له هكذا الأعاجم فماذا قال عمر رضي الله عنه: (الشمسُ حمّامُ العرب)
الشمسُ حمّامُ العرب لكن ليس إلى القَدر الذي تؤذي كم الآن يذكرون عن الشمس وتنفَعُكَ لفيتامين دال وتنفعُك للعظام وتنفعُك لكذا وتنفعُك لكذا وتخرج في وقتٍ معيَّن وتحتاج هذه الشمس فتمشي في وقت فيه شىء من الشمس تأخذ حَصَّتَكَ السموم التي في داخلِ الجسم تخرج
﴿ كل يجري لأجل مسمى﴾
إلى متى؟ قال: وهو انقضاءُ الدنيا لأنه بعدَ ذلك الشمس والقمر الشمس تُكَوَّر ينطفِىء ضَوؤها والقمر كذلك ويُلقيان في جهنم
﴿يدبر الأمر﴾
أي يدبِّرُ الأمرَ وحدَه أمرَ ملَكوتِه ورُبوبِيَّتِه
﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ هذه الشمس تجري كلّ يوم تمشي في مسار اليوم الذي بعدَه لا ترجِع الشمس فتمشي فيه
هذا القمر هلال بدر قمر هذه المنازل ثمانية وعشرين مَنزل للقمر هذه المنازل كلُّها وهذا التدبير ونزولُ الملائكة وحركةُ الكواكب وما يجري في هذه الأرض في مُلكِ الله سبحانه وتعالى ﴿يدبر الأمر﴾ وحدَه سبحانه وتعالى ﴿يدبر الأمر﴾ أمرَ ملَكوتِه ورُبوبِيّتِه، النملة تذهب إلى رزقِها الطير يذهب إلى رزقِه الحوت السّمك إلى رزقِه هذا الإنسان كلّ يوم في رزقِه فيما يسوقُه الله تعالى له
﴿ يفصِّل الآيات﴾
يبيِّنُ آياته في كتبه المُنَزَّلَة
﴿لعلّكم بلقاء ربكم توقنون (2)﴾
لعلَّكم توقنون بأنّ هذا المدبِّرَ والمفصِّلَ لا بدّ لكم من الرجوعِ إليه الذي هو قادر على كلِّ ذلك
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.