بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ(3) وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ (4) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ﴾
﴿وهو الذي مد الأرض﴾ بسطها
﴿وجعل فيها رواسي﴾ جبالًا ثَوابت
ونلاحظ كم ذُكِر الجبال ومع ذِكْرِ الجبال ذِكْرُ الأنهار في أكثرِ من موضع
كم نسمع عن الينابيع التي تتفجر من الجبال، الشلالات المياه الساخنة يقول لك اصعد إلى أعلى قمةٍ في الجبل تبحثُ عن هذه الأنهار بقدرة الله تعالى جعل الله تعالى أسرارًا في هذه الأرض كيف أنه يؤولُ الأمر أن هذه الجبال يصير تحتَها كأنه مخزن من المياه فإذا تفجّرت خرجت أنهارًا بقدرة الله عزَّ وجلّ
بعد أن نُصِبَت الأدلةُ التي تشهدُ بوحدانية الله عزَّ وجلّ وذُكِرَ أولًا ما كان من الأجرام العُلويّة ومن العالم العلوي من السماوات التي رفعها الله سبحانه وتعالى بغير عمَد، من غير أن يكونَ هناك عِمادٌ يرفعها أمسكها الله سبحانه وتعالى عن السقوط فهي محفوظةٌ بإذن الله تعالى،
فائدة:
بعد ذِكرِ السماوات وبعد ذِكرِ العرش جاء ذِكرُ هذه الأرض التي نعيش عليها هلّا تفكرنا فيها فلننظر في هذه الآيات الكريمة من سورة الرعد عن هذه الأرض هذه الأرض أول ما خُلِقَت أولَ خَلْقِها ما كانت تصلُحُ للعيش كانت مستطيلة ثم بعد ذلك سُطِحَت ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ ومُدَّت بُسِطَت، بُسِطَت هذه الأرض فصارت بيضاوية صالحة للعيش عليها، الله تعالى بسطها مَّد هذه الأرض وإلا كيف نحن نعيش عليها لولا أنّ هذه الأرض قد هيِّأَت لتصيرَ صالحةً للعيش فكيف كنا نعيش عليها ثم هذه الأرض التي نحن الآن عليها هي الأرضُ الأولى ثم سَمْكُ هذه الأرض كما ذكرنا بالنسبةِ للسماء ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ هذه الأرض سَمكُها خمسُمائةِ سنة ثم من الأرض الأولى هذه إلى التي تحتها يوجد مسافة بينهما خمسُمائةِ سنة ثم الثانية، الثانية هذه ليس فيها بشر ثم الثالثة ثم الرابعة إلى الأرض السابعة، في الأرض السابعة هناك مكان فيه كتابُ الفُجَّارِ( سِجِّين )
والعياذ بالله الكافر عندما تُقبَضُ روحُه لا تُفَتَّحُ له أبوابُ السماء فيُنْزَلُ بهذه الروح الخبيثة إلى هذه الأرض ثم من خَرْقٍ
الله أعلم أين هو لكن الله يعلم ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ تَنزِلُ روحُ الكافر من هذا الخَرق في الأرض الأولى إلى الثانية وهكذا حتى تصلَ إلى سجِّين ثم هناك هذا ليس المُستَقّرُّ بعد
بعد أن تُكتَب الروح هناك في سجين فيُصعَد بهذه الروح، كلُّ هذا وهذا الميت لم يُجعَل في قبرِه فعندما تمشي جِنازةُ هذا الكافر الروحُ تكونُ قد سُجِّلَت تحت وصُعِدَ بها وهي في أيدي الملائكة ملائكةِ العذاب ثم هذه الروح تكون فوق الجسد لم تدخل فيها فلما يمشي الناس بالجِنازة إذ بها جنازة ثقيلة مُكرِبَة جِنازة نَكِدَة، الروحُ تقول: أخِّروني أخِّروني عَلِمَت هذه الروح أنها مُعَذَّبَة رأت ما رأت من العذاب ومع ملائكة العذاب، أما التقيّ فبعدَ أن سُجِّلَت روحُه في عليّين فتنزل وتقولُ الروح: قدِّموني قدِّموني
عبادَ الله لو لم يحضُرنا في هذا الموقف من أمرِنا في الحياة إلا ماذا سيكون من أرواحِنا عندما تُقبّض لكفانا ذلك عِظة، هيّئ نفسَك لتلك الساعة هذه الشواهد التي تُنصَب لأجل أن نتفكرَ في خلق الله سبحانه وتعالى حتى نتذكر أننا مخلوقون لله وأنَّ ربَّنا سبحانه وتعالى قد خلقنا لعبادتِه فليس لنا أن نعصيَ الله عزَّ وجلّ ليس لنا أن نخالفَ أمرَ الله سبحانه وتعالى فكِّر معي ما حالُ تلك الروح الخبيثة وهي تهوي بيد ملائكةِ العذاب من أرضٍ إلى أرض كم هذا صعب؟ كم هذا شاقّ؟ كم فيه من العذاب؟ إذا قيل لك أنت مُكَلَّف أن تمشيَ مسافةَ خمسِمائة سنة من غيرِ أن تتوقف فيها تقول كيف؟ ألا أحتاج أن أرتاح؟ أليس قد أعطش؟ أحتاج الماء؟ أحتاج الطعام؟ ألا أروِّح عن نفسي؟ أنت تخرج تمشي ساعة باسم الرياضة أو ساعتين ومعك ما معك من أدوات الراحة ثم تقول ملَلْت أنا أحتاج أن أرتاح، إذا سَمك الأرض الواحدة خمسُمائة سنة ثم خمسمائة بين الأرض والأرض ثم خمسُمائة الأرض التي تحتها وأنا أتعمد أن أُكرِّرَ على مسامِعِكم الأراضي السبع؛ لأنه كم من الناس اليوم من الذين يتكلمون باسم العلوم الكَونيّة يُغفِلون أمرَ الأراضي السبع فقط يصورها كأنها طبقات في هذه الأرض نعم الأرض فيها طبقات لكن نحن كلامُنا عن شيء آخر أيضاً عن أراضي غير هذه الأرض
تلك الأرضُ الثانية منفصلة عن أرضِنا هذه ليست متصلةً فيها خمسمائة في خمسمائة في خمسمائة والله هذا شيء شديد، فإذا كان كذلك فلنُظمئ نهارَنا ولنقُم ليلَنا ولنَغتنم وقتَنا في الطاعة لا تجعل قلبَك معلقًا بالدنيا لا تعصِ الله لا تهلك نفسَك في النهاية هذه الروح التي خرجت ماذا أخذت معها من متاعِ الدنيا؟ خِزانتُك الخاصة ماذا أخذت الروح معها من هذه الخِزانة؟ عندك سيارة سريعة لحقت هذه السيارة بهذه الروح حتى تخففَ عنها؟ عندك بُنية قوية عندك أولاد كثير أنت صاحب جاه ومَنصِب أنت ماذا؟ إنه خرجت هذه وحدَها إذًا تفكّر في هذه الأرض كان النبي عليه الصلاة والسلام في مَشيِه كثيرًا وهذا لشدةِ تواضُعِه عليه الصلاة والسلام إلى الأرضِ ينظر يُطرِق الرأس يمشي مِشيةَ المتواضع فإذًا تذكروا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي مدَّ الأرض بسطها ﴿وجعل فيها رواسي﴾ جبال ثوابت ثبّتت هذه الأرض لولا هذه الجبال ماذا يصير؟ ثم بقدرته سبحانه وتعالى جعل وسَطَ المعمورة تدرون أين؟ وسطُ الدنيا وسطُ الأرض الكعبة وانظروا في متانةِ الجبال التي في مكة عندما كانوا يحفِرون الأنفاقَ لها كان يأخذُ معهم وقت طويل في الديناميت لتفجير هذه الجبال وقت طويل جبل عمر تذكرونه؟ كم سنة عندما كنا نذهب ونحن نرى جبال ضخمة هذه في الوسَط إذا حصل شيء في إزالةِ هذه الجبال عمومًا في الأرض فأنا أذكِّرُكم ماذا من علامات الساعة؟ كَثرةُ الزلازل إذًا هذه الجبال خلقها الله سبحانه وتعالى وجعلها رواسي تُثَبِّت هذه الأرض
﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾
نوعين اثنين أي الأسودَ والأبيضَ والحُلوَ والحامضَ والصغيرة والكبيرة وما أشبه ذلك
بعضُهم قال: ﴿زوجين﴾
يعني ذكر وأنثى
هذا يقالُ فيه زوجَين ذكر وأنثى زوجين فقالوا يعني ذكر وأنثى وذكر وأنثى
وبعضُهم قال: ﴿زوجين اثنين﴾
صنفَين نوعَين
فائدة:
تجد في هذه الثمرات بقدرة الله تعالى تجد من الثمَرات الأسود وتجدُ الأبيض وتجدُ ما بين ذلك تجدُ الحُلو والحامِض والمُرّ، المرّ بين الحُلو والحامِض تجدُ الصغير الثمرة الصغيرة( الصغيرة جدًا )
الحبة الصغيرة وتجدُ البِطيخة وما هو أكبرُ من ذلك، هذه كلُّها شواهد ودلائل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، هذه الثمَرات وتنوُّعُها وتجدُ ثمراتٍ خاصة في الصيف وتناسبُ تلك الثمَرات موسمَ الصيف ما يطرأ من المرض في الصيف وما يطرأ من الأمراض في الربيع تجدُ ثمرات مناسبة له، وفي الخريفِ كذلك، وفي الشتاء كذلك جعل الله سبحانه وتعالى فيها منافعَ كثيرة هذا الزعتر ورقُ الزعتر معروف في بلاد الشام ورقُ الزعترِ هذا هذا يقولون من أنفعِ ما يكون لعلاجِ مَن يصير معه تسمم ومن يصير معه اضطراب في المَعِدة أنفع حتى من النعنع والكمون، والله جعل في هذا نفع وفي هذا نفع الزعتر المَغلي إن صارَ عندَه وصل إلى درجة أنه تسمُّم قالوا هذا يكفيه كعلاج هذا الزعتر المَغلي يغلي الماء ثم يضعُ فيه ورقُ الزعتر ثم يغطيه إلى الوقت ثم يشرب
الله تعالى الذي خلق النباتات جعل فيها فوائد وخلق الثمرات أيضًا وجعل فيها فوائد ونُصِبَت هذه كلُّها علاماتٍ لنا تدلُّ على وحدانية الله سبحانه وتعالى
﴿يغشي الليل النهار﴾
يُلبِسُه مكانَه فيصيرُ أسودَ مظلمًا بعدما كان أبيضَ منيرًا
وفي قراءة يُغَشِّي
فائدة:
وعلى ذِكر هذا مما ورد في الحديث: “مَن صلى في الليل حَسُنَ وجهُه في النهار”
كم بعضُ الناس يتعب لأجل أن يُجَمِّلَ وجهَه ويدفعُ على ذلك ما يدفع من المال شيء لا يكلِّفُك هذا بل تترقّى فيه، صلِّ في الليل
وعلى ذِكر الليل أيضًا وهذا من الأسرار التي نحن كثيرًا ما نكون في غفلةٍ عنها ما هي؟ من أسرارِ قيامِ الليل إخراجُ الدَّاءِ من الجسد من أسرارِ قيامِ الليل أن تقوم في الليل لعله بعض الناس إذا قلت له في حبة الدواء في الليل يقوم أما على صلاة قيام الليل لا يقوم وهذا أنفع وهذا لا شك أنه فيه أسرار كبيرة هذا ورد في الأحاديث النبوية الشريفة وهذا لا شك فيه أسرار كبيرة وإن تتبَّعَت ستعلم الليل الهرمونات التي تكون فيها الإنزيمات التي تكون في وقت الليل تختلف عن التي تكون في النهار ما يتراكم من الأملاح من السُّموم ما ينزل من الكبد وغير في الليل غير الذي يكون في النهار فإذا بقي نائمًا نومًا طويلًا تجمّعت عليه هذه وأورثته داءً كبيرًا فإذا قام فصلى ثم على ذِكْرِ الصلاة ماذا قلنا؟ أذيبوا طعامَكم بالصلاة إذًا كيفما كان لو أنك تنظر في هذه الأسرار حتى في الليل والنهار ماذا يعني لك فقط الآن ليل كيف انتشر هذا الليل
﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3)﴾
فيعلمون أن لها صانعًا عليمًا حكيمًا قادرًا سبحانه هذا الذي ذُكِر فيه آيات علامات شواهد
﴿لقوم يتفكرون﴾ يتفكرون في خَلق السماوات والأرض
﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ فعندما يتفكرون في هذا فيستعيذون بالله تعالى من النار
عبرة وفائدة :
لذلك كان واحد من كبار الصالحين كانوا يسألونه أنت ماذا تدعو إذا كان في ليلة القدر أو في غيرِها ؟ فيقول أنا أغتنمُ أيَّ وقت أرجو فيه الدعاء لأستعيذَ بالله من نارِ جهنم اللهم أجرنا من نار جهنم
هذه الشواهد تذكرك بالله سبحانه وتعالى فتخاف الله؛ لأن المؤمن بين الخوفِ والرجاء يخاف من الله يخافُ عذابَ الله ويرجو رحمةَ الله لولا رحمةُ الله ماذا كانت أحوالُنا يا عبادَ الله، لو لا أن الله رحِمَنا كيف كان حالُنا؟ بعملِنا نحن أم برحمة الله؟ بل برحمة الله إطالةُ الفِكر وكما يقول ابنُ عباس: (تفكروا في خَلق الله ولا تفكروا في ذات الله) تفكر في خَلق الله تفكر في هذه الشواهد التي حولك
ولذلك يا إخواني في كتاب أُلِّفْ اسمه (قتلى النار) هذا الكتاب ذكر فيه من وضعه مَن من القراء من العلماء مات عندما وصل وهو يقرأُ القرآنَ الكريم إلى موضِعٍ فيه ذِكرُ نارِ جهنم قتلى النار عند ذِكرِها
لماذا الناس اليوم فِكرُها بعيد عن هذا؟ تفكر فتعلم يقينًا أن هذا العالم له صانع عالم حكيم قادر مقتدر تُسَلِّم أمركَ إلى الله سبحانه وتعالى
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ (4) ﴾
﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾
بِقاعٌ مختلفة سبحان الله العظيم مع كونها متجاورة متلاصقة طيِّبة إلى سَبِخَة السَّبِخَة التي لا تُنبِت تكون مالحة يقال لها سَبِخَة
سمعتم بسَبْخَة الجُرف؟ خارج المدينة، الأعور الدجال عندما ينزل ويظهر ويطوف في الأرض لا يستطيع أن يدخل مكة والمدينة فيصل إلى مكان يقال له سَبْخَة الجُرف خارج المدينة يقال أرض سَبِخَة قِطِعٌ متجاورات فتجد أرض طيِّبة إلى سَبِخة يعني إلى جوار سَبِخة وكريمة إلى زهيدة يعني وأرض كريمة إلى أرض زهيدة وصَلبة إلى رِخوة وهذا في الأرض وفي البحر هذا عَذبٌ فرات وهذا مِلحٌ أُجاج وهذه الأرض هذه إلى هنا تصلح للزراعة ما بعدها لا تصلح للزراعة فتذهب أنت لتشتري أرض فيقول لك الأرض من هذا الحدّ ثمنُها كذا بعد ذلك ثمنُها أقلّ لماذا؟ أرض وهذه أرض متجاورة هذه فيها خاصية وهذه فيها خاصية ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ وذلك دليلٌ على قادرٍ مدبّرٍ مريدٍ مُوقِعٍ لأفعالِه على وجهٍ دون وجه يفعل سبحانه وتعالى ما يريد في هذه الأرض قطع متجاورة
﴿وجناتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان﴾
وقرِأت من أعنابٍ وزرعٍ ونخيلٍ صنوانٍ وغير صنوان إذا أخذنا على القراءةِ التي بالجرّ وزرعٍ ونخيلٍ يرجِع إلى ﴿وجناتٌ من أعنابٍ وزرعٍ ونخيلٍ صنوانٍ وغير صنوان﴾ يعني هذه الجنات فيها من الأعناب فيها من الزرع فيها من النخيل
أو أنك تردُّها وزرعٌ إلى قطعٌ متجاورات ولذلك قرِأَت هكذا وقرأَت هكذا ﴿قطعٌ متجاورات وجناتٍ من أعنابٍ وزرعٌ﴾ معطوفةٌ على ماذا؟ على القطع المتجاورات ﴿وجناتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان﴾
الصِّنوان: جمع صِنوُ وهي النخلة لها رأسان وأصلُها واحد
أليس في الحديث: “العم صِنوُ الأب”؟ العم صِنوُ الأب فتجد من النخيل ما هو صِنوان ومنه ما هو غير صِنوان، صِنوان تجدُها من أصلٍ واحد أحيانًا تجِدُ تَفَرَّعَ عنها شجرتان أو ثلاثة أو أربعة من الأصل الواحد فتكون مجتمعة وأحيانًا تجدُ النخل متفَرِّق
صنوان إذًا معنى الصنوان هنا من أصلِ واحد يتفرع عنه عدة أشجار والأصلُ واحد ومن يعرف النخيل يعرف هذا أصلُها واحد
﴿يُسقى بماء واحد﴾
وهذا كلُّه يُسقى بماء واحد فماذا تجد؟ هذه الأرض التي سُقِيَت بماءٍ واحد تجدُ أن فيها أعنابًا تجد فيها نخيلا تجد فيها من أنواعِ الثمرات تجد فيها ضِمنَ نفسِ العنب في عنقود العنب حبة حلوة وحبة حامضة وحبة مُرة بين وبين، بين الحلو والحامِض
الماء واحد والتربة واحدة قالوا وهذا دليل على أن الطبيعة لا تصلح أن تكونَ خالقة
هذا رد على من يقال لهم الطبائعيون هذا يدل على أن لها خالق هو الله سبحانه وتعالى له مشيئة هو سبحانه وتعالى الذي قدَّرَ هذه النبتة كيف هي؟ البِطيخة الواحدة قد تأخذُها من ناحية حلوة حمراء ومن ناحية بيضاء ومن ناحية صفراء ضمن نفسِ الثمرة والأرضُ واحدة والماءُ واحد وربما الزارعُ واحد ومع ذلك كان فيها هذا الاختلاف
﴿ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾
وفي بعض القراءات في الأكْل
في الثمر تجد الجَوز، الجوزُ له أربعةُ قشور قشرة خارجية سميكة ثم تحتَه يقال لها قشرةُ الخشَبة ثم تحتَه تجد قشرة تحيط بالّلبِنَة ثم بعد ذلك القشرة الرقيقة وكلُّ ذلك في جَوزةٍ واحدة هذا ألا يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى ﴿ونفضل بعضها على بعض في الأُكُل﴾
﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾
عن الحسن البصريّ قال:
(مثَّلَ اختلافَ القلوبِ في آثارِها وأنوارِها وأسرارِها باختلافِ القطَعِ في أنهارِها وأزهارِها وثمارِها)
وبيانُ ذلك أليس قلنا هذا المطر الذي ينزل على هذه الأرض الواحدة ثم يكون هذا الصنف من الشجر من الزرع ومن الثمر هذا صغير هذا كبير وهذا حلو وهذا حامض وهذا أبيض وهذا أسود
وأخذ العارفون هذا الاستدلالَ الذي ذكره الحسنُ البصريّ رحمه الله قال:
وهذا يقرِّبُ لك قلوبَ العباد فكلُّنا من آدم وآدم من تراب قال: ثم أليس هناك المطر ينزل على الأرض يختلف الزرع أليس كذلك الماء واحد نوعية الماء واحدة والأرض واحدة لكن اختلف الأُكُل قالوا وكذلك القلب تتنزل عليه الموعظة يسمع الموعظة يسمع القرآن الكريم يرى هذه الشواهد ومع ذلك تجد القلوبَ قد تفاوتت فهذا قلبٌ خاشع وذاك قلبٌ قاسي هذا قلب رقيق يخشع بذِكر الله هذا قلب مُنَوَّر وهذا قلب مُظلِم تفكَّر كيف الأرض نزل عليها المطر هنا نبات وهنا ليس نبات وهذا القلب جاءته هذه الموعظة فهذا القلب تحركَ وتحرَّقَ وذاك القلب يكاد يكون مَيْتًا يقول قلبي ما تحرك ما اتعظت
لقيَني مرة واحد قال لي بلغت من العمر ما بلغت قال لي أتمنى أن أبكي من الخشوع قارب الستين سنة لكن سبحان الله وهو يقول وهو يكلمُني دمعت عينُه قال كلَّ حياتي أسمع وأسمع أجلس في المجالس قلبي لا يتحرك قلبي لا يخشع عيني لا تدمَع قلبي مشغول بالشواغل هذه موعظة نزلت عمَّت لكن كيف وقعُ هذه الموعظة في كلِّ قلب كالمطر الذي نزل على هذه الأرض هنا رمان وهنا عنب وهنا بِطيخ وهنا كُمَّثرى وحتى ضِمنَ الشجرة الواحدة لماذا هذا الحلو وهذا المر ولماذا هذا الحامض ولماذا هذا الاختلاف والأرضُ واحدة التربةُ واحدة والماءُ واحد
قالوا وكذلك هذا القلب وهذا المعنى اللطيف الذي أشار إليه الحسن قال مثَّلَ اختلافَ القلوب في آثارِها وأنوارِها وأسرارِها باختلافِ القطع في أنهارِها وأزهارها وثمارِها قال فهذا كهذا فلما تتفكرُ في ذاك وتتفكرُ كذلك في قلبِك وفي قلوبِ غيرِك
اللهم يا مقلبَّ القلوب ثبت قلوبَنا على دينِك.
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.