بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (5) وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ (6) وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ(7) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿وإن تعجب ﴾
يا محمّدُ من قولِهم في إنكارِ البعث
هؤلاء الذين أنكروا قدرةَ الله سبحانه وتعالى أنكروا قدرةَ الله تعالى على البعث فأنكروا البعث هذا معَ كلِّ ما رأَوا من الشواهدِ الدَّالةِ على قدرةِ الله سبحانه وتعالى مِن خَلْقِ السماوات وخَلقِ الأجرامِ العُلوية وخَلقِ الأرض وما فيها من الثمرات والزرع والنبات والليل والنهار ومع ذلك أنكروا قدرةَ الله عزَّ وجلّ على البعث فتعجَّبَ منهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم
﴿فعجب قولهم﴾
أي فقولُهم حقيقٌ بأن يُتَعَجَّبَ منه
لأنَ مَن قَدَرَ على إنشاءِ ما عُدِّدَ عليك كانت الإعادةُ أهونَ شيءٍ عليه وأيسرَ فكان إنكارُهم أُعجوبةً من الأعاجيب، تعجَّبَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلّم من إنكارِ المشركين قدرةَ الله على البعث وتعجُّبُهُ عليه الصلاة والسلام صحيحٌ وفي مَحَلِّهِ فالعَجَب من هؤلاءِ الذين رأَوا دلائلَ قدرةِ الله سبحانه وتعالى ومع ذلك جعلوا اللهَ تعالى عاجزًا عن أن يكونَ قادرًا على بعثِ العبادِ من قبورِهِم، الله سبحانه وتعالى قد خَلَقَهم وخَلْقُهُم كان من التراب خَلَقُهم الله سبحانه وتعالى من تراب وخَلَقَ الله سبحانه وتعالى هذا العالم بما فيه فلا يكونُ على الله سبحانه وتعالى لا يكونُ عليه ضَعف أو قُصور أو فُتور أو عدمُ قدرة على بعثِ هؤلاءِ العباد بعد إماتَتِهِم فهؤلاء المشركون أنكروا حجةَ العقل أنكروا الشواهدَ العقلية فقالوا ليس هناكَ بعث يقولون كيف إذا نحنُ صِرنا ترابًا وصِرنا عظامًا فكيف بعد ذلك نُبعَث وتُكسى عظامنا لحمًا هم كانوا من تراب من نُطَف مَيْتة فأحياهم الله سبحانه وتعالى فَعَجِبَ عليه الصلاة والسلام من إنكارِهم
﴿أإذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد﴾
إذا رجَعنا إلى التراب إذا صِرنا في قبورِنا وصِرنا ترابًا أيكونُ منا خَلق جديد ويكون لنا بعث بعد ذلك ؟
﴿أولئك الذين كفروا بربهم﴾
أولئك الكافرون المُتَمادونَ في كفرِهم
أي أنّ هؤلاء الذين أنكروا البعث الله تعالى قال عنهم: ﴿أولئك الذين كفروا بربهم﴾؛ لأن الذي يُنكِرُ البعث يكونُ مُكذِّبًا للقرآن الكريم ومكذِّبًا للنبيِّ الكريم عليه الصلاة والسلام وجاحدًا ومُنكرًا لقدرةِ الله عزَّ وجلّ، من الإيمان بالله التصديقُ بما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم
فائدة:
القرآنُ الكريم الذي يغتاظُ أعداءُ الإسلامُ منه أيَّما غَيظ لماذا يستهزئون بالقرآن تارَة ويُحرِقونَه شُلَّت أيديهِم تارَة لماذا يتجرَّأون على كتاب الله عزَّ وجلّ؛ لأنّ هذا القرآن فيه حياة القلوب، لأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم هذا القرآن فيه أخبارُ الأوُلين، وفيه أخبار نهاية الدنيا، وفيه بيانُ الحلال والحرام والشرائع فيه أخبارُ يوم القيامة فيه أخبارُ البعث الأنبياء أخبروا بالبعث ونبيُّنا محمّد عليه الصلاة والسلام أخبرَ عن البعث وأخبرَ عما يكونُ مع العباد عندَ الموت، لذلك نحنُ واجبٌ علينا أن نؤمنَ بعذابِ القبر وبنعيمِ القبر وأن نؤمنَ بالبعث والقيام من القبور ونؤمن بيومِ القيامة ونؤمن بالصراط والميزان والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والشفاعة ورؤيةُ الله سبحانه وتعالى في الآخرة وبكلِّ ما أخبرَ عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم
مَن كَذّبَ واحدة فقد كذّبَ محمّدًا، ومَن كذَّبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قد كذَّبَ الله، لا يكونُ مؤمنًا بالله مَن كان مُكَذِّبًا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، فلذلك صحيحٌ تَعَجُّبُ النبيّ عليه الصلاة والسلام
وعندما أنت تسمع اليوم مَن يأتي فيقول لك أنا لا أُصدِّقُ بأنه يوجد عذاب في القبر يقول كيف يوجد عذاب في القبر ويومُ القيامةِ لم يأتِ بعد نقول له وهذه المصائب التي تنزِل النِّقَم التي قد يُعَجِّلُ الله تعالى بها للكفار في هذه الدنيا والحساب ما جاء هذا لا يكونُ ظلمًا من الله سبحانه وتعالى ،الله يفعلُ ما يريد ﴿إن الله فعال لما يريد﴾ وكما يقولُ سبحانه ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ نحنُ نُسَلِّم لله، كيف عرَفنا أنه يوجد آخرة كيف عرَفنا عن عذاب القبر للكفار ولمن شاء الله من عصاةِ المسلمين؟ كيف عرَفنا؟ بخبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم كيف عرفنا بأخبارِ يومِ القيامة؟ بخبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم فيجبُ الإيمان بذلك، فالذي يُنكِرُ ذلك هو بالنتيجة مُكَذِّبٌ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام ومُكَذِّبٌ للقرآن، ولو زعم بعد ذلك أنه يقول أنا على لا إله إلا الله، لو قالها بلسانِه لا إله إلا الله، لكنه كذَّبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم نقضَ لا إله إلا الله، فلا يكونُ مؤمنًا بالله لو كان يأتي بزعمِه يؤدي الصلوات الخمس وبزعمه يؤدي صورةَ صيامِ رمضان، لو كذَّبَ في أمرٍ واحد أخبر عنه نبيُّنا عليه الصلاة والسلام لا يكون مسلمًا لذلك كان تَعَجُّبُ النبيّ عليه الصلاة والسلام من هؤلاء المشركين الذين وجدوا أنَّ هذا شيء لا يُمكِنُ حصولُه وكأنّهم يزعُمون أنَّ اللهَ عاجز، قدرتُه قاصرة عن أن يبعثَ العبادَ من قبورِهم بعد أن يصيروا عظامًا وترابًا فالله تعالى قال عنهم
﴿﴿وأولئك الأغلال في أعناقِهم﴾
١:وصفٌ لهم بالإصرار
٢:أو من جملةِ الوعيد
٣:أو يكونُ المعنى لهم وعيدٌ شديد
أي أنه من جملةِ عذابِهم في يومِ القيامة في جهنم أنَّ الأغلالَ تكونُ في أعناقِهم؛ لأنهم يومَ القيامة من عذابٍ إلى عذاب ومن ذُلٍّ إلى ذُلّ ومن هَوانٍ إلى هَوان فمن جملةِ عذابِهم أنهم يكونون مُصَفَدينَ في الأغلال
جاء البيانُ الأول ﴿أولئك الذين كفروا بربهم﴾ والبيانُ الثاني ﴿وأولئك الأغلال في أعناقهم﴾ وصفٌ لهم بالإصرار
﴿إِنا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ البعير يعني الجمل إذا شرِبَ ماذا يفعل؟ يرفعُ رأسَه
فيقال قَمَحَ الْبَعِيرُ أو بعيرٌ قامح (فرأسُه إلى فَوق)، وما هو المراد هنا؟ لماذا مُثِّلَ الكفار الذين تمادَوا في كفرِهم وفي إنكار البعث لماذا مُثِّلوا بهؤلاء؟ وأولئك الأغلالُ في أعناقِهم
لشدةِ عمايَتِهم فلَا يَرَوْنَ الْحُجّةَ لَا عَنْ يَمِينٍ وَلَا عَنْ شِمَالٍ وَلَا مِنْ أَمَام وَكَأَنّ أَعْنَاقَهُمْ فِيهَا الْأَغْلَال وهذه الأغلال إذا جُعلت يكون في شىء في وسط هذه الحَلْقة فهذا الذي تكونُ هذه الأغلال في عنُقِه فرأسُه يكون هكذا (إلى فوق) فهو لا يُبصِر ، واليوم صار يُوجد مَن هو على طريقةِ هؤلاء مَن عندَه عَمَايَة حتى عن آياتِ القرآنِ الكريم فتجدُ اليوم مَن صار يُنكرُ عذابَ القبر ويُشكِّكُ الناسَ في عذابِ القبر وصار هناك من يُشكِّك في البعث بل ويُسفِّهون مَن يقولُ بعذابِ القبر ومن يقولُ بالبعث هؤلاء هذا مِثالُهم كبعيرٍ قامِح
الله قال فيهم وفي أمثالِهم ﴿أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم﴾
﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(5)﴾
دلَّ تَكرارُ أولئكَ على تعظيمِ الأمر ثلاث مرات في هذه الآية للتأكيدِ على الأمر الذي تَعَجَّبَ منه النبيُّ عليه الصلاة والسلام
مثلُ هذا يُتَعَجَّبُ منه الذي يُنِكرُ الحقّ الذي يُنكِرُ الكتاب الذي يُنكِرُ السُّنّة الذي يُنكِرُ حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، القرآنُ الكريم أمَرَنا أن نتَّبِعَ محمدًا عليه الصلاة والسلام فالذي يقول أنا لا آخُذُ بحديثِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ويقول أنا آخذُ بالقرآنِ فقط نقولُ له لو صدَقتَ في قولِك بأنَّك تأخذُ بالقرآن لأخذت بقولِ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام؛ لأنّ القرآنَ قد أمرَ بذلك، فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على بَعثِ العباد وعلى سؤالِهم وعلى حسابِهم
فائدة:
يُروى أنّه سُئِلَ سيّدُنا عليُّ بنُ أبي طالب كرَّمَ الله تعالى وجهَه كيف يَبعثُ الله تعالى كل هؤلاء العباد يومَ القيامة ويحاسبُهم في لحظة يعني في وقتٍ قصير في ساعة يعني في وقتٍ قصير الله يكلِّمُهم يسألُهم
كلامُ الله أزليٌّ أبديّ ليس حرفًا وليس صوتًا، العباد كلٌّ منهم يسمعُ كلامَ الله الأزليَّ الأبديّ فيفهمُ منه السؤالَ عن قولِه والسؤالَ عن عملِه ما كان من أعمالِه ويكونُ ذلك في ساعة ليس ساعة أنها تُمُّر على ربِّ العالمين إنّما المعنى السؤال وليس معنى الساعة بمعنى ستّون دقيقة إنما المعنى في وقتٍ قصيرٍ يمُرُّ على العباد أما اللهُ سبحانه وتعالى فقد تنزَّهَ عن الزمان وكلامُ الله ليس ككلامِنا نحن،
كلام الله ليس بحرف وليس بصوت فهذا السائل يسألُ سيّدَنا عليّ كرّم الله تعالى وجهَه كيف يُبعَثُ العبادُ كلُّهم ويحاسبُهم الله سبحانه وتعالى في لحظة فماذا قال سيدنا علي :
أليس الله يرزقُهم في لحظة فيحاسبُهم كذلك
الآن نحنُ جميعًا وأكثرُ منا وكلّ مَن في هذه الدنيا هذا الهواء من الرِّزق وهذا النَّفَس من الرِّزق ما نتقلَّب فيه كلُّ هذا من نِعَمِ الله سبحانه وتعالى كلُّ العباد الله قادر على أن يجعلَ لهم الرِّزقَ في لحظةٍ واحدة وقادرٌ سبحانه وتعالى كذلك على بعثِهم وعلى سؤالِهم وعلى حسابِهم وماذا يكونُ كذلك من حالِ المشركين إذًا إنكار الشواهد الحُجَج العقليّة ردُّ النُّصوص العِناد الكِبر وماذا تجدُ منهم
﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾
المراد بالسيِّئة هنا النِّقمة والحسَنَة المرادُ بها العافية
فتارةً يقولون أَسقِط علينا كِسَفًا من السماء تارةً يقولون أَمطِر علينا حجارةً من السماء يستعجِلون ، هم يريدون أن يستهزئوا بزعمِهم بنبيِّنا عليه الصلاة والسلام وكأنهم يقولون وأين هذا العذابُ الذي أنت تعِدُنا يا محمّد أين العذاب أين الحجارة التي تأتينا من السماء أين هذا العذاب من شدةِ التَّكبُّر الذي عندَ هؤلاء والعَمايَة يصلُ الحالُ بهم إلى ذلك ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ بالنِّقمَةِ قبلَ العافية وذلك أنهم سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أن يأتيَهم بالعذاب استهزاءً منهم بإنذارِه ولكن ما هو حالُهم أليس يتَعجَّلونَ العذاب وأين هذا العذاب ومتى يأتي هذا العذاب ويقولون تأخَّرَ هذا العذاب فيأتي التذكيرُ لهم
﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾
أي العقوبات المُنَكِّلات ، عقوباتُ أمثالِهم من المُكَذِّبين
فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئون ؟!
هذه المَثُلات يستعجِلون استهزاءً ويقولون أين هو العذاب لم يُصِبنا العذاب تأخَّرَ العذاب في النزولِ عنا ألا يرَونَ مَن قبلَهم وقد بلغَهم ما بلغَهم من أخبارِ الأُمَمِ الهالكة من العذاب
المَثُلَة مفرد و الجمع مَثُلات مَثُلَة يعني على وزن صَدُقَة صَدُقات مَثُلَة مَثُلات
المَثُلَة العقوبة لما بين العقابِ والمُعاقَبِ عليه من المُمَاثَلَة كما في قولِه تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾
أو يقال المَثُلات في لغةِ تميم يقولون مُثْلَة ،ليس مَثُلَة،تقول مُثْلَة مُثُلات على وزن غُرْفَة غُرُفات وأما هذا الذي ذُكِرَ هنا وهذا أيضًا في لغةِ العرب مَثُلَة مَثُلات والمراد العقوباتُ المُنَكِّلات فينبغي أن لا ينسى هؤلاء العقوبةَ التي أنزلَها الله تعالى على مَن قبلَهم من الأُمَمِ التي كذَّبَت رسُلَها فأهلكهم الله سبحانه وتعالى فهؤلاءِ بخسف وهؤلاءِ بصَيحة وهؤلاءِ تُرفَعُ قُراهُم إلى السماء ثم تُقلَب وهم تَناهى إلى مَسامِعِهِم ما تَقَدَّمَ من أخبارِ العذاب فكيف ينسَوا وكيف ينسى مَن جاء بعدَهم وكيف ننسى نحن الأُممَ التي كذَّبَت فأهلكَها الله سبحانه وتعالى
بعضُ الأمم التي أهلكها الله بعضُهم كان ثلاثمائة ذراع طولُهم ،مئة وخمسون مترا تقريبًا ولهم أبنية ضخمة جدًّا وأهلكهم الله سبحانه وتعالى ،هذه المَثُلات العقوباتُ الُمَنِّكلات فينبغي أن لا ينسى العبد أنّ الله تعالى قادرٌ عليه ولا لحظة من اللحظات
عبرة:
مرّة طبيب مشهور جدًّا في أمرِ العيون لشدةِ عِنادِه وتكبُّرِه قال أنا ربُّ العيون فعَمِيَ من ساعتِهِ عَمِيَ أهلكَهُ الله تعالى يوجد مَن مَسَخَهم الله وهذا يجوز من حيثُ العقل مسخَهم الله قردة وخنازير فكان يأتي الأقرِباء بعضُهم القرد وكان قبلَ ذلك شخصًا يعني بشَرًا صار ممسوخًا قردًا فصار يأوي بعضُهم إلى بعض ،قرود فيما بينَهم ،ثم ماتوا بعد ذلك أهلكَهم الله، الله تعالى قادر على أن يرسلَ عذابًا شديدًا في وقتٍ من الأوقات
قد أُغرِقَت هذه الدنيا بالماء في قوم نوح إذًا لا ينبغي أن ننسى تلك المَثُلات لا ننسى قدرةَ الله سبحانه وتعالى وما هو مقصودُنا بهذا التذكير الذي في كتاب الله عزَّ وجلَ أن لا نتجرأَ على معصيةِ الله وأن نستعِدّ لماذا؟ لأنّ عذابَ الله تعالى شديد وإذا كان هذا مما سمعنا عنه من المَثُلات من العذاب في الدنيا يرحمُنا الله ماذا يكونُ عذابُ الآخرة يا إخوة؟ ماذا يكونُ عذابُ يومَ القيامة؟ نحن لا نقوى عليه نحن أحيانًا لا نقوى على لدغةِ هامَّة نحن أحيانًا لا نقوى على حرارةِ شرارة نحن أحيانًا لا نقوى على انغرازِ شَوكةٍ نُشاكُها في أجسادِنا فكيف بالذي يكونُ في جهنم والعياذ بالله ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ ينبغي أن نتذّكَّرَ عذابَ الله سبحانه وتعالى في الآخرة حتى نستعدَّ اليوم وحتى نعملَ اليوم ولنتذَكَّر جميعًا فاتَنا ما فاتَنا في حياتِنا وقصَّرنا كثيرًا فيما مضى ولم نحاسِب أنفسَنا على كثيرٍ مما فعلنا نفسُنا تميلُ أكثر أن نحاسِب فإن جاء مَن يُحاسِبُنا تردَّدنا كثيرًا وربما خالفناه وربما أنكرنا عليه وهذه نفسُ هذا الإنسان هكذا نفسُ هذا الإنسان
لذلك ماذا يقول بعض العارفين يقول: (اعمل لِما بقي ليُغفَرَ لكَ ما مضى)
﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾
جاء التذكيرُ كذلك برحمة الله سبحانه وتعالى أي مع ظلمِهم أنفسَهم بالذنوب
ومَحَلُّهُ الحال أي ظالمينَ لأنفسِهم
قال السُّدِّيُّ رحمه الله:
يعني المؤمنينَ وهي أرجى آيةٍ في كتاب الله حيث ذَكَرَ المغفرةَ مع الظُّلم وهو بدونِ توبة ،فإن التوبةَ تزيلُها وترفعُها
قالوا إذًا المعنى أنه هذا الإنسان ظلمَ نفسَه ولم يتُب أما لو تاب “التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له” والله تعالى قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ معناه المسلمونَ العصاة الذين هم من أهلِ الكبائر وماتوا بلا توبة فهؤلاء تحت مشيئة الله إن شاء الله عذَّبَهم وإن شاء الله تعالى عفا عنهم أما لمن مات تائبًا “التائبُ كمن الذنب كمن لا ذنبَ له” فإذًا بعضُ المفسرين هكذا قال
إذًا الكلام عن المسلمينَ العصاة ،مسلمين عصاة ظلموا أنفسَهم بالمعاصي ولم يتوبوا
المغفرة ذُكِرَت مع الظلم يعني وهو لا يزال ظالمًا قد يموتُ ظالمًا ويعفو الله تعالى عنه قد يشفِّعُ الله فيه نبيَّه محمدًا عليه الصلاة والسلام إنسان كان ظالمًا ظلمًا شديدًا شديدًا شديدًا ومات ظالمًا غيرَ تائب لكنه كان مُكثِرًا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فشَفَعَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فعفا الله تعالى عنه
بعد أن ذُكِرَ أمرُ المَثُلات والعقوبات المُنَكِّلات جاء ذِكرُ أرجى آية في كتاب الله حيث جاء ذِكرُ المغفرة للناس على ظُلمِهم
﴿ وإن ربك لشديد العقاب(6)﴾
وإذا كان المراد في الأوَل الكلام عن المسلمين العصاة وهنا ﴿وإن ربك لشديد العقاب﴾ فقالوا إذًا هنا هذه على الكافرين
هذا وجه في التفسير وبعضُ المفسِّرين قال :
هما جميعًا في المؤمنين معناه إن عفا عنهم نالوا العفو وإن لم يعفُ عنهم فإنّ عقابَ الله تعالى شديد ولكن المسلمُ العاصي ونحن مذهبُنا مذهبُ أهلِ السُّنّة هو المسلمون العصاة من أهل الكبائر ليسوا كفارًا
الإمامُ الطحاويّ يقول: (ولا نُكَفِرُ أحدًا من أهل القِبلةِ بذنبٍ ما لم يَستحِلَّه)
مسلم عاصي وقع في معاصي كبيرة لا نقول عنه كافر،بل نقول عاصي، لكن إذا نزلت عقوبةُ الله تكون عقوبةُ الله شديدة ولكن مهما بلغت العقوبة بالمسلمِ العاصي الذي مات من غير توبة ومات وهو مُتَلَوِّث بالمعاصي الكبيرة مهما كانت درجة العقوبة له لا تكونُ عقوبتُه في الدرجة كدرجة الكافر لا يصل إلى تلك الشِّدة الكافر يكون في أشدِّ ما يكون والعياذ بالله من العذاب فسبحان الله العظيم كيف تجدُ في كتاب الله تعالى أرجى آية في المغفرة وقبلَها التذكيرُ بالمَثُلات ثم بعدَها التذكيرُ بالعقاب لتَكُن يا عبدَ الله ما بين الخوفِ من الله والرجاءِ لله سبحانه وتعالى فلا تقنَط من رحمة الله لا تيأس من رحمة الله ولا تأمَن من مَكرِ الله
﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾
لم يَعْتَدُّوا بالآيات المُنزَلَةِ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم عنادًا فاقترحوا نحوَ آياتِ موسى وعيسى من انقلابِ العصا حيّةً وإحياءِ الموتى كلّ ما رأى المشركون من المعجزات
ونبيُّنا محمّد عليه الصلاة والسلام كان أكثرَ الأنبياءِ معجزات عدد معجزاتِ النبيّ عليه الصلاة والسلام تجاوزَت ثلاثة آلاف معجزة
احسب ثلاثة آلاف معجزة على عددِ السنوات التي كان قد نُبِّئَ فيها عليه الصلاة والسلام في أي سِنّ نُبِّئَ عليه الصلاة والسلام؟ في الأربعين يعني في ثلاثة وعشرين سنة تقول ثلاثة آلاف معجزة
في مسجد معروف إلى الآن في مكة المكرمة قريب إلى ناحية مسجد الجِنّ اسمه مسجد الشجرة كان النبيّ عليه الصلاة والسلام هناك فمَرَّ رجلٌ أعرابيّ كان مشركًا النبيّ عليه الصلاة والسلام فورًا بادَرَهُ يعلِّمُنا عليه الصلاة والسلام كيف نُبادِرُ إلى الدعوة إلى الإسلام وقف عليه الصلاة والسلام نظر إلى هذا الرجل قال: هل لك إلى خير؟ يعني هل أدُلُّك على خير؟ وقف الأعرابيّ مَن هذا الذي يُكلِمني؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلّم الأعرابيُّ قال: ومَن يشهدُ لك؟ ما في هذا الأعرابيّ والنبيّ عليه الصلاة والسلام قال: ومَن يشهدُ لك؟ شجرة كانت بعيدة في الطَّرَف، قال عليه الصلاة والسلام: هذه الشجرة، فدعاها صلى الله عليه وسلّم فجاءت تلك الشجرة تشقُّ الأرضَ شقًّا تَخُدُّ الأرضَ خَدًّا حتى صارت قائمةً بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال لها عليه الصلاة والسلام: مَن أنا؟ قالت: أنت رسولُ الله، قال ثانية: مَن أنا؟ قالت: أنت رسولُ الله، قال لها: مَن أنا؟ قالت: أنت رسولُ الله، الأعرابيُّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمَدًا رسول الله
واشتهرت هذه المعجزات وغيرُها ومع كَثرَة ما رأى المشركون من معجزاتِه عليه الصلاة والسلام شأنُ المعاندين أنت تُناقش واحد تعطيه تسعة وتسعين دليل يقول ما أعطيتَني المائة تعطيه نصوص من القرآن الكريم ومن الحديث تقول له الله موجود بلا مكان يقول لك أعطيني من القرآن تقول له ﴿ليس كمثله شيء﴾ يقول لك أعطيني من الحديث “كان الله ولم يكن شيء غيره” أعطيني الإجماع على تنزيه الله عن المكان نقله الإمامُ عبدُ القاهر بن طاهر البغداديّ ثم بعد أن تُنهي كلَّ هذا يقول لك ولكن ماذا تقول في حديث الجارية؟ تركَ النصوصَ القطعية وترك الإجماع ويريد حديثَ الجارية جاء بروايةٍ عند مالك وبروايةٍ عند أحمد الذي يزعُمون أنهم ينتسبون إليه بلفظ “أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله” انتهى فبعضُ الناس مهما سَرَدْتَ له من الأدلة لا يقبل لا يأخذ بالدليل مثلُ هذا حصلَ مع سيِّدِ الخَلق عليه الصلاة والسلام وهم يُنكرون هذه المعجزات
كل ما رأَوه ومع ذلك يريدون عصا تنقلب إلى حيّة مثلما حصل مع سيّدنا موسى يريدون إحياء موتى مثل ما حصل مع سيّدنا عيسى وهذا كان منهم عِنادًا فكانوا يقترحون فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم:
﴿إنما أنت منذر﴾
معناه إنما أنت رجلٌ أُرسِلتَ مُنذِرًا مُخوِّفًا لهم من سوء العاقبة وناصحًا كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيانُ بما يَصِحُّ به أنك رسولٌ مُنذِر
يعني ليس العبرة بما يقترحون هم، ما عليك إلا الإتيان بما يَصِحُّ به أنّك رسول مُنذِر ليس العبرة أنه يقول لك لا أؤمن لك حتى أرى كذا
ما أعطاك الله سبحانه وتعالى هذا كافٍ ولو كانت آية واحدة وصِحَّةُ ذلك ما الدليلُ على صدقِ الأنبياء؟ المعجزات؛ لأنّ المعجزات نازلةٌ منزِلةَ قولِ الله تعالى صدَقَ عبدي فيما يُبَلِّغُه عني لأن اللهَ قد صَدَّقَ الأنبياءَ بالمعجزات تصديقُ اللهِ تعالى لهم دليلٌ على صِدقِهم؛ لأن الله لا يُصَدِّقُ الكاذب لأن الذي يُصَدِّقُ الكاذب يكون كاذبًا وتنزّه الله تعالى عن ذلك
يعني من يسأل يقول أنا أريد دليلًا على صدق الأنبياء؟ المعجزات طيب يقول ما يدريني بهذه المعجزات؟ نقول له الخبرُ الصادق جاءتنا الأخبار المتواترة والأخبارُ المتواترة التي تُفيدُ علمًا يقينيًا قطعيًّا بأمرِ معجزاتِ الأنبياء، فثبَت ذلك لهم فإذًا هم صادقون فيما يبلِّغون عن الله سبحانه وتعالى وليس شرطًا أن تُجعَلَ كلُّ أنواعِ العجائب
المعجزة هي خارق للعادة قد يحصل لو رأيت خارقًا لو لم ترَ أيَّ خارق لكن بلغك ما حصل مع الأنبياء من المعجزات فهذا يكفي
﴿ولكل قوم هاد(7)﴾
يعني ﴿لكل قوم هاد﴾ يعني من الأنبياء يهديهِم إلى الدّين ويدعوهم إلى الله بآيةٍ خُصَّ بها لا بما يريدون ويتحكّمون
كلُّ نبيّ من الأنبياء لهم معجزة بعضُهم عرفنا معجزتَه وبعضُهم ما عرفنا فليس العبرة إلا أن تأتيَ المعجزة كما هؤلاءِ طلبوا إنما حصلت معجزة تدُلُّ على أنَّ هذا النبيَّ صادق ﴿ولكل قوم هاد﴾ من الأنبياء الله تعالى بعث هؤلاء الأنبياء رحمةً يهدون إلى الدين وكلُّ الأنبياء دينُهم واحد هو دين الإسلام ولذلك لا يقال الإسلام آخرُ الأديان
شريعةُ الإسلام التي نزلت على النبيِّ ﷺ آخر ما نزَل كشريعة أما لا يقال آخرُ الأديان لأن دينُ آدم ﷺ كذلك ودينُ إبراهيم ودينُ موسى ودينُ عيسى ودينُ جميعِ الأنبياء واحد وهو الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ﴿ولكل قوم هاد﴾ الحمد لله الذي جعلَنا جعلَ هاديَنا محمّدًا ﷺ والحمد لله أننا من أتباعِ محمّد رضينا بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبالقرآنِ إمامًا وبمحمّدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا.