بسم الله الرحمن الرحيم
﴿سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ (10) لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ(11) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾
سواءٌ منكم من أسَرَّ أو مَن جهرَ
مَن أسرَّ القول: أخفاه
جهرَ به :أخبرَ به غيرَه هذا يعلمُه الله وهذا يعلمُه الله؛ لأن الله عزَّ وجلّ يعلمُ السر وأخفى
لأن علم الله علم أزلي لا يلحقه تغير ولا يطرأ على علم الله زيادة ولا يطرأ على علم الله نُقصان، يعلمُ الله ما تحملُ كلُّ أنثى وما تغيضُ الأرحام وما تزداد يعلمُ الله تعالى أعمالَ العبادِ قبلَ أن يعملوها، يعلمُ الله تعالى تفاصيلَ أعمالِ العباد ليس فقط أنه سبحانه يعلمُ بها بالُعموم من غيرِ تفصيل بل يعلمُ سبحانه وتعالى دقائقَها، فما أخفيت وما أعلنت وما أسررْت وما جَهَرت وما أفنيت وما أبقيت كلُّ ذلك يعلمُه الله سبحانه وتعالى
وتَكرارُ ذِكرِ علمِ الله سبحانه وتعالى كما تقدَّم في الآياتِ الماضية وإلى هذه الآية دليلٌ على أنّ الله سبحانه وتعالى قادرٌ على كلِّ شيء وأنه سبحانه وتعالى خالقٌ لكلِّ شيء نحن ما لنا من أعمالِنا إلا الكسب وليس الخَلقُ لنا، إنما الخلق لله ﴿ألا له الخَلقُ والأمر﴾ ﴿الخلق﴾ أي أنه الخالق سبحانه وتعالى ﴿والأمر﴾ فُسِّرَ هنا الأمر على معنى الكلامِ الأزليّ لله
كلمةُ الأمر في القرآن القرطبيّ يقول جاءت على أكثر من خمسةَ عشر معنى ستمُرُّ إن شاء الله معنا أيضًا في الآيات القادمة على معنًى آخر
﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾ أي في علمِه يعني
هذا يعلمُه الله وهذا يعلمُه الله كم يجري على قلبِ الواحِدِ منا من الخواطر الله يعلمُها، الله مقلِّبُ القلوب، لا تخفى على الله سبحانه وتعالى خافية شهودُ العبدِ ذلك في كلِّ أحوالِه إلى ماذا يقودُه إلى دوامِ المراقبةِ لله، والمراقبةُ لله إلى أيِّ شيءٍ توصِلُ العبد إلى الخوفِ من الله وإلى اجتنابِ معصيةِ الله فلا يتجرّأُ العبدُ بعد ذلك على معصيةِ الله عزَّ وجلّ لماذا؟ إذا همّت نفسُه بالمعصية تذكَّرَ الله يراني، الله عالمٌ بي، فيرتدع لو لم يكن أحدٌ من الناس يراه أو يعلمُ به لكنه يذكُر أن الله سبحانه وتعالى عالمٌ به فهذا يعلمُه الله وهذا يعلمُه الله ولاستقرارِ هذا المعنى الشافعيّ رضي الله عنه يقول: (من علامةِ العبدِ المخلص أنه يستوي عندَه مدحُ الناسِ وذَمُّهُم)
وهذه مرتبةٌ عالية أقول لكم كم مرةً كنا سنعملُ خيرًا ثم أمسكنا عن هذا الخير خوفًا من كلامِ الناس كم مرةً توقفنا عن عمل كان الخير لنا أن نُكمِلَ في هذا العمل ثم شقشَقَ علينا الشيطان ودخلَ لنا من أبوابِه الخفيّة الخبيثة الناس كيف ستنظرُ لك؟ الناس ماذا ستقولُ عنك؟ فإذ بك تُمسِك عن عملِ الخير عندما يستقرُّ في قلبِك أن
اللهَ عزَّ وجلّ عالمٌ بكلِّ شيء فبعد ذلك أنت لا تبالي قل:
إن كان منك الرِّضا يا مَن هو الطلبُ … فلا أبالي بكلِّ الناسِ إن غضبوا
يكفيني أني أنا أُرضي الله سبحانه وتعالى وبعد ذلك لا أبالي ولا ألتفت، ليس همّي ماذا سيذكرُ الناس عن رقعةِ ثوبي عن منظري عن هيئتي عن بيتي عن سيارتي إذًا أنا أعملُ للناس، أن نسموَ في المرتبة ونحنُ نستحضرُ هذا المعنى ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾ فاعلم أن الله سبحانه وتعالى عالمٌ بي فأنا بعد ذلك لا أبالي لا أبالي ولا أسأل
أحدُ الأبدال الشيخ محمّد عبدُ السلام رحمه الله قالوا له تتولى القضاء الذي يسعى له كثير من الناس في هذا الوقت يبذُلون ما يبذلون ليصلَ إلى هذا المُسَمّى اسمه كذا لكن هذا الشيخ يذكُر قاضٍ في الجنة إذا اتقى الله سبحانه وتعالى لكن إذا لم يتَّقِ الله فماذا يكون؟ يكونُ في النار والعياذ بالله خاف قال أنا لا أتولى القضاء ما قَبِل قيل له هذا أمرٌ لك أنت مأمور لا مجالَ إلا أن تكونَ أنت القاضي لهذه الناحية وماذا يفعل حتى يصرِفَهم عنه ماذا فعل؟ قَلَبَ ثوبَه ولبِسَه مقلوبًا ثم خرج يمشي في الطريق وثوبُه مقلوب فبعضُ الناس قالوا جُنَّ الشيخ قالوا جُنَّ الشيخ فصُرِفوا عن ذلك
ما الذي يصير مع هؤلاء أنهم يتذكرون أنّ الله سبحانه وتعالى عالمٌ بهم أن الله تعالى مُطَّلِعٌ عليهم ولذلك ماذا تجد في قلوب هؤلاء؟ تجد في قلوب هؤلاء التعظيم لشعائرِ الله سبحانه وتعالى
لأنه ما الذي يملأُ قلبَهم تعظيمُ شعائرِ الله عزَّ وجلّ ينتبهون حتى إلى الأمر الدقيق إن كان من مشايخِنا مَن يُنبِّه مثلًا هذه الأوراق الشرعية التي معكم لا تضعوا فوقها شيء من المَتاع عندك كتاب شرع لا تضع فوقه مثلًا مِفتاح ساعة لا تَتَّكِئ عليه قلوبُهم بهذا مشغولة تفكيرُهم مشغول بهذا
﴿ومن هو مستخف بالليل ﴾
مُتَوارٍ يعني هذا من المبالَغة في أنه يعني يُخفي نفسَه إلى درجةٍ كبيرة وعلى أنه يُخفي نفسَه
فبعضُهم قال يعني يعلمُ الله تعالى العبدَ الذي يتعمَّد أن تكونَ المعصية في وقت لا يراهُ الناس في الليل فإذا جاء النهار كأنه شخصٌ آخر حتى يكونَ في خفيةٍ عن الناس ﴿ومن هو مستخف بالليل﴾ أو هي في العموم مُتَوارٍ، مُتَوارٍ في الليل
﴿وسارب بالنهار﴾
معنى سارب من السُّروب ذاهب في سِربِه أي في طريقِه وَوِجهَتِه
فعندما يقول ساربٌ بالنهار يعني كأنه يوجد مبالغة في إظهارِ نفسِه ليس فقط أنه ظاهر لا بل ويمشي في الطريق كالذي يُعلن أنا هنا
وذاك قال مستَخْفٍ يعني مُتَوارٍ في درجة عالية من الإخفاء وهذا في الإعلان، يقال سَرَبَ في الأرض سُروبا
نرجِع للآية ﴿سواءٌ منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ سارب عطفٌ على مَن هو مُستخفٍ لا على مُستخفٍ
أليس قبلها (ومن هو مستخف) فهل هي معطوفة على (مَن هو) أم على (مُسْتخفٍ)؟
عطفٌ على مَن هو مُستخفٍ لا على مُستخفٍ أو على مُستخفٍ يصِحّ لكن ماذا يكونُ المعنى؟
يقول غيرَ أنّ (مَن) في معنى الاثنين ما معنى ذلك؟ ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾ الله يعلمُ هذا ويعلمُ هذا ﴿ومَن هو مستخفٍ بالليل ومَن هو ساربٌ بالنهار﴾ إذًا مَن شملت الاثنَين الأخيرة يعلمُ سبحانه مَن هو مُستخفٍ بالليل ويعلمُ سبحانه مَن هو ساربٌ بالنهار
وإذا كان الأمر كذلك فإذًا هؤلاء الذين يقولون إن الله لا يبعثُ مَن في القبور لأن هذا في قولِهم بعيدٌ من الحصول لأنهم صاروا في قبورِهم عظامًا متفتِّتَة بالية خالَطها التراب فكيف تجتمعُ هذه العظام مرة ثانية وكيف يكونُ البعث من القبور فيقال لهم الذي هو قادر على كلِّ ذلك الذي هو عالِم بكلِّ ذلك بمَن هو مُستخفٍ بالليل مَن هو سارب بالنهار عالم بمَن أسرَّ القول عالِم بمَن جهرَ بالقول فهو سبحانه قادرٌ علينا وقادرٌ على إحيائِنا وقادرٌ على إماتَتِنا وقادرٌ سبحانه وتعالى على بعثِنا
كان عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه وكان عليه الصلاة والسلام يضع باطنَ كفِّهِ اليُمنى تحت خَدِّه الشريف عليه الصلاة والسلام عند النوم فينام عليها مضطجِعًا عليه الصلاة والسلام على جنبِه الأيمن ويقولُ ثلاثًا:
اللهم قِنا عذابَك يومَ تبعثُ عبادَك اللهم قِنا عذابَك يومَ تبعثُ عبادَك فإنّ مَن قالَها مات في تلك الليلة إن توفّاهُ الله في تلك الليلة لا يُعذَّبُ في النار ويبعثُه الله سبحانه وتعالى آمِنًا،
وبعد هذا البيان جاء قولُه سبحانه
﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾
﴿له﴾
ترجع إلى مَن أسَرَّ القول مَن جَهَرَ به مَن هو مُستخفٍ بالليل مَن هو ساربٌ بالنهار تشملُ كلَّ هؤلاء
﴿له﴾ مردودٌ على مَن كأنَّه قيلَ لمَن أسرَّ ومَن جَهرَ ومَن استخفى ومَن سَرَبَ لكلِّ هؤلاء
﴿معقبات﴾
جماعاتٌ من الملائكة تَعْتَقِبُ في حِفظِه لكلِّ هؤلاء جماعات من الملائكة تَعتَقِبُ في حفظِه
مُعَقِّبات الأصل مُعْتَقِبات أُدغِمَت التاء في القاف مُعَقِّبات أو هو مُفَعِّلات من عقَّبَه إذا جاء على عَقِبِه لماذا؟ لأن بعضَهم يَعقُبُ بعضًا
يتعاقَبون فيكم ملائكةٌ بالليل والنهار ينزِلون ويصعدون وقتَ صلاةِ الصُّبح يصعد مجموعة من هؤلاء الملائكة المُعَقِّبات يأتي غيرُهم ثم وقتَ العصر ينزِلُ مُعَقِّبات من الملائكة إذًا ينزِلون في الوقتَين وإذًا هذان وقتانِ مُباركان وقتُ الصُّبح ونَذكُر ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ أليس رسولُنا عليه الصلاة والسلام قال: “ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها” ركعتا السُّنّة فكيف بالفرض؟
إذًا من الملائكة يتعاقبون علينا ينزِلون وقتَ الصُّبح يصعدون وقتَ العصر وينزِل غيرُهم هؤلاء يقالُ لهم مُعَقِّبات من هؤلاء مَن هو مُوَكَّل بالحفِظ أي بحِفظِنا
أو لأنهم يَعْقُبونَ ما يتكلمُ به فيكتُبونه ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾
ما نتكلم به يكتبُونه يتعاقبون فيكتُبون ما الذي يكونُ منا بعضُ العلماء قال:
عشَرة معَ كلٍّ منّا ستة حَفَظة، اثنان رقيب وعتيد، هذه ثمانية قالوا مَلَك وظيفتُه بإذن الله أن يمنعَ دخولَ الحَيَّة في فمِ الإنسان إذا نام هذه تسعة، ومَلَك من الملائكة هذا عندَ مَن قال بأنّهم عشرة بعضُهم قال غيرَ ذلك، ومَلَكٌ وظيفتُه أنه يُوصِلُ السلامَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم
والصلاةَ عليه أي كلّما صلّينا، الصلاةُ والسلام عليك يا سيّدي يا رسولَ الله، ماذا يدلُّكم ذلك على عظيمِ شرفِ محمّد فإذا كان مَلَكٌ معَ كلٍّ مِنّا قد وكَّلَه الله عزَّ وجلّ كلّما صلّينا وسلّمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وظيفتُه إيصالُ صلاتِنا وسلامِنا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم هذا يدلُّنا كذلك على أن نبيَّنا عليه الصلاة والسلام حيٌّ في قبرِه كما قال عليه الصلاة والسلام:
“الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون” وكلّما صلَينا وسلّمنا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم فإن المَلَكَ يُوصِلُ السلامَ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام يقولُ له: “يا أحمد” في بعض الروايات “يا محمّد فلانُ بنُ فلان يسلِّمُ عليه” فيُذكَرُ باسمِه واسمِ أبيه عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم له مُعَقِّبات
﴿ من بين يديه ومن خلفه﴾
من قُدَّامِه ومن ورائِه
﴿يحفظونَه من أمر الله﴾
هنا ماذا ذُكِرْ؟ ﴿له﴾ راجعة لمَن؟ لمَن أسرَّ القولَ مَن جهَرَ به مَن هو مُستخفٍ بالليل مَن هو ساربٌ بالنهار ماذا له؟ ﴿له معقبات يحفظونه من أمر الله﴾
المعنى له مُعَقِّباتٌ من أمرِ الله ويحفظونَه من أمرِ الله
لذلك قالوا هما صِفَتانِ جميعًا وليس من أمرِ الله بِصِلَةٍ للحِفظ كأنه قيلَ له مُعَقِّباتٌ من أمرِ الله بعضُهم قال مِن أمرِ الله:
(مِن) هنا بمعنى الباء يعني بأمرِ الله يعني كأنَّ المعنى يصير له مُعَقِّباتٌ بأمرِ الله ويحفَظونَه بأمرِ الله
وبعضُهم قال:
له مُعَقِّباتٌ بإعانةِ الله يحفظونَه كذلك بإعانةِ الله
لذلك قال هما لمُعَقِّبات ويحفظونَه صفَتانِ جميعًا وليس من أمرِ الله بِصِلَة للحِفظ فقط
يعني لا يُقيِّدونَ هنا أنه من أمرِ الله فقط في أمرِ الحِفظ لا، ويردُّونَها كذلك إلى التي قبلَها ﴿له معقبات من أمر الله﴾ أو يحفظونَه من أجلِ أمرِ الله يعني امتثالًا لأمرِ الله عزَّ وجلّ أي من أجلِ أنّ الله تعالى أمرهم بحِفظِه وهناك وجهٌ آخر في بيان معنى الأمر هنا، هنا إذًا تعرَّضنا لمعنى كلمة الأمر
وبعضُهم قال:
الأمرُ هنا بمعنى البأس والنِّقمة
لذلك قال يحفَظونه من أمر الله يحفَظونَه من بأسِ الله ونِقمَتِه إذا أذنبِ بدعائِهم له وهم أيضًا يحفظونَنا بإذن الله تعالى من أذى الجنّ من أذى الشياطين لولا أن الله تعالى قد وكَّلَ بنا هؤلاءِ الملائكة لتَلاعَبَت الشياطينُ بنا
قال العلماء :كما يلعبُ الصبيُّ بالطّابة بالكرة، قد يسأل واحد ولكن أليس يحصل أحيانًا يصيبُنا شيء من أذى الشيطان فكيف ذلك؟ قالوا هم يحفظونه بإذن الله إلا ما شاء الله تعالى لهم فعندَها يُخَلُّونَ بينَ هذا العبد وما أراد الله فيصيبُه ما أراد الله له ، معنى ذلكَ على حسبِ مشيئةِ الله سبحانه وتعالى وعلى حسبِ تقديرِ الله عزَّ وجلّ يعني إذا كان الله تعالى شاء لهذا العبد أن يُصيبَه هذا سوف يصيبُه
فائدة:
كان مرّة واحد من الصحابة عَلَّمَ دعاءً وذكر أنَّ مَن يقول هذا لا يصاب بالفالج ولا يصاب بالداء الفلاني ولا بكذا ولا بكذا حدَّثَ في هذا بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام ثم هو نفسُه أُصيبَ بها ذاتَ يوم فجاءوا كأنّهم ينظُرون إليه لستَ أنت مَن قلتَ لنا يوجد دعاء من قالَه لا يصيبُه هذا الدَّاء فهو تنَبَّه قال قدَّرَ الله أني في هذا اليوم الذي أُصِبتُ فيه نسيتُ أن أقولَه دائمًا مُواظب عليه في هذا اليوم بتقديرِ الله سبحانه وتعالى الله أراد له أن يُصابَ به لا بدّ أن يُصاب
لذلك مرة لما جاء رجل لسيّدنا علي كرّم الله وجهَه رجل من مُراد قال له:
يوجد من مراد من يريدون قتلَكَ فقال لهم ما معناه سيدنا علي (إنه معنا نحنُ من المُعَقِّبات) قال لماذا أنا أخاف قال:( لكن إن كان بتقديرِ الله خلَّوا بيني وبين قدري إنّ الأجَلَ جُنَّةٌ حصينة) معناه إذا كان حان أجلي مهما كنتُ أنا أخذتُ من الاحتياطات سيُصيبني ما أراد الله سبحانه وتعالى لي، إذًا هذا يُقَرِّب لنا إنه هذا الذي من المُعَقِّبات هو بأمرِ الله وبمشيئةِ الله سبحانه وتعالى معناه هم لا يمنعون مشيئةَ الله لكن يجعلهم الله سبحانه وتعالى سببًا لدفعِ البلاء
لذلك من جملة ما ورد في الحديث ( إذا أوى العبد إلى فراشِه يأتيه مَلَك ويأتيه شيطان هو لا يرى هذا ولا يرى هذا الَمَلك ينادي فيه اختم يقظتَك بخير والشيطان ينادي فيه اختم يقظتَك بشَرّ فإذا نام على ذِكرِ الله أو على قراءةِ شيءٍ من القرآن الكريم ختم يقظتَه بخير فكان له حِفْظٌ من الله تعالى وذلك المَلَك يكونُ معه حارسًا)
ولذلك من جملةِ ما وردَ في أسرارِ سيِّدَةِ آيِ القرآنِ الكريم آيةِ الكرسيّ (الذي يقرأُها عندما يأوي إلى فراشه يُوَكِّلُ الله تعالى به مَلَكَين يَحفَظانِه يحرُسانِه بإذن الله حتى يُصبِح)
وفائدةٌ عظيمةٌ أخرى في أسرارِها نذكرها فقط لمناسبةِ ذِكرِ أمرِ الحفظ (الذي يقرأ آيةَ الكرسيّ عندما يخرج من بيته يقرأُها مرة ما أعظمَ هذا الوِرْد وما أيسَرَه يقرأُها مرة عندَ خروجِه من البيت يُوَكِّلُ الله تعالى به سبعينَ ألفَ مَلَك يستغفرون له حتى يرجِع )
إذًا ليس فقط الأمر بالمُعَقِّبات التي معنا يوجد غيرُهم من الملائكة سبعون ألف
ومن قرأ آيةَ الكرسيِّ كلما دخلَ إلى بيتِه نفى اللهُ عنه الفقر، من قرأ آيةَ الكرسي كلما دخل إلى بيتِه يعني قرأَها مرة نفى الله عنه الفقر جعل الله سبحانه وتعالى أسبابًا للحفظ، ويسَّرَ سبحانه وتعالى للعباد ما شاء
﴿إن الله لا يغير ما بقوم ﴾
من العافِية والنِّعمة
﴿حتى يغيِّروا ما بأنفسهم﴾
من الحالِ الجميلة بكَثرَةِ المعاصي
ومعنى ذلك وهذا من حيثُ الإجمال قومٌ كانوا في بَسْط في سَعَة وفي رخاء لا يصرِفُهُمُ الله تعالى المراد الجملة لا يصرِفُهم الله تعالى إلى حال الجَدب والقَحط والضِّيق والبُؤس إلا إذا تحوَّلوا من طاعةِ الله إلى معصيةِ الله فعندها تتحوَّلُ عنهم النِّعمة ويصيرون في ابتلاءٍ ونِقمة
متى يحصلُ هذا؟ إذا تحوَّلوا عن طاعة الله نتكلم عن جماعة عن قَوم بلدة طيِّبة يأتيها رزقُها رَغَدًا من كلِّ مكان لكن إذا كفرَت بأَنعُمِ الله ،الله يُذيقُها لباسَ الخوف والجوع يَتبدَّلُ حالُها وكم من بلاد وكم من أقوام وأُناس كانوا في رَغَد وهذا شهِدناه وفي راحة وفي نعمة فلما كَثُرَ الفسوق وكَثُرَ الفجور اذكروا قولَه سبحانه ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾
زادَ الفساد إذا كَثُرَ الخَبَث أليس قال عليه الصلاة والسلام:
“إن الناس إذا رأَوُا المنكرَ ولم يُغيِّروه أوشك أن يَعُمَّهُمُ الله بعقابٍ منه قبلَ أن يموتوا”
معنى ذلك من حيثُ الجُملة حالُهم من حيثُ الجُملة لا يتغير إلا إذا تحوَّلوا عن طاعةِ الله، أما من حيث الأفراد فيحصُل أن يكونَ عبدٌ على الصلاح والتقوى ولم يتحوَّل عن طاعةِ الله عزَّ وجلّ وابتُلِيَ ابتلاءً شديدًا هذا قد يحصُل، إذًا كيف نجمعُه مع قولِه تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم﴾ نقول النَّصّ جاء ﴿ما بقوم﴾ إذًا الكلام عن جماعة ، وإلا الأنبياءُ عليه الصلاة والسلام هم أفضلُ البشر وأعلى الناس في الدرجة والمقام وهم أشدُّ الناسِ بلاءً ولم يتحوّلوا عن طاعةِ الله عزّ وجلّ وكذلك أولياءُ الله الصالحون، إذًا في الأفراد قد يحصُل إنه هذا العبد مع كونِه ثابتًا على طاعة الله الله يبتليه بل إذا أحبَّ اللهُ عبدًا ابتلاه وهذا يكونُ على معنى أن الله سبحانه وتعالى يحبه
﴿وإذا أراد الله بقوم سوءًا﴾
أي عذابًا
﴿فلا مرد له﴾
فلا يدفعُه شيء
﴿وما لهم من دون الله من وال(11)﴾
يعني ما لهم من دون الله ممَّن يَلي أمرَهم ويدفعُ عنهم
يعني إذا أراد الله سبحانه وتعالى بقوم سوءًا إذا أراد الله بقومٍ عذابًا يكونُ الناس في عيشِهم يتقلَّبون في النِّعمة ينشغلون عن طاعة الله ثم فجأةً ترى المرضَ ظهر فيهم وانتشر وملأ الدنيا من أين جاء هذا المرض؟ من أين جاء هذا البلاء؟ من أين جاء هذا الدَّاء؟ فإذ به يُقلِقُ الناس يجعلُ الناس في بيوتِهم يخاف بعضُهم بعضًا في ضيق من حيث لا يحتسب ولا يتوقع ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له﴾ ليس له ما يدفعه