بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ (8) عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ(9)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾
يعلمُ سبحانه وتعالى ما تحمِلُه من الولد على أيِّ حال هو من ذُكورةٍ وأُنوثة وتمامٍ وخِداج
﴿ما﴾ في هذه المواضعِ الثلاثة ﴿ما تحمل كل أنثى﴾ هذه الأولى ﴿وما تغيض الأرحام﴾ هذه الثانية ﴿وما تزداد﴾ ما ثلاثَ مرات ما هي ما هنا؟
بعضُهم قال: هي الموصولة أي يعلمُ الله سبحانه وتعالى ما تحمِلُه كلُّ أنثى من الولد على أيِّ حال
وأما إذا قلنا بأنها مصدرية أي كما تقول ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ خلقكم وعملكم ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ أي يعلمُ حملَ كلِّ أنثى ﴿وما تغيض الأرحام﴾ أي ويعلمُ غَيضَ الأرحام وازديادَها
بيان:
ولنَلحَظ أمرًا مهمًّا الآياتُ التي تقدمت قبل ذِكرِ هذه الآية لو رجَعنا إليها المشركون يكذِّبونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في أمرِ البعث ويتعجَّبُ نبيُّنا عليه الصلاة والسلام من إنكارِهم وشيءٌ من عَجَبِهِم كيف هذه الذرَّاتِ المتفتِّتَة والعظامِ البالية وقد صارت في التراب كيف تجتمعُ بعد ذلك ويصيرُ بعث؟ هذه واحدة
ثم إنهم كذلك كانوا يستعجِلون بالسيئة قبل الحسنة وكما تقدم ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ السيئة هنا معناها النِّقمة والحسنة معناها النِّعمة هذا من معاني الحسنة ومن معاني السيئة في كتاب الله كما أنّ الحسَنة تأتي على معنى الثواب السيئة تأتي على معنى العقاب
فكانوا يستعجِلون أسقِط علينا كِسَفًا من السماء، أمطِر علينا حجارةً من السماء فيستعجلون بالعذاب وكان هذا الاستعجالُ منهم على وجهِ الاستهزاء أي وكأنهم يستبعِدونَ حصولَ ذلك ولكنهم قد ذُكِّروا في مَعرِضِ الرَّدِّ عليهَم بأنه ﴿قد خَلَت من قبلِهِمُ المَثُلات﴾ العقوبات المُنَكِّلات لكنهم قد نسَوا ذلك هذه الثانية كانت منهم والثالثة ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ صاروا يطلبون آياتٍ معجزات أخرى غيرَ المعجزاتِ التي رأَوها من النبيِّ عليه الصلاة والسلام بعدما ذكرَ القرآنُ الكريم حالَهم في هذه الأشياءِ الثلاثة
ماذا نلاحظ هنا؟ ذُكِرَ أمرُ صِفةِ العلمِ لله عزَّ وجلّ دحضًا وإبطالًا لكلِّ مقالاتِهِم التي تَقدَّمَت بصفةِ العلم، لذلك كان هناك مناسبة بين ما تقدَّم وبين ما ذُكِر ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ الآيةُ مَوضِعُها في كتابِ الله عزَّ وجلّ له معنى ودِلالة، ومعنى ذلك يقالُ لهم تُنكِرونَ البعث وتقولون هذا من يَقدِرُ عليه وتستعجِلون بالعقوبة وتقولون لم نرَ هذه العقوبة ثم تقولون نريدُ آيات ومعجزات أخرى غيرَ التي رأينا ولكنَّ الله سبحانه وتعالى عالمٌ بكلِّ شيء فهو قادرٌ على عذابِكم، قادرٌ على أن يُعَجِّلَ لكم العقوبة وأن يُنزِلَ بكم المَثلات، وقادر على أن يُعطيَ نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام معجزاتٍ أكثر، وقادر سبحانه وتعالى على بَعثِ مَن في القبور
شاهدُ ذلكَ دليلُ ذلكَ ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ فإن العالِمَ بذلك قادرٌ على ذلكَ من البعث وإنزالِ العقوبة، فهذا شاهدٌ على قدرةِ الله سبحانه وتعالى و أيضًا وبصفةِ العِلم كم ردَّ علماءُ أهلِ السُّنَة والجماعة بإثباتِ صفةِ العلم لله عزَّ وجلّ على القدريَّة الذين يُنكِرونَ القَدَرَ ويُكَذِّبوَنه، وحتى على مَن يُنكِرُ البعث بأنَّ ربَّنا سبحانه وتعالى يعلم ما الذي تحمِلُهُ كلُّ أنثى
فائدة:
الآن لو أتَوا بهذه الآلات ثم يضعونَها ثم يقولون المولود ذكر، وكم حصل أنهم يقولون المولود ذكر ولعلَّ بعضا ممَّن يسمعُني الآن هو حكى لي قالوا له المولود كذا إما ذكر أو أنثى فذهب في الشهور الأولى ثم في الشهور الوسطى ثم في الشهور المتأخرة فذهب وجهزَ الغرفة للمولود على حسب ما قالوا واشترى الثياب للمولود على ما قالوا وإلى الشهر التاسع وقريب من وقت الوضع وهم يقولون المولودُ كذا فلما جاء المولود كان على خلافِ ما قالوا، إنما هذه الآلة غايتُها ظَنٌّ
هذا مع الانتباه لا يجوزُ كشفُ العورة لغيرِ ضرورة الذي يعلم ما تحمل كلُّ أنثى هو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان مضى مائة وعشرون يومًا فإنَّ الروحَ تُنفَخ يعني بعدَ أربعةِ أشهر من النُّطفة إلى العَلَقَة إلى المُضغة بعد مائة وعشرين يومًا يكونُ نفخُ الروح بعد أربعةِ أشهر، وعندها يأتي المَلَك فيُؤمَرُ المَلَك بأربع كلمات هذا وهو لا يزال في بطنِ أمِّهِ لم ينزل إلى الدنيا يُؤمَرُ المَلَك بأربعِ كلمات بكَتْبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقيٌّ أم سعيد
قبل أن نأتيَ إلى الدنيا هل نذكُر كيف نزَلنا إلى الدنيا؟ العلماء يقولون الطفل حين ينزل، المولود حين ينزل من بطنِ أمِّهِ ينزلُ قابضًا كفّيه، هذا المولود الذي ينزل إلى هذه الدنيا، ينزل وهو في حال ما عِندَه علم ولا يعلم ما الذي سيكونُ بعد ذلك لا يعلم لماذا ينزلُ قابضًا كفّيه؟ تدرونَ لماذا؟ من القبضِ على الدنيا وهو لا يدري ماذا سيلقى في هذه الدنيا ينزل قابضًا كفّيه ولكن عندما يموت ويخرجُ من هذه الدنيا هل شَهِدتم ميِّتًا؟ كيف يكونُ حالُه عندما يخرجُ من هذه الدنيا باسطًا كفّيه؟ بعد ما نال من الدنيا ما نال ؟ هكذا كان قابضًا ثم صار باسطًا، الله سبحانه وتعالى هو وحدَه الذي يعلم ما تحملُ كلُّ أنثى وما تغيضُ الأرحام وما تزداد يعلمُ سبحانه وتعالى ما تحمِلُه من الولد على أيِّ حال هو من ذُكورةٍ وأُنوثة وتمامٍ وخِداج، قد يُولَد ويكون خِداج ناقص، وحُسْنٍ وقُبح وطولٍ وقِصَر وغيرِ ذلك ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ هذه المعاني في معنى هذا الجزء من الآيةِ الكريمة
﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾
ما تغيضُه الأرحام أي ويعلمُ ما تُنْقِصُ ما تُنقِصُه الأرحام يقال غاضَ الماء
وهذا يكونُ فعلًا لازمًا فلا يطلُبُ مفعولًا أو غُضتُهُ أنا فيكونُ مُتَعَدِّيًا
(ما تغيضُه الأرحام) تَغيض تُنقِص وما تزدادُه
وما هو المراد؟ وهنا وجوهٌ لطيفةٌ جدًّا وبسَطَ العلماء كلامًا واسعًا جدًّا في صُوَر غَيضِ الأرحام وزيادَتِها، مما ذُكِرَ في ذلك:
١: تغيض وتُنقِص عددُ الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة وقد يكون عشرة في بطنٍ واحد، وقد يكونُ أكثرُ من ذلك، والله قادرٌ على ذلك إذًا تغيض وتزداد قد يكون ذلك في عددِ الولد هذه صورة
٢: وقد يكونُ في جسدِ الولد ،جسدُ الولد فإنه يكونُ تامًّا ويكونُ مُخدَجًا فيقولون هذا مثلًا الطفل خَداج ويذهبون به إلى آلةِ الخَداج ناقص تغيض وتزداد
٣: صورة ثالثة مدةُ الوِلادة كم مدةُ الوِلادة؟ فإنها تكون مدةُ الولادة أقلَّ من تسعةِ أشهر، أقلُّ الحمل ستةُ أشهر، فقد يكون أنقص من التسعة أشهر ثمانية أو سبعة أو ستة ما تغيض تَنقُص والزيادة وأُزيَدَ عليها إلى سنتَينِ عندَ الحنفيّة ، وهذا مذهبُ أبي حنيفة رضي الله عنه عندَه أقصى الحمل سنتان
و يصل الحمل إلى أربعٍ عند الشافعيّ أقصى الحمل ولا يستغرب أحد من هذا
إن سألَ سائل كيف عُرِفَ هذا ؟ الجواب بالاستقراء يعني بالتَّتَبُّع يعني يوجد من هؤلاء أمثال أبي حنيفة والشافعيّ ومالك مَن تَتَبع فعاينوا مَن حَمَلَت وكان حملُها أربعَ سنين فعندَ الشافعي أربعُ سنين
سمعتُم بهَرِم بنِ حيّان ابحثوا عنه حملت به أمُّه هَرِم بنُ حيّان حملت به أمُّه أربعَ سنين فسُمِّيَ هَرِمًا نزَلَ كانَ الحملُ أربعَ سنين فسُمِّيَ هَرِم بن حيان
وعندَ مالك أطول من ذلك وإلى خمسٍ عند مالك عندَ الإمام مالك إلى خمس سنوات
سمعتم بالضَّحَّاك الضَّحَّاك هو يقول الضَّحَّاك هذا من كبار علماءِ السلف قال حمَلَت بي أُمِّي سنتان لماذا سُمِّيَ الضَّحَّاك نزَلَ وقد ظهرَ شيء من ثناياه فسُمِّيَ الضَّحَّاك رضي الله عنه فهذا إنما عُلِمَ بماذا؟ بالاستقراء، والله قادر على ذلك بعضُ الناس وإن لم يألَف الأمر إن لم يسمع به فيقول هذا كيف يحصل والله على كل شيءٍ قدير
فإذًا كأقلّ بالنسبةِ للحمل أقلُّ الحمل ستة أشهر لماذا؟ قالوا ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ والرَّضاع فقالوا سنتان قالوا فإذًا أقلُّ الحمل ستةُ أشهر، أما أكثرُه فعندَ أبي حنيفة سنتان أكثرُ الحمل وعند الشافعيّ أربعة وعندَ مالك خمسة، ويذكرُ العلماء علماءُ التفسير مَن يرجِع إلى هذا يذكرون شيئًا عجَبًا في هذا، ويذكرون دِلالاتٍ عجيبة أيضًا فيه تبارك الله أحسن الخالقين، وكلُّ ما ذكرنا أليس هنا مرت معنا ما في ثلاثة مواضع ما تحمل ما تغيض ما تزداد كلُّ هذا التفسير قائم مبنيّ على ماذا؟ على أنّ ما موصولة
﴿وكل شيء عنده بمقدار(8)﴾
أي ذلك كلُّه بقَدَرٍ لا يجاوزُ لا يجتاز ما قدَّرَ الله تعالى
ما معنى بمقدار إن شئت فاقرأها بقَدَرٍ وحَدٍّ وإن شئت فاقرأها بقَدْرٍ وحَدٍّ لا يجاوزُه ولا يَنقُصُ عنه لقولِه ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾
انتبهوا لهذا هذه الآية من الآيات العظيمة التي يُستَدَلُّ بها على تنزيهِ الله تعالى ،ولكن حقيقةً عندما تقف عندَ أوجُه الاستدلالات أبدأ بوجهٍ آخر اختارَه الإمام فخرُ الدّين الرازيّ قال :
هذه الآية من أدلِّ الأدلةِ على بطلانِ قولِ المعتزلة بأنَّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه
فائدة:
قد لا يخطرُ في بالِكَ أولَ ما تسمع ويذهبُ ذهنك إلى شيءٍ آخر، لاحظوا في التفسير ماذا يذكرون عندِ هذه الآية عند تفسيرِها ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ وهذا يناسبُ ما تقدَّمَ في الآية ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ وكلُّ ذلك بقَدَر، ولذلك كان العلماء يُبطِلونَ قولَ القدريّة الذين يُنكرون تقديرَ الله تعالى يُكذِّبون بالقَدَر بماذا؟ بصفةِ العلم فكان سيّدُنا الشافعيُ يقول:
(القدريُّ إذا سَلَّمَ العلمَ خُصِم)
القدريّ الذي يُكَذِّبُ بالقَدَر الذي يقول لا يجوز أن يكونَ هذا الذي كفر وما حصل من الشرّ بتقدير الله بمشيئةِ الله ثم بعد ذلك الله يعاقبُ العبادَ على ذلك، القدريّة هكذا يقولون، يقولون ما يحصل من الشرّ هذا ليس بمشيئةِ الله وهذا فيه نقضٌ للا إله إلا الله، لا إله إلا الله
ماذا اختار إمامُ أهلِ السُّنّة والجماعة في تفسيرِها؟ ما معنى لا إله إلا الله؟ لا إله إلا الله قولُ أبي الحسن الأشعريّ قال:
( لا خالقَ إلا الله )
فالذي يقول بأن هناك شيء يجري على خلافِ مشيئة الله على خلافِ تقديرِ الله أو يقول هناك ما يجري ليس بخَلقِ الله نقض معنى لا إله إلا الله، وهذا إشراكٌ بالله لذلك المعتزلة مشركون بالله كما يقول أبو يوسفَ القاضي ويقول عنهم: (زنادقة) الذين يكذِّبون بالقَدَر ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر﴾
فرأيتم كيف المناسَبة الإخبار عن علمِ الله تعالى عمّا في الأرحام ما تغيضُ الأرحام وما تزداد، إذًا كلُّ ذلك بقَدَر ﴿وكلُّ شيء عنده بمقدر﴾ أي ذلك كلُّه بقَدَرٍ لا يجاوزُ لا يجتاز ما قدَّرَ الله تعالى أن تضعَ هذه الأنثى سوف تضع ما قدَّرَ الله تعالى لهذا المولود سوف يكون إذا حصل نَقص أثناء الحمل بسببِ شيء ستكونُ الزيادة كما يقولُ ابنُ عباس عنِ التسعةِ أشهر
وهذا فيه دِلالاتٌ عجيبةٌ جدًّا فيقولون إذا كان هذه المرأة أثناء حملِها نزلَ الدم فقالوا هذا القَدر الذي نزل سيُسَبِّبُ نَقصًا في هذا الحمل فهذا النَّقص كيف يُعَوَّض عنه؟ الحملُ يمتد أكثر من تسعة أشهر جاء يوم فيزداد يوم جاء شهر يزداد شهر وهذا من الدِّلالات العجيبة التي يذكرها أهلُ التفسير، وكلُّ ذلك مَن يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ لا يخرج كلُّ ما يجري بتقدير الله سبحانه وتعالى
القدريُّ إذا سلَّمَ العلمَ خُصِم؛ لأنه يقال له وهو يُكَذِّبُ مشيئةَ الله تعالى ما يحصل هل هو بعلم الله أم ليس بعلم الله؟ فإن قال ليس بعلم الله جَهَّلَ خالقَه وإن قال بعلم الله فنقول كما أنه بعلم الله فهو بمشيئة الله فلا يكونُ الله تعالى ظالمًا إذا نزلت الابتلاءات على المسلمين في الدنيا نزلت على الأنبياء وهم أشدُّ الناسِ بلاءً
وتقدَّمَ معنا عظيمُ بلاءِ سيِّدِنا يوسف عليه الصلاة والسلام ويعقوب عليهما الصلاة والسلام رِفعَة في الدرجة عند الله رِفعَة في الدرجة ، الله عليم حكيم انظروا على مرِّ التاريخ ماذا حصل في الأقصى؟ باستمرار تجدُ الأقصى مطمَعًا ومَقصِدًا للغزاة، يتوالى عليه الغزاة المُحتَلُّون على هذه البقعة، لذلك نحن نعيش في أرض أرضِ الشام، ونحن إلى جوارِ فلسطين إلى جوار القدس والأقصى يعني من هنا بالسيارة كم ساعة من الوقت إلى القدس لو لم يكن هناك يهود لعنهم الله، إن شاء الله يأتي وقت لا يكون فيه يهود هناك ولكن مع هؤلاء اليهود مات الأجداد ونوشك أن نموت ولا يزال هذا نحن نراه بعيدًا ولكنه قد يكون أقرب مما نحن نظنّ، الله على كل شيء قدير هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ كل شيء بقَدَر هذا عندما يستقرّ في النَّفس لا يبقى مجال إلى مخالجَة القلب أن يخالِجَه شيء من الشك أو التردُّد، والقَدَر أصلًا هو سرّ، سرُّ الله فلا تتكلَّف سَلِّم لله سبحانه وتعالى أنت عندَك الشواهد والأدلة على وَحدانيةِ الله على وجودِ الله، والخالق لا بد أن يكونَ متصفًا بالمشيئة ويستحيل أن يكونَ شيء في خَلقِه بغير مشيئتِة وإلا كان مغلوبًا والله غالبٌ على أمره والله قاهر وليس مقهوًرا هذا معنى اللطيف ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾
نرجِع إلى المعنى الآخر الذي كان شيخُنا رحمه الله كثير ما يذكره ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ قالوا هذا دليل على أن الله تعالى ليس جسمًا وهذا من الأدلةِ التي فيها التصريح بأن اللهَ سبحانه وتعالى ليس جسمًا ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ فلما قال سبحانه ﴿وكل شيء عنده﴾ فبعضُهم قال: عندَه بعلمِه
﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ إذًا هو منزَّه، مِقدار هنا بمعنى المِقياس بمعنى الحجم فلما كان خَلْقُ الله تعالى حجمًا وخلَقَ الله تعالى الأجسام وبما أن الخالقَ سبحانه وتعالى يستحيل أن يشبِهَ مخلوقَه إذًا الله ليس جسمًا
ولذلك إمامنا الشافعيّ رضي الله عنه يقول: (المجسِّمُ كافر)
ينقلُه عنه الإمام السيوطيّ جلالُ الدين السيوطيّ في كتاب الأشباه والنظائر
بل السيوطيّ زاد كلمة: (قطعًا)
من ينتسِبُ إلى الشافعية ثم يجادلُ في هذا نقول له إمامُ المذهب هكذا يقول أنت ماذا تقول بعد كلامِ إمامِ المذهب؟ لماذا؟ اسمع قولَ إمامِنا الغزاليّ رحمه الله صاحب إحياء علوم الدين يقول: (لأن المُجسِّمَ عَبَدَ صنمًا ما عَبَدَ الله حالُه كحالِ عابدِ الصنم المشركون كانوا يعبدون الأصنام وهذا المُجسِّم عبَدَ صورة قال فحالُ هذا كحالِ عابدِ الصنم كحالِ عابدِ الوثن هذا ما عبَدَ الله ولا عرف الله لا تصِحُّ العبادة إلا بعد معرِفَة المعبود)
﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ ذلك أن العالَم والعالَم معناه كل ما سِوى الله العالَم ينحصرُ في شيئَين اثنَين لا يخرجُ عنهما الأحجام وصفاتُ الأحجام وصفاتُ الأحجام لها اسم آخر يقال لها أعراض نقول حجم أو نقول أجسام لكن الحجم أعمّ ،أحجام وصفات أو أجسام وصفات للأجسام
ثم هذه الأجسام التي خلقها الله عزَّ وجلّ إما أن تكونَ أجسامًا كثيفة وإما أن تكونَ أجسامًا لطيفة أجسام كثيفة أو أجسام لطيفة الجسم الكثيف ينضبِطُ باليد، العرش كثيف، البشر كثيف، الحجر كثيف، أو أجسام لطيفة لا تنضبِط باليد كالملائكة الرّوح الرّيح الملائكة، الملائكة بما أنهم أجسام لطيفة يسهُل عليهم الانزواء والانقباض والانبساط والتشكُّل وتحضُرُ الملائكة ولا تُحِسُّ به بعضُهم قال أحيانًا من العلامات يعني عند حضورِ الملائكة تشعر ببُرودة، فقط أنت تنظر لا ترى إلا أنك تشعر ببُرودة، أحيانًا تَشَمُّ رائحة طيّبة فأنت تنظر من أين هذه الرائحة لا تعرف من أين جاءت هذه الرائحة أحيانًا يحصل هذا في مجالس العلم وتلتفت لم يضع أحد من هذا الطيب فمن أين جاء هذا الطيب وأحيانًا قد تكون لمعَة ضَوء جاءت أحيانًا يزورُك المَلَك ولا تراه ومن الصالحين من تزورُه الملائكة فيراهم ويصافِحُهم ويكلِّمُهم فالملائكة أجسام لطيفة
وكما قدَّمنا الملائكة جعل الله تعالى لهم مسكنًا مسكنُهم في السماء وقلنا عددُ الملائكة كبيرٌ جدًّا عددُ الملائكة ونحن لا نشعر بهذا عددُ الملائكة أكثرُ من عددِ رمالِ الصحراء وأكثرُ عددًا من أوراقِ الأشجار وأكثرُ عددًا من كلِّ ما خلقَ الله عزَّ وجلّ، العلماء قالوا الملائكة الذين هم في السماءِ الأولى فقط هم في كلِّ سماء الذين في السماء الأولى فقط من حيثُ العدد أكثر عددًا من كلِّ البشر والجنّ بكثير فقط الملائكة الذين في السماءِ الأولى أكثرُ بكثير من كلِّ البشر والجنّ فكيف بالسماوات السبع؟ قالوا والملائكةُ الذين هم حولَ العرش أكثرُ بكثير عددًا من عددِ الملائكة في كلِّ السماوات السبع الملائكة أجسام لطيفة، ما كان جسمًا كثيفًا وما كان جسمًا لطيفًا فهذا يَشغَلُ حيِّزًا يَشغَلُ مكانًا وهذا يَشغَلُ حيِّزًا ويَشغَلُ مكانًا ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ هذا حجمُه صغير وهذا حجمُه كبير خالقُ هذه الأحجام سبحانه وتعالى يستحيلُ أن يكونَ حجمًا ويستحيلُ أن يكونَ جسمًا ولما قُدِّمَ بذلك وانظروا كيف تأتي الآيات في كتابِ الله عزَّ وجلّ بعد ذِكرِ هذا
﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال(9)﴾
تقدَّمَ ذِكرُ العلم ﴿عالم الغيب﴾ الغيب ما غابَ عن الخَلقَ ﴿والشهادة﴾ ما شاهدوه
﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ هذا ذُكِرَ من أسماءِ الله تعالى بعدَ ذِكرِ إثباتِ صفةِ العلمِ لله وبعد قولِ الله عزَّ وجلّ ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ تلاحظون ذلك لماذا؟
الكبير من أسماء الله ما معنى الكبير في حقِّ الله؟ العظيمُ الشأنِ الذي كلُّ شيءْ دونَه
لأنه سبحانه أكبرُ من كلٍّ كبيرٍ علمًا وقدرًا وجاهًا وحتى لو قيلَ الجاه والشَّرَف إذا أُضيفَ إلى الله على معنى العَظَمَة فهذا على المعنى الذي هو يليق بالله ليس بالمعنى الذي هو خاصّ بالمخلوق فالله عظيمُ القَدر ورفيعُ الدرجات
الإمامُ الرازيّ يقول:
اسمُ الله الكبير يدلُّ على أنّ اللهَ موجودٌ بلا مكان قال لأنه قال من أسماء الله الكبير والكبير أكبرُ من كلِّ كبير قَدرًا وعَظَمَةً لا حجمًا لا مكانًا قال معنى ذلك الله منزّه عن صفاتِ المخلوقين ﴿الكبير المتعال﴾
بعد ذِكرِ اسمِ الله الكبير ذُكِرَ المُتَعال وفي بعضِ القراءات المُتَعالي ولذلك عُدَّ أيضًا في أسماءِ الله وبعضُهم قال على الحالَين في القراءات في بعضِ القراءات سواء وقفت علي أم وصَلت تقول المُتَعالي والمُتَعال كما أنه من أسماءِ الله العالي المُتَعال المُستَعلي على كلِّ شيءٍ بقدرتِه أو الذي كَبُرَ عن صفاتِ المخلوقينَ وتعالى عنها، تعالى الله ما معناه؟ تنزّهَ الله المُتَعال الذي كَبُرَ عن صفاتِ المخلوقين بمعنى تنزّهَ سبحانه وتعالى عن صفاتِ المخلوقين
اسمُ اللهِ الكبير له أسرار :
اسمُ الله الكبير من أكثَرَ من ذِكرِه يفتحُ الله تعالى عليه في العلمِ والمعرفة وعندما نقول من أكثرَ من أقلُّ الإكثار ثلاثُمائة أقلُّ الإكثار ثلاثُمائة يعني من واظبَ عليه، مَن أكثرَ من ذِكرِ اسمِ الله الكبير الكبير الكبير، قالوا هذا يُفتَح عليه في العلم والمعرفة
ثم إن قُدِّم الطعام وقُرِأَ اسمُ الله الكبير هذا من بركات أسماءِ الله الحسنى مما جُرِّبَ وذكره العلماء كما في فيض القدير للمُناوي هذا الذي أذكرُه قالوا إذا قُرِأ على طعام الكبير وأكلَه الزوجان تصالَحا وتَوافَقا بإذن الله
رُوِيَ عن أسماء بنتِ عُمَيس الخَثْعَمِيَّة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يقول:
“بئس العبدُ تَخَيَّلَ واختال ونسيَ الكبيرَ المُتَعال وبئسَ العبدُ عبدٌ تجبَّرَ واعتدى ونسيَ الجبّارَ الأعلى بئسَ العبدُ عبدٌ عتى وطغى ونسيَ المُبتَدَأَ والمُنتهى” رواه الترمذيّ
عالمُ الغيبِ والشهادة الكبيرُ المُتَعال نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهَنا في الدين وأن يعلمنا الحكمة وتأويل الكتاب.