بسم الله الرحمن الرحيم
﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ(13) ﴾
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا ﴾
والمعنى يُخافُ من وقوعِ الصواعقِ عندَ لَمْعِ البرق ويُطْمَعُ في الغيث
قال أبو الطَّيِّب في استدلال شاهد لغوي على ذلك:
فَتى كالسحابِ الجونِ يُخشى ويرتجي
يُرَجَّى الحَيَا منهُ وتُخشى الصواعقُ
معنى الجون أي (الجونِ الأسود) ، الحَيَا المطر معنى الحَيَا المطر، أما الصواعق جمعُ صاعِقة
فتجد هذه السَّحابَة هذا يرجو الماءَ الذي فيها وهذا يخشى العواصفَ التي قد تكونُ معَها، أو منَ المعاني يخافُ المطرَ مَن له فيه ضرَرٌ كالمسافر ومَن له بيتٌ يَكُفّ إذا كان بيتُه ليس مُحكَم فيخشى أنّ الماء ينزِل فيتسرَب إلى داخلِ بيتِه فإذا نزل المطر يخاف، ومن البلادِ ما لا ينتفِعُ أهلُه بالمطر كأهلِ مِصر ويطمعُ فيه مَن له نَفعٌ فيه إذًا كلٌّ على حسبِ حالِه، إذًا
انتَصَبا على الحال ما هما اللذان انتَصَبا خوفًا وطمعًا؟ انتَصَبا على الحالِ من البرق كأنه وسنرجِع إلى بيانِ هذه الدِّلالَة اللغوية لأننا نستفيد منها في المعنى كأنه في نفسِه خوفٌ وطمعٌ أو على ذا خوفٌ وذا طمع أو من المخاطَبينَ يعني انتَصَبا على الحال من المخاطَبين أي خائفينَ وطامِعين المعنى ﴿خوفًا وطمعًا﴾ انتَصَبا على الحال من ماذا؟ إما منَ البرق أو منَ المُخاطَبين من البرق وكأنَّ البرقَ في نفسِه خوفٌ وطمع
ولكَ أن تُقَدِّر هوَ الذي يريكُمُ البرقَ ذا خوفٍ وذا طمع
وإذا انتَصَبا على الحال من المُخاطَبين لأنه ماذا قال؟ ﴿هو الذي يريكم﴾ إذًا يوجد مَن هُم مُخاطَبون
﴿هو الذي يريكم﴾ ما هو حالُكم وأنتم ترَونَ ذلك خائفينَ وطامعين فترى مَن يرى البرق في أرض يكونُ خائفًا منَ البرق وواحد آخر في أرض ثانية يكونُ في طمَعُ، واحد مُسافر في الطريق إذا ماشي في الطريق في طريقِ السّفر كيف لو واحد مثلًا سافر إلى رحلةِ العمرة وكانتِ العواصف الرملية وجاء شيء من البرق وهكذا، المسافر يخاف ليس مُهَيَّئًا لذلك فعندما يرى البرق يخاف، أما الذي هو في قريتِه في مدينتِه فلما يرى البرق ينتظر ألسنا إن تأخَّرَ المطر عنا نخرج لصلاةِ الاستسقاء ونخشى آبارُنا ذهبت سدودُنا يكاد الماء يذهب فيها جفَّت المياه المزروعات ماذا حصل فيها اخرجوا أيها الناس إلى صلاةِ الاستسقاء يخرجُ الناس ويطلُبون المطر فإذا جاء استبشروا
بل يقولُ العلماء: وأوّل ما ينزل هذا المطر فمن الشيء الحسن أن تخرُج أن تُعَرِّضَ نفسَكَ له حتى لو أخرجتَ شيئًا من متاعِكَ ينزل عليه ماءُ المطر هذا؛ لأنه ماءٌ مبارَك حديثُ عهدٍ بالسماء إذًا كيف تجد من الناس من ينظر إلى البرق وهو خائف ومنهم من ينظر إلى البرق وهو طامع في الخير الذي سيأتي معه
فائدة:
يذكرُ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيةِ الكريمة من عظيمِ ما يدُلُّ على قدرةِ الله عزَّ وجلّ وقد سبق ذلك في الآياتِ الكريمة كيف أن المشركين أنكروا البعث وجادلوا فيه وجحدوا معجزاتِ النبيّ عليه الصلاة والسلام وطلبوا معجزات أخرى غير التي هم رأَوها فجاء في جملةِ الرَّدِّ عليهِم ما يدُلُّ على عظيمِ قدرةِ الله عزَّ وجلّ عندما نقول من صفات الله القدرة وهي من الصفات الثلاثَ عشرَة الواجبة لله سبحانه وتعالى إجماعًا
ما معنى صفةُ القدرة؟ صفةٌ أزليّةٌ أبديَّةٌ يؤثِّرُ الله تعالى بها في المُمكِناتِ العقليّة
لأنَّ كلَّ مُمكِنٍ عقليّ من هذا العالم نحن كلنا مُمكِنات عقليّة
ما معنى مُمكِن عقليّ؟ نحن لسنا واجب الوجود يجوز أن تكون ويجوز أن لا تكون ، يجوز أن تعيش إلى سنِّ كذا يجوز أن تموت قبلَ هذا السنّ يجوز أن يَتِمَّ لك شهرُ رمضان يجوز أن لا يَتِمَّ لك شهرُ رمضان هذا العالَم بما فيه العالَم هو كل ما سِوى الله مُمكِنٌ عقليّ جائزٌ عقليّ يجوز عليه الوجود يجوزُ عليه العدَم الله تعالى أوجدَه بقدرتَه، إذًا القدرة صفةٌ أزليَّة أبديّة لله يؤثِّرُ الله بها في ماذا؟ في الجائزِ العقليّ
إذا قلنا الجائزُ العقليّ أو المُمكِنُ العقلي هوَ هوَ المعنى إذًا تتعلّقُ قدرةُ الله تعالى بماذا؟ بالجائزِ العقليّ ليس بالواجبِ العقليّ تتعلّق ولا بالمستحيلِ العقليّ لماذا؟ لأنّ الواجبَ العقليّ ما لا يُتَصَوَّرُ في العقلِ عدَمُه وهو الله وصفاتُه سبحانه وتعالى، المستحيلُ العقلي ما لا يُتَصَوَّرُ في العقلِ وجودُه كوجودِ الشريك لله كوجودِ الزوجة كوجودِ الولد كوجودِ المكان كوجودِ الأعضاء هذا مستحيل عقليّ
القدرة لا تتعلّق بالواجبِ العقليّ لماذا؟ لأنه لا يُتَصَوَّر عدَمُه ولا تتعلّق بالمستحيل لماذا؟ لأنه لا يُتَصَوَّر وجودُه إذًا بماذا تتعلّق القدرة؟ بالجائزِ العقليّ والله على كلِّ شيءٍ قدير، فالله لا يُعجِزُه شيء والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير
لذلك وفي استرسالٍ بسيط لو جاء من الملاحدة وهذا أنا أسمعُه منذُ عشرات من السّنين من الملاحدة مَن يأتي فيطرح سؤالًا وهذا السؤال ليست الإجابة عنه بنعم ولا بلا
يقولون والعياذ بالله هل يستطيعُ ربُّكَ أن يتَّخِذَ ولدًا وهذا لا يُجاب عنه بنعم ولا يُجاب عنه بلا إذًا بماذا يُجابُ عنه؟ يقال له سؤالُك فيه تجويزٌ للمُحالِ العقليّ على الله فسؤالُك متناقض؛ لأنّ الإجابة عنه بنعم ضلال والإجابة بلا ضلال الذي لم يتعلم قد يزِلّ وقد يهلِك وهو لا يشعر الله على كلِّ شيءٍ قدير من دلائل قدرةِ الله سبحانه وتعالى وكم هذه السورة الكريمة المباركة سورة الرعد مشحونة بهذه الأخبار فمن جملةِ ذلكَ البرق
﴿وينشئ السحاب الثقال﴾
السحاب اسمُ جِنس الواحدَة سحابَة ﴿السحاب الثقال﴾ أي بالماء وهو جمعُ ثقيلَة
تقول ثقيلَة ثِقال ،سحابَة سحاب، تقول سحابَةٌ ثقيلَة وسحابٌ ثِقال، ثِقال يعني فيها الماء وهذا من عجائبِ قدرةِ الله عزَّ وجلّ الماءُ الذي ينزِل أصلُه من تحتِ العرش
وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يقول: “اللهم اسقِنا ماءً مغزورًا من تحتِ عرشِك”
رواه السيوطيّ
مع كلِّ هذه المسافةِ البعيدة ينزلُ هذا الماء بقدرةِ الله عزَّ وجلّ إلى السماء ثم من السماء ينزل فيصيرُ في السّحاب ثم الذي يكيلُ هذا الماء الذي ينزل ميكائيل عليه السلام فينزلُ المطرُ بإذن الله تعالى بكَيلٍ معلوم
يقول ابنُ عباس :
المطرُ الذي ينزل في الدنيا في كلِّ عام هوَ هوَ لكن يختلف في هذه الأرضِ أكثر في هذه الأرضِ أقلّ، العام الذي بعدَه في هذه الأرض أكثر في هذه الأرض أقلّ ويعلمُ الله سبحانه وتعالى عددَ قطراتِ الأمطار التي تنزل في هذه الأرض، ثم إنّ هذه السحاب الذي يَكيل هو سيّدنا ميكائيل عليه السلام
﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته﴾
الرّعد هو كما جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّمَ أنه قال:
“الرعدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالسّحاب معَه مخاريقُ من نار يسوقُ بها السّحاب”
هكذا بيّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم مَن هو (رعد) عليه السلام؟ إذًا سيّدنا رعد هو مَلَك كريم من ملائكةِ الله هذا المَلَكُ الكريم يسوقُ السّحابَ بإذن الله عزَّ وجلّ وبماذا يسوقُ السّحاب؟ بمخاريقَ من نار فيُحَرِّكُ السحابَ بإذن الله فإذا سبَّحَ رعدٌ عليه السلام سبَّحَتِ الملائكةُ لتسبيحِه فمعَ تسبيحِهم ينزلُ المطرُ بإذن الله تعالى وزَجْرُ رعد عليه السلام للسَّحابِ بصوتِه هو الصوتُ الذي نسمعُه بإذن الله تعالى من السحابِ عندما يتحرك فإذا نزَلَ شيءٌ من هذه المخاريق التي يُحَرَّكُ بها السحاب فإذا انقصفَت قَصفَه فتلكَ الصاعقة وعندما يُحَرِّكُ رعدٌ عليه السلام السّحابَ بهذه المخاريق التي هي من نار يصيرُ لمْع هذا الذي يلمع هو البرق
فائدة:
وماذا نقول إذا رأينا البرق أو إذا سمعنا الرعد؟
رُوِيَ عندَ الترمذيّ عن أبي عمرَ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم كان إذا سمع صوتَ الرعدِ والصواعقِ قال: “اللهم لا تقتُلنا بغضبِك ولا تُهلِكنا بعذابِك وعافِنا قبلَ ذلك”
هذا الدعاء الذي علَّمَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أن نقولَه إذا سمعنا صوتَ الرعد، عَلِمنا معنى سماعِنا لصوتِ الرعد يعني هذا صوتُ مَلَكٍ من ملائكةِ الله عزَّ وجلّ يزجُرُ السحاب فأنت تسمع هذا الصوت فتجدُ هذه الحركة في هذا السحاب بإذنِ الله عزَّ وجلّ فهنا ماذا تدعو اللهم لا تقتُلنا بغضبِك ولا تُهلِكنا بعذابِك وعافِنا قبلَ ذلك
وفي الموطَّأ عن عبدِ الله بنِ الزُّبَير رضي الله عنهما (أنه كان إذا سمعَ الرعدَ ترك الحديث يعني إذا كان يتكلم مع الناس وسمعَ صوتَ الرعد يترك الكلام ويقول: سبحان الذي يسبِّحُ الرعدُ بحَمدِه والملائكةُ من خِيَفِته)
وروى الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله في الأمّ بإسنادٍ صحيح عن بعضِ التابعين كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان مَن سَبَّحْتَ له
وهذا من جملةِ مَن رُوِيَ عنه طاووس كان يقول: سبحان مَن سَبَّحْتَ له
وذكروا كذلك عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: كنا معَ عمرَ رضي الله عنه في سفَر فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبَرَد فقال لنا كعب: مَن قال حين يسمعُ الرعد: سبحان مَن يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه والملائكةُ من خيفتِه ثلاثًا عُوفِيَ من ذلك الرعد فقلنا فعوفينا
﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته﴾ فهذا تسبيحُ هذا المَلَكِ الكريم الرعد ويسبِّحُ الملائكةُ من هَيبَةِ الله عزَّ وجلّ وإجلالِه والملائكة في خوفٍ عظيمٍ من الله سبحانه وتعالى ويرَون من عجائبِ قدرةِ الله عزَّ وجلّ ما يزيدُهم خوفًا من الله سبحانه وتعالى ويقينًا فوقَ يقينِهم بكمالِ قدرةِ الله عزَّ وجلّ أليس قلنا إنّ عددَ الملائكة الذين حولَ العرش أكثرُ من عددِ الملائكة في كلِّ السماوات السَّبع وهذا يجابُ به على مَن يقول قد سمعنا وهو حقّ أنّ عليَّ بنَ أبي طالب كرَّمَ الله تعالى وجهَهُ قال: (إنّ الله خلق العرشَ إظهارًا لقدرتِه ولم يتَّخذهُ مكانًا لذاتِه)
ونحن لا نرى العرش فالجواب يوجد خَلْقٌ كثير من خَلْقِ الله وهم هؤلاءِ الملائكة يرَون العرش فيزدادون يقينًا بكمالِ قدرةِ الله عزَّ وجلّ وعندما يرَون ما يرَون يزدادونَ كذلك، على أنَّ خوفَ الملائكة ليس كخوفِنا والملائكة لا يتعبون لا يتعبون لا يأكلون لا يشربون لا ينامون لا يعصونَ الله ما أمرهم يفعلونَ ما يؤمَرون ،أجسام نورانيّة الأرضُ تمتلئُ بهم في ليلةِ القَدر جمعَنا الله تعالى بهم ورزقَنا بركتَهم أنواع تملأُ السماء وتملأُ الأرض ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾
إسرافيل عليه الصلاة والسلام وهو المُوَكَّل من الملائكة وهو من كبارِ الملائكة من رؤساءِ الملائكة إسرافيل عليه السلام مُوَكَّل أن ينفُخَ في الصُّور ومن حيثُ الحجم أعظمُ حجمًا من جبريلَ عليه السلام من حيثُ الفضل جبريل أعلى لأن جبريل عليه السلام رئيس الملائكة
واليهود كانوا إذا سمعوا عن جبريل يقولون هذا عدوُّنا ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ يقولون هذا عدوُّنا هم يعلِنونَ إذًا الحرب على سيّدنا جبريل عليه السلام ينتقم الله منهم، جبريل عليه السلام له سِتُّمِائةِ جناح سِتُّمِائة في ليلةِ الإسراء والمعراج جبريل عليه السلام نشرَ جناحَينِ فقط من السِّتمائة سدَّ ما بين المشرق والمغرب فالنبيّ عليه الصلاة والسلام أُغشِيَ عليه، كان عليه الصلاة والسلام قال: (يا جبريل أريدُ أن أراك على الصورةِ الأصليَّة) جبريل كان يأتي نبيَّنا عليه الصلاة والسلام مُتَشَكِّلًا على صورةِ بعضِ الصحابة الملائكة لا يتشكّلون بصورة الإناث ولا يتشكّلون بصورة ما يُسَنُّ قَتْلُه من المُؤذِيات لا يتشكَّل مثلًا بصورة حيَّة أو بصورة عقرب أو بصورة كلب عَقور لا يتشكَّلون بهذا بل الملائكة
كما ورد في الحديث( لا تدخُلُ الملائكة بيتًا فيه كلبٌ أو صورة)
صورة يعني مُجَسَّمَة تماثيل حتى لو كانت مُجَسَّمات صغيرة للأطفال يتَّخِذونَها للألعاب لا تدخلُ الملائكة إلى ذلكَ البيت لا تدخل إلى ذلك البيت أما لو كانت دار وفيها حُجُرات كالدُّور القديمة فيها حُجُرات حُجُرات مُطِلَّة على ساحة وكان هذا المجسم -ولا يجوز عمَلُه ولا بَيعُه ولا شِراؤه ولا اقتِناؤه لكن لو وُجِد مثل هذا وكان في دار، دار تختلف عن بيت ،دار فيها حُجُرات وكان في حُجرة من الحُجُرات والباب مغلق فلا يمنع دخول الملائكة إلى الحُجُرات الأخرى، أما إذا كان في بيت في هذه الغرف التي بعضُها يكونُ مفتوحًا على بعض أبوابُها مُفَتَّحَة فالملائكة لا تدخل إلى هذا البيت
فالنبيّ عليه الصلاة والسلام كان سأل جبريل أن يراه على صورتِه الأصليّة جبريل يأتي عليه السلام مُتَشَكِّل مرّة على صورة دِحيِة الكَلبيّ أو على صوَر غيرِ صورةِ دِحيَة ثم لما طلب النبيّ عليه الصلاة والسلام ذلك فقال له جبريل: يا محمد سَل ربَّك ذلك، فسأل الله تعالى فعندَها جبريل عليه السلام ظهر مُتشكِّلًا
وبالمناسبة جبريل عليه السلام لم يتوقف نزولُه إلى هذه الأرض غير صحيح ما يقولُه البعض بأنه لما جاء في مرض وفاة النبيّ عليه الصلاة والسلام فقال له هذا آخرُ عهدِك بالدنيا وآخرُ عهدي بها
بدليل ما ذكرنا إذا كانت ليلةُ القدر نزل جبريل في كَبْكَبَةٍ يعني في جماعة من الملائكة يُصَلُّونَ ويُسَلِّمون على كلِّ عبدٍ قائمٍ أو قاعدٍ يذكرُ اللهَ عزَّ وجلّ من لَدُن غروبِ الشمس إلى طلوعِ الفجر فجبريل عليه السلام ظهر مُتشكِّلًا على الصورةِ الأصليّة نشرَ من السِّتمائة جناح كم جناحًا؟ جناحَين أُغشِيَ على النبيّ عليه الصلاة والسلام وقع مَغشِيًّا عليه ثم رجَعَ جبريل عليه السلام تشَكَّلَ بالصورة كما كان يأتيه ليس على الصورةِ الأصليّة وضمَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام إليه فعندها قال عليه الصلاة والسلام يا جبريل ما ظننتُ أن الله خلق أحدًا من خَلقِه على مثلِ هذه الصورة فقال جبريل:
يا محمّد إن ربّي عزَّ وجلّ قد خلقَني على سِتِّمِائةِ جناح ما نشرتُ منها إلا جناحَين وإنّ الله تعالى خلق إسرافيل على سِتِّمِائةِ جناح الجناحُ الواحدُ منها بأجنحتي السِّتِّمِائة
ومع كلِّ ذلك إسرافيل عليه السلام مع كلِّ ما ذكرنا عنه عليه السلام من شدةِ خوفِه من الله تعالى قيلَ بأنّه بعضَ الأحيان من شدةِ خوفِه من الله يَتصاغَرُ حتى يصيرَ بحجمِ العصفور من شدةِ خوفِه من الله لذلك الملائكة في خوفٍ كبير من الله سبحانه وتعالى
﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾
الصاعقة نارٌ تسقطُ من السماء، مَن سبَّحَ الله إن شاء الله لا تُصيبُه
إذا رأيتَ مثلَ ذلك سبِّح لما ذَكَرَ سبحانه وتعالى عِلمَهُ النَّافِذَ في كلِّ شيء واستِواءَ الظاهرِ والخَفِيِّ عندَه يعلمُ الظاهر والخَفِيّ وما دلَّ على قدرتِه الباهرة ووَحدانيَّتِه قال
﴿وهم يجادلون في الله﴾
بعدَ كلِّ هذه الدلائل
يعني الذين كذَّبوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يجادِلون في الله حين يُنكِروَن على رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ما يصِفُه به سبحانه وتعالى من القدرةِ على البعث وإعادةِ الخلائق بقولِهم من يُحيي العظامَ وهي رميم ويَرُدُّون الوَحدانيَّةَ باتخاذِ الشركاء ويجعلونَه بعضَ الأجسام بقولِهِم الملائكة بناتُ الله، فالذي ينسُب إلى الله تعالى الولد جعلَ اللهَ تعالى جسمًا أصلًا لفَرع فهذا يكونُ إشراك بالله عزَّ وجلّ
﴿وهم يجادلون في الله﴾ وأنا أذكرُ مع ذلك المشبِّهة وأقول وهم يجادلون في الله يجعلون اللهَ تعالى جسمًا يجعلونَ الله تعالى شيئًا جالسًا كالبشر يجلس على العرش ويتحرّك وينتقل من مكان إلى مكان هذا وجهه
أو ﴿وهم يجادلون في الله﴾ الواو للحال ، أي فيُصيبُ بها مَن يشاءُ في حالِ جدالِهم أي في الوقت الذي يكون هذا المجادِل المُماري المعاند يجادل في الله ويصفُ اللهَ تعالى بما لا يليقُ به تصيبُه الصاعقة تعجيلًا من الله تعالى له بالعقوبة
والمناسبة في ذلك أنَّ أربَد وهذه قصة مؤثرة مما يروى في سبب نزول هذه الآية رجل من المشركين يقال له أَرْبَد بنُ ربيعة هذا هو أخو لَبيد بن ربيعة لَبيد أسلم، هذا أَربَد العامريّ قال لرسولِ الله صلى الله عليه وسلّم حين وَفَدَ عليه مع عامرِ بنِ الطُّفَيل قاصدينَ لقتلِه يعني جاء عامر بن الطفيل وأربَد بن ربيعة جاءوا إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام يريدون قتلَهُ دخلوا في الأوّل على النبيِّ عليه الصلاة والسلام فصار هذا عامر بنِ الطفيل يقول للنبيّ ماذا لي لو أسلمت؟ تجعلُني بعدَك خليفة؟ ما رأيكَ أنت يكونُ لك المدينة والقُرى وأنا الوَبَر ماذا تعطيني؟ ماذا يكونُ لي؟ أكونُ مَلِكًا؟ أكونُ كذا؟ أكونُ كذا؟ أكونُ كذا؟ النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يُجِبْهُ في ذلك دعاهُ إلى الإسلام فغضب هذا عامر بن الطُّفيل وخرج من عند النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: لأملأَنَّها عليك خيلًا ورجالًا ثم بعد أن خرج عامر بنِ الطُّفيل اجتمع بأربَد فقال له: ولماذا نحنُ نطيلُ هذا الأمر؟ فلنرجِع إليه لنقتلَه أنا أشغَلُه بالحديث وأنت تدورُ من خلفِه فتقتلُهُ يا أربَد فعزَما على ذلك فرجَعا إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام كان بعض من الصحابة حاضر فهذا عامر وكم كان خُلُقُ النبيّ عليه الصلاة والسلام؟ فهذا عامر يقول له: يا محمّد لي حاجة عندَك ،النبيّ عليه الصلاة والسلام اُدنُ قال: لي حاجة فلا يزال يقول له اُدنُ اُدنُ حتى صار قريبًا جدًّا من النبيّ عليه الصلاة والسلام يريدُ أن يُشاغِلَ النبيّ عليه الصلاة والسلام بالكلام، اِلْتَفَّ أربَد بنُ ربيعة وضع أربَد يدَهُ على السيف فلما أرادَ أن يُخرِجَ السيف ليَضرِبَ نبيَّنا عليه الصلاة والسلام يِبِسَت يدُه وقد انتبه عليه الصلاة والسلام فتعوَّذَ رسولُ الله بالله، فيَبِسَت يدُه فما استطاع أن يتحرك فدَبَّ الذُّعر في قلبِه فخرج مسرعًا مذعورًا فأنزلَ الله تعالى عليه صاعقةً مُحرِقَةً فأحرقَتهُ فأهلكَته، وعامرُ بنُ الطُّفَيل رأى ما رأى فخرجَ إلى الشِّعاب هاربًا وهو يقول: سأجمعُ الجيوش سأرجِع وبرُمحي هذا سأقتلُ محمّدًا وبينما هو كذلك الله تعالى أصابه بغُدَّة (ورَم) غُدَّة ظهرت له فقتلتهُ فرمى الله عامرًا بغُدَّة (ورَم كبير) كغُدَّةِ البعير مثل كيس ومَوتٍ وأين مات؟ في بيتِ سَلُولِيّة امرأة من بيتِ سَلول مات هناك سلَّط الله عليه هذا المرض فصار هو يخاطِب نفسَه أموتُ بغُدَّة وكان مشهور بأنه من الفرسان ويقال كان جميلَ الشكل جدًّا لكنّه كانَ أعور يقول أموتُ بغُدَّة وفي بيتِ سَلُولِيَّة مات في بيتِ امرأةٍ من سَلول، وأرسلَ على أربَد صاعقةً فقتلهُ، هذا أربَد كان من جملة ما قالَه قُتِلَ بالصاعقة من جملة ما كان قالَه أربَد للنبيّ عليه الصلاة والسلام قال: أخبرني عن الله ربُّنا أمِن نحاس هو أم من حديد هذا قُتِلَ بصاعقة من السماء ،قَصَّة (قطعة نار من السماء )نزلَت عليه من فورِه فأهلكَته
﴿ وهو شديد المحال﴾
المِحال أي المُمَاحَلَة وهي شِدَّةِ المُمَاكَرَة والمُكايَدَة
ومنه تَمَحَّلَ لكذا إذا تكلَّفَ لاستعمالِه الحيلَة واجتهدَ فيها ومَحَلَ بفلان إذا كادَهُ وسعى به إلى السُّلطان والمعنى أنّه شديدُ المَكرِ والكَيدِ لأعدائِه يأتيهِم بالهَلَكَةِ من حيثُ لا يحتسِبون
والمعنى ﴿شديد المحال﴾ أنّ اللهَ تعالى شديدُ المُجازاةِ للماكرينِ على مَكرِهم ليس الله يوصَف بأنه ماكر ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ يجازيهِم على مكرِهم ﴿الله يستهزئ بهم﴾ يُجازيهِم على استهزائِهم .