بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ (16) أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ (17) لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ (18) ۞أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ (19) ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ (20) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل من رب السماوات والأرض قل الله﴾
قل لهم يا محمّد -صلى الله عليه وسلّم- قل لهؤلاء المشركين الذين يجحدون آياتِ الله ويُشركون بالله ما لم يُنَزِّل به سلطانًا قل لهم ﴿مَن رب السماوات والأرض قل الله﴾ حكايةٌ لاعترافِهم
لأنه إذا قال لهم من ربُّ السماواتِ والأرض لم يكن لهم بُدٌّ من أن يقولوا الله، وكانوا هم يقولون ربُّ السماء أيِ الله ولكن إذا لم يُجيبوا ولم يُقِرُّوا بذلك فلَقِّنهم وهذا وجهٌ آخر
أو هو تلقينٌ يعني لقِّنهُم أن يقولوا الله ﴿قل من رب السماوات والأرض قل الله﴾ لقِّنه
أي فإن لم يُجيبوا سَلهم يا محمّد مَن ربُّ السماواتِ والأرض فإن لم يُجيبوك فلقِّنهم أنه الله ،فإنه لا جوابَ إلا هذا؛ لأن اللهَ واحد، لأنه سبحانه وتعالى هو خالقُ كلِّ شيء ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرِّقون خيرٌ أم الله واحد القهار﴾ ربٌّ واحد وإلهٌ واحد ،وَحدانيّةُ اللهِ عزَّ وجلّ معناها أنّ الله تعالى واحدٌ في ذاتِه، واحدٌ في صفاتِه، واحدٌ في فعلِه المشركون كانوا بألسِنَتِهم يُقِرُّونَ بذلك فجاء التَّبكيتُ لهم فإن كانت إجابتُهم كذلك وأنتم تعلمون أنّ الخالقَ هو الله
﴿قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا﴾
أبعدَ أن علِمتُموه ربَّ السماواتِ والأرض اتَّخذتُم من دونه آلهة؟ وسَيُمَثَّلُ لحال هؤلاء في الآياتِ التالية إن شاء الله كيف شدةُ العَمَايَة تصلُ بالبعضِ إلى جحودِ الآياتِ الظاهرة البيِّنة؟ بعد الإقرارِ وهذا يُجابُ به على كل مُلحِدٍ يُنكِرُ وجودَ الله تعالى
أَيُصَدَّقُ وجودُ فعلٍ ما من غير فاعل؟ أَيُصَدَّقُ وجودُ نسخٍ وكتابة من غير ناسخٍ وكاتِب؟ أَيُصَدَّقُ وجودُ بَنَّاءٍ من غير بناء؟ أَيُصَدَّقُ وجود إنسانٍ من غيرِ أن يكونَ له خالق؟ أَيُصَدَّقُ أن يكونَ عالَم بما فيه من سماء ذاتِ أبراج وأرضٍ ذاتِ فِجاج وما فيهِما وما بينَهما أَيُصَدَّقُ أن يكونَ كلُّ ذلك من غيرِ خالق؟ هذا إهمالٌ وإهدارٌ للعقل العقلُ لا يقبل هل عقولُهم تقبل أن يكونَ فعلٌ من غيرِ فاعل؟ هذه الجبال وهذه البحار والأنهار وهذا الإنسان في نفسِه عقلُه قلبُه جوارحُه خواطرُه حركاتُه سكَناتُهُ كلُّها تدلُّ على خالقٍ عظيمٍ خلقها وهو الله عزَّ وجلّ
يتغنّى بعضُهم بآلةٍ إلكترونية تتكلم صنعوها بعدَ دهورٍ طويلة وأنفقوا عليها ما أنفقوا أعجبَهم ذلك وأنكروا وجَحدوا خَلْقَ اللهِ عزَّ وجلّ!! أنكروا خَلْقَ الله أنكروا قدرةَ الله عزَّ وجلّ وهذا الإنسان أليس وجودُه يشهدُ ويدلُّ على وجودِ الله سبحانه وتعالى؟ ﴿قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا﴾
وهذا الذي اتَّخذوهُ من دون الله لا يستطيعونَ لأنفسِهم أن ينفعوها أو يدفعوا ضرَرًا عنها لو جاء الذُّباب على هذه الأصنام لا يملِكُ هذا الصنم أن يَذُبَّ الذُّبابَ عنه فإذا كان الذُّباب يَحُطُّ على رأسِ هذا الصَّنم كيف يَصلُحُ هذا أن يكونَ ربًّا؟ إذا كان عاجزًا عن أن يدفعَ عن نفسِه فكيف هذا يكونُ فيه نفعٌ لغيرِه؟ فكيف يستطيعونَه لغيرهم؟ وقد آثرتُمُوهُم على الخالقِ الرازقِ المُثيبِ المُعاقِبِ فما أبيَنَ ضلالتَكم أيها المشركون!
الإسلام يشهدُ له العقل، العقل شاهدٌ للشرع العقل يشهدُ بصحةِ كلِّ ما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم العقل يشهد بوجودِ الله ويشهدُ بوَحدانية الله عزَّ وجلّ ،العقل يشهد بحالِ الافتقار الذي نحنُ فيه كم نحنُ فقراء إلى الله سبحانه وتعالى ،أحيانًا قد يطلبُ الإنسانُ ماءً ليرتوي فيكونُ هلاكُه فيه
مَن غُصَّ داوى بشُربِ الماءِ غُصَّتَه……. فكيف يصنعُ مَن قد غُصَّ بالماء؟
كل ما فيه يدلُّ على حاجتِه ويدلُّ على افتقارِه فما أبيَنَ ضلالةَ مَن يجحدُ وجودَ الله سبحانه وتعالى، وللتمثيلِ في حالِ هؤلاء وفي جحودِهم لوَحدانيّةِ الله ووجودِ الله وصفاتِ الله عزَّ وجلّ قال سبحانه:
﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾
الأعمى والبصير مَن المراد؟
أي الكافرُ والمؤمن أو مَن لا يُبصِرُ شيئًا ومَن لا يخفى عليه شيء
هل يستوي الأعمى والبصير؟ هذا يُبِصر وهذا لا يُبِصر من هذه الحيثيّة هل يستويان؟
وكذلك لا يستوي المؤمنُ والكافر فإذًا ربُّ العالمين سبحانه وتعالى يُبَيِّنُ لنا أنَّهم ليسوا سواء الكافر لا يساوي المؤمن لماذا؟ هو لا يَزِنُ عندَ الله تعالى جناحَ بَعوضة؟ لأنه لم يؤَدّ أعظمَ حقٍّ لله سبحانه وتعالى وما هو أعظمُ حقٍّ لله علينا؟ أن نعبدَ الله وأن نُوَحِّدَ الله فمَن ترك أعظمَ حقٍّ لله عزَّ وجلّ فهذا هَوى في الدَّرَكات وهذا لا يساوي المؤمن الله يقول هذا قولُ الله سبحانه وتعالى وَلَوْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ أَلْفُ قَائِلٍ خِلَافَ قَوْلِ اللَّهِ فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ هوَالْحَقِّ لا يستوي المؤمن له عِزَّة عند الله، إذا كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول: “لَزَوالُ الدنيا أهونُ عندَ الله من قتلِ مؤمن”
لَزَوالُ الدنيا؛ لأنّ هذا قد آمَنَ بالله سبحانه وتعالى فهذا المؤمن لا يساويه الكافر، مهما عمِل الكافر من الأعمال لا يصلُ في الدرجة إلى المؤمن الكافر مهما عمِل لا تُسَجَّل له حسنةٌ واحدة أما المؤمن أيَّ حسنةٍ يعملُها أقلّ ما تضاعَف له إلى عشرة وقد يجعلُ الله تعالى برحمتِه وفضلِه وكرمِه وَمِّنه حسنة واحدة عمِلَها المؤمن صارت له يومَ القيامة كالجبال
أليس قال صلى الله عليه وسلّم: “اتَّقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرة”
لكن هذا كلُّه مع شرطِ الإيمان ويأتي بعدَ الإيمان أن يكونَ العملُ صحيحًا معَ الإخلاصِ لله تعالى فلا يستوي لا يستوي المؤمن وغيرُ المؤمن لا يستويانِ في الدرجة لا يستويانِ في الفضل، وإذا كان هذا الذي في كتابِ الله عزَّ وجلّ فإنّ هذا يُعَدُّ عقيدةً عندَنا والمسلم عليه أن يعتنيَ بالعقيدة
يا أخوة ليس عندَنا ما هو أعظم من العقيدةِ المحمّديّة، وليس عندَنا إنسان هو أفضل من سيّدِنا محمّد عليه الصلاة والسلام بل لا يوجد مخلوق أفضل من نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، ونبيُّنا هو الذي جاء بهذا الدين، وهو عليه الصلاة والسلام مُعلِّمُ التوحيد حتى لا نصلَ والعياذ بالله إلى الوصفِ الذي جاء في القرآن في مَن لا يؤمنُ بالله بأنه أعمى حتى لا نصلَ إلى هذه المرحلة لا بدّ أن نحافظَ على دينِنا وأن نحافظَ على عقيدتِنا وأقول كذلك المحافظة على أبناءِ المسلمين المحافظة فلنتَّقِ الله في أبنائِنا لا ينبغي أن نُرَبِّيَ أبناءَنا كمَن يرَبِّي بقرةً يرجو حليبَها ونحنُ لماذا نأتي بالولد ليَعبُدَ الله ماذا نريدُ أن يكونَ منّا أن يكونَ من ذرياتِنا إن لم تكن هذه الذريةُ ذريةً صالحة ليس فقط يكونُ الوبال على أبيه وأمِّه بل على أمّتِه والأمة فيها ما يكفيها من الوَيلات والهلاك تحصين الأولاد بعلم الدين قبل السَّعي والانتباه والبحث هذا الولد وماذا سُيَحِّصل من الشهادات الدنيويّة بعضُهم يظنّ أنَّ التربية هي هكذا هل الشهادة الدنيويّة تضمنُ السعادةَ الأبديّة قولوا لي هل مَرَّ عليكم شهادة دنيويّة كانت كبيرة إلى درجة أنها كانت كفنًا للأولاد عندما صاروا كبار ثم ماتوا ودُفِنوا في قبورِهم هل الشهادات هل مرَّ عليكم قد يكون لكن أنا ما مرَّ عليّ واحد أوصى أن تُدفَنَ شهادتُه معه في القبر، أنا ما مرَّ عليّ مهما كانت
درجتُه العلميّة فأولادَك أبناءُ المسلمين قبل أن نفكر وهؤلاء إلى أين نرسلهم وإلى أيِّ مدارس يذهب هؤلاء الأولاد بعضُ الناس همُّه أن يكونَ
ولدُه في اللغة أن يكونَ عندَه ما عندَه، رجلٌ هذا قبلَ سنين كان ثريًّا جدًّا ولدُه كان في مدارس يتعلمُ القرآنَ الكريم ثم قال ولدي ماذا يكونُ مستقبلُه أخرج ولدَه وضعه في مدارس كان فيها والعياذ بالله من فسادِ العقيدة هذا الولد نَخَرَهُ الفساد ليس فقط دخل فيه بل نَخَرَهُ هذا الفساد مات الوالد اسمعوا هذا يا آباء، مات الوالد خَلَّفَ وراءه ترِكَةً كبيرةً من المال بعضُ الأباء يقول حتى مالي أولادي لا يتعبُ من بعدي كما تعِبتُ أنا في المال يا مسكين، مات الوالد آلتِ التَّرِكة إلى هذا الولد هذا الولد صار يُبَذِّرُ المال كلّ المال الذي آلَ إليه من أبيه ذهب في الحرام سمعتم يا آباء ذهب في الحرام ثم هذا الولد يريد أن يعيش ما عندَه مال ذهبَ لم يجد وظيفة صار يعملُ حارسَ مقبرة لغيرِ المسلمين هذا هو لكن الشافعيّ وهو يتيم أبو حنيفة هؤلاء الأئمة وهم صغار لكن عندما كان عناية بهم في أمرِ الدّين إلى ماذا آل أمرُهم هذا هو العزّ، لذلك انظروا في كتاب الله عزَّ وجلّ وعلِّموها أبناءكم
الله شبَّهَ الكفار بالعُمي ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾بعضُ الناس يقول لك أنا لا أُفَرِّق كيف لا تُفَرِّق؟ ما معنى لا أُفَرِّق؟ وما معنى هذا؟
﴿أم هل تستوي الظلمات والنور﴾
تثبيت لهذا المعنى أكثر ،ما هي الظلمات هنا؟ مِلَلُ الكفر، والنور الإيمان
لأنَّ الإيمانَ نور يقذفُه الله تعالى في قلبِ مَن شاء ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾
وبعد هذا التَّبكيتِ لهم وبيانِ كيف أمعنوا في الجحود وفي الإشراكِ بالله عزَّ وجلّ جاءت الآية التالية من سورة الرعد وهي آيةٌ تُعَدُّ قاصمةً لرؤوسِ مَن يُكَذِّبُ بالقَدَر ولمَن يقول بأنَّ العبدَ خالقٌ لفِعلِه كما هي قاصمة للمشركين، أليس المشركون قد رأَوا أن هذه الأصنام لا تَخلُق؟ ليس لها نَفع ولا ضرر مع ذلك أشركوا وعبدوها فالله يقول
﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار(16)﴾
بل أجَعلوا ،ومعنى الهمزةِ الإنكار أم جعلوا لله شركاء هذا على وجه الإنكار عليهم
﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه﴾ خلقوا مثلَ خَلْقِه وهو صفةٌ لشركاء، أي أنَّهم لم يتَّخذوا لله شركاءَ خالقينَ قد خلقوا مثلَ خَلْقِ الله فتشابه الخَلقُ عليهم فاشتبه عليهم بزعمِهم مخلوقُ الله بمخلوقِ الشركاء حتى يقولوا قَدَرَ هؤلاء على الخَلْق كما قَدَرَ الله عليه فاستَحَقُّوا العبادة فنتَّخذُهم له شركاء ونعبدُهم كما يُعبَد ولكنهم اتّخذوا له شركاءَ عاجزين لا يقدِرون على ما يقدِرُ عليه الخَلْق فضلًا أن يقدِروا على ما يقدِرُ عليه الخالق هل هؤلاء رأَوا لأصنامِهم التي اتخذوها آلهةً من دون الله عزَّ وجلّ هل رأَوا لها خَلْقًا ثم تشابَهَ عليهم هذا بزعمِهم من خَلْقِ الأصنام وهذا من خَلْقِ الله فتشابه الأمر عليهم هذا كلُّه على وجه الإنكار فتشابَهَ الأمرُ عليهم فجعلوا هؤلاء شركاءَ مع الله ولكنهم رأَوا أنها أصنام عاجزة ﴿قل الله خالق كل شيء﴾
وهذا الرَّدُّ عليهم أي خالقُ الأجسامِ والأعراض لا خالقَ غيرُ الله ولا يستقيمُ أن يكونَ له شريك أي خالقُ الأجسام والأعراض لا خالقَ غيرُ الله ولا يستقيمُ أن يكونَ له شريكٌ في الخَلْق فلا يكونُ له شريكٌ في العبادة
﴿قل الله خالق كل شيء﴾
خالقُ الأجسام وخالقُ الأعراض
العالَم كما تقدّم ينحصرُ في الأجسام وصفاتِ الأجسام صفاتُ الأجسام يقال لها أيضا الأعراض والأجسام إما أن تكونَ أجسامًا كثيفة وهي ما ينضَبِطُ باليد وإما أن تكونَ أجسامًا لطيفة لا تنضبط باليد ،وأما العَرَض فهو صفةُ الجسم كلّ ما في هذا العالَم لا يخرجُ عن هذَين إمّا حجم وإمّا صفة لهذا الحجم والأجسام ما كان منها أجسامًا كثيفة كالإنسان والشجر والحجر وما كان منها أجسامًا لطيفة كالملائكة والرّوح والرّيح والهواء والجنّ الجسمُ الكثيف يشغَلُ حيِّزًا يَشغَلُ مكانًا والجسمُ اللطيف يشغَلُ حيِّزًا يَشغَلُ مكانًا، خالقُ الجسمِ الكثيف هو الله وخالقُ الجسمِ اللطيف هو الله، وخالقُ العَرَض الذي هو صفةُ الجسم هو الله يقول أبو حنيفة رضي الله عنه: (أنّى يُشبِهُ الخالقُ مخلوقَه)
فيستحيلُ أن يكونَ الخالق سبحانه وتعالى يشبهُ خَلْقَه في أيَّ صفةٍ من الصفات، ثم إنّ الخالقَ سبحانه وتعالى
والخالق معناه الذي أبرزَ من العدَم إلى الوجود ولا خالقَ بهذا المعنى إلا الله سبحانه وتعالى هذا الخالق سبحانه وتعالى كما أنّه خلق العبادَ فقد خلق أعمالَ العباد أعمالُنا نحن مخلوقةٌ لله، ليس نحنُ مَن يخلُق العمل العبدُ ليس له من عملِه إلا الكسب أما الخَلْقُ فلا يكونُ إلا لله عزَّ وجلّ الله قال: ﴿قل الله خالق كل شيء﴾ فماذا دخلَ في هذا؟ وكلّ هي من ألفاظِ العُموم والشُّمول بل يُقال هي أمُّ ألفاظِ الشُّمول والعموم الله قال: ﴿قل الله خالق كل شيء﴾ عملُنا أليس شيئًا؟ بلى هو شىء فإذًا هذا دليل على أنّ الله سبحانه وتعالى خلق العبادَ وخلق سبحانه وتعالى أعمالَ العباد، ولذلك مَن قال بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه وهو قولُ القدريّةِ المعتزِلة فقد أشركَ مع الله مَن قال بأنّ العبدَ يخُلق هذا أشركَ مع الله، أعمالُ العباد ما كان منها خيرًا
وما كان منها شرًّا كلُّ ذلك بخَلْقِ الله عزَّ وجلّ، كلُّ ما دخلَ في الوجود من الذَّرَّة إلى العرش ومن كلِّ حركةٍ للعباد وسكون والنوايا والخواطر كلُّ ذلك بخَلْقِ الله، العبادُ مخلوقون لله وأعمالُ العبادِ كذلك مخلوقةٌ لله تعالى، نعم أنت تُحَرّكُ يدَك هذا كَسب وليس خَلقًا، هذا لا يُسمّى خلقُ العبدُ إذا فعلَ فعلًا هذا لا يُسمى خَلقًا بالنسبةِ للعبد، الله تعالى هو الخالق وحدَه
لذلك كانت هذه الآية من الآيات القاصمة للمعتزِلة الذين يقولون بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه ﴿قل الله خالق كل شيء﴾ أي خالقُ الأجسامِ والأعراض لا خالقَ غيرُ الله، ولا يستقيمُ أن يكونَ له شريكٌ في الخَلْق فلا يكونُ له شريكٌ في العبادة ومَن قال إنّ الله لم يَخلق أفعالَ الخَلْقِ وهم خلقوها فتشابَه الخَلْقُ على قولِهم، يعني أهلُ التفسير أنزلوا هؤلاءِ الذين يقولونَ بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه كهؤلاءِ الذين أشركوا بالله عزَّ وجلّ لماذا؟ لأنّ هؤلاءِ الذين قالوا بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه أشركوا معَ الله وكيف إشراكُهُم؟ عندما قالوا بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه، الواحدُ منّا فَرد ولكن كم له من الأعمال؟ الكثير فإذا قيلَ إنّ الله خَلقَ العبدَ فقط أما أعمالُ العبد فالعبدُ هو الذي خلقَها فإذًا على قولِهم عددُ مخلوقاتِ العبد أكثُر من عددِ مخلوقاتِ الله، ولذلك علماء أهلُ السُّنّة والجماعة قالوا هذا يُعَدُّ إشراكًا بالله مَن قال بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَهُ هذا والعياذ بالله يكونُ أشرَكَ مع الله
﴿قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾
الواحد المُتَوَحِّدُ بالرُّبوبيّة القهّار سبحانه لا يُغالَب وما عداه مَربوبٌ ومقهور
الله تعالى من أسمائِه القهّار من أسمائِه القاهر كلُّ مخلوقٍ مقهورٌ لله، معنى مقهور لله لا يخرُجُ عما أراد الله سبحانه وتعالى، العرش الذي هو أعظمُ مخلوقاتِ الله حجمًا ما سِوى العرش بالنسبة إلى العرش قلنا كنُقطة في بحر ما سِوى العرش من السماوات والأرض والكرسيّ والجنّة وما فيها وما بينَها بالنسبة إلى العرش كنقطة في بحر هذا العرش لا يخرُجُ عما أراده الله عزَّ وجلّ فهو مقهورٌ لله تبارك وتعالى، ولذلك الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهَه قال: (إنّ الله خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِه ولم يتَّخذه مكانًا لذاتِه) مقهور لله لا يخرج عما أراده الله سبحانه وتعالى
﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا﴾
أنزَلَ الواحدُ القهّار سبحانه وتعالى وهو الله أنزَلَ من السماء، هنا من السماء يعني من السّحاب المطر
كما بيَنَّا من قبل أصلُه من تحتِ العرش ثم ينزِلُ المطر إلى السماء ثم إلى السّحاب ثم ينتقلُ بمشيئةِ الله تعالى، بأمرِ الله تعالى تحرِّكُه الملائكة ثم ينزل حيثُ أراد الله سبحانه وتعالى، هنا السماء معناها السّحاب أنزلَ من السماء إذًا السماء أصلُه من فوق، أنزلَ من السماءِ ماءً أي مطرًا فسالت أودية، أودية جمعُ وادٍ ،ما هو الوادي؟ المَوْضِع الذي يسيلُ فيه الماءُ بكَثرَة يقالُ له وادي
وإنما نُكِّرَ قال ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ لماذا؟ لأنّ المطرَ لا يأتي إلا على طريقِ المُناوبةِ بين البِقاع فيسيلُ بعضُ أوديةِ الأرض دونَ بعض ينزِلُ المطر بقدرةِ الله تعالى فتجد أنه نزَلَ هذا الماء وسالَ وسارَ في هذا الوادي شقَّ هذا الوادي ولم يَشُقَّ واديًا آخر ثم هذا الماء الذي نزلَ في هذا الوادي الله أعلم إلى أين يمشي بعد ذلك الله يعلم نزَلَ الماء من السماء إلى هذا الوادي
﴿أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها﴾ بمِقدارِها الذي عَلِمَ الله أنَّه نافعٌ للمَمطورِ عليهِم غيرُ ضارّ، فاحتَمَلَ هذا السيل الذي يمشي، احتَمَلَ: أي رفعَ زَبَدًا
﴿فاحتَمَلَ السيلُ زَبَدًا﴾ ما هو الزَّبَد؟ هو ما عَلا على وجهِ الماء من الرَّغوة والمعنى عَلاهُ الزَّبَد المعنى علاهُ زَبَد ماءُ السَّيل عندما يمشي في أعلى هذا الماء تَجِدُ رَغوَة هذه الرَّغوَة يقال لها الزَّبَد ولماذا يُذكَرُ ذلك؟ الآنَ يُبَيَّن لأنّ هذا السِّياق فيه رَدٌّ على مَن يُشرِكُ بالله عزَّ وجلّ ويجحدُ آياتِ الله ﴿أنزل من السماء ماء﴾ يدلُّ على قدرةِ الله تبارك وتعالى
﴿فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ رابيًا منتفِخًا مرتفعًا على وجه السَّيل، أما تشاهد السَّيل عندما يمشي كيف يكون عليه رَغوة في أعلاه هذا الذي يقال له الزَّبَد هذه واحدة
﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله﴾
إذًا هذا مِثالٌ آخر المِثالُ الأوّل الماءُ الذي ينزلُ من السماء فتسيلُ الأوديةُ بالماء فيظهَرُ الزَّبَد من الماء رَغوَةً على وجهِ هذا الماء على أعلى شيءٍ في الماء وهناك زبَدٌ آخر ما هو؟ بعض الفِلِزَّات إذا عُرِضَت على النار فترى الخَبَثَ والزَّبَدَ يظهر كالزَّبَدِ الذي يظهرُ عندما يمشي الماءُ في السَّيل الفِلِزَّات التي هي من معادنِ الأرض أهلُ الكيمياءِ الآن يقولون هذه التي فيها توصيلُ الكهرُباء في معاجمِ اللغة يقولون هذه الفِلِزَّات معادنُ الأرض فهذا الذي يعملونَه عندما يعرِضونَ هذه المعادِن هذه الفِلِزَّات على النار فماذا يصير؟ يصيرُ زَبَد كالذي تراه عندما يمشي الماء في السَّيل
﴿ومما يوقدون عليه﴾ وهنا وجهٌ إما أن نقول من لابتداءِ الغاية أي ومنه ينشأُ زَبَدٌ مثلُ زَبَدِ الماء أو للتَّبعيض أي وبعضُه زَبَدٌ
﴿ومما يوقدون عليه في النار﴾ أو هو حالٌ من الضميرِ في عليه أي ومما يوقِدونَ عليه ثابتًا في النار هذه المعادن يعرِضونَها على النار لأيِّ شيء يعرِضونَها على النار؟
﴿ابتغاءَ حِليَة﴾ مُبتَغينَ حِليِة يأخذونَ منها المصاغ الذهب
﴿أو مَتاع﴾ فيعرِضونَ من الحديد والنُّحاس والرَّصاص يُتَّخَذُ منه الأواني وما يُتَمَتَّعُ به في الحضَرِ والسَّفر أو متاعٍ وهو معطوفٌ على حِليَة أي زينةٍ من الذهبِ والفِضة
﴿زَبَدٌ مِثله﴾ أي خَبَث مِثلُه نَعتٌ له ومِمّا توقِدون خبرٌ له أي لهذه الفِلِزَّات إذا أُغلِيَت زَبَدٌ مثلُ زَبَدِ الماء، فإذًا هنا في الآيةِ الكريمة تنبيهُ العباد إلى آيةٍ ودِلالةٍ على قدرةِ الله سبحانه وتعالى وضربٌ للمثل وقد كان الكلامُ قبل ذلكَ عن الأعمى والبصير وعن الظلماتِ والنور وعن الذي يؤمن والذي لا يؤمن لبيانَ ذلك جاءت الإشارة يوجدُ زَبَد خَبَث شيء ليس فيه نفع ويوجد شيء نافع فما الذي يبقى؟ نصلُ هذا بالذي قبلَه
﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل﴾
أي مَثَلَ الحقِّ والباطل إذًا هذا تقريب لماذا ضُرِبَ هذا المثل في كتابِ الله عزَّ وجلّ الحقّ والباطل، الزَّبَد وما ينفعُ الناس الأعمى والبصير الظلمات والنور المؤمن والكافر الحقّ والباطل سَيلٌ من الماءِ بزَبَد ،حِليَة من الفِلِزّات من الذهب أو من المعادِن من الرَّصاص أو من الحديد لأجلِ أن يتخذوا منه الأواني تُعرَضُ على النار فيظهرُ منها زَبَدٌ وخَبَثٌ وشيءٌ غيرُ نافع فهذا يذهب لا حاجةَ فيه هذا خَبَث وما الذي يبقى أهلُ الإيمان وما الذي يبقى الحقّ ولذلك ضُرِبَ هذا المثلُ العظيم
﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل﴾ أي يَضرِبُ مَثَلَ الحقِّ والباطل
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾
أي مُتَلاشِيَة يذهبُ جفاء بعيد
كما جاء في الحديث: (مَن بدا جفا)
جُفاءَ بعيد يَبعِد من الجَفاء ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ مَن بدا ابتَعَد جفا قلبُه يتغير
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ أي متلاشية وهو ما تقذِفُهُ القِدْرُ عندَ الغلَيان والبحرُ عند الطُّغْيان هذا الذي يقال له هذه الرغوة يقال لها الزَّبَد
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ يتلاشى لنَستحضِر ونحنُ نَذكُر هذا المعنى قبلَ أن نُتِمَّ أنَّ هذه الأُمّة عزيزةٌ بدينِها وعزيزةٌ بنبيِّها عليه الصلاة والسلام وعزيزةٌ بعبادةِ ربِّها سبحانه وتعالى فمهما تكالبَ أعداءُ الإسلام على أُمَّةِ الإسلام فهم زَبَد، والزَّبَد ما هو مآلُه يتلاشى ويذهب، صحيح قد يكونُ الزَّبَد كثيرًا قد يغطي الزَّبَد أحيانًا ما دونَه لكن الله يقول:( فأمّا الزَّبَدُ) هذه وكأنها لو تمَعَنَّ فيها أهلُ القلوب يقولون كأنها إشارة إشارة إلى أنّ الإسلام هو المُنتَصِر بإذن الله الحقّ هو المُنتَصِر بإذن الله لماذا؟ لأنّ اللهَ يقول
﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾
معنى ذلك أهلُ الحقّ أهلُ السُّنَةِ والجماعة منصورون مهما تكالَبَ أعداءُ أهلِ السُّنَةِ والجماعة ومهما حاربوا أهلَ السُّنّة ومهما أَلِمَ أهلُ السُّنّة والجماعة منهم ومهما أصاب أهل السُّنّة كم ترى من الخَبَث؟ كم ترى ممّن يكذِب على أهلِ السُّنّة والجماعة؟ كم ترى من يعادي أهلَ السُّنّة والجماعة؟ إذا مضى واحد في طريق أهلِ السُّنّة والجماعة يتعلمُ علمَ الحقّ كم يسمع من التشويش والكَذِب والافتراء والاعتراض؟ الكثير
فإذًا تذكّر ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ متلاشية الجَفْءُ الرَّمي تقول جَفَأتُ الرَّجُلَ أي صَرَعتُهُ
إذًا جُفاءَ متلاشيًا بعيدًا يذهب ﴿وأما ما ينفع الناس﴾ وتذكَّروا ، خيرُ الناسِ مَن؟ مَن ينتَفِعُ به الناس خيرُ الناس من ينتَفِعُ به الناس هؤلاء الذين ينفعونَ الناس يقضونَ حوائِجَ المسلمين لهم نور غدًا عندَ الصّراط وهذا النور يضيءُ لأُمّةٍ كثيرة يضيءُ له ولغيرِه بإذن الله
﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ فيَثبُتُ الماءُ في العيونِ والآبار فإذًا الماءُ الذي نزَلَ من السماء سال في الأودية الكثير من الماء الآن يذهب أين؟ هدر لكن ماذا يثبُت؟
تجد فيه ماء يستقِرّ في العُيون فيثبُتُ الماءُ في العيونِ والآبار أو والحبوب والثِّمار يعني إما أنّ هذا الماء أنبتَ الحبّ والثَّمَر أو أنّه استقَرّ في الآبار وفي العُيون فصار فيه النَّفع وكذلك الجواهر الزَّبَد ذهبَ وأمّا الجواهر تبقى في الأرض مدّةً طويلة
﴿كذلك يضرب الله الأمثال(17)﴾
ليظهر الحق من الباطل وإظهارُ الحقِّ مطلوب والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَع والحقُّ ما جاء به الكتاب وما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم وهو الذي أجمعت عليه الأُمَّةُ الإسلاميّة من شافعيّة ومالكيّة وحنفيّة وحنابلَة أشاعرة كانوا أم ماتريديَّة، هذه أُمّةُ الإسلام هؤلاء همُ الجمهور هؤلاء همُ الجماعة الذين أوصى نبيُّ الرّحمة عليه الصلاة والسلام بلُزومِهِم حين قال عليه الصلاة والسلام:
“عليكم بالجماعة وإيّاكُم والفُرقَة فمَن أرادَ بُحبُوحَةَ الجنّة فَليَلْزَم الجماعة”
﴿كذلك يضرب الله الأمثال﴾ ليظهر الحق من الباطل
وقيلَ هذا مثَلٌ ضربَه الله للخَلْقِ وأهلِه والباطلِ وحِزبِه فمَثَّلَ الحقَّ وأهلَه بالماءِ الذي ينزِلُ من السماء فتسيلُ به أوديةُ الناس فيَحيَوْنَ به وينفَعُهُم بأنواعِ المنافع وبالفِلِزّ الذي ينتفعون به في صَوغِ الحُلِيِّ منه واتِّخاذِ الأواني والآلاتِ المختَلِفات وذلك ماكِثٌ في الأرض باقٍ بقاءً ظاهرًا يَثبُتُ الماءُ في منافِعِه وكذلك الجواهرُ تبقى أزمنةً مُتطاوِلَة
وشبَّهَ سبحانه الباطلَ في سرعةِ اضمِحلالِه وَوَشْكِ زَوالِه، سمِعنا وِوَشْكِ زَوالِه يرَونَه بعيدًا ولكنّه قريب الزَّبَد لا يمكُثُ طويلًا الخَبَث لا يطول قد تقول مَرَّ على هذا الخَبَث سنوات لكن بالنسبةِ إلى مدّةِ الدنيا هو قليل الخَبَث يوشِكُ أن يزول لا بدّ أن يغيِّرَ الله تعالى حالَ الأُمّة إلى أحسن، الحال لا يبقى لا يبقى، في زَبَد يذهب، الله يعجِّلُ بالفرج، فإذًا شبَّهَ الباطلَ في سرعةِ اضمِحلالِه وَوَشْكِ زوالِه بزَبَدِ السَّيل الذي يُرمَى به وبزَبَدِ الفِلِزّ الذي يطفو فوقَه إذا أُذيب
قال الجمهور وهذا معنًى لطيف عندَ الصّوفيّة، الصّوفيّة يعني الصّوفيّة الصادقة الذين صفَت قلوبُهم هذا مثَلٌ ضربه الله تعالى للقرآنِ والقلوبِ والحقِّ والباطل فالماءُ القرآن نزَلَ لحياةِ الجَنان، القرآن لحياةِ القلب كالماءِ للأبدان والأوديةُ للقلوب نزَلَ الماء على الوادي فسال ونزَلَ القرآن على هذا القلب فهناك مشى الماء وهنا في القلب سرى أثرُ القرآنِ الكريم فهناك ظهر زَبَد وبقيَ ما ينفع وهنا في القلب أين الزَّبَد تقريبُ ذلك عندما يأتي الحق فينزِلُ على قلبِك القرآنُ الكريم أو كلامُ الحقّ فعندَها احذر الزَّبَد أين هو التَّشكيك الوَساوِس الخواطر الفاسدة ومَن يريدُ إبعادَكَ عن الحقّ وعن مجالسِ الحقّ وعن مجالسِ العلم يريدُ إبعادَك فهذا الَمَثل، فالماءُ القرآنُ نزَلَ لحياةِ الجَنان كالماءِ للأبدان والأوديةُ للقلوب
ومعنى (بقَدَرِها) بِقَدَرِ سَعَةِ القلبِ وضيقِه والزَّبَدُ هواجِسُ النَّفْس ووَساوِسُ الشيطان والماءُ الصافي المُنتَفَعُ به مثلُ الحقّ فكما يذهبُ الزَّبَدُ باطلًا ويبقى صَفْوُ الماء كذلك تذهبُ هواجِسُ النَّفس ووَساوِسُ الشيطان ويبقى الحقُّ كما هوَ، القرآن الذي نزَلَ على القلب الماء الذي نزَل على الوادي فماذا عن حِليَةِ الذهب والفِضة وأما حِليَةُ الذهبِ والفِضة فمَثَلٌ للأحوالِ السَّنِيَّة والأخلاقِ الزَّكِيَّة مَعدِن أنت تقول هذا كالذَّهب مَعدَن مَثَل للحالِ السَّنِيّ والأخلاقِ الزَّكِيَّة
وأما مَتاعُ الحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ فمَثَلٌ للأعمالِ المُمَدَّةِ بالإخلاصِ المُعَدَّةِ للخَلاص فما أعظمَ ما ذُكِرَ من هذه الأمثلةِ في كتاب الله عزَّ وجلّ تَعرِضُ النُّحاسَ والرَّصاصَ والحديدَ لأجلِ أن تأخذَ منه ما ينفع فيكونُ زَبَد والذهب والفِضة تَتَّخِذُها حِليَة ويكونُ زَبَد والماءُ الذي ينزِل ويسيل في الوادي فيكون زَبَد في هذا الماء نفعٌ كبير ويذهبُ الزَّبَد وفي القرآنِ الكريم حياةٌ للقلب
وأما الإشارة من الذهبِ والفِضة الحالُ السَّنِيّ والخُلُقُ الزَّكِيّ وأما في المعادنِ الأخرى منَ النُّحاس والرَّصاص والحديد الأعمالُ المُمَدَّة بالإخلاص المُعَدَّة للخَلاص فتحتاجُ هذا، هذا المعنى اللطيف في هذه الإشارة من الحديد وذلك المعنى اللطيف في تلك الإشارة من الذهب وذلك المعنى في تلك الإشارة من الماء، فإنّ الأعمالَ جالبةٌ للثواب دافعةٌ للعقاب كما أنّ تلك الجواهرَ بعضُها أداةُ النَّفْعِ للكَسب وبعضُها آلةُ الدَّفعِ في الحرب وأما الزَّبَد فانظروا خِتامَ هذا الشرح في هذا المَوضِع أما الزَّبَد فالرِّياءُ والخَلَلُ والمَلَلُ والكسلُ وهذا الزَّبَد فإذا تسلَّلَ هذا إلى نفسِكَ فاذكُر أنّ هذا هو الزَّبَد الذي ينبغي أن تحفظَ قلبَك من هذا الزَّبَد
﴿للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به﴾
﴿للذين استجابوا﴾ اللام في للذين استجابوا أي أجابوا مُتَعَلِّقَة بما قبل بيضرِب أي كذلك يضرِبُ الله الأمثالَ للمؤمنين الذين استجابوا لربِّهِمُ الحُسنى
إما أن يقال هنا الحُسنى أي استجابةً حُسنى ،الاستجابة الحُسنى
أو الحُسنى وهو الجنة رزقنا الله الجنة
استجابَ لداعِ الله استجابَ لدعوةِ الحقّ له دعوةُ الحقّ هذه الاستجابة حُسنى
أي كذلكَ يضرِبُ الله الأمثالَ للمؤمنين الذين استجابوا لربِّهِمُ الحُسنى وهي صفةٌ لمَصدَرِ (استجابُوا) أي استجابُوا الاستجابةَ الحُسنى وهذا عن الذين استجابوا فماذا عن الذين لم يستجيبوا
﴿والذين لم يستجيبوا له﴾ أي وللكافرين الذين لم يستجيبوا أي هُما مَثَلَ الفريقَين
وقولُه ﴿لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به﴾ كلامٌ مُبتَدَأ في ذِكرِ ما أعَدَّ لغيرِ المُستجيبين الذين لا يستجيبون لدعوةِ الحقّ ،ماذا يتمنّى الواحدُ منهم يومَ القيامة يتمنّى لو أنّ له ما في الأرضِ جميعًا ومِثلَهُ معَهُ يفتدي أي لو ملَكوا أموالَ الدنيا وملَكوا معَها مِثلَها لبذَلوهُ ليَدفعوا عن أنفسِهِم عذابَ الله ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ لو مَلَكَ الدنيا كلَّها يتمنّى وقتَها لو كان مَلَكَ كلَّ ما عندَه لماذا؟ لأجلِ أن يفتدِيَ به من عذابِ الله عزَّ وجلّ هذا حالُ مَن؟ الذين لم يستجيبوا ليَدفَعَ عن نفسِه عذابَ الله
والوَجهُ المُعتَمَد فيما ذكرنا من التفسير أنّ الكلامَ قد تَمَّ في الآيةِ التي قبل على الأمثال وما بعدَهُ كأنّه كلامٌ مُستَأنَف والحُسنى مُبتَدَأٌ خبَرُه للذين استجابوا أي التَّقدير للذين استجابوا الحُسنى
والمعنى لهُمُ الَمثوبَةُ الحُسنى وهي الجنّة أليس الله قال: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ في سورة يونس ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ فما هي الحُسنى؟ الجنّة
وما هي الزيادة؟ رؤيةُ الله سبحانه وتعالى في الجنّة في العينِ الباقية بلا كَيفيَة ولا كميَة ولا مكان ولا زمان ولا يكونُ بينَه سبحانه وتعالى وبينَ خَلْقِهِ مسافة،
﴿أولئك لهم سوء الحساب﴾
هؤلاء لهم سوءُ الحساب أي المناقشةُ فيه
ما معنى ذلك؟ في الحديث: “من نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب”
ما معنى من نُوقِشَ الحساب؟ معناه شُدِّدَ عليه في الحساب ومَن شُدِّدَ عليه في الحساب كان حسابُه لا مَغفِرَةَ فيه عن ذنوبِه وهذا الذي يقالُ له الحسابُ العسير نسأل الله أن يكونَ حسابُنا يسيرًا، حسابُ الدنيا يا إخوة الآن ما أهوَنَهُ بالنسبةِ لِما يأتي بعدَ ذلك مَن نُوقِشَ الحساب ومَن شُدِّدَ عليه في الحساب فإنّ حسابَه يكونُ عسيرًا ويُعَذَّب
﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد(18)﴾
مَرجِعُهُم مأواهُم والعياذ بالله المَرجِع مَرجِعُهُم بعد المُحاسَبَة النار
﴿وبئس المهاد﴾ المكان المُمَهَّدُ والمذمومُ محذوفٌ أي جهنمُ بِئسَ المِهاد، بِئسَ المِهاد أن يكون إلى جهنم بِئَس المأوى أن يكون إلى جهنم
الله تعالى يجيرُنا من عذابِ النار الله يجيرُنا من عذابِ جهنم يا إخوة فلنَتعب اليوم فلنتعب اليوم في الدنيا أمامَنا شيء طويل في القبر وأمامَنا شيء طويل بعدَ ذلك في يومِ القيامة ما جلوسُنا في هذه الأوقات ما يبلُغُ ما نقومُه ما نقعُدُه ما يبلُغ؟ ما يبلُغُ تعبُنا حتى نرتاحَ غدًا اتعب اليوم تلقى الراحة غدًا ليس الراحة في استعجالِ أرجِع أرجِع لأنام قد يكونُ حَتفُكَ في طريقِك قد تكونُ نهايتُك في منامِك قد تكونُ صاعقة تنزِلُ عليك وأنت تستعجل أن تخرُج وتمشي في هذا الطريق أعمل الآن
﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب(19)﴾
﴿أفمَن يعلمُ﴾ لإنكارِ أن تقعَ شُبهَةٌ ما بعدَ ما ضَرَبَ من المَثل في أنّ حالَ مَن عَلِم
ما أعظمَ كتابَ الله انظروا كم من الأمثال التي ذكرنا
﴿أنما أنزل إليك من ربك الحقّ﴾ فاستجابَ بمَعْزِلٍ المَعزِل يعني البعيد بمَعزِلٍ من حالِ الجاهلِ الذي لم يستبصِر فيستجيبَ وهو المرادُ بقوله ﴿كمن هو أعمى﴾ كبُعدِ ما بين الزَّبَدِ والماءِ والخَبَثِ والإبريز
يقول الفُضَيل بنُ عياض رحمه الله: (إذا أردتَ أن تسلُك فلا يَغُرَّنَّكَ كَثرَةُ الهالكين وقِلَّةُ السالكين)
لا تبالي اذكر الآية في سورة يوسف ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ من يتذكّر هذا عبادَ الله من يتذكر هذا
﴿إنما يتذكر أولو الألباب﴾ أي الذين عمِلوا على قضايا عقولِهِم فنظروا واستبصروا وهؤلاء ما وصفُهُم
﴿الذين يُوفونَ بعهدِ الله ولا ينقضون الميثاق(20)﴾
عهدُ الله ما عقدوهُ على أنفسِهم من الشهادة بالربوبيّة يومَ ألستُ بربِّكم وأشهدَهم على أنفسِهم ألستُ بربِّكم قالوا: بلى، حتى الذين همُ اليومَ كفار في ذلك اليوم يومُ ألستُ بربِّكم شهدوا بأن اللهَ تعالى هو الربُّ الخالق
أخرج الله عزَّ وجلّ الأرواحَ كلَّها من ظهرِ آدمَ عليه السلام وجمعها في نَعمانِ الأراك في أرضِ عرفات كانت الأرواحُ بحجمِ الذَّرّ استنطقَها الله سبحانه وتعالى ألستُ بربِّكم كلٌّ أجابَ بلى، مَن عِلِمَ الله أنه يكونُ من المؤمنين ومَن عَلِمَ الله أنه يكونُ كافرًا ،ثم لما دخلت الأرواحُ في الأجساد نسيَ الإنسان ما الذي كان يومَ ألستُ بربِّكم لكنّه بمشيئةِ الله يتذكَّرُ في الآخرة في ذلك اليوم أُعطِيَ العهد والميثاق أنّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق فإذًا هذا عهدُ الله وفي الحديث عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم: “كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطرة فأبواهُ يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه”
معناه يُولَدُ على مُقتضى ذلكَ العهدِ الذي كان يومَ ألستُ بربِّكم فإما أن يُصرَفَ يصرفُهُ أبواه إما يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه فإذًا كلُّنا قد أعطى العهدَ والميثاقَ لله سبحانه وتعالى في ذلكَ اليوم
﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ ما أوثقوه على أنفسِهم وقبِلوه من الإيمانِ بالله وغيرِه من المواثيقِ بينَهم وبينَ الله وبينَ العباد وهذا تعميمٌ بعدَ تخصص، وهذا الوصفُ الأوّل وعُدُّوا معي إلى آخرِ ما أقِفُ في الإشارة ثمانيةَ خِصال هذه الخَصلَةُ الأولى ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾