بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ (21) وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (22) جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ (23) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (24) وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (25) ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ (26) وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ (27) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ (28) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ(29) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب(21)﴾
﴿يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ من الأرحامِ والقرابات
ويدخُلُ فيه وصلُ قرابَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم وقرابةِ المؤمنينَ الثابتةِ بسببِ الإيمان لقولِه سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ بالإحسانِ إليهم على حسبِ الطاقة هذا من مقتضى الأُخوّة ومن مُقتضى الصِّلَةِ التي أمر الله تعالى بها أن تصِلَ إخوانَك المسلمين على حسبِ طاقتِك بالإحسانِ إليهم على حسبِ الطاقة ونُصرِتِهِم أن تَنصُرَ أخاكَ المسلم أن تَنصُرَ أهلَ السُّنّة هذا داخلٌ تحت هذه الآية
أن تَنصُرَ الحقّ أن تُدافعَ عن الحقّ أن تدافعَ عن دينِ الله وعن عقيدةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، كيف لا يكونُ ذلك من الصِّلَةِ التي أمر الله سبحانه وتعالى بها؟! بوصلهم والشَّفَقةِ عليهم وإفشاءِ السلامِ عليهم وعيادةِ مرضاهُم ومنه مراعاةُ حقُّ الأصحابِ والخدَمِ والجيرانِ والرفقاءِ في السفر كما جاء في الحديث:
“تقومُ الرَّحِم وتقولُ يا ربّ هذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعة فيقول الله سبحانه وتعالى: مَن وصَلَكِ وصَلَهُ الله ومَن قَطَعَكِ قَطَعَهُ الله”
وهذه الآية فيها تأكيدٌ كبير على صِلَةِ الأرحام وإذا كان كذلك في صِلَةِ الأرحام فكيف ببِرِّ الوالدَين فإنه صِلَةٌ عظيمة أمر الله سبحانه وتعالى به ومن جملة تلك الصِّلَة صِلَةُ أقرباءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم آلُ بيتِه عليه الصلاة والسلام
جاء في الحديث في صحيحِ مسلم أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال:
“اُرقُبوا محمّدًا في أهلِ بيتِه”
وعندَ البخاريّ عنه صلى الله عليه وسلّم: “أُذكِّرُكُمُ اللهَ في أهل بيتي”
ويدخلُ في آلِ بيتِ محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلّم أزواجُه أمهاتُ المؤمنين عائشة الصِّدِّيقة رضي الله عنها وبقيّةُ نسائِه رضي الله تعالى عنهُنَّ جميعًا، هؤلاءِ من جملةِ أهلِ بيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم، وكم كان بين أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم من إظهارِ الوُدِّ والمحبّةِ بل والتَّبَرُّكِ بصُلَحاءِ آل البيت ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ فلمّا نزلَت قيلَ مَن يا رسولَ الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: “عليّ وفاطمة ووَلَداهُما الحسن والحسين” رضي الله عنهم
﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ يطلبُها رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ولذلكَ نحن نُعَظِّمُ آلَ بيتِ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام
كان الشافعيُّ رضي الله عنه على قَدْرِهِ العالي كان يتبَرَّكُ بسيّدِة مِصر السيّدة نفيسة بنتِ الحسن رضي الله عنها أهلُ مِصر يعلمون بركةَ السيدة نفيسة رضي الله عنها، وكان الشافعيُّ كلما مرِضَ أرسل إلى السيّدةِ نفيسة رضي الله عنها يطلبُ منها الدعاء كلَّ مرة فيُشفى، فلما كان مرَضُ وفاتِه ما أرسلَ لها فكانت وفاتُه رضي الله عنه
وكان الشافعيُّ رضي الله عنه يقول:( آلُ النبيِّ ذريعتي وهم إليه وسيلتي أرجو بهم ألقى غدًا بيدي اليمينِ صحيفتي)
وكان عمرُ الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يُجِلُّ آلَ بيتِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام إجلالًا كبيرًا وما أعظمَ افتراءَ مَن افترى على عمر بأنّه كان يضرِبُ فاطمة والعياذ بالله، وما أعظمَ افتراءَ مَن افترى على أبي بكر بأنه كان يِظلِمُ فاطمة والعياذ بالله
هذا عمرُ الفاروق رضي الله عنه وهو أعلى في القَدرِ من العباس سيّدنا عمر أفضل من العباس بن عبدِ المطلب عمِّ النبيّ عليه الصلاة والسلام مع ذلك في عامِ الرّمادَة توَسَّلَ عمر بالعباس القصةُ من أولِّها في عامِ الرَّمادَة صارَ قَحطٌ في مدينةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم تسعةَ أشهُر لم ينزل ماء ولا قطرة مطر تسعةَ أشهُر فصار ضيقٌ كبير في المدينةِ المنوّرة وعمَّ الكَربُ والبلاءُ ثم إنّ أحدَ أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وهو بلال بنُ الحارث المُزَنّي رضي الله عنه
كما يروي هذا الأثرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيِّ في الفَتحِ وقد التزَمَ الحافظُ إذا روى حديثًا في الفَتحِ ألا يَنزِلَ عن مرتبةِ الحسَن، والحسَن أي الحديثُ الحسَن أخو الصَّحيح، بل الحافظُ ابنُ حجر رواه بلفظِ ورواه بن أبي شَيبَةَ بإسنادٍ صحيحٍ عن مالكِ الدار وكان خازنَ عمر قال أصاب الناسَ قحطٌ في زمانِ عمر فأتى رجلٌ قبرَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم وهذا الرجل كما بيّنّا اسمه بلالُ بنُ الحارث المُزَنيّ رضي الله عنه قصدَ بلال قبرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم فلما صارَ أمامَ القبرَ الشريف خاطبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وقال:
يا رسولَ الله اسْتَسقِ لأُمَّتِك فإنهم قد هلَكوا
علم أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم حيٌّ في قبرِه ولأن بركتَهُ عليه الصلاة والسلام ولم تنقطع ولن تنقطع بموتِه عليه الصلاة والسلام ولأنه عليه الصلاة والسلام يدعو لمَن شاء الله تعالى له من المسلمين ومما يدُلُّ ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ ﴿فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ على ذلك فمَن يزورُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم مادامَ واقفًا عندَ قبرِه الشريف ويقول اللهم اغفر لي فإنَّ نبيَّنا عليه الصلاة والسلام في قبرِه يقول اللهم اغفر له، لأجل هذه المعاني بلالُ بنُ الحارث المُزَنِيّ عندما اشتدَّ الخَطبُ بالمسلمين وعَظُمَ الكربُ وعَمَّ البلاءُ فعندَها استغاثَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلّم وقال: يا رسولَ الله استسقِ لِأُمَّتِكَ فإنهم قد هلكوا ثم ذهب الرجل فَأُتِيَ في المنام أي رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في المنام الله يرزقُنا رؤيةَ سيِّدَنا محمّد عليه الصلاة والسلام في المنام على الصِّفَة الأصليّة في هذه الليالي فَأُتِيَ الرجلُ في المنام أي رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في الرؤيا يقول له:
( أَقرِئ عمرَ السلام وأخبِره أنّهم يُسْقَوْن وقل له: عليك الكَيسَ الكَيس) أي عليكَ بالجِدِّ والاجتهاد فذهب هذا الرجل إلى الفاروقِ عمرَ رضي الله تعالى عنه وأخبرَه فصار عمرُ يبكي قد وصلَه سلامٌ من النبي عليه الصلاة والسلام وجاءتْه إشارةُ الفرج ومن وجد أنّ إشارةَ الفرجِ جاءته أو إشارةَ نفحةِ الخيرِ أنها هبَّت عليه أو أنّ هذا الوقتّ هو وقتُ إجابةٍ بالنسبةِ له فليَغتنِمها من فَورِه، فصار عمرُ يبكي ويقول: يا رب ما آلُو إلا ما عَجَزَت معناه يا ربّ أنا أفعلُ الذي أستطيع ولا أُقَصِّر وقال عمرُ الفاروق رضي الله عنه هذه الكلمة إنّه ما أُذِنَ لقومٍ في الطلب إلا أُجيبوا إذًا هذه علامةُ الفرج عجَّلَ الله لأُمّةِ المسلمين بالفَرَج وعجّلَ الله للقدس والأقصى بالفرج
ثم إنّ عمرَ رضي الله عنه نادى في الناس فاجتمعَ الناس قال: إنّ بلالًا حصل معه كذا وكذا يا بلال قال له: قُصَّ على الناسَ ما حصلَ معك، عمرُ رضي الله عنه رأى فِعلَ بلال حسَنًا مع أنّ بلال قصد قبرَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ما قال له عمر أنت كيف تفعلُ ذلك كيف تقصِدُ قبرَ الرسولِ وقد مات بل عمر طلب منه أن يَقُصَّ على الصحابة فقصَّ بلال على الصحابة فاستحسنوا ذلك فكان فِعلُ بلالِ بنِ الحارث إجماعًا سُكوتِيًّا من الصحابة ومن أهلِ العلمِ الذين كانوا حاضرين مستحسِنينَ فِعلَ بلال، ثم كان حاضرًا وهذا مناسبةُ الحديثِ هنا كان حاضرًا العباسُ بنُ عبدِ المطلب عمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فقام عمرُ فقال: ومِن هنا ورد هذا في لفظ ِالبخاريّ قام عمر فقال: (اللهم إنّا كنا نتوسَّلُ إليك بنبيِّنا فتسقينا وإنّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسْقِنا)
توسَّلَ عمر بالعباس وإنّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقِنا فقام العباسُ رضي الله عنه وقال: اللهم إنّ القومَ قد توجّهوا بي إليك لمكاني من نبيِّك معناه لقرابتي من النبيِّ عليه الصلاة والسلام سألوا اللهَ به هكذا بيّنَ العباسُ ليس عمر توسّلَ بالعباس لأنه حرام أن يتوسّلَ بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام لأن النبيَّ قد مات بل توسَّلَ بالعباس لقرابَتِه من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم
وفي لفظِ الحاكم لهذا الحديث وإنّ عمرَ رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: (أيّها الناس هذا العباس كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يُعَظِّمُه ويُفَخِّمُه ويَبَرُّ قَسَمَه فاقتدوا أيها الناس برسولِ الله صلى الله عليه وسلّم في عمِّه العباس واتخذوه وسيلة) هذا عمرُ الفاروق رضي الله تعالى عنه فلما اجتمع صِدقُ اللجوءِ والالتجاء والخشوعِ والخضوعِ وصِدقِ المحبةِ والوفاء فلما اجتمعوا وحصل لهم هذا الدعاء وهذا الجَمْع عندَها أنزلَ الله تعالى عليهم الغيث فما تفرّقوا إلا وقد فاضت غُدرانُ المدينةِ بالمياه صارت أوديةُ المدينة أنهارًا صارت تجري في نفسِ تلك الساعة قد أجابَهم الله سبحانه وتعالى فهذا يدُلُّنا كذلك على حِرصِ أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام على آلِ البيت وآلُ البيت منهم مَن كان من الصحابة أو مَن كان بعدَ ذلك وإنما ذلك حبًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم
﴿ ويخشون ربهم﴾ أي وَعيدَه كلَّه
كان بعضُ الصالحين لا ينامُ طِوالَ الليل لا ينام فتقول له ابنتُه راجِيِةً له: يا أبَتي ألا تُريحُ نفسَك ألا تنام يقول لها أيّ بُنَيَّة جهنّمُ لا تترُكُني أنام فكان نومُه إنما هو هَجْعَه وهو جالس فإذا انحنى مع نومِه انتبَه فقامَ فتوضَّأَ ثم فَزِعَ إلى صلاتِه ﴿ويخشون ربهم﴾ أي وَعيدَه كلَّه
وكان من كبارِ آلِ بيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم الإمامُ أحمدُ الرفاعيُّ رضي الله عنه في القرنِ السادسِ الهجريّ كان يقومُ في الليل فيُمَرِّغُ لحيتَه بالتراب ويقول: يا الله العَفْوَ العَفْو
﴿ويخافون سوء الحساب﴾ خصوصًا فيُحاسبونَ أنفسَهم قبلَ أن يُحاسَبوا وسوءُ الحسابِ كما قدَّمنا هو الحسابُ الذي فيه نِقاش “مَن نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب” وهو الحسابُ الذي لا يكونُ فيه مَغفرة، وهذا يكونُ حسابًا شديدًا، نسأل اللهَ أن يكون حسابُنا يسيرًا ﴿ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ لا زالت هذه الآيات فيها ذِكْرُ تلك الخِصال وطَلبْتُ منكم أن تَعُدَّوا من أولِ ما بدأْت ثمانيةَ خِصال
﴿و الذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾
مُطْلَقٌ فيما يُصْبَرُ عليه من المصائبِ في النفوسِ والأموالِ ومَشاقِّ التّكاليف لا لِيُقالَ ما أصبَرَه وأحمَلَه للنَّوازلِ وأوقَرَهُ عند الزَّلازل ولا لِئَلَّا يُعابَ في الجَزَع إنما صبرُهُم ابتغاءَ وجهِ الله
قالوا وإنّ العاشقَ فإنه يهونُ عليه أن يبذُل إن المُحِبَّ لمَن يحبُّ مطيعُ
ولذلك لما قال ﴿ابتغاء وجه ربهم﴾ معناه صبرُهُم لأجلِ الله تعالى فهانَ عليهِم ذلكَ الصّبر، الصبرُ على أداءِ ما أوجَبَ الله والصّبرُ عمّا حرَّمَ الله أي بِكَفِّ النّفسِ عن المعاصي والشَّهَواتِ المُحَرَّمَة وكذلك بالصّبرِ على ما ابتلاهُمُ الله تعالى به
عالمٌ كبيرٌ من كبارِ الأولياءِ الصالحينَ من السَّلَف من ناحيةِ بَلْخ يقال له شقيقٌ البَلْخِيّ رضي الله عنه اشتهر أمرُه في الدنيا في ذلك الوقت فجاء يزورُ عبدَ الله بنَ المبارَك رضي الله عنه فدخل شقيق وهو مُتَنَكِّر أخفى وجهَهُ فسلَّمَ على ابنِ المبارك فقال له ابن المبارَك: من أين أنت؟ قال أنا من بَلْخ قال فما أخبارُ شقيق فحدَّثَهُ وشقيق أمامَه لكنه مُتَنَكِّر قال: فما أخبارُ الناسِ هناك وكان شقيق هو الذي يَعِظُهُم وينصحُهُم وما دامَ يوجد علماء عاملون ينصحون هذه الأُمَّة تكونُ الأُمَّة بخير لأنّ هؤلاء للأُمَّة كالنّجومِ في السماء فقال له: وما حالُ الناسِ هناك؟ فقال إذا مُنِعوا صبروا وإذا أُعطُوا شكروا فذكر له عبدُ الله بنُ المبارَك عبارةً متينة معناها هذا الذي قلتَه من حالِ الناس هذا حالُ المُبتَدِئينَ عندَنا قال: أما الناسُ عندنا فإنّهم إن مُنِعوا شكروا وإن أُعطُوا آثَروا، إن مُنِعوا شكروا هناك صبروا هنا ليسَ فقط صبروا بل شكروا وهناك إن أُعطُوا شكروا هنا ليسَ فقط شكروا آثروا ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصه﴾
﴿ وأقاموا الصلاة﴾
داوَموا على إقامَتِها إقامةُ الصلاة
لأنّ المحافظَة على الصلاة علامةُ كمالِ الإيمان ليست الصلاةُ شيئًا نَستَثقِلُهُ نريدُ أن نَحُطَّهُ ونُنزِلَه عن ظُهورِنا، إنّما الصلاةُ لَذَّةُ المُتَّقين لذلك ينبغي أن يكونَ هناك محافظةٌ على الصلاة إذا كان بأمرِ الطهارة وإذا كان بأمرِ الخشوع وبأدائِها صحيحة وبالاشتياقِ إلى الصلاة
قبل أن أتجاوزَ هذه ومَن كان عليه قضاءُ صلاةٍ مفروضةٍ فماذا ينتظر؟ بعضُ الناسِ لعلَّهُ عليه قضاءُ سِنين ماذا تنتظر؟ كما قال عليه الصلاة والسلام: “مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها فليَقضِها إذا ذَكَرَها لا كفارةَ لها إلا القضاء”
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم﴾
أي منَ الحلال وإن كان الحرامُ رزقًا عندَنا
الرزقُ معناه كلُّ ما يُنتَفَعُ به، ويوجد رزق حلال ويوجد رزق حرام والحرام هو حرام أما هؤلاء أنفقوا مما رزقناهم أي من الرزقِ الحلال ليس من الحرام
كل ما يَنتَفِع به العباد هذا رزق لكن ما يسوقُه الله للعباد منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام، أما الحرام فهو الذي أُمِرنا باجتنابِه فقد روى البخاريُّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال:
“إنّ رجالًا يتخَوَّضونَ في مالِ الله بغيرِ حقٍّ فلَهُمُ النارُ يومَ القيامة”
﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ أي من الحلال
﴿سِرًّا وعَلانِية﴾
يتناولُ النّوافِلَ لأنها في السِّرِّ أفضل ،وأما الفرائضَ لأن المُجاهَرَةَ بها أفضلُ نَفيًا للتُّهَمَة لكن بشرطِ أن يكونَ مع أَمْنِ الوقوعَ في الرِّياء يعني يكون ليس عندَه خوف من الرِّياء
﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة﴾
ويدفعونَ بالحَسَنِ من الكلام ما يَرِدُ عليهِم من سَيِّئ غيرِهم السيئة يقابلونَها بالحَسَنَة أو إذا حُرِمُوا أَعطَوا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وَصًلوا وإذا أَذنَبوا تابوا وإذا هربوا أنابوا وإذا رأَوا مُنكَرًا أمروا بتغييرِه الذي يَصِلُ رَحِمَهُ التي تقطعُه هذا له درجةٌ عالية والذي يعفو عمَّن ظلمَه كذلك، والذي يُحسِنُ لمَن أساءَ إليه كذلك، فهذه ثمانيةُ أعمالٍ من أوَّلِ ما بدأت من قولِه تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ إلى آخرِ ما ذَكَرت ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ فهذه ثمانيةُ خِصال تُشيرُ إلى ثمانيةِ أبوابِ الجنّة
وهذا من لِطائِفِ القرآنِ الكريم فإنّ أبوابَ الجنّة ثمانية، وهذه هنا ثمانيةُ خِصال تشيرُ إلى أبوابِ الجنّة ﴿الذين يوفونَ بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ ﴿ويخشون ربهم﴾ ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ ﴿وأقاموا الصلاة﴾ ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية﴾ وهذه الثامنة ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾
الجنةُ أبوابُها الرئيسيّة ثمانية لكن يوجد أبواب تحتَ هذه الأبواب أبوابٌ كثيرة دونَ هذه الأبواب، أما الأبوابُ الرئيسيّة للجنّة فهي ثمانية فهذه ثمانيةُ أعمال تشيرُ إلى ثمانيةِ أبوابِ الجنّة ومن المسلمينَ كالصَّدِّيقِ رضي الله عنه مَن يُنادى عليه ليُخَيَّرَ ليدخُلَ من أيِّ أبوابِ الجنّةِ الثمانيةِ شاء
﴿أولئك لهم عقبى الدار(22)﴾
عاقبةُ الدنيا وهي الجنّة؛ لأنها التي أرادَها الله أن تكونَ عاقبةَ الدنيا ومَرجِعَ أهلِها
﴿جنات عدن يدخلونها﴾
العَدْن من الإقامة؛ لأن هناك الإقامة في الجنّة الإقامة الدائمة الإقامة الهَنيئة لذلك الجنة يقال لها دارُ السلام، ومرّة قيل لأحدِ الصالحين أما تصفُ لنا الجنّة؟ قال: أصِفُها إنّ فيها رسولَ الله فيها رسولُ الله الجنّةُ فيها رسولُ الله وهذا يكفي إنّ فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم
﴿ ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾
﴿ومن صلح﴾
على وجهٍ في التفسير أي آمَنَ
معنى ذلك الذي لا يؤمنُ بالله لم يَصلُح بل هذا يُعَدُّ من الفساد ﴿ويفسدون في الأرض﴾ لذلك كما تقدَّمَ معنا في سورةِ البقرة عندما تكلمنا عن الفساد وذكرنا كيف حالُ المُفسدين ذكرنا وقتَها تفسيرَ الفساد بأنّهُ ضِدُّ الاستقامة ما كان ضِدَّ الاستقامة فهو الفساد ﴿ومن صَلَحَ﴾ وقُرِأَ صَلُحَ
ولذلك أيضًا من حيث اللغة يقال صَلَحَ وصَلُح “ألا وإنّ في الجسدِ مضغة إذا صَلَحَت” ويَصِح أن يقال “إذا صَلُحَت” ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح﴾ وهنا يقولون الفتحُ أفصَح
﴿من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾
وتعلمونَ لماذا؟ إكرامًا لهم هذا الرجلُ الصالح إكرامًا له، عندما ذُكِرَ له نعيمُ الجنّة ذُكِرَ له ليكونَ فرَحُهُ أكبر أنّ مَن آمَنَ من آبائِهِ وأزواجِهِ وذرياتِهِ يلقاهم في الجنّة؛ لأن نفسَه تأنَسُ بذلك وليس شرطا أن يكونوا في نفسِ الدرجة إن كان هو درجتُه عالية فكُلٌّ في درجتِهِ لكن يصيرُ بينهم اجتماع إذا اشتهى أن يرى أباه أمَّه زوجَه ولدَه فإنه يحصلُ هذا اللقاء من غيرِ تعب السريرُ يطيرُ به من غير أن يتعب
﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ ووصَفَهُم بالصلاح ليُعلَمَ أنّ الأنسابَ لا تنفعُ بنفسِها مَن بَطَّأَ به عملُه لم يُسرِع به نسبُه، والمراد أبَوا كلِّ واحدٍ منهم فكأنه قيلَ من آبائِهِم وأمَّهاتِهِم
﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب(23)﴾
في قَدْرِ كلِّ يومٍ وليلة ثلاثَ مرات تدخلُ عليهِمُ الملائكة
نحنُ الواحدُ منا لو زاَرته الملائكة مرَّة واحدة في عمُرِهِ ورآهم واجتمعَ بهم يفرح فأيَّ فرحٍ يدخلُ قلبَه وهناك في الجنّة في قَدْرِ كلِّ يومٍ وليلة ثلاثَ مرات لهؤلاء الذين تقدَّمَ ذِكرُهُم ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾ في قَدْرِ كلِّ يومٍ وليلة ثلاثَ مرات بالهدايا وبِشاراتِ الرِّضا فيزدادون فرحًا وسرورُا وأُنسًا
﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار(24)﴾
﴿سلام عليكم﴾ في مَوضِعِ الحال إذِ المعنى قائلينَ سلامٌ عليكم أو مُسَلِّمين
﴿سلامٌ عليكم بما صبرتم﴾ مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفٍ تقديرُه هذا بما صبرتم أي هذا الثوابُ بسببِ صبرِكم عن الشهَوات
أو بسببِ صبرِكم أي على أمرِ الله
أو مُتَعَلِّق بسلامٌ أي نُسَلِّمُ عليكم ونُكرمُكم بصبركم والأوّلُ أوجَه
﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ الجنات
قصة فيها عبرة:
وهذه الآية يوجد قصة مؤثرة لأحدِ أجِلّاء التابعين حيث رُئِيَ في المنام بعد موتِه رضي الله عنه وهو يقرأ هذه القصة يرويها الحافظ ابنُ حِبّان في الثِّقات ويرويها ابنُ حِبّان عن إمامِ الشام الإمامِ الأوزاعيّ رضي الله عنه هذه القصة تتعلقُ برجلٍ من كبارِ التابعين اسمُه عبدُ الله بنُ زَيد معروف بأبي قِلابةَ الجَرمِيّ رضي الله عنه وكان صاحبَ ابنِ عباس تُوُفِّيَ في نحوِ مائة وأربعة للهجرة يروي الأوزاعيُّ رضي الله عنه عن عبدِ الله بنِ محمّد أنه قال: خرجنا للقتال في سبيل الله وذهبنا للرِّباط وكان رباطُنا في عريشِ مِصر قال: فخرجتُ إلى الساحل فإذا أنا ببِطيحَة البَطيحَة هذه تكون كيف مَمَرُّ الماء في الوادي ويُخَلِّفُ خلفَه شيء من التراب شيء من الحجارة الصغيرة يقال لها البَطيحَة قال: فرأيتُ خَيمةً في تلك البَطيحَة فاقتربتُ منها فإذا رجلٌ قد تَعَطَّلَت يداه ورجلاه وجوارحُه وليس عندَهُ من جوارحِهِ إلا لسانُه وإذ به يدعو اللهَ تعالى ويقول: اللهم أوزعني أن أحمدَكَ حمدًا أُكافئُ به شُكَر نعمتِك التي أنعمتَ بها علي وفضَّلتَني على كثيرٍ ممَّن خلقتَ تفضيلًا فاقتربَ عبدُ الله بنُ محمّد وسلَّمَ على هذا الرجل وقال له: وإني أسألُكَ سمعتُكَ وقد قُلتَ ما قُلت وأنا أرى الحالَ التي أنت فيها فعلى أيِّ شيءٍ قلتَ ما قُلت؟ فقال له: وما ترى ربّي قد صنع بي والله لو أنّ اللهَ تعالى أرسل السماءَ عليَّ فأحرقتني والأرضَ فبلعتني والجبالَ فدمّرَتني والبحارَ فأغرقتني ما ازدَدتُ له إلا حَمدًا وشُكرًا، أما ترى لساني هذه النّعمة وأنا أذكرُ اللهَ تعالى لذلك أنا أدعو بهذا الدعاء اللهم أوزِعني أن أحمَدَكَ حَمدًا أُكافئُ به شُكرَ نعمتِك التي أنعمتَ بها عليّ وفضلتَني على كثير ممَّن خلقتَ تفضيلًا يعني يا رب أعِنّي أن أحمَدَك حمدًا أُثني عليك على ما أنعمتَ به عليّ ثم قال أبو قِلابةَ رضي الله عنه: ولكن يا أخي وقد صِرتَ عندي لي حاجةٌ إليك قال: لي بُنَيّ ولد ذهب منذ ثلاثةِ أيام في قضاءِ حاجة ولم يرجِع هلّا تحَسَّسْتَهُ لي؟ فقال هذا: والله ما أعظمَ أن أمشي في حاجةِ رجلٍ كهذا الرجل ما أعظمَ ثوابَ ذلك عندَ الله عزَّ وجلّ قال: فانطلقتُ أبحثُ عن ولدِه فوصلتُ إلى بعضِ الكُثبان فإذا سَبُعٌ قد افترسَ ولدَه وأكلَ لحمَه فقلتُ: إنا لله وإنا إليه راجعون بأيِّ وجهٍ رقيق سأرجِعُ إلى هذا الرجل وأقُصُّ عليه هذا الذي كان قال: وصِرتُ أفكِّر ماذا سأقولُ له عندما أرجِع مع كلِّ البلاء الذي هو فيه وليس له إلا هذا الولد وهو قال: له هذا الولد يَتَعاهَدُني في الصلاة فيُوَضِّيني ويُطعِمُني إذا جُعت ويَسقيني إذا عَطِشت وليس له في هذه الدار ومع هذه الجوارح التي تعطّلَت إلا هذا الولد وقد توفّاهُ الله فيقول: بأيِّ وجهٍ رقيقٍ سألقى هذا الرجل وأُحَدِّثُه قال: وبينما أنا كذلك إذ تذكّرتُ نبيَّ الله أيوبَ عليه الصلاة والسلام فلما رجَعت فألقيتُ السلامَ على أبي قِلابَة فردَّ السلام وقال: ألستَ بصاحبي قال: قلتُ: بلى قال: هل وجدتَ ولدي؟ قال له: أنت أفضلُ عندَ الله أم نبيُّ الله أيوب من أكرَمُ عندَ الله؟ قال: بل نبيُّ الله أيوب قال: أليسَ الله تعالى قد ابتلاه قال: بلى قال: أليس قد فقدَ مالَهُ وولدَه قال: بلى قال: فكيف وجدَهُ ربُّه قال: صابرًا حامدًا شاكرًا قال: أليس صار كذا وكذا من أقربائِه معه قال: بلى قال: فكيف وجدهُ ربُّه قال: وجده ربُّه حامدًا صابرًا شاكرًا فصار يُعَدِّدُ عليه فقال: أوجِز رحمك الله أين ولدي؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أعظمَ الله أجرَكَ في ولدِك فإنه حصل معه كذا وكذا فاسترجَعَ هذا الأبُ الصالح وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون الحمد لله الذي لم يجعل من ذُرِّيَتي مَن يَعصِه الحمد لله الذي لم يجعل من ذُرِّيَّتي مَن يَعصِه ثم شَهَقَ شَهقةً ومات فقعد هذا الرجل يبكي عند رأسِه ويقولُ ما أصنع أنا وحدي لا أستطيع أن أدفِنَه وإذا أنا تركتُه وذهبت السباعُ تأكُلُه قال: وبينما أنا كذلك هجمَ عليَّ أربعةُ رجال لا أعرفُهم فقالوا: ما بالُكَ؟ فقال لهم كذا وكذا فقالوا له: اكشِف لنا عن وجهِه نريد أن نعرفَ مَن هو فلما كشف عن وجهِه أَكَبُّوا عليه يُقَبِّلونَه ويبكون يقولون بأبي هذه العَين كم بكت من خشية الله بأبي هذا الجسد كم قامَ من الليل قال لهم: تعرفونَه قالوا أما تعرِفُه هذا أبو قِلابَةَ الجَرمِيّ صاحبُ ابنِ عباس رضي الله تعالى عنه كان يحبُّ اللهَ والنبيَّ صلى الله عليه وسلّم هكذا عرَفوه كان يحبُّ اللهَ والنبيَّ صلى الله عليه وسلّم فقاموا عليه فجهّزوه وغسَّلوه وكفّنوه وصلَّوا عليه ودفنوه ثم رجَعَ هذا الرجلُ المُرابِط قال: في أولِ ليلةٍ لي بعد أن رَجَعت نمتُ فرأيتُ رجلًا في المنام يمشي في روضةٍ من رياضِ الجنّة وعليه من حُلَلِ الجنّة قلتُ: ألستَ بصاحبي؟ قال: أنا هو وسمِعَهُ يقرأ ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ يردِّدُها أبو قِلابَة يردِّدُها وهو في الجنّة فقال له: بمَ نِلتَ هذا؟ قال له: إن لله درجاتٍ لا تُنالُ إلا بالصبرِ عندَ البلاء وبالشُّكرِ عندَ العطاء وبالخوفِ من الله عزَّ وجلّ في السرِّ والعَلانِيَة، الله يُلحقُنا بهؤلاء وفي مُقابِلِ هؤلاء والعياذ بالله
﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾
من بعدِ ما أوثَقوهُ به من الاعترافِ والقَبول
﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾
كيف يُفسدونَ في الأرض بالكفرِ والظلم
﴿أولئك لهم اللعنة﴾
الإبعادُ من الرحمة
﴿ولهم سوء الدار(25)﴾
احتَمِل أن يُراد سوءُ عاقبةِ الدنيا؛ لأنه في مُقابَلَةِ عُقبى الدار وأن يرادَ بالدارِ جهنّمُ وبسوئِها عذابُها
في الحديث: “مَن سأل اللهَ تعالى الجنّةَ ثلاثَ مرات الجنة تدعو اللهَ تعالى أن يكونَ من أهلِها ومَن استعاذَ بالله من النارِ ثلاثَ مرات تستعيذُ النار وتقول اللهم أجِرهُ من النار”
﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾
أي ويُضَيِّقُ لمَن يشاء يَقدِر أي يُضَيِّق يبسُط يُوَسعُ الله تعالى في الرّزق على مَن يشاء
رجلٌ كان ليس من زمانٍ بعيد ما كان يعرفُ الكتابة لا يمسِكُ قلمًا ولا ورقة ولا عندَه أيُّ شهادةٍ دُنيويّة صار يعملُ في أمرِ البناء في بعضِ النواحي صار عندَه مالٌ كثيرٌ جدًّا مالٌ ضخم مات خلَّفَ أربعَ وخمسينَ ولد ترك لكُلٍّ منهم ملايين من المال وبعضُهم يكون عندَهُ ما عندَهُ من الشهادات ولا يُحَصِّلُ ذلك ﴿الله يبسُطُ الرزقَ لمن يشاء ويقدر﴾ رِزقُك يأتيك ويُضَيِّقُ لمن يشاء والمعنى الله وحدَه وهو يبسُطُ الرزقَ ويَقدِرُ دونَ غيرِه، يَقدِر إذًا هذا استدلال على أنّ يقدر تأتي على معنى ضَيَّق ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ ﴿إذ ذهب مغاضبًا﴾ ليس مغاضِبًا ربَّه إنما قومَه؛ لأنه كان أَيِسَ من إيمانِهم فخرج عليه السلام ﴿فظن أن لن نقدرعليه﴾ ألا نُضَيِّقَ عليه ليس معناه أنه شكَّ في قدرةِ الله والعياذ بالله
﴿وفرحوا بالحياة الدنيا﴾
بما بسطَ لهم من الدنيا فرَحَ بَطَرٍ وأَشر لا فرَحَ سرورٍ بفَضلِ الله وإنعامِه عليهم ولم يقابلوه بالشُّكرِ حتى يُؤجَروا بنعيمِ الآخرة
﴿وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع(26)﴾
وخَفِيَ عليهِم أنّ نعيمَ الدنيا في جنبِ نعيمِ الآخرة ليس إلا شيئًا نَزْرًا يُتَمَتًّعُ به كعَجَلَةِ الرّاكب وهو ما يَتَعَجَّلُهُ من تُمَيرَاتٍ أو شَرْبَةِ سَويق السَّويق طعام يُتَّخَذ من مَدقوقِ الحِنطَة أو الشّعير يعني قالوا كلُّ مَتاعِ الدنيا لو جُمِعَ كلُّ مَتاعِ الدنيا وكلُّ نعيمِ الدنيا بالنسبةِ للنّعيمِ الذي في الآخرة هذا النعيم الذي هنا كلا شيء مَتاع قليل يعني كيف الذي يريد أن يسافر ولا يأخذ إلا تُمَيرات أو لا يأخذُ إلا شَربَةَ سَويق مَتاع، مَتاع قليل وهذا هو حالُ الدنيا كلُّها متاعٌ قليل
﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾
أي الآية المُقتَرَحَة كانوا لجَحدِهم معجزاتِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام يريدون معجزةً جديدة
﴿قل إن الله يضل من يشاء﴾
باقتراحِ الآياتِ بعدِ ظهورِ المعجزات أي حتى هذا الذي طلبَ المعجزة وهو قد رأى ما رأى من المعجزات إن لم يُرِدِ الله تعالى أن يهديَه لن يهتدي الله تعالى يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء
﴿قل إن الله يضل من يشاء﴾ الله يخلقُ الضلالَ في قلب مَن شاء ويخلقُ الاهتداء في قلبِ مَن شاء
﴿ويهدي إليه من أناب(27)﴾
ويُرشِدُ إلى دينِه مَن رجَعَ إليه بقلبِه
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب(28)﴾
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم﴾ تَسْكُن بذِكرِ الله على الدَّوام سَكَن
وقيلَ المرادُ بذِكرِ الله هنا في الأوّل القرآن تطمَئِنُّ قلوبُهم بالقرآن
وقيلَ أو بوَعدِه فإذا سمعوا وعدَ الله تعالى الجنّة والثواب وما تَقَدَّمَ ذِكرُه في أمرِ الجنّة سكنَت نفوسُهم واطمأنّت بسببِ ذِكرِه تطمئِنُّ قلوبُ المؤمنين
﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم﴾
معنى طوبى لكَ أصبتَ خيرًا وطِيْبًا ويقال خيرًا وغِبطَةً وسرورًا
وقيل: طوبى شجرةٌ في الجنّة يسيرُ الراكبُ في ظِلِّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها تَتَفَتَّقٌ منها ثيابُ أهلِ الجنّة فيها أقوال كثيرة هنا اخْتيرَ هذا الوجه طوبى لك أصبتَ خيرًا وطيبا
﴿وحسن مآب(29)﴾
وحسن مَرجِع