بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ (30) وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ (33) لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ (34)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك﴾
الخطابُ لأشرفِ الخَلقِ محمّد عليه الصلاة والسلام كذلك يا محمّد مثّلَ ذلكَ الإرسال، أرسلناكَ إرسالًا له شأنٌ وفَضلٌ على سائرِ الإرسالات
كما أنّ الله سبحانه وتعالى أرسلَ الأنبياءَ قبلَ نبيِّنا محمّدٍ عليه الصلاة والسلام وكلُّهم صاحبُ دعوةِ حقّ وكلُّهم دعا إلى الدّينِ الحقّ ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾ وكما أرسلَ الله تعالى الأنبياءَ أرسلَ محمّدًا صلى الله عليه وسلّم كذلكَ أرسلناك مثلَ ذلك الإرسال،
ثم فسَّرَ كيف أرسلَهُ فقال ﴿في أمة قد خلت من قبلها أمم﴾ أي أرسلناكَ في أُمَّةٍ نحنُ نحنُ أُمّةُ محمّد عليه الصلاة والسلام أرسلناكَ في أُمّةٍ قد تَقَدَّمَتها أُمَمٌ كثيرة فهي آخرُ الأُمم وأنتَ خاتَمُ الأنبياء
أليس قال عليه الصلاة والسلام: “نحنُ الآخِرونَ السّابقون” الآخِرونَ في هذه الدنيا بين الأُمَم نحنُ آخرُ أُمّة، نَعي ما معنى ذلك أنّ الساعةَ قريب؟ نحنُ أُمّةٌ الآن لكن خَلَت قبلَنا أُمَمٌ كثيرة أنبياء ورسل كثير في بعضِ الروايات عددُ الأنبياء مائة وأربع وعشرون ألفا ،آخرُ الأنبياء والرسل محمّد عليه الصلاة والسلام أُمَم كثيرة قبل آلاف من السنين ونحنُ آخرُ أُمّة ومَن بُعَثَ إلى هذه الأُمّة بُعِثَ إلى هذه الأُمّة سيِّدُ الخَلْق والبشر أجمعين عليه الصلاة والسلام، لذلك نحنُ قد شُرِّفنا بأننا من أُمّةِ محمّد عليه الصلاة والسلام ومع كونِنا آخرَ الأُمَم فإنّنا بإذن الله تعالى السابقونَ دخولًا الجنة ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ هذه أُمّةُ محمّد عليه الصلاة والسلام فيما يُروَى عن عيسى عليه السلام في وصفِ علماءِ أُمّةِ محمّد عليه الصلاة والسلام (علماء حُلَماء بَرَرَة أتقياء كأنهم من الفِقهِ أنبياء) هكذا علماءُ أُمَّةِ محمّد عليه الصلاة والسلام وفيهِم العُبَّاد والزُّهَّاد وفيهم مَن ينصرُ دينَ الله عزَّ وجلّ، أُرسِلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى أُمّةٍ هذا وَصفُها
﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك﴾ لتقرَأَ عليهِمُ الكتابَ العظيمَ الذي أوحينا إليك
فإنّ القرآنَ الكريم لا نقولُ بأنّه ناسِخٌ للكُتب السّماويّة السابقة بل هو مُهَيمِنٌ ومُسَيطِر عليها، لماذا لا نقولُ ناسخ للكتب السماوية السابقة؛ لأنه فيها عقائِد وفيها حِكَم وفيها مواعظ والنَّسخ لا يكونُ في العقيدة ولا يكونُ في الأخبار ،لأن النَّسخَ في الأخبار يقتضي التّكذيب هذا لا يحصُل فهذا القرآنُ الكريم الذي نزَلَ على نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام وهو جعلَنا الله تعالى من أهلِه إمّا حُجَّة لكَ أو حُجَّة عليك
فهذا القرآنُ الكريم الذي نزَلَ على نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام فبَلَّغَه وهم المشركون يكفرون وحالُ هؤلاء أنهم يكفرون فنبيُّنا عليه الصلاة والسلام يُبَلِّغ وهم يكفرون هو عليه الصلاة والسلام يُرشِد وهم يجحدون وهذه سُنَّةُ الله تعالى في الدَّاعينَ إليه سُنَّةُ الله في الدّاعينَ إليه تَجِدُ الدُّعاةَ إلى الله الدُّعاةَ بحقّ الذين يُعَلِّمونَ العلمَ الحقّ الذين يُعَلِّمونَ علمَ أهلِ السُّنّة والجماعة هم من أكثرِ مَن يُحارَبوا ومن أكثر مَن يُكذَب عليه ومِن أكثر مَن يُفتَرى عليه لماذا؟ لأنهم يتكلمون بالحقّ وفيمَ كان عَداءُ هؤلاءِ المشركين وإنكارُهُم على نبيِّنا الكريم عليه الصلاة والسلام إلّا لأنه يُعَلِّم الحقّ
﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾
بالبَليغِ الرَّحمة الذي وَسِعَت رحمتُه كلَّ شيء
﴿قل هو ربي﴾
وربُّ كلِّ شيء ﴿قل هو ربي﴾ هو الله
كان المشركون يقولون نحنُ لا نعرف إلا رحمنَ اليَمامَة مُسَيلِمَة بزعمِهم، فكانوا مرةً لمّا أبو جهل سمِعَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام عند الكعبة يدعو يا رحمن يا رحمن يا رحمن قال وما هو الرّحمن؟ من أين جاء؟ ﴿قل هو ربي﴾ ربي أي وربُّ كلِّ شيء
﴿لا إله إلا هو﴾
أي هو ربّي الواحدُ المُتَعالي عن الشركاء
﴿ عليه توكلت وإليه متاب(30)﴾
عليه توكلتُ في نُصرَتي عليكم
وعلى الله تتوكَّلُ أُمّةُ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام في نصرِها على كل أعداءِ الإسلام توكُّلُها على الله لأنّ النصر من عندِ الله سبحانه وتعالى وهل يكونُ النصرُ إلا بالحقِّ ومع الحقِّ ولا التفاتَ بعد ذلك إلى كَثرَةِ عدد
لأن الله سبحانه وتعالى يبارِكُ كما بارَكَ في أهلِ بدر ثلاثمائة وثلاثَةَ عشر رجلًا فُتِحَت بهم أي بسببِهم الدنيا كلُّها بعد ذلك صحيح معركة كانت في بدر لكن أما كانت كالِمفتاح لأجل أن ينتشرَ نورُ الإسلام في كلِّ الدنيا لأنّ النصرَ بالحقّ قيامُنا في الليل وحضورُنا في مجالسِ علمِ الدّين وتعلُّمنا لعقيدةِ أهلِ السُّنّة والجماعة ودفاعُنا عن الدّين وتعلُّمُنا وتعليمُنا لما افترضَ الله تعالى على عبادهِ من علمِ الدّين هذا هو سببُ نصرِ الأُمّة وهو طريقُ النصر هذا هو طريقُ النصر والذي يقول هذا ضَياع نقول له ما فَقِهتِ من الإسلام
إذًا والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: “من يُرِد الله به خيراً يُفَقِّههُ في الدّين”
﴿ وإليه متاب﴾
مَتاب أي مَرجِعي فيُثيُبني على مُصابَرَتِكُم
فمَرجِعُنا إلى الله سبحانه وتعالى وكلمةٌ نحن كثيرًا ما نقولُها ولكنّنا قد نغفُلُ كثيرًا عن معناها وهي تعطي هذا المعنى وإليه مَتاب إليه المَرجِع أُبَيِّن هذه الكلمة وهي إنّا لله وإنّا إليه راجعون
فممّا يُروى أنّ الفُضَيلّ بنَ عِياضٍ رحمه الله تعالى قد مرَّ على رجل يمشي فقال له:
كم أتَت عليك كم مضى عليك من العُمُر؟ قال له: سِتُّونَ سنة، قال له: فإذًا أنت منذُ سِتِّينَ سنة تسيرُ إلى الله وتُوشِكُ أن تَبلُغ
مُتَوَسِّط أعمار هذه الأُمّة المُحمّدية بين السِّتِّين والسَّبعين، ستين سنة تسير وأنت تُوشِك أن تبلُغ فقال هذا الرجل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون فقال له الفضيل: تدري ما قُلت قال: قُلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون قال: تدري معناها قال: يا أبا عليّ قل أنت ما معناها قال: إنّا لله معناه أنا عبدُ لله وإنّا إليه راجعون راجعونَ إلى الله فإنك عبدٌ لله وإنك راجعٌ له
هذا معنى إنّا لله وإنّا إليه راجعون معناه إنّا لله نحن عبيدٌ لله مَملوكونَ لله ولذلك يجب علينا أن نُؤَدِّيَ ما أمرَ الله سبحانه وتعالى وإنّا إليه راجعون وإليه مَتاب وراجعونَ إليه قال له: إنّ الذي يعلمُ هذا المعنى يعلمُ أنّه لا بُدَّ مَوقوف والمَوقوفُ مسؤول والمسؤولُ فليُعِدَّ الجواب، ما دمتَ عبدًا لله وأنت إليه راجع فإذًا أنت مَوقوف وكلُّ مَوقوفٍ مسؤول وكلُّ مسؤول فليُعِدَّ الجواب
فهابَ هذا الرجل قولُ الفُضَيل قال له: يا أبا عليّ وما هي الحيلة ما هو المَخرَج أي أنّ الطريقَ طويل وأمامَنا ما تذكرُ من نهايةِ المَسير ومَوقِفٌ وسؤالٌ وحسابٌ وجواب فما هي الحيلة وما بقيَ من العُمُر إلا القليل قال: أحسِن فيما يبقى يُغفَرُ لك ما مضى وما بَقي أحسِن في هذا الذي بقيَ لك يُغفَرُ لك ما مضى وما بقي ولا تُسِئ فيما بقي فتُؤخَذُ بما مضى وما بقي إنما الأعمالُ بالخواتيم السلامةَ السلامة وحُسنَ الخاتِمة والخروجَ من الدنيا بسلام أسأل الله ذلك
﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلّم به الموتى بل لله الأمر جميعًا﴾
﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال﴾
عن مَقارِّها
﴿أو قطعت به الأرض﴾
حتى تتصدَّعَ وتَتَزايَل قِطَع تتفرّق تتزايَل تزايَلَت متفرِّقَة
﴿أو كلّم به الموتى﴾
فتسمعُ وتُجيبُ لكانَ هذا القرآنُ لكَونِهِ غايةً في التذكير ونهايةً في الإنذارِ والتخويف فجوابُ لو محذوف أو معناه ولو أن قرآنًا وقع به تسييرُ الجبالِ وتقطيعُ الأرضِ وتكليمُ الموت وتنبيؤُهم لما آمنوا به ولما تنبّهوا عليه
كقوله ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ الآية أي كان المشركون بعدَما رأَوا من معجزاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم مع كلِّ ما رأَوا فإنهم اعترضوا، اعترضوا على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وطلبوا منه معجزاتٍ أخرى فقالوا أنت لستَ أهونَ عند ربِّك من عيسى، عيسى أحيا الموتى لماذا لا تحيي لنا
قُصَيّ جَد من أجدادِه قُصَيّ بن كِلاب لماذا لا تحييه قالوا ولست أهونَ عند ربِّك من داوود الذي سُيِّرَت له الجبال فلماذا لا تُسَيِّرُ لنا الجبال فإن مكةَ ضيّقة وجبالُها كثيرة تُضَيَّقُ علينا فلماذا لا تُسَيِّرُ تلك الجبال وتزيلُها قالوا وأنت لست أهونَ عند ربِّك من سليمان فإن الله قد سخَّرَ له الريح ونحن نتكلّف رحلةَ الشتاء والصيف من مكةَ إلى الشام فلماذا لا تحمِلُنا هذه الريح بهذا القرآن الذي أُنزِل عليك لماذا لا تُسَيَّرُ الجبال لماذا لا تُقطَّع الأرض لماذا لا تكون حياةُ الموتى لماذا لا يكونُ ذلك وطلبُهم ذلك كان على وجهِ العِناد ولو أن قرآنًا وقعَ به تسييرُ الجبال وتقطيعُ الأرض وتكليمُ الموتى وتنبيؤهم لَما آمنوا به ولَما تنبَّهوا عليه معناه ولو حصل ذلك لَما آمنوا بالقرآن ولَما تنبّهوا عليه لو رأَوا ذلك لو رأَوا إحياء الموتى ما آمنوا ولا تنبّهوا ولو رأَوا تسييرَ الجبال ما آمنوا ولا تنبّهوا ولو رأَوا تقطيعَ الأرض ما آمنوا ولا تنبَهوا لأنهم معاندون والله ما شاء لهم الهداية لذلك لو رأَوا كلَّ ذلك ولو أن قرآنًا وقع به تسييرُ الجبالِ وتقطيعُ الأرضِ وتكليمُ الموتى وتنبيؤهم لَما آمنوا به ولَما تنبّهوا عليه كقوله ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ ولو تنزَّلَت الملائكة وشاهدوا الملائكة ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاءَ الله
﴿بل لله الأمر جميعا﴾
بل لله القدرةُ على كل شيء وهو قادرٌ على الآياتِ التي اقترحوها معنى ذلك ليس الأمرُ بكَثرةِ المعجزات ليس الأمرُ في أنهم إذا رأَوا هذه الآيات والمعجزات سوف يؤمنون ليس الأمرُ في ذلك
﴿بل لله الأمر جميعا﴾ معنى ذلك لا يكونُ إلا ما شاء الله عزَّ وجلّ ومعنى ذلك أنّ كلَّ شيءٍ بقَدَر وأنَّ كلَّ شيءٍ بمشيئةِ الله عزَّ وجلّ وكلَّ شيءٍ بتقديرِ الله تبارك وتعالى فمَن اهتدى فبمشيئةِ الله تعالى له الهداية ومَن ضلَّ فبمشيئةِ الله تعالى له الضلالة
الله قال ﴿بل لله الأمر جميعا﴾ بل لله القدرةُ على كلِّ شيء الله قادرٌ على ذلك وهو سبحانه قادرٌ على الآياتِ التي اقترحوها وأقول إذا كان هم طلبوا هذه المعجزات من النبيِّ عليه الصلاة والسلام مع كل ما رأَوه وبالنتيجة مجموعُ معجزاتِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام تجاوز الثلاثةَ آلاف معجزة وبعضُ الناس لم يرَوا
﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾
معناه أفلم يعلم ﴿أفلم ييأس﴾ هنا بمعنى العِلم وهي لغةُ قومٍ من النَّخِع هذه من قبائلِ العرب وهي من آخرِ الوفود التي جاءت إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام في المدينة قبيلة نَخِع
﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ أفلم يعلم وقيل إنما استُعمِلَ اليأسُ بمعنى العلم لتَضَمُّنِهِ معناه
لأنّ اليائسَ عن الشيء عالِمٌ به بأنه لا يكون كما استُعمِلَ النسيان في معنى التَّرك لتَضَمُّنِ ذلك
ويوجد مَن قرأ أفلم يتَبَيَّن قالوا إذًا المرادُ هنا ﴿أفلم ييأس﴾ على معنى أفلَم يعلَم أفلم يتَبَيَّن
وهنا تنبيه يوجد في بعضِ كتبِ التفسير مَن يروي عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنّ ابنَ عباس لما قُرِأَت عليه ﴿أفلم ييأس﴾ قال إنما كتَبَهُ الكاتبٌ وهو ناعِسٌ مُستَوِ استناد (هذا الكلام كذب لم يقله ابن عباس)
وهذه والله فِريَة ما فيها مِريَة هذا كَذِب على ابنِ عباس ما فيها مِريَة ما فيها شكّ أنها كَذِب لأن هذه مُثبَتَة في القرآنِ الكريم ﴿أفلم ييأس﴾
في بعضِ كتبِ التفسير يروونَها عن ابنِ عباس أنه قال لا يوجد ﴿أفلم ييأس﴾ إنما هذه زِيدَت ،الكاتب لما كتبها كان ناعِسًا هذا لا يصِحّ ولكني وجدتُ هذا في عِدَّةِ كتبٍ من كتبِ التفسير ينسُبونها إلى ابنِ عباس فليُحذَر، فابنُ عباس بريءٌ من هذا فهذه الجملة إن رأيتُمُوها قد البعض يقرأها لا يفهم المعنى فتحتاج هذه إلى بيان
﴿ أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾
يعني لو شاء الله تعالى أن يهديَ جميعَ الناس لهَدى جميعَ الناس
ويُؤخَذُ من هذا قاعدةٌ مهمّةٌ في التوحيد وهي لا يجبُ على الله تعالى شيء، ما هو الأصلَح للعبد ليس واجبًا على الله ،وهذا في العقيدةِ النَّسفيَّة أيضًا يذكُرونها وما هو الأصلَحُ للعبد فليس بواجبٍ على الله، يعني لا يجب على الله تعالى أن يجعلَ جميعَ الناس مؤمنين كما أنّ الله لا يجب عليه أن يُعتِقَ جميعَ الناس في شهر رمضان كما أن الله تعالى لا يجب عليه أن يُدخِلَ الجميع إلى الجنّة حتى لا يجب على الله تعالى أن يُثيبَ الطائعين كما أنه لا يجبُ على الله تعالى أن يعاقبَ العاصين كلُّ نعمةٍ من الله فَضل وكلُّ نِقمَةٍ من الله عدل لا يُسأَل عما يفعل يُسأَلون، ما في شيء واجب على الله، فلا يجوزُ أن يقال الله فرض عليه أن يفعلَ كذا، لا يجوز أن يقال الله واجب عليه أن يعطيَنا كذا الله يفعلُ ما يريد ﴿أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾ معناه لكنّ الله تعالى ما شاءَ لجميع الناس أن يكونوا مؤمنين وهذا مُجَدَّدًا وهذه الآيات أجِدُها تِباعًا بيانٌ لكلِّ مُستَرشِد في مسألةِ القضاءِ والقَدَر بما لا يَدَعُ مجالًا لمُخالَجَةِ الشكِّ في هذه المسألة الذي يقرأ هذه الآيات ويفهمها يُسَلِّم كلُّ شيءٍ بقَدَر وكلُّ شيءٍ بمشيئةِ الله سبحانه وتعالى
﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا﴾
من كفرِهِم وسوءِ أعمالِهِم ولكن الذين كفروا لا يزالون بما صنعوا من الكفر وسوءِ الأعمال تصيبُهُم بما صنعوا قارعةٌ القارِعة داهِيَة تَقرَعُهُم بما يُحِلُّ الله بهم في كلِّ وقتٍ من صُنوفِ البلايا والمصائبِ في نفوسِهم وأولادِهم وأموالِهم يعني هم لا يزالونَ على التكذيب والقارعة الدَّاهية أنواعُ المصائب تنزلُ عليهم
﴿ أو تحل قريبًا من دارهم﴾
إما هذا أو تَحُلُّ القارعة قريبًا منهم فيفزَعون تَحُل قريبًا منهم ويتطايَرُ عليهم شَرارُها ويتَعَدَّى إليهم شُرورُها وإلى متى هذا؟
﴿حتى يأتي وعد الله﴾
حتى يأتيَ وعدُ الله أي موتُهُم أو القيامة وهذا وَجهٌ في التفسير
وفي وَجهٍ أو لا يزالُ كفارُ مكةَ تصيبُهم بما صنعوا برسولِ الله صلى الله عليه وسلَم ومن العَداوةِ والتكذيب قارعة ما هي؟ قالوا تلك السّرايا التي كان يبعثُها النبيُّ عليه الصلاة والسلام بالجهاد في سبيلِ الله فتُغِيرُ مرّةً هنا ومرَّةً هنا ومرَّةً هنا قلنا نبيُّنا عليه الصلاة والسلام
نعم هو نبيُّ المَرحَمَة ونبيُّ المَلحَمَة مجموعُ البُعوث والسّرايا التي كانت في حياةِ النبيّ عليه الصلاة والسلام التي أُرسِلَت للجهاد كانت نحوَ السِّتّين معنى ذلك كانت حياةُ النبيّ عليه الصلاة والسلام مَليئة بالجهاد في سبيلِ الله فقالوا هذه القارعة السّرايا التي كان يبعثُها النبيّ عليه الصلاة والسلام تُيصيبُهم قارعة لأنّ جيشَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلَم يُغِيرُ حولَ مكة ويَختَطِفُ منهم
أو وهذا وَجهٌ آخر تَحُلُّ أنت يا محمّد قريبًا من دارهِم بجيشِكَ متى كان؟ السنة السادسة للهجرة في يومِ الحُدَيبِيَة أو تَحُلُّ قريبًا من دارِهم أو تَحُلُّ أنت يا محمّد قريبًا من دارِهم بجيشِك يوم الحُدَيبِيَة حتى يأتيَ وعدُ الله ما هو؟ أي فتحُ مكة في السّنة الثامنة
﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾
أي لا خُلْفَ في مَوعِدِه فمَوعِدُ النصرِ من الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن يتحقّق
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب(32)﴾
وإذا كنتَ يا محمّد صلى الله عليه وسلّم قد كُذِّبتَ واستُهزِئَ بك وعُودِيتَ فكم استُهزِئَ برسلٍ من قبلِك؟
ولكن الله يقول ﴿فأمليت للذين كفروا﴾ الإملاءُ الإمهال ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ قال سبحانه ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ الإملاء الإمهال وهذا معناه أنّ الله تعالى شاء لهم أن يكونوا على هذا الحال وعَلم منهم فاستُدرِجوا الإملاءُ الإمهال وأن يُترَكَ مُلاوَةً من الزمان في خَفضٍ وأَمْن، الخَفض الراحة يتمتّعونَ بالأمنِ وبالراحة ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ أمَرنا مُترَفيها أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها خالَفوا أمرَنا أمرَ الله عزَّ وجلّ ففسقوا فيها ﴿فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ فتجدُ أهلَ القرى قد أمِنوا فبَطِروا ودخلَهم ما دخلَهم من الفساد وهم يُستَدرَجون وإذ بالصاعقةِ تأتيهم
﴿فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب﴾ وهذا وعيدٌ لهم وجوابٌ عن اقتراحِهُم الآياتِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم استهزاءً به اقترحوا الآيات على النبيّ استهزاءً به فهذا جواب لهم على هذا وتسلِيَةً له أي هذا فيه جواب وفيه تسلِيَة، تسلِيَة يعني فيه تخفيف عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم
﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾
﴿أفمن هو قائم﴾ هنا قائم ليس القائم الذي هو من القيام ما هو ضِدُّ القُعود ﴿أفمن هو قائم﴾ أي مُدَبِّر احتجاجٌ عليهِم في إشراكِهِم بالله يعني أفالله الذي هو رقيبٌ على كلِّ نفسٍ صالحةٍ أو طالِحة
﴿أفمن هو قائم على كل نفس﴾ نفس صالحة ونفس طالِحة الله يعلمُ هذا ويعلمُ هذا والله يُدَبِّرُ لهذا ويُدَبِّر لهذا
﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ يعلمُ خيرَهُ وشرَّهُ ويُعِدُّ لكلٍّ جزاءَه كمَن ليس كذلك تلك الشركاء التي يقولون بأنها تستحقُّ أن تكون آلهة، ثم استأنَفَ فقال
﴿وجعلوا لله شركاء﴾
أي الأصنام
﴿قل سموهم﴾
تقولون نحن عندَنا الأصنام سمُّوهُم أي سمُّوهُم له مَن هم؟ ونبِّئُوهُ بأسمائِهم
﴿أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾
يعني أنتم تنبِّئُونَه بما لا يعلَم أنه شريكٌ له في الأُلوهيَّة على أم المُنقَطِعَة ﴿أم تنبئونه﴾ أي بل أتُنَبِّئُونَه بشركاءَ لا يعلمُهم في الأرض وهو العالِمُ بما في السماواتِ والأرض تدَّعونَ بأنَّ له شريك في الأرض وهذا فيه أيضًا رَدٌّ على مَن يقولُ بأنّ العبدَ يخلُقُ فِعلَه فيكونُ قد جعل لله تعالى شريكًا في الخَلق وهو سبحانه العالِمُ بما في السماوات والأرض فإذا لم يعلَمْهُ بقولِكم عُلِمَ أنهم ليسوا بشيء والمرادُ نفيُ أن يكونَ له سبحانه وتعالى شركاء
﴿أم بظاهر من القول﴾ قولٍ باطل ليس فيه حُجة بظاهرٍ من القول بقولٍ كَذِب بل أتُسَمُّونَهُم شركاءَ بظاهرٍ من القول من غيرِ أن يكونَ لذلك حقيقة كقوله ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾ وكقوله ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها﴾ ﴿أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم﴾ كيدُهم للإسلامِ بشِركِهِم سُمِّيَ الشِّركُ مَكرًا كما أنه سُمِّيَ تدبيرُهم وكيدُهم وعداوتُهم للنبيّ عليه الصلاة والسلام مَكرًا
﴿بل زين للذين كفروا مكرهم﴾
كيدُهم للإسلامِ بشِركِهم
﴿وصدوا عن السبيل﴾
أي عن سبيلِ الله لأن الله عزَّ وجلَ ما شاء هدايتَهُم ختَمَ الله على قلوبِهم وعلى سَمعِهم وعلى أبصارِهم غِشاوة مَن لم يشأ الله سبحانه وتعالى له الهداية لن يهتدي ﴿وصُدُّوا عن السبيل﴾ وقرأ بعضُ القرَّاء ﴿وصَدُّوا عن السبيل﴾ وعلى هذا المعنى ما هو مذكور من المعاني في التفسير ومعناه وصّدُّوا المسلمينَ عن سبيل الله هذا إذا قرِأَت بالفَتح ﴿وصُدُّوا عن السبيل﴾ ما شاء الله تعالى لهم أن يكونوا على سبيلِ الله أي على الهداية ﴿وصَدُّوا عن السبيل﴾ يكونُ المعنى الآخَر ومعناه وصَدُّوا المسلمينَ عن سبيل الله
﴿ومن يضلل الله فما له من هاد(33)﴾
ما لَه من أحدٍ يقدِرُ على هدايته
﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا﴾
بماذا؟ بالقتلِ والأسرِ وأنواعِ المِحَن
﴿ولعذاب الآخرة أشق﴾
أشدُّ لدَوامِه
﴿ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق(34)﴾
من حافظ ٍمن عذابِه لهم عقوبةُ عاجلةٌ في الدنيا ولهم عقوبةُ الله عزَّ وجلَّ في الآخرة
﴿ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق﴾ ما لهم من حافظٍ من عذابِ الله سبحانه وتعالى