بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ (35) وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ (36) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ (37) وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ (38) يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ (39) وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ(40)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد خاتَم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وَظِلُّهَاۚ تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار(35)﴾
مقدمة:
الجنةُ دارُ السّلام دارُ السَلامِ من الآفاتِ والكُرُبات دارُ السّلامةِ من الأسقام دارٌ لا خوفَ فيها بل الأمنُ فيها ،لا مَوتَ فيها بل الخلودُ فيها، لا سقمَ فيها ولا هَرَم فيها بل صحةٌ وشبابٌ فيها ما تتمناهُ في الجنّة تَجِدُه من غيرِ عناء دارٌ ليس فيها أحقاد ليس فيها تنافُرٌ بين أهلِها أعَدَّ الله سبحانه وتعالى تلك الدارَ العظيمة دارًا هنيئةً دائمةً باقيةً لا فناءَ يلحقُها فلا الجنّةُ فيها فناء ولا النارُ فيها فناء
الجنّةُ والنارُ باقيَتان لا تفنَيان ولا تبيدانِ أبدًا، ذلك الفوزُ العظيم مَن بَلَغ الجنة فهذا دخل دارَ الأمان ومن عظيمِ البُشرى التي جعلها الله سبحانه وتعالى لنا علامةً في هذه الدنيا أنّ من رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في المنام فقد عبَرَ حافَةَ الخطر، هذا بإذنِ الله يكونُ من أهلِ الجنّة لكُلِّ مَن أكرمَه الله سبحانه وتعالى فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في الرؤيا ولو مرةً واحدة ولو لم يُمَيِّز الوجهَ الشريف ولو رأى جزءًا من جسدِه عليه الصلاة والسلام ولو رأى إصبَعُه عليه الصلاة والسلام وقعَ في قلبَه أنَّ هذا أَصبَعُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم أو هذا كَتِفُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ثبتت له الرؤية ثبتَت له
ويستحيلُ أن يتشكَّلَ الشيطان بصورةِ النبيّ عليه الصلاة والسلام لا يستطيع، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: “مَن رآني في المنام فقد رآني حقّا فإنّ الشيطانَ لا يتَمَثَّلُ بصورتي” فنعمةٌ عظيمة مَن أكرَمَه الله سبحانه وتعالى فرأى سيّدَنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم في المنام لا يستطيعُ الشيطان أن يَتَشَكَّلَ بصورةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، فمَن وقعَ في قلبِه في المنام أنَه رأى نبيَّنا عليه الصلاة والسلام هنيئًا له فإنّه قد رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وليس الشيطان لأنّه عليه الصلاة والسلام هو الذي قال:
“فإنّ الشيطانَ لا يتزَيّى بي”
في بعضِ الروايات “فإنّ الشيطانَ لا يتمَثَّلُ بصورتي”
لا يستطيعُ الشيطان أن يتَمَثَّلَ بصورةِ النبيّ عليه الصلاة والسلام ولو كانت للحظات ،هذه علامة من حصلت معه في هذه الدنيا فبُشرى له الجنّة وبُشرى له الموتُ على الإسلام وماذا نريد في هذه الدنيا أعظمَ من هذه النعمة، نعمة الموت على دينِ الإسلام، فهذا ممّا جعله الله سبحانه وتعالى من البشائر في هذه الأُمّةِ المحمّديّة الله يُكرمُنا برؤيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم في المنام ويجمعُنا به عند الحوض الشريف
﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾
(مَثَل) أي صِفة صِفَتها التي هي في غرابَةِ المَثَل
صِفَةُ الجنّة كما جاء في الحديث: “فإنّ الجنّةَ لا خَطَرَ لها” عظيمةٌ جدًّا مَهما وصفنا الجنّة، أليس جاء في الحديث القدسيّ: “فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذُنٌ سمِعت ولا خَطَرَ على قلبِ بشر”
فهذه الجنّة فيها من غيرِ الذي وُصِفَ لنا ،حتى سيّدُنا محمّد عليه الصلاة والسلام في ليلةِ المعراج لم يَطَّلِع على النّعيم الخاصّ الذي أعدَّهُ الله تعالى للمتّقين ،يوجدُ نعيمٌ عام أما النّعيمُ الخاصّ الذي أعدَّهُ الله تعالى للمتّقين لم يطّلِع عليه لا نبيٌّ مُرسَل ولا مَلَكٌ مُقَرَّب وإذا كان كما قدَّمنا أقلُّ واحدٍ من أهلِ الجنّةِ نعيمًا له مسافةُ ألفَي سنة في الجنّة، ومن حيثُ الرؤية يرى إلى مسافةِ ألفِ سنة كما يرى أمامَه جعل الله تعالى ذلك سهلًا بالنسبةِ له، فأيَّ نعيمٍ هذا، إذا كنتَ في الجنة تمنَّيتَ أن ترى نبيَّنا عليه الصلاة والسلام مع أنه عليه الصلاة والسلام في درجتِه الله يجمعُك بسيِّدِنا محمّد عليه الصلاة والسلام تمنَّيتَ أن ترى سيّدَنا يوسف عليه السلام أن ترى سيّدَنا إبراهيم عليه السلام سيّدَنا يعقوب عليه السلام اشتقتَ لآدم لأبينا آدم عليه السلام الله يجمعُك به وهذا الاجتماع من غيرِ عَناء من غير تعب فإذًا ماذا نقول في وصفِ الجنة؟ لذلك ربُّنا يقول ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾
ولمِثلِ هذا فليَعمَلِ العاملون وفي مثل ذلك فليتنافسِ المتنافسون وإنها السِّلعةُ الغالية التي ينبغي أن نتنافسَ ونحنُ في الدنيا في العمل للاستعدادِ لها فلا ينبغي أن نبحثَ عن راحةٍ في هذه الدنيا إذا أردنا راحةً في الآخرة علينا أن نتعبَ في الدنيا، نتعب بماذا؟ بطاعةِ الله نُكابِدُ أنفسَنا نجاهد بالصيام بالصلاة بالعبادة بخدمةِ دينِ الله، من أكرمَهُ الله عزَّ وجلّ أن يكونَ خادمًا لدينِه يدافعُ عن دينِ الله يُعَلِّمُ عقيدةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم هذا لأنّ اللهَ تعالى قد أحبَّه لأنّ الله تعالى قد أرادَ به خيرًا، لا ينبغي لنا أن نعيشَ في همةٍ ضعيفةٍ ثقيلةٍ عن نُصرَةِ الدّين إذا لم ننصر دينَ الله تعالى يقوى أهلُ الضلال وإذا قَوِيَ أهلُ الضلال يُضعِفون المسلمين ويتَمَكَّنونَ منهم ونحن عندَنا غَيرَة على دينِ الله نشتاق إلى الجنّة نشتاق إلى هذا النّعيم ولأجل ذلك لا نسألُ بعد ذلك عن تعبِ هذه الدنيا هذه واحدة
والثانية ولا نبحثُ في هذه الدنيا عن إرضاءِ الناس لأنّ إرضاءَ الناسِ غايةٌ لا تُدرَك وإرضاءَ الله تعالى غايةٌ لا تُترَك فاترُك ما لا يُدرَك وأدرِك ما لا يُترَك اعمل بما يُرضي الله سبحانه وتعالى كلُّنا يريدُ الجنّة ويريدُ هذا النعيم نحن نعيشُ في هذه الدنيا في أمتارٍ صغيرة أكبرُ بيت كم سيكون لنا في هذه الدنيا وكم ينافِسُك فيه إمّا من هَوامِّ الأرض وإمَّا من جارٍ مؤذٍ وإما من شيءٍ أو آفَةٍ مُفسِدَة ولا تَسلَم فماذا عن تلك الدار؟ أليست هي الدارُ التي تستحقُّ أن يُتَعَب لها؟ أن يُتَنافَسَ فيها؟ كم تَعِبتَ يا عبدَ الله حتى أثَّثْتَ بيتَك؟ ثم أسألُكَ تقول لي تعبتُ كثيرًا هل أنت راضٍ عن مَتاعِ بيتِك؟ فَالغالب يقول لا ما كان هذا كما أنا أريد فكيف بك بدارٍ مُعَدَّة؟ تدخل يُنادَى عليك الجنّة عَرَّفَها الله تعالى لهم ،كالذي هو داخلٌ إلى دارِه مُعَدَّة أنت عندما ترحل من دار إلى دار كم تحتاج لأجل الرحيل؟ الأثاث وتجمعه وتحزِمُه كم تحتاج لهذا؟ وأنت عندما تدخلُ الجنّة إن شاء الله ندخل الجنّة بإذن الله تعالى هل نحن سنكون قد أخذنا ولو قطعةً صغيرةً من أثاثٍ زائلٍ من مَتاعٍ زائل من بيوتِنا في الدنيا؟ هل سنأخذ معنا شيء؟ هل سنحتاج؟ إلى ما يُسَمّى غرفة معيشة هل نحتاج؟ هل نحتاج إلى غرفة ضيوف؟ هل نحتاج إلى مَقعَد أرضي؟ هل نحتاج إلى هذا؟ الدارُ مُعَدَّة والدار لها أهلُها وماذا بينَنا وبينَ ذلك إلا أن نعمل؟ فنعمةُ الإيمان نعمةٌ عظيمة ثم مَن أنعَمَ الله سبحانه وتعالى عليه فتَعَلَّمَ عِلمَ أهلِ السُّنّة والجماعة وكان على العقيدةِ الَحقَّة فهذا على خيرٍ عظيم لأنّ مَوعِدَه غدًا بإذن الله تعالى إلى هذه الدار
﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أليس هذه الجنّة فيها أنهار من لبن؟ أنهار من ماء غيرِ آسن؟ أنهار من خَمر لَذَّة للشاربين؟ أنهار من عسل مُصَفّى؟ هذه أنهار رئيسيّة نعم ولكن أليس المسلمون كلٌّ في مكانِه المُعَدّ له في هذه الجنّة الواسعة التي جهنم أجارَنا الله منها بالنسبةِ إلى الجنة بقعة صغيرة الجنة أكبر، بأكثر من ألف مرّة من جهنم الجنّة أكبر بكثير من جهنم أكثر من ألف مرة في المساحة فكلٌّ في دارِه قالوا هذه الأنهار الرئيسية يصيرُ منها فروع ولستَ بحاجة أن تطلبَ من أحد أوصلوا لي الماء هنا لست بحاجة ولست في قلق تجري من هذه الأنهار الرئيسية أنهار فرعية فتصلُ إلى المكان المُعَدّ لكلِّ واحدٍ من أهلِ الجنّة في مكانِه
﴿تجري﴾
أنهار جارية
﴿أكلها دائم وظلها﴾
﴿أكلها دائم﴾ دائمُ الوجود لا ينقطع بأيِّ وقت تتمنى هذه الثمرة تأتيكَ مُتَدَلِيَّة لا تحتاج إلى عَناء أنّك تقف وترفع يدَك لأجلِ أن تُنزِلَها لا تحتاج، نعيم عظيم الله أعدَّهُ لأهلِ الجنة لذلك الأتقياء يُحبّون لقاءَ الله وقد أيقنوا وعرفوا أنَّ راحتَهم هناك في الجنة فلا يبالون هنا
وهذه رَدٌّ على جَهمِ بنِ صفوان الجَهمِيّة الذين يقولون بفناءِ الجنّة هؤلاء الجَهمِيّة يقولون الجنّة تفنى والنار تفنى والقرآنُ الكريم يقول ﴿أكلها دائم﴾ وعن النار ﴿خالدين فيها أبدا﴾
وعن الجنة لأهلِها ﴿خالدين فيها أبدا﴾ إذًا الجنّة باقية لا تفنى والنار باقية لا تفنى وهذه الآية ﴿أكلها دائم﴾ ثمرُها دائمُ الوجودِ لا ينقطع، أيَّ فاكهة أنتَ تتمناها تأتيك
ثم الاتفاق في الاسم تُفاح في تفاح في الجنّة الإسم مُتَّفِق أما الطَّعم فلا تَصِفُ هذا لا تَصِف عِنَب يوجد عِنَب في الجنّة لكن كم هذا الفرق بين ذلك العَنِب وذلك الثَّمَر وهذا الثَّمَر الذي عندَنا
﴿أكلها دائم وظلها﴾ كذلك ظِلُّها دائم لا يُنسَخ كما يُنسَخ في الدنيا بالشمس
﴿تلك عقبى الذين اتقوا﴾
أي الجنّة المَوصوفةُ عُقبى تقواهم يعني مُنتهى أمرِهم تلك العُقبى وإذا كانت تلك عُقبى المتّقين
﴿وعُقبى الكافرين النار﴾
والعياذ بالله أمّا عُقبى الذين كفروا بالله فالنار
وما أشدَّها نحن لا نحمِلُ شيئًا من حرارة نحن لا نقوى على حرِّ الدنيا لا نقوى على حرارةِ الدنيا الذي يذهب إلى مكة المكرمة رزقَنا الله تعالى الحجّ والزيارة في بعض الأوقات عندما تصل الحرارة إلى خمسين لا أقول أكثر إذا وصلت إلى خمسين لو أراد أن يقفَ على بلاط الحرم الذي في الخارج لا يستطيع إذا كان حافيَ القدمَين وكأنه يقفُ على مِقلاه فإذا كنا نحن لا نقوى على حرارة في هذه الدنيا لا نقوى وقتَ الظهيرة عندما تشتدُّ الشمس لو كنتَ صائمًا في الأيام التي حرُّها شديد وهواؤها مُغبَرّ والحرارةُ مرتفعة وأنت في وقتِ الظهيرة تقفُ تحت الشمس كيف حالُ جفافِ حلقِكَ؟ كيف اشتياقُكَ للماءِ يكون؟ الذين يكونون في جهنم في حرٍّ شديد وفي عطشٍ شديد وفي رياحٍ مُحرِقَةٍ شديدة وهناك ليس سيأتي عليهم وقت يكونُ فيه ظلّ أو راحة يريدون أن يشربوا حميم غسّاق ماذا حولَهم؟ سَموم سعير بِئسِ المِهاد، بِئسَ الفراش ينبغي أن نتفكَّرَ في هذا حتى نتّقِيَ اللهَ تعالى في هذه الدنيا فإذا حدَّثَتنا أنفسُنا بالمعصية فتارَةً كما هو مَنهَجُ كتابِ الله عزَّ وجلّ الوعد والوعيد فتَجِدُ هذا المسلم إذا سمع عن الوعد تحركت نفسُه وصار في فرح وإذا ذَكَرَ الوعيد خاف فيصيرُ هكذا بينَ الخوفِ والرّجاء
﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾
يريدُ مَن أسلَمَ من اليهود كابنِ سلام، كعبدِ الله بنِ سلام رضي الله عنه ونحوِه ومن النصارى بأرضِ الحبشة
يفرحون بما أُنزِلَ على نبيِّنا محمّدٍ عليه الصلاة والسلام في القرآنِ الكريم لأنّ ما في القرآن الكريم فيه تصديقٌ لعيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام وفيه تصديقٌ لكلِّ الأنبياء فكانوا على فرح بذلك ما جاء في القرآن الكريم هم كانوا على فرح
هذا أصْحَمَةُ النَّجاشِيّ رضي الله عنه أسلّمَ وحَسُنَ إسلامُه وشَهِدَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم بأنه عبد صالح ولما ماتَ أوحِيَ إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام بموتِه فإذ برسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ينادي الصحابةَ للصلاةِ عليه يقول:
“تُوُفِّيَ اليوم أخوكم أصْحَمَة وهو رجلٌ صالح صلّوا على أخيكُم أصْحَمَة فإنه قد مات”
فصلّى عليه نبيُّنا صلى الله عليه وسلّم وفي جملةِ ما يُروى في ذلك بأنه بقدرةِ الله عزَّ وجلّ كان يقفُ نبيُّنا صلى الله عليه وسلّم في مَوقِفِهِ في المدينة يريدُ الصلاةَ على أصْحَمَة وأصَحَمَة رضي الله عنه في أرضِ الحبشة فرُفِعَ جسده بإذن الله تعالى حتى أبصَرَهُ سيّدًنا محمّد عليه الصلاة والسلام
هذا الرجل أصْحَمَة كان ملكًا تهابُه الناس وتحتَه ما تحتَه من الجُند ولكن كان معروفًا بأنه يعدٍلُ بين الناس فعندما اشتدّ الأذى على أصحابِ النبيّ عليه الصلاة والسلام في مكة جاء الإذنُ لهم فكانت الهجرةُ الأولى إلى الحبشة ثم الهجرةُ الثانية إلى الحبشة وقريش أرسلت بهدايا إلى أصْحَمَة النَّجاشِيّ لأجل أن يَرُدَّ هؤلاءِ الصحابة إليهم إلى مكة لكن هذا الرجل مع أنه مَلِكٌ قد مَلَك الله أراد به خيرًا فطلبَ الصحابةَ فكان سيِدُنا جعفر رضي الله عنه وغيرُه من الصحابة فلما طلب منهم أن يقرأوا شيئًا وهم قالوا له هؤلاء يتكلمون كلامًا شديدًا في مريم وفي عيسى عليه الصلاة والسلام فطلبَ منه أن يقرأ آيات فتلا عليه آيات منها ما كان من سورة مريم فصار يبكي وبكى مَن كان عندَه في مجلسِهِ من الرُّهبان ثم أسلَمَ وفشا الإسلامُ في الحبشة انتشر الإسلام في أرضِ الحبشة وبسببِ ذلك بقي الإسلام في الحبشة إلى زمانِنا هذا
بل صار يتخرَّجُ علماء كبار يحفظون القرآنَ الكريم بَلدَةٌ في أرض الحبشة يقال لها هَرَر كان فيها ألفُ حافظ لكتابِ الله ويتكلمون العربيةَ الفصيحة كان يقال لها بلدُ الحُفَّاظ كان فيها علماء أجِلَّاء كبار تخرَّجوا منها هذا الرجل رضي الله عنه كان سببًا المُلك ما شغَلَه المال ما حَجَبَهُ عن الاستعداد رضي الله عنه وكذلك عبدُ الله بنُ سلام رضي الله عنه وهو مُبَشَّرٌ بالجنة ويوجد غيرُهما ممَّن كان من النصارى أو من اليهود وأسلمَ عبدُ الله بنُ سلام كان من اليهود وأسلمَ والنَّجاشِيّ كان من النصارى وأسلمَ ويوجد غيرُهما وفيهم هذه الآية
﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾
أي ومن أحزابِهِم وهم كَفَرَتُهُم الذين تحزَّبوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم بالعداوة ككعبِ بنِ الأشرف وأصحابِه والسيِّد والعاقِب وأشياعِهِما وكان واحد أيضا يقال له عبدُ المسيح
لأنهم كانوا لا يُنكِرونَ الأقاصيصَ لذلك يقول اليهود مع كل ما كذَّبوا النبيّ عليه الصلاة والسلام مثلًا لما جاءت قصةُ يوسف ما أنكروها قبِلوا قصةَ يوسف فكانوا يقبَلونَ البعض لذلك قال ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ وعلاماتُ نبوَّة النبيّ عليه الصلاة والسلام عرَفوها وصدّقوا أنه رسولُ الله وفيما بينهم أسَرَّ بعضُهم لبعض أنه محمّد الذي بشَّرَ به موسى ولكن مع أنهم رأَوا منه تلك العلامات مع ذلك أنكروا الإيمانَ به وقالوا النُّبُوَّةُ إن نحن صدَّقنا به خرجت من أيدينا وكانوا لا يُنكرونَ الأقاصيصَ وبعضَ الأحكامِ والمعاني مما هو ثابتٌ في كتُبِهم ومع ذلك ماذا كان منهم؟ وكانوا ينكرون نبوَّةَ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام وغيرَ ذلك مما حرَّفوهُ وبدّلوهُ من الشرائع
قصة وفد أهل نجران مع النبيّ:
من ناحية يقال لها نَجران وهي من مَخاليطِ اليمن وهي نسبة إلى نَجران بنِ زَيد إلى اسمِ هذا الرجل فسُمِّيَت نجران معروفة في جنوب الجزيرة العربية نجران كانت أرضَ نصارى ولما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام في مكة جاء وفدٌ من أهل نجران إلى مكة صارت البلاد في ذلك الوقت أليس كانت مكة مَقصِدًا لهم ويأتي باسمِ الحجِّ مَن يأتي إلى مكة فسمعوا عن نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام فأحبّوا لقاءَهُ وأحبّوا السَّماعَ منه فجاء نحوُ عشرين رجلًا من نجران فجاءوا وكان نبيُّنا عليه الصلاة والسلام عندَ الكعبة وكان هذا أول وفد لأن في بعد ذلك وفود أخرى كانت في المدينة فوَفد نجران ليس وَفدًا واحدًا في أكثر من وفد فكان عليه الصلاة والسلام عندَ الكعبة فجاءوا يسألونَهُ عن الإسلام كانوا نصارى فلما سمِعوا كلامَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلّم وتلا عليه الصلاة والسلام شيئًا من القرآن الكريم ماتَمالَكوا أنفسهم صاروا يبكون وأسلَموا العِشرون،
أبو جهل لعنه الله كان مُتَخَفِّيًا في ناحيةٍ عندَ الكعبة اغتاظَ فظهرَ وأغلَظَ لهم في الكلام وقال خيَّبَكُمُ اللهَ من رَكب قومُكم بعثوا بكم لأجلِ أن ترَوا حالَ الرّجل وأنتم تركتُم دينَكم وصدَّقتُم به ،لكنهم ثبتوا على الإسلام ورجَعوا إلى بلادِهم يدعونَ إلى الإسلام يوجد بعدَ ذلك من تلك الأرض أرض نَجران أنتم لو تُحصون في مباحثِ السيرة أعدادَ الوفود من قبائلِ العرب التي وَفَدَت إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام تُدرِكونَ كم كان جهادُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام كيف الوقت عندَه يذهب عليه الصلاة والسلام تارة للغزو يجاهد في سبيل الله ويستقبل هذه الوفود ويعلِّم وينشرُ الإسلام ويَعودُ المرضى ويجالسُ أصحابَه ويجلسُ معهم في المسجد ويصلي معهم عليه الصلاة والسلام هكذا كانت حياتُه صلى الله عليه وسلّم في طاعةِ الله عزَّ وجلّ
فلما كان عليه الصلاة والسلام في المدينة جاء وفدٌ من أهل نجران من النصارى هذا الوفد كان منهم من ذكرنا هذا الذي يقال له عبدُ المسيح وكان أكبرَ واحد يعتبرونَه ذا رأيٍ فيهم يقال له السيِّد وواحد يقال له العاقِب ومعهم جمع وجاءوا أرادوا بزعمِهِم مُحاجَجَةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يعني كالذي يريد المُناظَرَة فجاءوا إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام في المدينة وهنا ينبغي أن نتَنَبَّهَ إلى ما قد نسميه خُرافَة قصة في هذا الموضوع ليس لها إسناد ذُكِرَت عندَ ابنِ هشام لكنه لم يروِها بسَنَد وهذه تُعتَبَر من القصصِ الَمكذوبة على النبيِّ عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لَقِيَت شُهرَةً كبيرة ما هي؟ من أسماءِ نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام الماحي قال:
“وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ بِيَ الكفر”
النبيّ عليه الصلاة والسلام بعثه الله تعالى لهدايةِ الناس إلى الإسلام لإنقاذِهِم من الكفرِ والضلال فرسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لا يرضى بالكفر ولا يأذَن بالكفر ولا يأمُر بالكفر حاشاه عليه الصلاة والسلام ماذا بعضُهم يروي موجود في هذا الكتاب؟ موجود قال لما صارَ بزعمِهِم وقتُ صلاتِهِم السيّد والعاقب وعبدُ المسيح قال أرادوا أن يصلّوا فبزعمِهِم قالوا كَذِبًا عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام دعوهُم يصلّوا في مسجده ويصلوا ماذا هم؟ على غير الإسلام ما أسلَموا؟ أن يفعلون أفعالَ الكفر؟ هل يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم بالكفر؟ لا يرضى، مسجدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم هذا المسجدُ المبارَك الذي صار يسمّى على اسمِهِ عليه الصلاة والسلام المسجدُ النبويُّ الشريف الذي فيه قبرُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم هل يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أن يكونَ الكفر في مسجدِهِ الطاهر الشريف المبارَك؟ لا يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ذلك فكيف مثلُ هذه القصة مطبوعة في هذا الكتاب وهذا الكتاب في أسواقِنا؟ ويقتنيه من يقتنيه من الناس يقولون والعياذ بالله بأنَّ النبيّ قال دعوهم يصلوا في مسجدي وهم على الكفرِ والعياذ بالله فهذا ضلالٌ شنيع هذا يستحيل أن يكونَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام قد قال ذلك
نرجِع إلى قصةِ هؤلاء فجاءوا هؤلاء يقولون لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام عيسى هو ابنُ الله فَرَدَّ عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنّ ربَّ العالمين لا يشبه خلقَهَ والوالِد لا بدّ أن يكونَ له من ولَدِه شَبَه والله لا يشابِهُ عيسى، وضُرِبَت أمثلة لذلك الله تعالى هو الذي يُصَوِّرُ في الأرحام وعيسى لا يُصَوِّرُ في الأرحام نعم عيسى أحيا بإذن الله عددًا لكن الله يحيي العباد ونزَلت آيات كريمة من سورةِ آل عمران إلى نحو ثمانين آية من سورةِ آل عمران في الردِّ على هؤلاء وفيها إثباتُ أنّ الخالقَ سبحانه وتعالى يستحيلُ أن يكونَ له ولد لأن الذي يكون له ولد فهو أصلٌ لِفَرع وما كان أصلًا يتجزَّأُ عنه فروع فهو جسم وما كان جسمًا فهو مُقَدَّر وهو مُخَصَّص وما كان مُخَصَّصًا ومُقَدَّرًا فهو يحتاجُ إلى مُخَصِّصٍ ومُقّدِّرٍ جعله بهذا الحجم والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك بأدلةٍ نَقليَّةٍ جاءت في أوائلِ سورةِ آلِ عِمران ومعها ما معها من الشَّواهد العقليّة حتى نتعلَّمَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم كيف نُناظِرُ أهلَ الضلال وكيف نَرُدُّ عليهم بالحُجَّة عندما يقولون إنّ الله جسم والعياذ بالله تعالى
ثم هؤلاء عرضَ عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام الإسلام فأبَوا ذهبوا واجتمعوا فيما بينَهم قالوا لا نُسلِمُ له ثم دعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم إلى المُباهَلَة دعاهم إلى المُباهَلَة
المُباهَلَة من البَهْلَة الدعاء بنزولِ العذاب فدعاهم النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يحضروا إليه وأن تكونَ المُباهَلَة إذا لم يريدوا الإسلام ثم ذهبوا فاجتمعوا فيما بينَهم فقال هذا مَن كان ذا رأيٍ فيهِم الذي يقال له السيد قد عَلِمتُم أنه نبيّ وما لَنا به طاقة أرى أن لا نُباهِلَه وأرى أن نترُكَ الرجل ونرجِعَ إلى بلادِنا قال فإنّا إن باهَلْناه فدعا علينا فلا يَنبُتُ لنا بعد ذلك ولد ولا يبقى لنا شيخ ولا يبقى نَصرانِيٌّ على وجه الأرض قد عرَفوا ذلك قال لا أرى هذه المُباهَلَة فهذا الرجلُ صادق وأنتم تعلمون أنه صادق وكأنهم مالوا إلى رأيِهِ فذهبوا هناك كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام قد خرج في الطريق وكان عليه الصلاة والسلام الحُسين في حُضنِه والحسن في يدِهِ وفاطِمة رضي الله عنها تمشي خلفَهُ وخلفَها كان يَتبَعُهم سيّدنا عليّ فلما جاء وفدُ نجران ورأَوا هذا المشهد قال: يا قوم إني أرى وجوهًا لو أنها دعت على جبلٍ لَزَال ما لَكُم طاقةٌ بهم فلما جاءوا وقفوا أمام النبيّ عليه الصلاة والسلام أخبروه أنهم لن يُسلِموا ولكن لا يريدون المُباهَلَة وقَبِلوا دَفعَ الجِزيَة فكانت جِزيَتُهم ألفَي حُلَّة في السَّنة يُرسلونَها إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام ثم إنه عليه الصلاة والسلام قال:
“لقد رأيتُ الهلاكَ ينزلُ على أهلِ نجران -أي فوقَ رؤوسِهِم- لكن لما كان منهم ما هذا ما نزل عليهم العذاب”
لما قِبِلوا بالجزية كان منهم هذا قبِلوا الجزية ما نزل عليهِمُ العذاب ولولا ذلك لأهلَكَهُم الله تعالى ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾
وهنا ردُّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام عليهم
﴿قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به﴾
وهو جوابٌ للمُنكِرين أي قل إنّما أُمِرتُ فيما أُنِزَل إليَّ بأن أعبُدَ اللهَ ولا أُشرِكَ به فإنكارُكم له إنكارٌ لعبادةِ الله إنكارُكم للقرآنِ الذي أتلوه عليكم هو إنكارٌ لعبادة الله وأنتم تزعُمونَ أنكم تعبدون الله فإنكارُكم له إنكارٌ لعبادة الله وتوحيدِه فانظروا ماذا تُنكِرونَ مع ادِّعائِكُم وجوبَ عبادةِ الله وأن لا يُشرَكَ به
﴿إليه أدعو﴾
يدعو محمّدُ بنُ عبدِ الله صلى الله عليه وسلّم إلى الله ﴿إليه أدعو﴾ وأُمّةُ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام إلى ماذا تدعو؟ تدعو إلى الله ﴿إليه أدعو﴾ خُصوصًا، لا أدعو إلى غيرِه
﴿وإليه مآب(36)﴾
إليه إلى الله لا إلى غيرِه المآبُ والرُّجعى إلى الله لا إلى غيرِه، مآب مَرجِعي وأنتم تقولون مثلَ ذلك فلا معنى لإنكارِكُم، مآب متاب واق هاد، بعضُ القراء كان مع الوقف يضيف الياء مآبي متابي واقي هادي ﴿وإليه مآب﴾ هنا من غير الياء مَرجِعي وأنتم تقولون مثلَ ذلك فلا معنى لإنكارِكُم
﴿وكذلك أنزلناه﴾
هذا القرآن وهنا استمِعوا لهذه الآيةِ الكريمة فقد حدَّثني بعضٌ أمس أنه يوجد مَن تَجَرَّأَ ممَّن يضعُ عِمامَةً على رأسِه يقول للناس القرآن ليس صالحًا لكلِّ زمان والعياذ بالله ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ في سورةِ الإسراء ﴿وكذلك أنزلناه﴾ ومَن الذي أنزلَ القرآن اللهُ سبحانه وتعالى والله أعلمُ بعبادِه وفي القرآن فيه تفصيلُ كلِّ شيء فكيف لا يكونُ صالحًا
﴿وكذلك أنزلناه﴾ ومِثلَ ذلك الانزال أنزلناه مأمورًا فيه بعبادةِ الله وتوحيدِه والدعوةِ إليه وإلى دينِه والإنذارِ بدارِ الجزاء
﴿ حكمًا عربيًا﴾
حِكمَةً عربيةً مُتَرجَمَةً بلسانِ العرب حِكمَةً عربيةً حكمًا عربيًا وأيضا ﴿بلسان عربي﴾ ﴿أنزلناه حكمًا عربيًا﴾ فهذا الحُكمُ من الله سبحانه وتعالى وإذا كان الحُكمُ من الله تعالى فمَن ذا الذي يقولُ بأنه غيرُ صالح!
وانتِصابُهُ على الحال ﴿أنزلناه حكمًا عربيًا﴾ وكان من حالِ هؤلاء المشركين كانوا يَدعُونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم إلى أمور يشارِكُهُم فيها فقيل
﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم﴾
أي بعد ثبوتِ العلمِ بالحُجَجِ القاطِعة والبراهينِ الساطعة
﴿ما لك من الله من ولي ولا واق(37)﴾
أي لا ينصُرُكَ ناصر ولا يَقيكَ منه وَاق والنبيُّ عليه الصلاة والسلام هو مُعَلِّمُ ذلك إذًا ما فائدةُ الخطاب هكذا
﴿ما لك﴾ وهذا من بابِ التَّهييجِ والبَعثِ للسامعينَ على الثباتِ في الدّين وأَلَّا يَزِلَّ زَالٌّ عندَ الشُّبهَةِ بعدَ استِمساكِهِ بالحُجَّة بعدَ أن تَبَيَّنْتَ الحُجَّة فلا يَستَزِلَّنَّكَ أحدٌ بشُبهَةٍ ليُخرِجَكَ عن الحقّ
ولا تُبالي ولا تَشُكّ ،عقيدَتُكَ راسخة وجودُ الله وَحدانيّةُ الله تنزيهُ الله سبحانه وتعالى عن الزمان وعن المكان فبعدَ ذلك لو جاء مَن جاء بشُبهَة أنت لا تُصغي إليه، واحدٌ بعد خُطبةِ الجمُعة أوقفَني فلما سمِعَ مني درسًا في التنزيه ففورًا قال لي أنا ولدي ولدُه صغير قال ولدي جاءني فقال لي أين الله قال فأنا ذهبت إلى مَن أظنُّه شيخ فقلتُ له أين الله ولدي هكذا يقول فقال قل له في السماء فقلت له سيّدُنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ قال (لا يقالُ أين لمَن أيَّنَ الأين ولا يقالُ كيف لمَن كَيَّفَ الكَيف )
خالقُ الزمان موجودٌ قبل الزمان وخالقُ المكان موجودٌ قبل المكان الله هو الذي خلق السماء وهو سبحانه وتعالى موجودٌ قبلَها والله تعالى خالقُ العرش وموجودٌ قبلَه والله لا يحتاج إلى السماء ولا إلى العرش ولا إلى الكرسيّ قلت له
أمّا هذا الذي يروونه فلماذا روَوا حديثَ الجاريةِ النُّوبِيَّة بهذا اللفظ وتركوا روايةَ مالك في الموطَّأ وروايةَ أحمد في المُسنَد وهم يزعُمونَ أنهم على مذهبِ أحمد في نفسِ قصةِ الجارية النبيُّ يقول لها: “أتشهدين أن لا إله إلا الله أتشهدين أنّي رسولُ الله”
وفي رواية “مَن ربُّك” فقالت: ربِّيَ الله فلماذا تُترَكُ تلك الروايات وتُؤخَذُ هذه الرّواية ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ﴿ما لك من الله من ولي ولا واق﴾
وإلّا فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم من شدَّةِ الثباتِ بمكان، إذا كان مرَّة النبيّ عليه الصلاة والسلام يقف على جبل عظيم في أُحُد في المدينة المنورة جبل ضخم جبل أُحُد سِلسِلَة جبال ضخمة وكان يقف مع النبيّ عليه الصلاة والسلام أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه الجبل تحرَّكَ تحت أقدامِ النبيّ عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام: “اثبُت أُحُد فوالله ما عليك إلا نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان”
الجبل بأمرِهِ عليه الصلاة والسلام يسكُن فنبيُّنا عليه الصلاة والسلام لا يتزَلزَل لا بشُبهَة ولا بتخويف ولا بشيء لأنه عليه الصلاة والسلام رسولُ الله ولأنه عليه الصلاة والسلام أشجعُ الناس وأنجَدُ الناس وأرحمُ الناس كان عليه الصلاة والسلام يبعثُ إلى هِرَقلَ وغيرِه يأمرهم بالإسلام وليس عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم بعد جيش وهؤلاء حكموا الدنيا ما كان يهاب عليه الصلاة والسلام فلما وصلت رسالتُه إلى هِرَقل خافَ قال هذا رسولُ الله ثم استشارَ مَن عندَهُ قال ما رأيكُم أن نُسلِم قالوا كيف تترُكُ دينَكَ قال أردتُ أن أختبِرَكُم فقط أردتُ أن أرى ثباتَكم ثم أخذ رسولَ رسولِنا عليه الصلاة والسلام وقال له قل لرسولِ الله أنا آمنتُ به وأرسلَ له الهدايا فلما رجَعَ كان الوحي قد سبقَ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام قال يا رسولَ الله هذا هِرَقل يقولُ أسلَم قال عليه الصلاة والسلام:
( كذَبَ عدوُّ الله ما أسلَم بالوحي)
هابَهُ هِرَقل في ذلك الوقت هذه هيبةُ النبيّ عليه الصلاة والسلام فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم من شدَّةِ الثباتِ بمكان ثم ماذا أرادوا أن يَعيبوا أيضًا نبيَّنا فماذا قالوا وكانوا يَعيبونَهُ عليه الصلاة والسلام بالزَّواج أنه كيف يتزوّج وبالأولاد أنه كيف يأتيه أولاد ويقترحون عليه الآيات يريدون كمان معجزات ويُنكِروَن النَّسخ
النَّسخ الذي جاء ذِكرُه ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ النَّسخ رفعُ حُكمٍ شَرعيٍّ سابق بحُكمٍ شَرعيٍّ لاحِق والنَّسخ قد يكون في التِّلاوة وقد تبقى الآية لكن يكون نُسِخَ الحُكم وهذا في كتاب الله تعالى فهم أنكروا هذا فنزَلَ
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾
سليمان كان له نساء كثير، الأنبياء ليسوا مُعَلَّقي القلب بالنساء، النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو أزهدُ الخَلق ﴿وذرية﴾ نساءً وأولادًا
﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾
يعني لا يأتي نبيّ بمعجزة وما من نبيٍّ إلا وأعطاه الله معجزة لكن هذه المعجزة الله يعطيه إياها أي ليس في وُسعِهِ إتيانُ الآياتِ على ما يقترِحُهُ قومُهُ وإنما ذلك إلى الله
﴿لكل أجل كتاب(38)﴾
لكلِّ وقتٍ حُكمٌ يُكتَبُ على العباد أي يُفرَضُ عليهِم على ما تقتَضِيهِ حِكمَتُه
وهذا ردٌّ أيضًا على مَن يقول بأن القرآنَ ما عاد صالحًا
﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب(39)﴾
﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ينسَخُ ما يشاء نَسخَهُ
﴿ويثبت﴾ بَدَلَهُ ما يشاء من الأحكام في بعض الأحكام دخل عليها التغيير النَسخ
وهذا لا يكونُ إلا في حياة النبيّ عليه الصلاة والسلام مثال ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ أوَّلَ ما نزَلَ الأمرُ بالصيام فشَقَّ ذلك على البعض فكان الأمرُ عندَهم على التخييرِ ،في الأوّل مَن شاء يفدي ومَن شاء يَصُوم ،لكن في الآيات التي بعد ذلك
﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فنُسِخَ الحُكُم فما عادت الفِدية تُقبَل إلّا إذا كان شيخًا هَرِمًا زَمِنًا لا يستطيع وكذلك في مذهبِ إمامِنا الشافعيّ إذا كان مريضًا بمرضٍ لا يُرجى بُرؤهُ فيدخُلُ هذا النَّسخ لكن هذا في حياةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ثم كما بيَّنَّا النَّسخُ لا يكونُ في العقيدة ولا يكونُ في الأخبار لأن ذلك يقتضي التكذيب إذًا هذا وجه وعليه مضى إمامُنا الشافعيّ
وفي قراءة ﴿ويُثَبِّت وعنده أم الكتاب﴾ قالوا على معنى الناسخ والمَنسوخ
﴿ويثبت﴾ بَدَلَهُ ما يشاء أو يترُكُهُ غيرَ مَنسوخ هذا وجه في التفسير
أو ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ أي يمحو من ديوانِ الحَفَظَة، الحَفَظَة يكتبون فيمحو الله من ديوانِ الحَفَظَة ما يشاء ويُثبِتُ غيرَه
مثال أليس الله قال ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ طيب إذًا المَلَكان يكتُبان حتى المُباح مثل اصنع ليَ الطعام أحضِر لي كذا يُكتَب لماذا؟ تنبيه للعباد انتبه لِما تقول لكن بعد ذلك يُمحَى هذا من الديوان وماذا يَثبُت الخير والشرّ هذا وجه في تفسير ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾
أو يمحو كُفْرَ التائبين ويُثبِتُ إيمانَهم والكفرُ إنما يُمحى بماذا؟ بالإسلام
أو وجهٌ آخر:ك يُميتُ مَن حان أجَلُه وعكسُه
وذهب ابنُ عباس رضي الله عنهما أيضًا إلى تفسيرِ هذه الآية بالقضاءِ المُعَلَّق
وما هو القضاءُ المُعَلَّق؟ هو مُعَلَّقٌ بالنسبةِ للملائكة الذين يستنسخون إلى صُحُفِهِم من اللوحِ المحفوظ في ليلةٍ مبارَكة نسأل الله تعالى أن نكونَ قد نِلناها ﴿في ليلة مباركة﴾ وهي ليلةُ القَدر في ليلةِ القَدر من كلِّ عام الملائكة تَستَنسِخُ إلى صُحُفِها من اللوحِ المحفوظ الله قال ﴿إِنا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنا كُنا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُل أَمْرٍ حَكِيم﴾ هذه الليلة ليلةُ القَدر وليست يوم عشرة رجب وليست ليلة النصف من شعبان الجمهور أنّ هذه الليلة هي ليلةُ القدر ماذا يكون في ليلةِ القَدر؟ الملائكة تَستَنسِخ تكتُب من اللوحِ المحفوظ وهذا معنى أمُّ الكتاب
أمُّ الكتاب اللوح المحفوظ تَستَنسِخ إلى صُحُفِها من اللوح المحفوظ ماذا يكونُ من أمورِ العباد من تلك الليلة في تلك السنة إلى مثلِها في قابِل يعني في العامِ القادم؟ من أيِّ شيء؟ من الرِّزق من الموت يكتُبون مثلًا فلان إذا وصَلَ الرَّحِم يُوَسَّع عليه في الرزق فلان إذا دعا يُعطى فلان إذا برَّ والدَيه يجدُ كذا وكذا من اللُّطف إذا لم يفعل لا يجِدُ ذلك هذا تكتبه الملائكة ويكونُ مُعَلَّقًا بالنسبةِ للملائكة يعني الملائكة الذين كتبوا هم لا يعلمون هل هو سيدعو ويُعطى، هل هو سيَصِل ويُعطى أم لا، لا يعلمون لأن الله لم يُطلِعهُم على كلِّ ما هو في اللوح المحفوظ اطَّلَعوا على جزء وإلّا فيوجد جزء في اللوح المحفوظ مكتوب فيه هل هذا العبد سوف يدعو ويُعطى، هل سيَصِلُ الرَّحم ويُعطى، هل يتصدَّق ويُعطى أم لا فالملائكة هؤلاء بالنسبة لهم يكونُ الأمرُ مُعَلَّقًا وهذا ما ذُكِرَ إنما يكونُ في القضاءِ المُعَلَّق لا المُبرَم، يوجد كتاب لا يتغير ما هو؟ كتابُ الشّقاء وكتابُ السعادة وعندما يقولون الشقاء الشَّقيّ والعياذ بالله مَن كَتَبَ الله تعالى له أن يُختَمَ له على غيرِ الإسلام والسعيد مَن كتبَ الله تعالى له أن يُختَمَ له على الإسلام
نسأل الله أن يجعَلَنا من السعداء، هذا لا يتبدل إذًا بمثلِ هذا فُسِّرَ القضاءُ المُعَلَّق فهو مُعَلَّق بالنسبة للملائكة أما مشيئةُ الله تعالى أزليّةٌ أبديّة ﴿يمحو الله ما يشاء ويُثبِت﴾ وقلنا في قراءة ﴿ويُثَبِّت وعنده أم الكتاب﴾ أي أصلُ كلِّ كتاب وهو اللوحُ المحفوظ لماذا؟
لأن كلَّ كائنٍ مكتوبٌ فيه ما هي الأسماء التي تُعتَق من النار في رمضان هذا العام والعامِ القادم والعامِ الذي بعدَه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ ماذا يكونُ لكلِّ عبدٍ نصيبٌ من الطاعة؟ مكتوب كم مرةً ستَحُجّ إلى بيت الله؟ رزقنا الله الحجَّ إلى بيت الله الحرام كم مرة؟ رزقنا الله زيارةَ النبيّ عليه الصلاة والسلام كم مرةً ستزورُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم؟ مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿وعنده أم الكتاب﴾
﴿وإن مَّا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب(40)﴾
وإن شَرطِيّة وما مُؤَكِّدَة فأُدغِمَتا للتأكيد
﴿ وقال ﴿بعض الذي نعدهم أو نتوفينك﴾ لأنه مهما طال العمر لن يرى كلَّ ما يحصل معناه وكيفما دارت الحال أرَيناكَ مصارِعَهُم وما وعدناهم من إنزالِ العذابِ عليهم أو تَوَفَّيناكَ قبلَ ذلك قد ترى ما ترى من المصارِع من الوعد حصل، وعدُ الله بفتحِ مكة وحصل غيرُ ذلك ويوجد أشياء ما حصلت
أليس قال عليه الصلاة والسلام: “لتُفتَحَنَّ القُسطنطينيّة ولَنِعمَ الجيشُ ذلك الجيش ولَنِعمَ الأميرُ ذلك الأمير” رواه الإمامُ أحمد في مُسنَدِه
ومتى كان فتحُ القُسطنطينية إسطنبول بعد كم سنة ثمانمائة سنة من إخبارِه عليه الصلاة والسلام
﴿وإن مَّا نرينك بعض الذي نعده أو نتوفينك﴾ ولكن كيفما دارَ الأمر وهذا هو المراد فإنما عليك البلاغ وهذه أيضا تنسجم مع ما قبلَها الثبات على الطاعة ماذا عليك؟ البلاغ قد لا يستجيب لك إلا قليل من الناس إذا كان هذا الخطاب لنبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام
﴿فإنما عليك البلاغ﴾ فما يجبُ عليك إلا تبليغُ الرسالةِ فحَسْب
﴿وعلينا الحساب﴾ وعلينا حسابُهم وجزاؤهم على أعمالِهم لا عليكَ فلا يُهِمَّنَّكَ أي يا محمّد صلى الله عليه وسلّم إعراضُهم ولا تستعجل بعذابِهم.