بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ (41) وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (42) وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ(43) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على نبيّنا محمّد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب بحكمه وهو سريع الحساب(41)﴾
﴿أولم يروا أنّا نأتي الأرض﴾ أرضَ الكَفَرَة
﴿ننقصها من أطرافها﴾ بما نفتحُ على المسلمين من بلادِهم فنَنْقُصُ دارَ الحرب ونزيدُ في دارِ الإسلام وذلك من آياتِ النُّصرَةِ والغَلَبَة
والمعنى عليكَ البلاغُ الذي حمَلتَهُ ولا تَهتَمَّ بما وراءَ ذلك فنحنُ نَكفيكَهُ ونُتِمُّ ما وعدناك من النُّصرَةِ والظَّفَر
تجارةٌ من الله عزَّ وجلّ للمؤمنين عندما نزَلَت هذه الآيات بل عندما نزَلَ القرآنُ الكريم على رسولِنا صلى الله عليه وسلّم أكثرُ بلادِ الدنيا ما كان قد دخلها الإسلام هاجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم من مكةَ إلى المدينة وبعث عليه الصلاة والسلام بعضَ الرسائل وجاءته بعضٌ من وفودِ العرب ولكن أكثرُ بلادِ الدنيا ما دخلتها بعدُ في ذلك الوقت دعوةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم أرضُ الشام التي نحن فيها ومِصر والعراق وفارس والصين وما وراء الصين وبَلخ ،وما وراء نهرِ بَلخ أكثرُ بلادِ الدنيا ما كان دخلها الإسلام بل عندما بُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أي عندما نزَلَ عليه الوحيُ بالنبوّة ما كان على وجهِ الأرض مسلمٌ غيرُه صلى الله عليه وسلّم لأن آخرَ واحد مات على التوحيد قبل البِعثَةِ المُحمّدية بخمسِ سنين وهو زَيد بنُ عمرو بن نُفَيل بعد ذلك ما كان بقيَ أحد أما نبيُّنا عليه الصلاة والسلام كالأنبياء
الأنبياءُ كلُّهم من أوّلِ نشأتِهم حتى قبل أن يُنَبَّأُوا وقبل أن ينزِلَ عليهم الوحيُ بالنبوّة عارفونَ بالله مؤمنون ليس منهم مَن يعبدُ صنمًا أو وثنًا أما قولُ الحقِّ سبحانه ﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾ معناه ما كان عندَكَ تفاصيلُ الشريعة فعَلَّمَكَ الله وهذا ليس فيه الوصف للنبيّ عليه الصلاة والسلام بالضلالة فلما بُعِثَ عليه الصلاة والسلام ما كان على وجهِ الأرضِ مسلمٌ غيرُه ثم صار عليه الصلاة والسلام امتِثالًا لأمر الله ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين﴾ فصار يطوفُ في المَواسم ويقول:
“أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا” فأُوذِيَ عليه الصلاة والسلام أذىً شديدًا وكان عليه الصلاة والسلام في مكة ثم يأتي بعضٌ من بعضِ قبائلِ العرب إلى مكة فيسمع ثم يرجِعُ إلى قومِهِ فيُسلِمُ مَن أراد الله سبحانه وتعالى له أن يكونَ من أصحابِ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام ومن أهلِ الإسلام ثم في نحوِ أربعٍ وعشرين سنة من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم أي من وفاتِه وصل الإسلام إلى بحرِ الصين في أقصى الشرق وإذا طَنجَة في أقصى الغرب في أربع وعشرين سنة إلى الصين وإلى طنجة ورُقعةُ الإسلام تزداد
فكانت هذه البشارة التي جاءت في كتاب الله تعالى
﴿ ننقُصُهَا من أطْرَافِهَا﴾ فَتُنقَصُ أَرْضُ الْكَفَرَةَ ويُؤَدّ لرُقعةِ دولة الإسلام
هذه البشارة كانت تتحقق شيئًا فشيئًا ودولةُ الإسلام تتسع ويزداد مَن يدخلُ في الإسلام ويدخل دينُ الله تعالى أراضٍ جديدة ما كان قد دخلها من قبل وجزى الله نبيَّنا عليه الصلاة والسلام عنّا خيرًا فكم جاهدَ في سبيل الله وليُعلِّمَنا عليه الصلاة والسلام أن طريقَنا طريقُ الجهادِ في سبيل الله وأن هذه الدعوة المحمّدية لا بدّ لها ممَّن يُضَحّي لها وأن هذه الدعوةَ أيضًا منصورةٌ بإذن الله ما أحوَجَ الأُمّةَ الإسلامية اليوم أن تقفَ عندَ هذه الآية كم فيها من الأمل لهذه الأُمّة أنّ دينَ محمّدٍ منصورٌ بإذن الله
فائدة :
كانت أراضٍ تحت حُكمِ الكفار فتُنقَصُ هذه الأرض ويدخلها المسلمون فاتحين تارةً بالجهاد بالسنان وتارةً بالجهاد بالبَيان فتنتشرُ هذه الدعوة أما رسولُنا صلى الله عليه وسلّم
فقد كان عددُ الغَزَوات التي غزاها عليه الصلاة والسلام بنفسِه أي خرج فيها عليه الصلاة والسلام سبعًا وعشرين غزوة في بعض الروايات تسعة وعشرين هذه التي خرج فيها بنفسِه عليه الصلاة والسلام فغزا أما مجموعُ البُعوثِ والسرايا مما سِوى الغَزَوات بلغَت الستين، غَزَوات نحو السبعة وعشرين أو تسعة وعشرين والبُعوث والسرايا نحوَ الستين وكل ذلك في تلك السنواتِ المباركة من حياةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، ما الفرق بين البُعوث والسّرايا والغَزَوات؟
ما لَم يخرج النبيّ عليه الصلاة والسلام بنفسِه فيُعَدُّ من البُعوث والسرايا وما خرج عليه الصلاة والسلام بنفسِه فهذا يُعَدُّ من الغَزَوات ،هذه البُعوث والسرايا التي بلغت نحوَ السّتين في حياتِه عليه الصلاة والسلام إذا كان العدد الذي أرسله النبيُّ عليه الصلاة والسلام دون المائة بَعث هذا يكون بعثًا ثم فوق ذلك السَّرِيَّة وفوق ذلك أيضًا الهيضة وفوق ذلك الجيش وفوق ذلك ما يُقال له العَرَمرَم أو الخميس إذا كان جيشًا ضخمًا فكان عليه الصلاة والسلام مما قاله: “خيرُ الأصحابِ أربعة وخيرُ السّرايا أربعُمائة وخيرُ الجيوش أربعة آلاف”
فكان عليه الصلاة والسلام قد سيَّرَ كثيرا من البُعوث والسّرايا بعضُها كان عدد نحوُ الخمسين بعضُها كان أكثرَ من ذلك ثم إذا انتقلنا إلى غَزَواتِه عليه الصلاة والسلام فكذلك كانت حياتُه عليه الصلاة والسلام مليئةً بالجهاد في سبيل الله يخرجُ عليه الصلاة والسلام بنفسِه فيغزو فمن بَدر إلى أُحُد إلى الخندق إلى أن جاء فتحُ مكة وإلى حُمَيد وإلى الطائف وتبوك كلُّ هذه الغَزَوات التي كانت في حياةِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم جهادًا في سبيل الله وإعلاءً للا إله إلا الله محمد رسول الله يوم دخل الناسُ في دين الله أفواجًا في يومِ فتحِ مكة وعندَها القبائل التي في الطائف هَوازِن قالوا لا نتركُ الأمرَ لمحمّد وقد فُتِحَت له مكة فبدأوا بتجهيز الجيش للهجومِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في مكة فبادر عليه الصلاة والسلام فخرج فكانت غزوةُ حُنَين فكُسِروا أي المشركون كسَرَهم الله تعالى ثم الفُلولُ التي كانت منهم فَرَّت إلى حصنٍ ضخمٍ جدًّا في الطائف كان يوجد له باب ضخم وسور ضخم حصن كبير والطائف كما ذُكِرَ لكم من قبل إن أردتَ من مكة أن تصعدَ إلى الطائف فأنت تصعدُ جبلًا يعني هذا الصعود ليس سهلًا فجيشُ النبّي عليه الصلاة والسلام إذًا من مكة إلى حُنَين ثم إلى حصنِ الطائف في حصنِ طائف كانت قد اجتمعت فُلولُ المشركين وتحزَّبوا هناك وتحصّنوا هناك فلما سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم إليهم وهذا الحصن كان قويًا جدًّا كان سلمانُ الفارسيّ رضي الله عنه قال:
يا رسول الله لماذا لا نصنعُ المَنجَنيق ونضرِبُهُم به؟ فكان أول مَنجَنيق الإسلام فصُنِعَ
قال: فإننا في بلادِنا كنا نعملُ المَنجَنيقات في بلادِنا وهذا حصنٌ ضخم وكانت غَيبَةُ النبيّ عليه الصلاة والسلام عن المدينة قد طالَت يعني من وقتِ خروجِه عليه الصلاة والسلام أكثر من شهرين غياب عن حاضِرَةِ الدنيا في ذلك الوقت ودُرَّتها المدينة المنورة وكم سيطول الأمر هناك فَصُنِعَ هذا المَنجَنيق ثم قُدِّمَ ثم صنعَ المسلمون دبّابتَين ليست هذه التي الآن لكن شيء يعملونَه في ذلك الوقت يتحصّنونَ تحتَه بحيث أنّ الدبابةَ تمشي وهم تحتَها فأرادوا الوصولَ بهذه الدبّابة في السور لأجلِ أن يحفُروا انظروا هِمَّة أصحابِ النبيّ عليه الصلاة والسلام المشركون في أعلى الحصن يستعدّون يُطلِقونَ السِّهام على مَن ينتشر قام واحد من المشركين قال نحنُ لا نسقط لمحمّد لا نترك جلابيبَ محمّد وبينما هو كذلك فوق ينتظر أن يُصيبَ أحدًا من المسلمين فدعا عليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام فأطلقَ عليه واحد من المسلمين فأصابه فقَتَلَه، تقدّمت هذه الدبابات والمَنجنيق وعندها هؤلاء المشركون ماذا فعلوا؟ جلبوا سِكَكَ الحديد وجعلوها كأنها كرات من النار حِمَم من النار لأجل إحراقِ هذه الدّبابات التي تحتَها الصحابة الذين يتقدّمون لأجل أن يقتربوا ليحفُروا هذا السور فلما اقترب المسلمون نزلَت عليهِم تلك الكُرات التي من النار فاحترقَت واحترقَ بعضٌ من أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام تحتَها ولما اشتعلت فيها النار مَن كان تحتَها من الصحابة ولم يحترق خرج حتى لا يحترق وحتى يصلَ إلى ذلك السور ليحفرَ فيه فَجوةً وأما المَنجنيق فكان بدَأَ في العمل لأجلِ إحداثِ ثَغرَةٍ في هذا السّور وهكذا حتى تمَّ النصرُ بإذن الله تعالى لرسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ودخل الإسلام إلى الطائف وإلى تلك القبائل وانتشر الإسلام ومضت تلك الغَزَوات والفتوحات ومن زمنِ النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر الفاروق رضي الله عنه إلى عثمانَ بنِ عفان رضي الله عنه إلى عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله تعالى عنه واستمرت رُقعة الدولةِ الإسلامية تتوسَّع ويتحققُ ما جاء من البشارة في القرآن الكريم ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ فهذا هو المعنى تقِلُّ رُقعَةُ الكفر وتتوسّعُ رُقعةُ الإسلام
وذَكَرَ بعضٌ من أكابر العلماء في الرَّدِّ على مَن يقول بأن معنى هذه الآية أنّ الأرض بسببِ بعضِ العوامل لا تزال تصغُر تصغُر قال هذا كان من زمن السلف قال لو كان الأمرُ كما يقولون لما وَجَدتَ لنفسِك مكانًا تجلسُ به لو كان الأرض باستمرار أنها تَنقُص وتَنقصُ وتَنقُص كما يقولون بسبب العوامل وغير ذلك ما كنتَ تجدُ مكانًا تجلسُ به ولكنّ هذا النُّقصانَ إنما هو نُقصانٌ في أرضِ الكَفَرَة وتَوَسُّعٌ وانتشارٌ في رُقعةِ الإسلام
فالحمد لله الذي حققَ البِشارة ونشر الإسلام وإن كنا اليومَ في ضيقٍ شديد وإن كانت بعضُ أراضينا مغتصَبَة فإن هذه البِشارة لابدّ أن تتحقّق والأرضُ المغتصَبَة لابدّ أن ترجِع والقدس والأقصى وفلسطين لابدّ أن ترجِع هذا عندَنا يقين فيه لابدّ أن ترجِع ولابد بإذن الله عزَّ وجلّ مع كلِّ ما يشهدُ المسلمون اليوم من الضّيق وخصوصًا ما يشهدُهُ أهلُ السُّنّة والجماعة من الضيق لابدّ أن ينتشرَ الإسلام وأن تقوى هذه الدعوةُ المحمّديّة وأن يملأَ علمُ أهلِ السُّنّة والجماعة علمُ الحقّ ودعوةُ الحقّ لابدّ أن تملأَ الدنيا لذلك صدق مَن قال: وراءَكَ يا رسولَ الله نمضي فَرق بين الذي يمشي خلفَ رسولِ الله والذي يمشي خلفَ غيرِه وراءَكَ يا رسولَ الله نمضي ويَتبَعُ صفَّنا بالمجدِ صَفُّ على رغمِ المُعاندِ والمُعادي لواءُ محمّدٍ أبدًا يرِفُّ، أنتَ خلفَ محمّد عليه الصلاة والسلام ارفع رأسَك أنتَ مسلم أنت محمّديّ دينُكَ الإسلام ربُّكَ الله نبيُّكَ محمّد عليه الصلاة والسلام مشايِخُك سنَدُهُم إلى الأئمّةِ الأربعة أنتَ من أهلِ السُّنّة والجماعة احمَدِ الله وارفع رأسَك فأنت تمضي ولعلَّكَ من جملةِ ما تتحققُ البِشارة في هذه الآية على يديه بدعوَةٍ دَعَوْتَها في أرض فأدخَلتَ الإسلامَ إليها في حَيّ في قرية في مدينة في أرض بعيدة أو في أرض قريبة معَنا بعضُ الإخوة يسمعوا الآن ممَّن حضروا من الصين كانوا يُعَلِّمونَ هذا العلم في الصين ويتَعَلَّمُ خَلقٌ كثير يتعلموا هذا العلم، الله يُعَجِّل لنا بالفرَج ويشرح صدورَنا بأن نرى هذه الدعوة تقوى وتنتشر أكثر وهذا حُكمُ الله
﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾ لا رادَّ لحكمه والمُعَقِّبُ الذي يَكِرُّ على الشيءِ فيُبطِلُه النَّصُّ
﴿أي لا رادَّ لحُكمِ الله لو اجتمع مَن اجتمع من أهلِ الأرض لأجل هذا لن يستطيعوا قد يضرِبُ الله الكافرين بالكافرين ليجعلَ نورَ الفرجِ للمسلمين ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾ لا رادَّ لحُكمِه،
إذًا المُعَقِّبُ الذي يَكِرُّ على الشيء فيُبطِلُه وحقيقتُه الذي يعقُبُه أي يُقَفِّيه أي بالرَّدِّ والإبطال
ومنه قيل لصاحبِ الحقِّ مُعَقِّب لماذا؟ لأنه يُقَفِّي غريمَهُ بالابتغاء والطلب يذهب إلى القضاء يقول الحَق أنت هنا فيكون مُعَقِّبًا له والمعنى أنه أي الله سبحانه وتعالى حَكَمَ للإسلام بالغَلَبَةِ والإقبال وعلى الكُفرِ بالإدبارِ والانتِكاس، مُت مسلمًا ولا تبالي الحُكم بالغَلَبَة للمسلمين لا تنظروا كما ينظرُ البعض يقول نحن عالَم ثالث نحن مُتَخَلِّفون بل وبعضُهم صار إلى غَرَض الذَّم هذا من الفساد يقول عرب عرب على وجه الذّم، عرب؟ نعم نحنُ عرب النبيّ عربيّ الأعاجم كانوا يتمنَّونَ أن يجدوا شخصًا عربيًّا يقول أنتم نبيُّكم نبيُّكم من العرب نبيُّنا عليه الصلاة والسلام
العربُ الذين كانوا به عزَّةُ الإسلام نحن من العرب نحنُ أُمّة محمّد لسنا أُمّة مُتَخَلِّفَة لا تنظر إلى حالِنا من حيثُ ما هو يُصنَع من الِّلباس والسلاح والطائرات والسيارات وغير ذلك لا تنظر يا أخي ليست هذه النظرة الخير لكلِّ الدنيا بدعوةِ الإسلام الذي نحمِلُها فلا نكون نحن أُمّةٌ مُتَخَلِّفَة ولا ينبغي أن يُزرَعَ في نفوس شبابِنا إذا أردوا أن يقتدوا بشىء بلِباسٍ ما فيأخذونَ من الأعاجم وإذا أردوا هَيئةً ما فمن الأعاجم وإذا أردوا اسمًا من الأسماء يأخذون من الأعاجم وماذا سينفعُكُم هؤلاء الأعاجم هل سيرضَونَ عنكم؟ كونوا خلفَ رسولِ الله الذي جاءنا بهذا الكتاب الحُكمُ من الله سبحانه وتعالى للإسلام من غَلَبَة إذًا نحن نقف ونحن على يقين أننا منتصرون وهذا مهم أن يبقى مزروع فينا لا يبغي أن ننظرَ لأنفسِنا وكأنّنا أُمّة مهزومة أعداء الإسلام هم من يريد أن يتربى أبناؤنا أُمّة مهزومة ماذا تريدون من هذه البلاد هاجِروا منها لماذا تهاجِرونَ منها لماذا؟ اثبتوا في أرضكم إذا كنا نحن في أرضِ الشام أرضُ الأنبياء لا ينبغي أن ننسى هذا أكثرُ الوحي كان هنا امكثوا في هذه الأرض وربّوا أبناءَكم عليها وانصُروا الدّين تخرج الدعوة من هنا تملأُ الدنيا بإذن الله
﴿والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب﴾ فعَمّا قليل يحاسبُهُم في الآخرة بعدَ عذابِ الدنيا
وهؤلاء الذين قد حَكَمَ الحقُّ سبحانه وتعالى عليه بالانتكاس والهزيمة الدائرة عليهم فهم نقول لهم عاجلًا أم آجلًا إن شاء الله نرى بأعيُنِنا هزيمَتُهم وإن لم نرَها نحن فنقول لأبنائنا لعلّكم أنتم، وغير هذا العذاب والعقوبة العاجلة عقوبةُ الآخرة الله سريع الحساب وماذا عن حالِ هؤلاء الذين يصِلونَ الليلَ بالنهار وهم يمكرونَ للمسلمين انظروا في ختام هذه الآيات من السورة الكريمة من هذه البِشارة التي ينبغي أن لا ننسى هذه الآية وأنا آسف لعلّكَ تسألُ كثيرًا فلا يحفظون هذه الآية ولا يعرِفون معناها وهم يستبطِؤونَ الفرج ويستبطؤونَ النصر ومتى هو؟ البِشارةُ في كتاب الله عزَّ وجلّ وعن هؤلاء الكفار الله يقولُ فيه
﴿وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعًا﴾
مَكَرَ الذين من قبلهم أي كفارُ الأُمَمِ الخالية يعني هذا الخطاب كان للنبيّ عليه الصلاة والسلام كم لَقِيَ عليه الصلاة والسلام من المَكر فذُكِرَ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام كم كان من مَكر الأُمَم الخالية أي كفارُ الأُمَمِ الخالية بالأنبياء والمَكر معناه إرادةُ المكروه في خُفيَة ثم جعل مَكرَهُم كلا مَكر بالإضافة إلى مَكرِه مَكرُ الله على معنى أنّ الله يُجازي الماكِرينَ على مَكرِهِم وإن ذَكَرتُم ﴿وهو شديد المحال﴾ المُمَاحَلَة أن يَرُدُّ مَكرَ الكفار تقدَّمَ هذا معنا نجد في سورة الرعد في عدة آيات سبحان الله كل سورة تجدُ فيها أسرارًا فهذه السورة كم كان فيها من ما هو في رَدِّ المَكر ولذلك حتى كما تقدَّم تجد من نفسِ آياتِ سورة الرعد ما هو للحِفظِ ورَدِّ المَكرِ بإذن الله
﴿وقد مكر الذين من قبلهم﴾ لكن مَكرُهم كلا مَكر بالإضافة إلى مكره فقال
﴿فلله المكر جميعًا﴾ وما تفسيرُ ذلك ثم فَسَّرَ ذلك بقولِه
﴿يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار(42)﴾
وفي قراءة ﴿وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار﴾ ﴿فلله المكر جميعا﴾ معناه إذا كان هؤلاء يمكرون ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم مَكرَهم
عندما كان يجتمع أربعون شابًّا جَلدًا نَسيبًا حسيبًا قويًّا يجتمعون حول بيتِ النبيّ عليه الصلاة والسلام في مكة ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ كانوا هم أرادوا قتلَ النبيّ عليه الصلاة والسلام بضربةِ رجلٍ واحد قالوا حتى يتفرَّقَ دمُه في القبائل الله كان عالمًا بتدبيرِهم فأرسل جبريل فأعلمَ محمّدًا عليه الصلاة والسلام وهم يدّبرون ما يدبّرون وذلك العنكبوت في جبل النور أو في غار ثَور وتلك الحمامة في غار ثور وهم يدبّرون ما يدبّرون فالله تعالى يعلمُ ما تَكسِبُ كلُّ نفس وهذا أبلغُ في رد مَكرهِم وسيعلمُ الكفارُ لمَن عُقبى الدار يعني العاقِبَةَ المَحمودة لأن مَن عَلِمَ ما تَكسِبُ كلُّ نفسٍ وأعَدَّ لها جزاءَها فهو المَكرُ كلُّه أي فهو المَكرُ كلُّه أي مُجازاتُهم على مِكرِهِم
هذا ليس اسمًا لله والماكر ليس اسمًا لله المَكرُ هنا معناه مجازاة الماكِرينَ على مَكرِهِم لماذا؟ لأنه يأتيهم من حيثُ لا يعلمون وهم في غَفلةٍ عما يُرادُ بهم، الله سبحانه وتعالى عالِمٌ بعلمِه الأزليّ الأبديّ بالكفار وبمَكرِ الكفار وما يكونُ منهم إلى نهايةِ هذه الدنيا والله سبحانه وتعالى أقدَرُ على مجازاةِ الماكرينَ على مَكرِهِم، بلغنا الآيةَ الأخيرة من السورة الكريمة
﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومَن عندَهُ علم الكتاب(43)﴾
وفيه قراءة ﴿ومِن عِندِهِ علمُ الكتاب﴾ ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا﴾ المراد بهم كعبُ بنُ الأشرَف ورؤساءُ اليهود
مع أنهم عرَفوا وَصفَ نبيّنا عليه الصلاة والسلام ورأَوا منه العلامات وهم مَن كان يُبَشِّرُ به قبل أن يُبعثَ عليه الصلاة والسلام وقبل أن يأتيَ إلى المدينة قالوا لست مرسلًا كذّبوه
ولهذا قال عطاء وهذا قَول هذه السورة تكون مكيّة أم مدنيّة؟ مكيّة ولكن عندَ الحديث عن كعب بنِ الأشرف ورؤساء اليهود انتقلنا إلى الكلام في الغالِب عن المدينة لذلك عطاء قال هي مكيّة إلى هذه الآية وبعضُهم قال لا هي كلُّها مكيّة حتى هذه الآية ولكُلٍّ جوابُهُ
﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم﴾ حسبيَ الله بما أظهرَ من الأدلةِ على رسالتي يكفيني الله الله أظهرَ محمّدًا صلى الله عليه وسلّم وأظهرَ رسالتَه فبعد ذلك كذَّبَهُ عليه الصلاة والسلام مَن كَذَّبَهُ لا يضُرُّهُ ﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم﴾ وفي أيضًا شىء آخَر
﴿ومَن عنده علم الكتاب﴾ قيل هو الله عزَّ وجل الذي عندَه علمُ الكتاب وعلى هذا ما هو الكتاب؟ والكتابُ اللوحُ المحفوظ ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ واستدَلَّ بعضُهم إذًا فمعنى الكتاب هنا اللوح المحفوظ بقراءة دليلُه قراءةُ مَن قرأ ﴿مِن عِندِه علمُ الكتاب﴾ يعني مِن لَدُنْهُ علمُ الكتاب بل وبعضُهم قال عُلِمَ الكتاب وكلُّ هذه من القراءة ﴿ومِن عِندِهِ علم الكتاب﴾ أي ومن لَدُنهُ علمُ الكتاب لماذا؟ لأنّ عِلمَ مَن عَلِمَه من فِضلِه ولُطفِه
وقيل ﴿ومَن عِندَهُ علم الكتاب﴾ قيل المرادُ بذلك ومَن هو من علماءِ أهلِ الكتاب الذين أسلَموا لأنهم يشهَدونَ بنَعتِهِ عليه الصلاة والسلام في كتُبِهِم
وقال ابنُ سَلام أعني حبرَ اليهود الذي أسلَم وكان اسمُهُ الحصَين فسماهُ عليه الصلاة والسلام عبدَ الله وبشَّرَه بالجنّة قال ابنُ سلام أي عبدُ الله بنُ سلام فِيَّ نزَلت هذه الآية فقالوا ﴿ومَن عِندَهُ علم الكتاب﴾ عبدُ الله بنُ سلام
وقيل ﴿ومَن عِندَهُ علم الكتاب﴾ هو جبريلُ عليه والسلام
قصة مؤثرة:
وقد ختمنا مع ذِكرِ مَن عِندَهُ علمُ الكتاب ونزَلت فيه عبدُ الله بنُ سلام رضي الله عنه كان له قصةٌ مؤثرة في إسلامه عبدُ الله بنُ سلام رضي الله عنه كان قبلَ إسلامِه حبرًا عالِمًا من علماء اليهود وأبوه كان كذلك وكان الحصَين بنُ سلام ذَكرتُ اسمَه قبل أن يُسلِمَ كان يفتِّشُ في الكتب وفي الأوراق التي بين أيديهِم فوجد وَصَف نبيِّ آخِرِ الزمان أنه محمّد عليه الصلاة والسلام قرأ عن نَعتِه وعن صِفَتِه وكان هو وغيرُه من أحبار اليهود يُبَشِّرونَ بقُدومِ نبيِّ آخرِ الزمان الذي وَصفُه كذا وكذا وهو نبيٌّ عربيّ فلما كانت بِعثَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم صار الحصَين بنُ سلام يتتبعُ الأخبار ماذا يتحقَّقُ من الأوصاف في هذا الذي ظهر في مكة فيجدُ الأوصافَ واحدَةً واحدة وطال شَوقُ هذا الحَبر للقاءِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام فلما كانت هجرةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة، الناس عَلِموا أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في الطريقِ إليهِم وكان قد فَشا الإسلام وانتشر بالأمصار فالناس منهم مَن صَعِدَ إلى شجر مرتفع وهو ينظر يرتَقِبُ دخولَ النبيّ عليه الصلاة والسلام وكان دخولُه عليه الصلاة والسلام أوّلَ ما دخل في قُباء حيث بنى أوَّلَ مسجدٍ أُسِّسَ على التقوى وهو مسجدُ قُباء وكان دخولُه عليه الصلاة والسلام ثاني عشر من شهرِ ربيعٍ الأوّل يعني يوم مَولِد النبيّ عليه الصلاة والسلام وكان في جُملَةِ مَن كان على الشجرة في ناحِية هذا الحصَين بنُ سلام فلما رأى من بعيد رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وكم كانت هَيبَةُ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام وجمالُه فليس قلنا أنه عليه الصلاة والسلام أجملُ البشر وأجملُ حتى من يوسف عليه الصلاة والسلام لكنّه جمالٌ ممزوجٌ بهَيبَة لدرجة أنّ البعضَ أحيانًا كان فقط يصِل عندَ النبيّ عليه الصلاة والسلام يراه يكون في نِيَّتِهَ أن يَقتُلَه فلما يراه يقول أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنّ محمّدًا رسول الله فأيَّ هَيبَةٍ تتَغَشَّاهُ عليه الصلاة والسلام فهذا الحصَين من فَوق الشجرة شجرة نخل رأى النبيَّ عليه الصلاة والسلام معه الصِّدِّيق أبو بكر وكان تحت الشجرة عمَّةُ الحصَين اسمُها خالدة بنتُ الحارث وإذ بالحصَين من أعلى الشجرة يقول الله أكبر الله أكبر ما تمالَكَ نفسَه بعد لم يُكَلِّم النبيّ فقط هو رأى النبيَّ عليه الصلاة والسلام صار يُكَبِّر الله أكبر الله أكبر فعَمَّتُه تحت قالت له: فيمَ هذا؟ فقال لها: هذا محمّد قَدِم قالت له: خيَّبَك الله لو كان موسى بنُ عمران ما كنتَ ستصنعُ له أكثر من الذي صنعت قال: إنه أخو موسى وإنه على دينه أي دينُهم واحد وهو الإسلام نزل الحصَين الآن هو في شَوقٍ كبير ذهب مسرعًا إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام أوّل حديث سمِعَه من النبيّ عليه الصلاة والسلام:
“أفشُوا السلام وأطعِموا الطعام وصلّوا بالليل والناسُ نِيام تدخُلوا الجنّةَ بسلام” هو يقترب من النبيّ عليه الصلاة والسلام رسولُنا كان فورًا بدأ يُعَلِّم فكان أوّلَ ما سمِعَهُ من النبيّ عليه الصلاة والسلام هذا، وصار يَرقُبُ في العلامات فقال: والله هذا وجهٌ لا يكذِب ليس هذا بالوجهِ الذي يكونُ منه كَذِب اقترب من النبيّ قرَّبَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم فيقول الحصَين: كنتُ قد وجدتُ كلَّ العلامات علاماتِ نبيِّ آخرِ الزمان في رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم لكن بقيَ أن أسألَه ثلاثةَ أسئلة لا يُجيبُ عنها إلا نبيّ فسألَه سألَه عن أوّلِ طعامِ أهلِ الجنّة سألَه عن أوّلِ أشراطِ الساعة سألَه ما بالُ الولد يَنزِعُ أحيانا إلى أبيه ويَنزِعُ أحيانًا إلى أُمِّه فلما أجابَهُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام عَلِمَ يقينًا أنّ هذا هو رسولُ الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: “ما اسمُكَ؟” قال: الحصَين قال: “أنت عبدُ الله” وصار اسمُه عبدُ الله بنُ سلام ﴿ومَن عِندَه علم الكتاب﴾ ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا مُعَقِّبَ لحكمه وهو سريع الحساب﴾
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينصر هذا الدين وأن ينصر الإسلام والمسلمين.