المُحْتَوَيَات
- مُقَدِّمَةٌ
- تَعْرِيفُ التَّصَوُّفِ
- حَقِيقَةُ التَّصَوُّفِ وَغَايَتُهُ
- أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي التَّصَوُّفِ
- التَّصَوُّفُ وَاتِّبَاعُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
- انْحِرَافَاتُ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ
- فَضْلُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِمْ
مُقَدِّمَةٌ
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ التَّصَوُّفَ جَلِيلُ القَدْرِ، عَظِيمُ النَّفْعِ، أَنْوَارُهُ لَامِعَةٌ، وَثِمَارُهُ يَانِعَةٌ؛ فَهُوَ يُزَكِّي النَّفْسَ مِنَ الدَّنَسِ، وَيُطَهِّرُ الأَنْفَاسَ مِنَ الأَرْجَاسِ، وَيُوَصِّلُ الإِنْسَانَ إِلَى مَرْضَاةِ الرَّحْمَنِ.
وخُلاصَتُهُ: اتِّبَاعُ شَرْعِ اللَّهِ، وَتَسْلِيمُ الأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ، وَالاِلْتِجَاءُ فِي كُلِّ الشُّءُونِ إِلَيْهِ، مَعَ الرِّضَا بِالمُقَدَّرِ، مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ لِوَاجِبٍ، وَلَا مُقَارَبَةٍ لِمَحْظُورٍ.
تَعْرِيفُ التَّصَوُّفِ
قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ:
«التَّصَوُّفُ الجِدُّ فِي السُّلُوكِ إِلَى مَلِكِ المُلوكِ».
وَقِيلَ: «التَّصَوُّفُ المُوَافَقَةُ لِلْحَقِّ».
وَقِيلَ: «إِنَّمَا سُمِّيَتِ الصُّوفِيَّةُ صُوفِيَّةً لِصَفَاءِ أَسْرَارِهَا، وَنَقَاءِ آثَارِهَا».
وَقَالَ بَشْرُ بْنُ الحَارِثِ:
«الصُّوفِيُّ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ لِلَّهِ».
حَقِيقَةُ التَّصَوُّفِ وَغَايَتُهُ
إِنَّ حَقِيقَةَ التَّصَوُّفِ هِيَ اِتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ، وَالعَمَلُ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ، وَمُخَالَفَةُ الهَوَى.
وَقَدْ قَالَ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ الجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
«مَا أَخَذْنَا التَّصَوُّفَ عَنِ القَالِ وَالقِيلِ، وَلَكِنْ عَنِ الجُوعِ، وَتَرْكِ الدُّنْيَا، وَقَطْعِ المَأْلُوفَاتِ وَالمُسْتَحْسَنَاتِ؛ فَإِنَّ التَّصَوُّفَ هُوَ صَفَاءُ المُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، وَأَصْلُهُ العُزُوفُ عَنِ الدُّنْيَا».
وَلَيْسَ التَّصَوُّفُ لُبْسَ الصُّوفِ وَالخَشِنِ مِنَ الثِّيَابِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ الخَوْفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيلِ.
أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي التَّصَوُّفِ
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
«الصُّوفِيُّ هُوَ الفَقِيهُ العَامِلُ بِعِلْمِهِ».
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّوْذَبَارِيُّ:
«مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ عَلَى الصَّفَا، وَكَانَتِ الدُّنْيَا مِنْهُ عَلَى القَفَا، وَسَلَكَ مَنْهَاجَ المُصْطَفَى ﷺ».
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ:
«الصُّوفِيُّ مَنْ صَفَا عَنِ الكَدَرِ، وَامْتَلَأَ مِنَ الفِكْرِ، وَاسْتَوَى عِنْدَهُ الذَّهَبُ وَالمَدَرُ».
التَّصَوُّفُ وَاتِّبَاعُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
قَالَ الجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
«طَرِيقُنَا هَذَا مَضْبُوطٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِذِ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ مَسْدُودٌ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا عَلَى المُقْتَفِينَ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
وَقَالَ سَهْلُ التُّسْتَرِيُّ:
«أُصُولُ مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةٌ: الاِقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَالأَكْلُ مِنَ الحَلَالِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَفْعَال».
وَقَالَ أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«كُلُّ طَرِيقَةٍ تُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ فَهِيَ زِنْدَقَةٌ».
انْحِرَافَاتُ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ
قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الجُهَّالِ أَنَّ مُجَرَّدَ الانْتِسَابِ لِطَرِيقَةٍ صُوفِيَّةٍ يُمَكِّنُهُ مِنَ الوُصُولِ، فَيُهْمِلُ تَعَلُّمَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَقَعُ فِي البدعِ وَالخُرَافَات، وَيَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الأَسْرَارِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا أَهْلُ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِم قَوْلُ الإِمَامِ الرِّفَاعِيِّ:
«كُلُّ حَقِيقَةٍ رَدَّتْهَا الشَّرِيعَةُ فَهِيَ زِنْدَقَةٌ».
فَضْلُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِمْ
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي شَأْنِ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ:
«لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ».
وَدَخَلَ فِي طَرِيقِ القَوْمِ جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ كَالْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَالإِمَامِ الغَزَالِيِّ، وَالإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ الصَّلَاحِ، وَغَيْرِهِم رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
خِتَامٌ
فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَتَوَقَّى السَّيْرَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّ أَمْرٍ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ البِدَعَ القَوْلِيَّةَ وَالفِعْلِيَّةَ، فَإِنَّ التَّصَوُّفَ الحَقِيقِيَّ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالشَّرِيعَةِ وَتَزْكِيَةُ النَّفْس، وَالاقْتِدَاءُ المُحَمَّدِيُّ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ.