﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)﴾
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾
وفرضنا على اليهود في التوراة
﴿أَنَّ النَّفْسَ﴾
مأخوذة ﴿بِالنَّفْسِ﴾ مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق
﴿وَالْعَيْنَ﴾ مفقوءة ﴿بِالْعَيْنِ﴾
﴿وَالأَنفَ﴾ مجدوع ﴿بِالأَنفِ﴾
﴿وَالأُذُنَ﴾ مقطوعة ﴿بِالأُذُنِ﴾
يقال: الأذُن ويقال: الأذْن بسكون الذال وضمها، هما لغتان كما يقال: السحْت والسحُت بتسكين الحاء وبضمها وأذْن وأذُن لغتان.
تفصيل: القاتل يقتل فهذا قصاص إلا إن عفا أولياء الدم، فقأ عينًا تُفقأ عينه، جدع أنفًا يُجدع أنفه، قطع أُذنًا تقطع أذنه، قلع سنًّا يُقلع سِنُّه، جرح وصل إلى الجراحة التي يقال لها الموضحة فيقتص ذلك بالمثل، هذا حكم شرع الله عز وجل.
﴿وَالسِّنَّ﴾مقلوعة ﴿بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه القصاص يعني الشيء الذي فيه القصاص يفعل بهذا الفاعل كالذي فعل وإلا فحكومة عدلٍ أي إذا كان شيء لا يمكن فيه القصاص فحكومة عدل.
حكومة عدل أي هنا يقدر فيما لو كان عبدًا كم تكون قيمته قبل هذه العلة؟ وكم تصير بعدها؟ فيعطى ما يقابل مقدار النقصان من الدية.
مثال: يعني عبد في هذه العلة كم قيمته؟ بدون هذه العلة كم القيمة؟ وكم تصير بعدها؟ فيعطى ما يقابل مقدار النقصان من الدية ودور الحكومة عندما يكون شيء لا يمكن فيه القصاص فحكومة عدلٍ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت)
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾
من أصحاب الحق
﴿بِهِ﴾ بالقصاص وعفا عنه
﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾
فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه قال عليه السلام: “من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولدته أمه” كان له أن يقتص لكنه عفا كان كفارة له من يوم ولدته أمه هذا الحديث رواه سعيد بن منصور وابن جرير.
يعني الذي يستوفي القصاص أحد أصحاب الحق.
فإن واحد قتل مسلما يستوفي القصاص أحد أصحاب الحق، واحد منهم يتفقون عليه هو يستوفي فإن اختلفوا، أقرع بينهم أي يعمل بينهم قرعة.
ثم انتبهوا لهذه ومن وجب له القصاص مجموعة أولياء الدم وجب لهم القصاص لم يجز له أن يقص بغير إذن السلطان أو بغير حضوره، إما أنه حاضر أو أذن وإلا تصير فوضى.
ولا يجوز الاقتصاص من الحامل حتى تضع، ومن قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف وإن حرقه أو غرَّقه أو رماه بحجر أو من شاهق فمات أو ضربه بخشبة أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات، للولي أن يقتص منه بهذه الأشياء. وهذا من العدل الذي في الإسلام و الدليل فيما رواه البيهقي في السنن الكبرى من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من غرق أغرقناه ومن حرق حرقناه” على حسب ما فيه النفس بالنفس العين بالعين الأنف بالأنف الأذن بالأذن السن بالسن والجروح قصاص.
قال الشافعي رحمه الله: (القصاص فيما دون النفس شيئان، جرح يستوفى وطرف يقطع) وشرائط وجوب قصاص النفس اثنان هما:
– الشرط الأول: أن يكون القاتل ملتزمًا بالأحكام فلا قود يعني لا قصاص على صبي أو مجنون أو حربي فأتلف ثم أسلم، فإذا أسلم الحربي لا يقتص منه.
– الشرط الثاني: أن يكون مكافئًا للقتيل حال الجناية بأن لم يفضله بإسلام أو أمان أو حرية، يعني قالوا: لا يقتل مسلم بذمي أو حر بغيره.
أما شرائط وجوب القصاص في الأطراف، زيادة على الشرائط المذكورة في قصاص النفس اثنان:
- الشرط الأول: الاشتراك في الاسم الخاص للطرف المقطوع، يعني قالوا: في الاسم والمحل.الاسم يعني قطع يد بيد، أما المحل قطع له يمينه اقطعوا له يمينه، يمنى بيمنى و يسرى بيسرى وحينئذ فلا تقطع يمنى بيسرى ولا عكسه.
- الشرط الثاني: ألا يكون بأحد الطرفين شلل، يعني لا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء.
مثال: واحد قطع يد مشلولة من الثاني، لا يقطع له بالقصاص يده الصحيحة لذلك قال: لا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء.
الشلاء هي: التي لا عمل لها.
أما الشلاء فتقطع بالصحيحة على المشهور إلا أن يقول عدلان من أهل الخبرة إن الشلاء إذا قطعت لا ينقطع الدم بل تنفتح أفواه العروق ولا تنسد بالحسم بالقطع.
ولأن القصاص في النفس إنما جُعِل لحفظ النفس، وهذا موجود فيما دون النفس إذا ثبت هذا فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم ويد المرأة بيد المرأة وهذا إجماع.
وهل تقطع يد المرأة بيد الرجل؟ نعم تقطع وتقطع يد المرأة بيد الرجل ويد الرجل بيد المرأة هذا القدر على الأطراف.
أما الجروح قسمها العلماء فقالوا: الجروح ضربان جروح في الرأس والوجه، وجروح فيما سواهما من البدن.
الشافعي رحمه الله قال في الأم: (لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج) لأن المماثلة فيها في الموضحة ممكنة من غير حيف أي جور وظلم. فالقصاص يكون بالموضحة فما فوق ليس فما دون وعلى هذا التفصيل:
فأما الجروح في الرأس والوجه فتسمى الشجاج يقول لك شُجَّ في رأسه، هذه الجروح في الرأس والوجه عددها عشرة، قال الشافعي: هي عشرٌ أولها الحارصة وهي التي تكشط الجلد كشط لا يدمي، وجاءت من حرص القصار الثوب إذا كشط درنه ووسخه هذه أول واحدة اسمها الحارصة.
الثانية الدامية يعني كشطت الجلد وخرج منها الدم، وبعدها الباضعة التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد، وبعدها المتلاحمة ومثال ذلك أن يأتي أحدهم بحديدة ويدخلها في وجه أو في رأس فهذه تكون غاصت في اللحم نزلت في اللحم فتسمى المتلاحمة وبعد المتلاحمة، السمحاق وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم وهذه الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم يقال لها: السمحاق، بعدها الموضحة وهي التي أوضحت العظم وكشفت عنه.
وبعدها الهاشمة وهي التي هشمت العظم، ويليها المنقلة، قال الشيخ أبو حامد: لها تأويلان المنقلة أحدهما أن تنقل العظم من موضع إلى موضع وذلك من قوة الضربة، والثاني أنه في تداويه لا بد من إخراج شيء من العظم منه بعدها، المأمومة وتسمى الآمَّة وهي التي قطعت العظم وبلغت إلى قشرة دقيقة فوق الدماغ، بعدها الدامغة يعني بلغت إلى الدماغ، إذا ثبت هذا فإن الشافعي رحمه الله قال في الأم: (لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج) لأن المماثلة فيها في الموضحة ممكنة من غير حيف أي جور وظلم. قالوا: فتقدر الموضحة بالطول والعرض ويعلم عليها بخيط أو بسواد ولا يعتبر العمق لأنه سيصل إلى العظم، قد يختلف هذا العمق، أما الهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص في الموضحة منها، وليس له أن يقتص فيما زاد عليها، قال: لأن كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه لأنه يخاف في الحيف واتلاف النفس.
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فينظر فيها فإن وصلت إلى عظم وجب فيها القصاص لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف فهي كالموضحة في الرأس والوجه وإن كانت الجراحة جائفة أي جراحة تصل إلى الجوف من البطن أو الصدر أو ثغرة النحر أو الوريد، أو كسرت عظمًا لم يجب القصاص فيها لأنه لا يمكن المماثلة فيها ويخاف فيها الحيف.
وأما الأطراف فيجب القصاص في كل ما ينتهي منها إلى مَفصِل، قال تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ولأنها تنتهي إلى مفصل فكل عضو أُخذ أي قطع من مفصل كمرفق وكوع فيه القصاص وما لا مفصل فيه لا قصاص فيه.
إذا ثبت هذا فتأخذ العين الصحيحة بالصحيحة والقائمة بالقائمة وهي التي ذهب ضوءها وبقيت حدقتها، ولا تأخذ الصحيحة بالقائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن تأخذ القائمة بالصحيحة لأنه يأخذ أقل من حقه باختياره، ويأخذ الجفن بالجفن والأنف بالأنف والمنخر بالمنخر و المنخرهو ثقب الأنف والحاجز بينهما بالحاجز والأذن بالأذن وفي الشفتين القود.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45)﴾
بالامتناع عن ذلك
﴿وَقَفَّيْنَا﴾
معنى قفيت الشيء بالشيء جعلته في أثره كأنه جُعل في قفاه يقال: قفاه يقفوه إذا تبعه ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾
على آثار النبيين الذين أسلموا
﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾
هو حال من عيسى
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ﴾
أي ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ﴾ ثابتًا ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا﴾فنُصِب مصدقا بالعطف على ثابتًا الذي تعلَّق به فيه وقام مقامه فيه وارتفع هُدى ونور بثابتا الذي قام مقامه فيه
﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾
انتصبا على الحال أي هاديًا وواعِظًا
﴿لِلْمُتَّقِينَ (46)﴾
لأنهم ينتفعون به
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾
وقلنا لهم احكموا بموجَبه فاللامُ الأمر وأصله الكسر وإنما سُكِّن استثقالًا لفتحة وكسرة وفتحة وليحكم بكسر اللام وفتح الميم حمزة على أنها لامُ كي أي وقفينا ليؤمنوا وليحكم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47)﴾
الخارجون عن الطاعة، قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: (يجوز أن يُحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرًا ظالمًا فاسقًا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله)
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾
أي القرآن فحرف التعريف فيه للعهد هنا
﴿بِالْحَقِّ﴾
بسبب الحق وإثباته وتبين الصواب من الخطأ
﴿مُصَدِّقًا﴾
حال من الْكِتَابَ
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
لما تقدمه نزولًا وإنما قيل لما قبل الشيء هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه
﴿مِنْ الْكِتَابِ﴾
المراد به جنس الكتب، جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
وشاهدا لأنه يشهد له بالصحة والثبات
نقول: القرآن مهيمن على الكتب السماوية ولا نقول ناسخ لها لأن الكتب السماوية فيها توحيد وفيها حكم ومواعظ، فلا نقول القرآن ناسخ لهذه الكتب السماوية بل نقول القرآن مهيمن عليها. فالذي جاء في القرآن هو تصديق لما جاء في الكتب التي قبل القرآن الكريم والكتب السماوية كلها ليس فيها اختلاف في التوحيد أو في العقيدة لأنه كما قلنا دين الأنبياء جميعًا واحد وهو الإسلام إنما الاختلاف في الشرائع أي في بعض الأحكام.
مثال: في كل الشرائع كان يوجد صلاة لكن اختلفت التفاصيل واختلف كذلك العدد فيها، الزكاة أيضًا اختلف التفصيل فيها لكن كان كذلك زكاة في شرائع قبل شريعة النبي عليه الصلاة والسلام، فالقرآن الكريم فيه تصديق للكتب المنزلة على الأنبياء قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هنا في قوله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ﴾ عندما قال لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ال هذه جنسية ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ﴾ من الكتاب أي جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾
أي بما في القرآن
﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ﴾
نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتمادًا على قولهم ضمنًا ولا تتبع معنًا ولا تنحرف فلذا عُدِّيَ بعن فكأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم أو التقدير عادلًا عما جاءك
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾
أيها الناس
﴿شِرْعَةً﴾ شريعة
﴿وَمِنْهَاجًا﴾ وطريقًا واضحًا
ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام، ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام، ثم إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وبيّن أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به لذلك قال ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ من الذي جعل؟ الله سبحانه وتعالى أفبعد حكم الله؟ أنبغي حكمًا بعد حكم الله؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؟ فقال في الأول ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ وفي الثاني ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ﴾ وفي الثالث ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
جماعة متفقة على شريعة واحدة
﴿وَلَكِنْ﴾أراد
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾
ليعاملكم معاملة المُختَبِر
﴿فِيمَا آتَاكُمْ﴾
من الشرائع المختلفة فتعبد كل أمة بما اقتضته الحكمة
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به، وكيف يفوت وقت السباق؟ بالموت فإذا حان الأجل وإذا صارت الروح في طريقها للخروج ثم صارت مترددة في الحلقوم ثم صارت في مرحلة الغرغرة ثم خرجت هذه الروح فات الوقت.
تفصيل: يعني لو أراد الله تعالى أن يجعل كل الأمم على شريعة واحدة لفعل لكن الله تعالى عليم خبير جعل شريعة لموسى، وشريعة لعيسى، جعل شريعة لآدم عليه السلام، جعل شريعة لنوح عليه السلام، جعل شريعة لإبراهيم عليه السلام وهكذا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ متفقة على شريعة واحدة ﴿لَكِنْ﴾ أراد ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم فكل أمة على حسب حكمة الله بما هو من حكمة الله عز وجل جعل لهذه الأمة شريعة ولهذه الأمة شريعة وفي هذا اختبار من الله سبحانه وتعالى والله هو الذي خلق الخلق وهو سبحانه أعلم بخلقه فهو الحكيم سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾
استئناف في معنى التعليم لاستباق الخيرات جميعًا حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير إليه ترجعون
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)﴾
فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل، حتى قدر الصؤابة أي بيضة البرغوث حتى المخيط أي الإبرة، حتى الشيء القليل أحصاه الله عز وجل ويكون عليه السؤال في يوم القيامة.