﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)﴾
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾
بدلٌ أو عطف بيان أو جَعَل بمعنى خلق
﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾
أي انتعاشًا لهم في أمر دينهم ونهوضًا إلى أغراضهم في معاشهم ومعادهم لما يُتِمُّ لهم من أمر حجِّهم وعمرتهم وأنواع منافعهم قيل لو تركوه عامًّا لم يُنظَروا ولم يؤَخَّروا
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾
والشهرَ الذي يؤدي فيه الحجُّ وهو ذو الحجة لأن في اختصاصِه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنًا قد علمه الله، أو أُريد به جنسُ الأشهر الحرم وهو رجبٌ وذو القعدة وذو الحجة والمحرم
﴿وَالْهَدْيَ﴾
ما يُهدى إلى مكة
﴿وَالْقَلائِدَ﴾
والمُقَلَّدَ منه خصوصًا وهو البُدن فالثوابُ فيه أكثر وبهاءُ الحج معه أظهر
﴿ذَلِكَ﴾
إشارةٌ إلى جعل الكعبة قيامًا أو إلى ما ذُكر من حفظ حرمةِ الإحرامِ بترك الصيد وغيره
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)﴾
أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم
فائدة: ذُكِرت لفظةُ الكعبة في كتاب الله عزَّ وجلّ في موضعين في هذه السورة الكريمة في سورة المائدة، أما لفظة البيت جاء في غيرها، فجاء في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي غيرها، وسمي البيتُ بالكعبة لتكعُّبِه أي تربعه والعرب تسمي كل بيت مربع كعبةً، أو وجهٌ آخر في سبب تسمية الكعبة سمي بذلك أي البيت سمي الكعبة لعلوِّه وارتفاعه من الأرض أو لانفراده من البناء.
ومن بركات الكعبة ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكعبة محفوفةٌ بسبعين ألفَ ملك يستغفرون الله لمن طاف بها” ما دام يطوف بالبيت يستغفر اللهَ له سبعون ألف ولي من أولياء الله وهم الملائكة، فجعلها الله تعالى ﴿لِلنَّاسِ﴾ انتعاشًا في أمر دينهم وفي معادهم وحتى في معايشهم وهذا الشهر الحرام الذي يؤدى فيه الحج ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾تقدمت معنا في أوائل سورة المائدة، البدن التي يسوقونها معهم في طريقهم إلى مكة لتذبح هناك ويقلدون بعضًا منها لتكون علامات حتى لا تختلط بغيرها، تكونَ خاصة يقدمونها قربةً إلى الله سبحانه وتعالى.
هذا كله الذي ذُكر مع الذي ذكر في حفظ حرمة الإحرام وما جاء في أوائل سورة المائدة من التأكيد على عدم التعرضِ للآمِّين البيتَ الحرام وكل ذلك والله تعالى بكل شيء عليم، معناه في ذلك عبرة الله عزَّ وجلّ يعلم مصالحَ ما في السماوات وما في الأرض واعلموا أن لا مصلحةَ لنا في معصية الله.
فالذي يقول أنا أريد أن أدور وراء مصلحتي معناه وراء ما يوافق أمرَ ربي عزَّ وجلّ ليست المصلحة فيما فيه مخالفةٌ لأمر الله، أعداء الدين من اليهود وغيرهم لا يعملون بشيء فيه مصلحة نقول يعملون لمآربهم وغاياتهم الخبيثة وليس للمصلحة.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
لمن استخف بالحرم والإحرام
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
الله سبحانه وتعالى أعلم بنا من أنفسنا وأرحم بنا من أنفسنا
الله لا يخفى عليه شيء، عِلم الله لا يتغير، لا يزيد لا ينقص ولا يتبدل، علم الله أزلي أبدي كسائر صفات الله الأزلية الأبدية، فالله أعلم بمصالح العباد.
قد تم البلاغ وقد علِمنا وبلغنا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ثم علمنا ما يسر الله تعالى لنا من تعلِّم ما افترض الله تعالى علينا، فالحجةُ علينا إن عصينا ربَّنا.
هذه الكعبة ملاذ في هذه الأرض وهذا قبر محمد عليه الصلاة والسلام وهذه المدينة وهذه أحبُّ البلاد إلى الله المساجد وهذه مجالس العلم قال شيخنا رحمه الله: (لو كشف الله تعالى عما في مجالس العلم من الرحمات والبركات ما تركتم مجلسًا واحدًا).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾
تشديد في إيجابِ القيامِ بما أُمِر به وأن الرسولَ قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)﴾
فلا يخفى عليه نفاقُكم ووِفاقكم
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾
لما أخبر أنه يعلم ما يبدون وما يكتمون، ذكر أنه لا يستوي خبيثُهم وطيبُهم بل يُمَيَّزُ بينهما فيعاقبُ الخبيثَ أي الكافرَ ويثيب الطيبَ أي المسلم.
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
يقول هنا لا يستوي خبيثُهم وطيبهم فيقول هنا:الخبيث الكافر والطيب المسلم، ثم يذكر أيضًا ويقول إن هذا عام في حلال المال وحرامِه فالحلال طيب والحرام خبيث، أيضًا قال صالح العمل طيب وطالحه خبيث، جيد الناس طيب ورديء الناس خبيث.
فإذا كان الله عزَّ وجلّ يقول ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ فبعد ذلك كيف يأتي الناس فيقولون أنا لا أفرق والكل واحد؟ الكل؟ الخبيث كالطيب؟ أنت تقول ذلك ولكن الله يقول ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ لا يستوي الطيب والخبيث، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، لا يستوي المسلم والمجرم، لا يستوي الصالح والطالح.
العبرة بتقوى الله سبحانه وتعالى فما كان على تقوى الله فهو الطيب وما كان على خلاف ما يُرضي الله فهو الخبيث ولو أعجبك، فلا تلتفت الى الخبيث وكثرته انظر إلى الطيب وإن قلَّ هذا الطيب، الطيب طيب والخبيث خبيث.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
وآثِروا الطيب وإن قلَّ على الخبيث وإن كَثُر، وقيل هو عامُّ في حلال المال وحرامِه وصالح العمل وطالحِه وجيدِ الناس ورديئِهِم
﴿يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾
أي العقول الخالصة
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)﴾
﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء﴾
كانوا يسألون النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ امتحانًا.
قال الخليل وسيبويه وجمهورُ البِّصريين أصلُه شيئاء بهمزتين بينهما ألف وهي فَعلاءُ من لفظ شيء وهمزتُها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كحمراء، وهي مفردةٌ لفظًا جمعٌ معنى، ولما استُثقِلَت الهمزتان المجتمعتان قُدِّمَت الأولى التي هي لامُ الكلمة فجُعِلَت قبل الشين فصار وزنُها لَفعاء، فلذلك بدل أن يقولوا شيئاء يقولون أشياء، والجملة الشرطية والمعطوفة عليها
﴿إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾
أي قولُه :﴿إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ صفةٌ لأشياء.
ومعناه: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسولُ بين أظهُرِكم تُبدَ لكم تلك التكاليفُ التي تسوؤكم أي تغمُّكم وتشق عليكم وتؤمَرون بتحمُّلِها فتعرِّضون أنفسَكم لغضب الله بالتفريط فيها.
في مصالح الشريعة كان هناك في الأحكام تدرج، فبعض الأشياء ما جاء تحريمها أول بعثة النبيّ عليه الصلاة والسلام بل ويوجد أحكام ما ذكرت إلا في المدينة المنورة فكان هناك تدرج، فمعناه لا تتعجلوا، الله أعلم بمصالح العباد.
ثم بعضُ الأشياء كانت في الشرائع التي قبلنا ثم نُسِخ الحكم فيها، نتكلم عن الأحكام أما العقيدة ما فيها نسخ الأخبار ما فيها نسخ لأن عقيدة الأنبياء جميعًا واحدة ودينهم واحد جميعًا وهو الإسلام، ففي هذه الأحكام كان هناك تدرج ما جاءت الأحكام جملةً واحدة إنما كان فيها تدرج لأن الله أعلم بعباده وأعلم سبحانه وتعالى بمصالح العباد.
فكان التنبيه لهم لا تتعجلوا ما يأتيكم من النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى هذا القدر خذوه ثم بعد ذلك ماذا يوحى به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوه، تقديمُ هذا وتأخيرُه نسخ هذا وإثباتُ هذا، كل ذلك الله أعلم بمصالح العباد لذلك قدم بأن الله عليم خبير أن الله أعلم بمصالح العباد فلا تعجلوا.
﴿عفا الله عنها﴾
عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها،
﴿والله غفور حليم(101)﴾
لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
﴿قد سألها﴾
الضمير لا يرجع إلى أشياء حتى يُعَدَّى بعن بل يرجع إلى المسألة التي دلت عليها لا تسألوا، أي قد سأل هذه المسألة
﴿قوم من قبلكم﴾
من الأولين
﴿ثم أصبحوا بها﴾
صاروا بسببها
﴿كافرين(102)﴾
كما عُرف في بني إسرائيل
﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾
كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقةُ خمسةَ أبطُنٍ آخرُها ذكرٌ بحَروا أذنَها أي شقّوها وامتنعوا من رُكوبها وذبحها ولا تُطرَد عن ماءٍ ولا مرعى واسمُها البحيرة.
ومعنى ﴿ماجعل الله﴾ أي ما شرع ذلك ولا أمر به يعني هذا ليس من أمر الله، إنما من أمر الجاهلية هذه البحيرة والسائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وقيل كان الرجل إذا أعتق عبدًا قال هو سائبة فلا عقلَ بينهما ولا ميراث، وكانت الشاةُ إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابعُ ذكرًا أكله الرجال وإن كان أنثى أُرسِلَت في الغنم وكذا إن كان ذكرًا وأنثى، وقالوا وصلت أخاها فالوصيلة بمعنى الواصلة، وإذا نتَجت من صلب الفحل عشرةَ أبطنٍ قالوا قد حمى ظهرَه فلا يُركَب ولا يُحمَل عليه ولا يُمنَع من ماء ولا مرعى.
وكان يقول الرجل إذا قدِمتُ من سفري أو بَرِئتُ من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.
أما في شرعنا الحنيف فانظروا بعدما ذَكر في أول سورة المائدة و الآيات التي سبقت ذكر الهدي والقلائد ما يساق من البدن إلى الكعبة الشريفة ليذبح ويوزع لوجه الله تعالى، ثم انظروا ما كان في شرعنا بفضل الله تعالى العقيقة والأضحية فتطعم من هذا الطعام،هذا كان من أمر الإسلام.
﴿ولكن الذين كفروا﴾
بتحريمهم ما حرّموا
﴿يفترون على الله الكذب﴾
في نسبتهم هذا التحريم إليه
﴿وأكثرهم لا يعقلون(103)﴾
أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامُّهم
﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول﴾
أي هلُمُّوا إلى حكم الله ورسوله أي وخذوا الحكمَ على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على عادات الجاهلية بأن هذه الأشياءَ غيرُ محرمة، معناه لا تأخذوا هذه الأحكام من عادات الجاهلية.
﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾
أي كافينا ذلك، ﴿حسبنا﴾ مبتدأ والخبر ﴿ما وجدنا﴾، وما بمعنى الذي
﴿أولو كان آباؤهم﴾
الواو للحال، قد دخلت عليها همزةُ الانكار وتقديرُه أحَسبُهُم ذلك ولو كان آباؤهم
﴿لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون(104)﴾
أي الاقتداءُ إنما يصح بالعالِم المهتدي وإنما يُعرَف اهتداؤه بالحجة.
قال النووي رحمه الله: (لا يجوز استفتاءُ غيرِ الثقة)، فمن أراد أن يسأل عن علم الدين أو يطلب علم الدين فعليه بعالم ورع شفيق ناصح له في أمر دينه، إن أردت النجاة بمن تقتدي؟ تقتدي بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام، ومن دلك على رسول الله من علّمك ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا المهتدي فبِه اقتد، ومن أبعدك عن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا شيطان رجيم إن تبعته هلكت، فإذا أردت حكمًا دينيًّا أو أردت مسألة شرعية كما أنت متحرٍّ في طعامك ومتحرٍّ في غذائك ومتحرٍّ في ثيابك فمن باب أولى يا عباد الله أن نتحرى في أمر الدين وأن نعرف من أين نأخذ هذا العلم، ولذلك كما في مقدمة صحيح مسلم عن محمد بن سيرين (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم).
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾
انتصب أنفسَكم بعليكم، وهو من أسماء الأفعال، أي الزموا إصلاحَ أنفسِكم، والكاف والميم في عليكم في موضع جر لأن اسمَ الفعلِ هو الجارُّ والمجرورُ لا على وحدها
﴿لا يضركم﴾
رُفِع على الاستئناف أو جُزِم على جواب الأمر، وإنما ضُمَّت الراءُ اتباعًا لضمة الضاد
﴿من ضل إذا اهتديتم﴾
كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرةً على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم: عليكم أنفسَكم وما كُلِّفتُم من إصلاحها لا يضركم الضلالُ عن دينكم إذا كنتم مهتدين، وليس المرادُ تركَ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تركَهما مع القدرة عليهما لا يجوز.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيْتُمْ﴾
بعض الناس يُنزِل هذه الآية في غير منزلها فيقول: أليس أنا تعلمت ما لي والآخرين، لو رأيتُ منكرًا لو رأيت خطأ لو رأيت خللًا ما لي بهذا؟ أنا قمت بالشيء الذي هو عندي ما لي والآخرين؟
بعضهم يتوهم من الآية أن الإنسان إذا فعل ما أُمِر به وترك ما نُهي عنه في نفسه ورأى غيره بضد ذلك فلم يأمر ولم ينه لا حرج عليه، ليس الأمركذلك. أما المعنى أن تثبت على ما اهتديت فإن أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فخالفك من خالفك فلا يضرك ذلك، ابق أنت ثابتًا على طاعة الله ولو كنت فردًا وحيدًا.
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيْتُمْ﴾ قال أبو بكر وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم الله بعقاب منه” رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.
وفي عبارة لسلطان الزمان الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله قال: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدم أجلًا ولا يؤخر رزقًا)، رزقك يأتيك و يطلبك كما يطلبك أجلك، معناه اثبت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿إلى الله مرجعكم جميعًا﴾
رجوعكم
﴿فينبئكم بما كنتم تعملون(105)﴾
ثم يجزيكم على أعمالكم
في هذه السورة الكريمة تكرر ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لبيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن هذا فيه حياة الإسلام و فيه نصرة دين الله تعالى لأن ترك الأمر بالمعروف وترك النهي عن المنكر هذا سبب لنزول الغضب من الله والسخط من الله سبحانه وتعالى على الأرض على البلاد وعلى العباد.
هذه السورة عظيمة جدًّا مر فيها الكثير من الأحكام في كفارة اليمين و في بعض أحكام الصيد للمُحرم وماذا يترتب عليه، فيها أشياء تتعلق بالكعبة الشريفة وبالمناسك وفيها شيء كثير جدًّا يتعلق بدين الأنبياء وأن دين الأنبياء هو الإسلام و هذه السورة الكريمة من أكثر السور التي جاء فيها الرد على من نسب إلى الله تعالى الولد، ففيها توحيد الله سبحانه وتعالى .
﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان﴾
في نزول هذه الآية روي: أنه خرج بديلٌ مولى عمرِو بن العاص وكان من المهاجرين مع عَدِي وتميم وكانا نصرانيين إلى الشام فمرض بديل وكتب كتابًا فيهما معه وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعَه إلى أهله ومات ففتشا متاعه فأخذا إناءًا من فضة فأصاب أهلُ بديلٍ الصحيفةَ فطالبوهما بالإناء فجحداه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ارتفع اثنان لأنه خبرُ المبتدأ وهو شهادةُ، بتقدير ﴿شهادةُ بينِكم﴾ شهادةُ اثنين، أو لأنه فاعلُ ﴿شهادةُ بينِكم﴾ أي فيما فُرِض عليكم أن يشهدَ اثنان، واتسع في بينَ فأضيف إليه المصدر، و﴿إذا حضر﴾ ظرفٌ للشهادة، و﴿حين الوصية﴾ بدلٌ منه وفي إبدالِه منه دليلٌ على وجوب الوصية لأن حضورَ الموت من الأمور الكائنة، لكن هذا له ضوابطه يُعرَف في كتاب الوصية، و﴿حين الوصية﴾ بدلٌ منه فيدل على وجوب الوصية ولو وُجِدَت بدون الاختيار لسقط الابتلاء فنُقِل إلى الوجوب، وحضورُ الموت مشارفتُه وظهورُ أماراتِ بلوغِ الأجل
﴿ذوا عدل﴾
صفةٌ لاثنان
﴿منكم﴾
من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت
﴿أو آخران﴾
عطفٌ على اثنان
﴿من غيركم﴾
من الأجانب
﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾
سافرتم فيها، وأنتم فاعلُ فعلٍ يفسره الظاهر
﴿فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما﴾
تقفونَهما للحلف، هو استئنافُ كلام أو صفةٌ لقوله أو ﴿آخران من غيركم﴾، أو أي أو آخران من غيركم محبوسان، و﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ اعتراضٌ بين الصفة والموصوف.
كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كلما أراد أن يخرج من البيت يوصي زوجته وصية الذي كأنه لن يرجع إلى بيته، وحقيقةً لا يدري الواحد منا متى يأتيه الأجل قد تخرج من البيت احرص في سفر قريب أو سفر بعيد أو خروج قد لا ترجع فلا تخرج ظالمًا، لا تخرج عاصيًا قد لا ترجع، فكانوا كثيرًا ما يوصون.
﴿من بعد الصلاة﴾
من بعد صلاة العصر لأنه وقتُ اجتماع الناس، وعن الحسن رحمه الله بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما، يعني إذا كان عندهم خصومة كانوا عادةً يجتمعون بعد العصر مثل مجلس القضاء.
وفي حديث بديلٍ أنها لما نزلت صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم صلاةَ العصر ودعا بعَديٍّ وتميم، ثم وُجِد الإناءَ بمكة، فسألوا من أين هذا الإناء؟ قالوا: اشتريناه من تميمٍ وعدي.
﴿فيقسمان بالله﴾
فيحلفان به
﴿إن ارتبتم﴾
شككتم في أمانتِهما وهو اعتراضٌ بين يُقسِمان وجوابُه وهو
﴿لا نشتري﴾
وجوابُ الشرط محذوفٌ أغنى عنه معنى الكلام والتقدير إن ارتبتم في شأنهما فحلِّفوهما
﴿به﴾
بالله أو بالقسم
﴿ثمنًا﴾
عِوَضًا من الدنيا
﴿ولو كان﴾
أي المُقسَمُ له
﴿ذا قربى﴾
أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريبًا منا
﴿ولا نكتم شهادة الله﴾
أي الشهادةَ التي أمر الله بحفظها وتعظيمها
﴿إنا إذًا﴾
إن كتمنا
﴿لمن الآثمين(106)﴾
﴿فإن عثر﴾
فإن اطُّلِعَ
﴿على أنهما استحقا إثمًا﴾
فعلى ما أَوجبَ إثمًا واستوجَبا أن يقال إنهما لمن الآثمين
﴿فآخران﴾
فشاهدان آخران
﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم﴾
أي من الذين استحق عليهم الإثم ومعناه من الذين جُنِيَ عليهم وهم أهلُ الميت وعشيرتُه، وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانةُ الرجلين حلف رجلان من ورثته إنه إناءُ صاحبِهما وأن شهادتَهما أحقُّ من شهادتِهما
﴿الأولَيان﴾
الأحقان بالشهادة لقرابتِهما أو معرفتهما وارتفاعهما على هما الأولَيان كأنه قيل ومَن هما؟ فقيل الأولَيان، أو هما بدلٌ من الضمير في ﴿يقومان﴾ أو من آخران استحق عليهم، ﴿الأولَيان﴾ حفصٌ، أي من الورثة الذين استحق عليهم الأولَيان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويُظهِروا بهما كذبَ الكاذبين، ﴿الأوَّلَين﴾ حمزة وأبو بكر، على أنه وصفٌ للذين استحق عليهم مجرورٌ أو منصوبٌ على المدح، وسُمُّوا أوَّلَين لأنهم كانوا أوَّلَين في الذكر في قوله ﴿شهادة بينكم﴾،
﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾
أي ليمينُنا أحقُّ بالقَبول من يمين هذين الوصيَّين الخائنين
﴿وما اعتدينا﴾
وما تجاوزنا الحقَّ في يميننا
﴿إنا إذًا لمن الظالمين(107)﴾
أي إن حلَفنا كاذبين
﴿ذلك﴾
الذي مر ذكرُه من بيان الحكم
﴿أدنى﴾
أقربُ
﴿أن يأتوا﴾
أي الشهداءُ على نحو تلك الحادثة
﴿بالشهادة على وجهها﴾
كما حملوها بلا خيانةٍ فيها
﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾
أي تُكَرَّرُ أيمانُ شهودٍ آخرين بعد أيمانهم فيُفتَضَحوا بظهور كذِبِهم
فإن قلتَ ما معنى أو هنا؟ قلتُ معناه ذلك أقربُ من أن يؤدوا الشهادةَ بالحق والصدق إما لله أو لخوف العار والافتضاحِ برد الأيمان، وقد احتجَّ به من يرى ردَّ اليمينِ على المدعي والجوابُ أن الورثةَ قد ادَّعوا على النصرانيَّين أنهما قد اختانا فحلفا فلما ظهر كذبُهما ادعيا الشراءَ فيما كتما، فأنكرت الورثةُ فكانت اليمينُ على الورثة لإنكارهما الشراء.
﴿واتقوا الله﴾
في الخيانة واليمين الكاذبة
﴿واسمعوا﴾
سمْعَ قَبولٍ وإجابة
﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين(108)﴾
الخارجين عن الطاعة.
من الأحكام التي أُخذت من هذه القصة وما ذُكر في الأقضية والشهادات، استُفيدت عدةُ أحكام في الوصية شيء وفي الشهادات وفي الأقضية شيء:
إذا ادّعى رجلٌ على رجلٍ حقًّا وقال لي حق عند فلان، ذهب إلى القاضي، قال له: أنا لي حق عند فلان، فأنكره ذاك المُدَّعى عليه، فهنا من الذي يُطالَب بالبينة؟ البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر.
فقالوا إذا ادعى رجل على رجل حقًّا فأنكره ولم يكن للمُدعي بينةٌ فإن كان ذلك في غير الدم لأن الدم له أحكام وخاصة وكان الحق كان لذاتٍ لمُعَيَّن ولا نتكلم عن شيء لعموم المسلمين يعني كان مثلًا في حق من الحقوق المالية، في هذه الحال يُطلَب من المدَّعى عليه اليمين بأن يحلف بالله، يقال له احلف بالله ذاك ما له حق عندك، فإن نَكَلَ عن اليمين أي ما رضي أن يحلف، فهنا يرجع القاضي على المدعي فإن حلف استحقّه، القاضي يحكم له بحقه.
﴿يوم﴾
منصوبٌ باذكروا أو احذروا
﴿يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾
ما الذي أجابتكم به أممُكم حين دعوتموهم إلى الإيمان، وهذا السؤال توبيخٌ لمن أنكركم، وماذا منصوبٌ بأُجِبتُم، نَصْبَ المصدر على معنى أيَّ إجابةٍ أُجِبتُم.
﴿قالوا لا علم لنا﴾
بإخلاصِ قومِنا دليلُه: ﴿إنك أنت علام الغيوب(109)﴾
أو بما أحدثوا بعدنا، دليلُه كنتَ أنت الرقيبَ عليهم، أو قالوا ذلك تأدُبًا أي علمُنا ساقطٌ مع علمِك ومغمورٌ به فكأنه لا علمَ لنا