﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)﴾
﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾
اللغوُ في اليمين عند الشافعي رحمه الله: ما يجري على اللسان بلا قصد.
مثال: لم يقصد أن يحلف بالله عزَّ وجلّ، وقال: والله لأفعلن، يعني كسبق اللسان هذا لا مؤاخذةَ فيه ولا يترتب عليه الكفارة ولا يكون عليه إثم لأن الله عزَّ وجلّ قال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ معناه لا مؤاخذةَ فيما جرى من الحلف على اللسان بلا قصدٍ من غير أن يقصد الحلف بالله عزَّ وجلّ لكن جرى على لسانه هذا اللفظ فهذا لا مؤاخذة فيه.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾
وهنا تفسير ذلك عند الحنفية عندما في قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ يخرج به اللغوُ في اليمين الساقطُ الذي لا يتعلق به حكمٌ وهو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنه كذلك وليس كما ظن، قيل له فعلت كذا؟ قال: والله فعلت، هو عندما حلف بالله عزَّ وجلّ كان يظن أنه يقول الحق لا يريد أن يكذب، قال: والله فعلت، هو كان يظن أن الأمرَ كذلك والأمر ليس كذلك، لكن هو كان يظن الأمرَ هكذا هذا لا مؤاخذة فيه.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ يعني إذا حنثتم، حلف بالله أن يفعل ثم حنث ما فعل ماذا يترتب عليه؟ الكفارة، فكفارتُه أي فكفارة نكثِه أو فكفارة معقودِ الأيمان، والكفارةُ الفَعلَةُ التي من شأنها أن تُكَفِّر الخطيئة أي تسترُها إطعامُ عشرة مساكين هو أن يغديَهم ويعشيهم ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك وهو لكل أحدٍ نصفُ صاع من بُرٍّ أو صاعٌ من شعيرٍ أو صاعٌ من تمرٍ، وعند الشافعي رحمه الله مُدٌّ لكل مسكين.
وإذًا معناه ﴿يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ معناه إذا كان هو يعلم أن الأمر على خلاف ما يحلف بالله عليه ومع ذلك حلف بالله عليه هذا يكون فيه مؤاخذة فيكون وقع في الكذب بل يكون وقع في اليمين الغموس، لذلك قال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾.
وعند الشافعي رحمه الله القصدُ بالقلب والمعنى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ﴾ إذا حنِثتم فحذف وقتَ المؤاخذةِ لأنه كان معلومًا عندَهم أو بنكث ما عقّدتم فحُذِف المضافُ، فعند الإمام الشافعي رحمه الله ﴿عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ أي قصدتم بالقلب معنى ذلك ﴿يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ يعني يؤاخذكم بما عقّدتم إذا حنثتم قصَد هذا، ثم حنِث عندما حلف بالله كان يقصد الحلف بالله عزَّ وجلّ ليس عن سبق لسان، قال: والله لأفطرن غدًا في مكان كذا ثم حنث، هو حلف على شيء مباح ثم حنث ليس عليه معصية ولكن ماذا يكون عليه إذا حنث؟ الكفارة، ثم إذا كان حلف على فعل شيء ووجد ما هو خيرٌ منه فالأفضل له أن يحنث في هذه الحال، بل لو واحد حلف بالله ليسمعن الموسيقى يجب عليه أن لا يسمع الموسيقى ويُكفِّر عن يمينه بالتفصيل الذي هو مذكور عند الفقهاء.
ثم هنا يدخل فيما ذكرنا عند الشافعي اليمين الغموس فإنها مقصودة ومعنى ذلك اليمين الغموس هي معصيةٌ كبيرة أن يحلف بالله على شيء وهو يعلم أن الأمرَ خلافَه وقع في الذنب الكبير وقع في معصية كبيرة وعليه كفارة وقال الشافعي عليه كفارة لأنها مقصودة فالشافعي فسرها بالقصد بالقلب.
مثال: قيل له فعلت كذا؟ قال: والله ما فعلت لكن هو في الواقع فعل وهو يعلم أنه كاذب هذه يقال لها اليمين الغموس، وهذا عقد قلبَه على ذلك قصد ذلك ليس سبق لسان، فإذا كان حلف بالله كاذبًا وهو يعلم أنه كاذب ماذا يترتب عليه؟ الوقوع في الذنب الكبير، فيجب عليه أن يتوب الى الله عزَّ وجلّ
بعض العلماء قال: لا كفارة عليه في اليمين الغموس لكن عليه معصية كبيرة عند الجميع، لكن اختلفوا في الكفارة.
يذكر هنا النسفي رحمه الله الكفارة عند أبي حنيفة أولًا:
كفارةُ اليمين إطعامُ عشرةِ مساكين أو كِسوتُهم أو تحرير رقبة، هذه الثلاثة على التخيير مخيَّر له أن يختار أيَّ واحدةٍ منها في حال اليمين المعقودة ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ كأن حلف بالله على شيء ثم حنث ما فعل ذلك الشيء، فإن لم يجد ولا واحدة من الثلاثة فينتقل بعدها لصيام ثلاثة أيام.
إطعام عشرة مساكين في مذهب أبي حنيفة معناه يُخرج ما يغدِّيهم ويعشِّيهم، الغداء هو اسم لِما يكون قبل الزوال والعَشاء اسم لِما هو بعد الزوال ولو كان على صحن فول مثلًا ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك أي وله أن يعطيهم قيمةَ ذلك، يعني يعطي لكل مسكين نحو الدينارين فلو كان أعطى مثلَ هذا القدر يكون فيه احتياط، فينوي فيه كفارةَ يمين وما زاد صدقة، فمقدار ما يغدي ويعشي.
وعند أبي حنيفة قال: كفارة اليمين هي نصفُ صاعٍ من بُرّ أو صاعٍ من غير البُرّ يعني من غير القمح، ويُجزئ في مذهب الحنفية إعطاءُ قيمةِ ذلك كما تقدم.
وعند الشافعية: نصف صاع من بُرّ أو صاعٌ من شعير أو صاعٌ من تمر أو صاعٌ من زبيب أو صاعٌ من أرز إلى غير ذلك من الأقوات.
فإذا تبين هذا فليُعلَم أيضًا أن الصاعَ عند الحنفية غيرُ الصاعِ عند الشافعية، على خلافٍ عند الحنفية بعضهم وافق الشافعي بأن الصاع أربعةُ أمداد، لكن عند الحنفية قالوا: الصاع ومُرادهم بذلك صاعُ العراق، الصاع العراقي ستةُ أمداد و عند الشافعي الصاع أربعةُ أمداد، وعلى هذا فبالتقدير يكون الصاع بالغرامات على طريقة حساب الحنفية يكون الصاع أربعةَ آلاف غرام ومائتين وتسعين غرام، يعني نصفُ الصاع ألفين ومائة وخمسة وأربعين.
فإذا أراد إخراج القيمة: أخرج اثنين كيلو ومائة وخمسة وأربعين غرام تقريبًا، أما عند الشافعية ألف وستمائة وخمسين غرام لا يخرج قيمة يخرج صاعًا من غالب قوت البلد.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
أي غداءً وعشاءً من بُرٍّ إذ الأوسطُ ثلاثُ مراتٍ مع الإدام والأدنى مرةً من تمرٍ أو شعير فهو قال الأوسط فلذلك قال لك مقدار ما يُغدي ويُعشي
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾
عطفٌ على إطعام أو على محلِّ من أوسط ووجهُه أنَ من أوسطِ بدلٌ من إطعام والبدل هو المقصودُ في الكلام وهو ثوبٌ يُغطي العورة وعن ابن عمر رضي الله عنه إزارٌ وقميصٌ ورداء
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾
مؤمنة، ومعنى أو التخيير وإيجابُ إحدى الكفارات الثلاث.
كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة هذه الثلاثة على التخيير.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾
إحداها
﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾
متتابعة، عند الشافعي على الاستحباب بأن تكون الثلاثة أيام متتابعة في الصوم، بعضهم أوجب أن تكون متتابعة
﴿ذَلِكَ﴾
المذكور
﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾
وحنثتم فترك ذكرَ الحنثِ لوقوعِ العلمِ بأن الكفارة َلا تجب بنفس الحلف
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
فبَرُّوا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيرًا أو ولا تحلفوا أصلًا
﴿كَذَلِكَ﴾
مثلَ ذلك البيانِ،
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾
أعلامَ شريعته وأحكامَه
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)﴾
نعمتَه فيما يعلِّمكم ويسهل عليكم المَخرَجَ منه
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾
أي القمار، وإذًا الانتقال بعد ذلك إلى ما جاء في القرآن الكريم من النص القطعي بتحليل الخمر وكان في الأول قبل أن نسترسل في هذه المسألة نقول ما من نبيٍّ شرب الخمرَ أو شجع على شرب الخمر ولا نبيّ، لا شرب قليلًا من الخمر ولا شرب كثيرًا ولا أمر بشرب الخمر.
ثم قبل أن ينزل الوحي على النبيّ عليه الصلاة والسلام بهذا الذي جاء في سورة المائدة وهذا كان في المدينة المنورة، قبل ذلك ما كان نزل النص بالتحريم، لم يقل لهم الرسول اشربوا لكن ما كان نزل النص بالتحريم فكان يحصل أشياء بسبب الخمر ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ وكان سيّدنا عمر يقول: (اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا)، رجع بعض منهم صلى وهو في حال السُّكر كان شرب الخمر قبل حتى غاب عقله وهو في الصلاة أسقط اللاءات من: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، فبقي سيّدنا عمر يقول: (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فلما نزلت هذه الآيات من سورة المائدة أريقت الخمور في شوارع المدينة وقالوا: انتهينا انتهينا وفهموا من ذلك التحريم القطعي، فيكذب الذي يقول لم يرد في القرآن الكريم نص بتحريم الخمر، فهذه النصوص يظهر في التفسير أنها تدل على الغاية في التحريم يعني لا يقول بأنها ليست حرام إلا إنسان معاند جاءت النصوص القطعية بتحريم شرب الخمر، فنزلت هذه الآيات فسيّدنا عمر عندها أيضًا هو علم أن هذا هو النص القطعي في الخمر وكذلك الصحابة فماذا قالوا؟ انتهينا انتهينا.
إذا واحد قال أن الخمر ليس حرامًا، نقول له:
في الآية الكريمة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ):
ذُكِر أمرُ الخمر بعدها الميسر وبعدها الأنصاب والأزلام، فكيف سيكون كل هذا حرام إلا الخمر والسياق واحد وأول شيء ذُكر ما هو؟ الخمر فلماذا لا تكون محرمةً؟
﴿وَالأَنصَابُ﴾
الأصنام لأنها تُنصَب فتُعبَد
﴿وَالأَزْلامُ﴾
وهي القِداح التي مرت
﴿رِجْسٌ﴾
نجَسٌ أو خبيثٌ مستَقذَر،
﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
لأنه يحمِلُ عليه، فكأنه عَمَلُه
مرةً شخص كانوا يقولون له: لماذا لا تشرب الخمر؟ قال: أنا لا أرضى عن عقلي وهو صحيح فكيف إن غاب؟
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾
الضمير يرجع إلى الرجس، قرنها إذًا بالميسر والأنصاب والأزلام ثم ماذا قال؟ ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أو إلى عمل الشيطان أو إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف كأنه قيل إنما تعاطي الخمرِ والميسر ولذا قال ﴿رِجْسٌ﴾،
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾
أكد تحريمَ الخمر والميسر من وجوه حيث صَدَّر الجملةَ بإنما وقرنهما بعبادة الأصنام وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان ولا يأتي منه إلا الشر البحت وأمر بالاجتناب وجعل الاجتنابَ من الفلاح، قال ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يعني الاجتناب فلاح وإذًا ضد ذلك عدم الاجتناب خسران، وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا كان الارتكاب خسارًا
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ﴾
ذَكر ما يتولد منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة وخَصَّ الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال وعن الصلاة خصوصًا.
وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولًا ثم أفردهما آخِرًا لأن الخطاب مع المؤمنين، وفي الآية الأولى ذكر الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم كرر الخمر والميسر في الآية التي بعدها، لأن الخطابَ مع المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذِكرُ الأنصابِ والأزلام تأكيدِ تحريمِ الخمرِ والميسر وإظهارِ أن ذلك جميعًا من أعمال أهل الشرك ثم أفردهما بالذكر ليُعلَم أنهما المقصود بالذكر.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91)﴾
من أبلغ ما يُنهى به، وهكذا يقولون في الأصول هذا من أبلغ ما يدل على النهي والتحريم، كأنه قيل: قد تُلِي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تُوعَهُ ولم تُزجَروا؟
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾
وكونوا حذرين خاشعين لأنهم إذا حذِروا دعاهم الحذرُ إلى اتقاءِ كلِّ سيئةٍ وعمل كلِّ حسنة
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾
عن ذلك
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)﴾
أي فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسولَ لأنه ما كُلِّفَ إلا البلاغَ المبينَ بالآيات وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كُلِّفتُموه، ونزل في من تعاطى شيئًا من الخمر والميسر قبل التحريم
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾
أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما
﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾
الشرك
﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
بعد الإيمان
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾
الخمر والميسر بعد التحريم
﴿وَآمَنُوا﴾
بتحريمها
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾
سائر المحرمات، أو الأولُ عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات
﴿وَأَحْسَنُوا﴾
إلى الناس
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾
لما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم نزلت هذه الآية.
هم كانوا في الحديبية الصيد كَثُرَ حولهم عندما نزل عليهم النص بالتحريم وهذا كان فيه اختبار من الله تعالى لهم.
ولا يحرم عليه مثلًا لو اصطاد السمك إنما صيد المأكول البري الوحشي نعامة مثلًا أو ضبع.
ومعنى يبلو يختبر وهو من الله لإظهار ما عَلِمَ من العبد على ما عَلِمَ لا لعِلمِ ما لم يَعْلَم، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض إذ لا يحرم كلُّ صيدٍ أو لبيان الجنس، وقلل في قوله ﴿بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ ليُعلَم أنه ليس من الفتن العظام، و ﴿تَنَالُهُ﴾ صفةٌ لشيء.
وهنا بيان حكمٍ للمُحرم وهو أنه حَرُم على المُحرِم صيدُ مأكولٍ بريٍّ وحشيّ، المُحرِم حرامٌ عليه أن يصيد أو أن يطلب من غيره أن يصطاد له ولا يملك هذا الصيد، بل قالوا: لو واحد كان قد اصطاد صيدًا، مثلًا عنده صيد واضعه بالقفص هنا في عمان ما كان أحرم ذهب إلى مكة دخل في النسك نوى الإحرام قالوا: يلزمه أن يرسل الصيدَ الذي عنده، الصيد الذي تحت يده قالوا: يجب أن يرفع يده عنه، ما معنى يجب أن يرفع يده عنه؟ معناه أن يرسله، حتى بعضهم قال: يزول مِلكُه فليس له أن يهَبَه حتى.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾
ليعلم الله خوفَ الخائفِ منه بالامتناع عن الاصطياد موجودًا كما كان يعلم قبلَ وجودِه أنه يوجد ليُثيبَه على عمله لا على عِلمه فيه.
وفي عبارة واضحة أخرى: “قالوا ليُمَيِّزَ الله للخلق وإلّا عِلمُ الله عزَّ وجلّ أزلي أبدي ليس خافيًا على الله”، فعندما ينزل الابتلاء على الواحد منا الله يعلم مَن منا يصبر من الذي لا يصبر من يشكر من يجحد ويكفر من يطيع ومن يعصي، إذًا هذا إنما ليميِّزه الله تعالى لعباده ليس حتى يظهر لله عزَّ وجلّ ليس حتى يطرأ علم لله سبحانه وتعالى لأن علم الله تعالى أزلي أبدي كسائر صفاته سبحانه وتعالى الأزلية الأبدية.
﴿فَمَنْ اعْتَدَى﴾
فصاد
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾
الابتلاء
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾
أي المَصيدة إذ القتلُ إنما يكون فيه
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
أي محرمون جمع حرام كرُدُح في جمع رَدَاح في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل في تقتلوا
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾
﴿وَمَن قَتَلَه مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ حَالٌ مِنْ ضمِيرِ الْفَاعِلِ أي ذاكرًا لإحرامه أو عالمًا أن ما يقتله مما يحرُم قتله عليه
وهنا مسألة دقيقة تأتي في كتاب الحج والمناسك وهي ماذا يترتب على من قتل الصيد وهو محرم؟ ولا بد من التنبه أنه بما يتعلق بالحرمين مكة والمدينة فإن صيدَهما حرامٌ على مُحِرمٍ وحلال وكذلك قلع أشجارهما هذه مسألة ثانية لكن الآن كلامنا عن المُحرِم:
المحرم حرام عليه أن يصطاد وهذا ليس خاصًا أنه في الحرمين، الحرمان لهما حكم خاص لكن يوجد من الأحكام الخاصة بالمُحرِم ولو كان ما بلغ مكة.
مثال: إذا ذهبت إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ذهبت من طريق المدينة المنورة مكثت في المدينة ثم إلى مكة تحرم من أين؟ من ذي الحليفة آبار علي و بين آبار علي ومكة المكرمة حوالي أربعمائة كيلو وهنا لا تكون قد بلغت حرم مكة، لكن أحرَمتَ فحَرُمَ عليك حرم عليك هذا.
وهنا في ما يترتب على الذي أتلف صيدًا قتل صيدًا حال إحرامِه في مذهب أبي حنيفة لأنه المفسر رحمه الله مذهبه حنفي:
يخرج القيمة، أي قيمة مثل هذا الذي قتل، يُقَوَّم هذا الصيد تُقَوَّم قيمتُه فإن بلغت قيمته ثمنَ الهدي خُيِّر هل يُخرِج إبل بقر غنم؟ أو يشتري طعام ويخرج الطعام مُخَيَّر يكون في ذلك أو يُطعِم بقيّمها.
مثلًا: كم كانت القيمة؟ مثلًا كان هذا الصيد الذي أتلفه يأتي بألف مُد من حيث القيمة أو أنه يُخرج طعام يعني ألف مد يخرجها على التخيير.
عند الشافعية نحن ندرِّس على مذهب الشافعي فيذكر إذا أتلف المُحرِم الحيوان، اصطاده فأتلفه يدفع المِثل و مراده بالمثل، مثل هذا الذي قتله من الإبل والبقر والغنم.
مثال: إذا قتل نعامة يدفع مثلَها وليس قيمتها؟ مثلها أي ما يشبهها من الأنعام الثلاثة وماذا يشبه النعامة؟ الإبل فيذبح الإبل ويدفع لثلاثة من فقراء الحرم فأكثر ثم هم إن شاءوا يأكلونها وإن شاءوا يبيعونها وإن شاءوا ينتفعون بالثمن.
إن قتل ضبعًا الضبع يؤكل عند الشافعي وهو محرم يدفع كبشًا وهكذا.
﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾
كوفيٌّ، أي فعليه جزاءٌ يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يُقَوَّمُ حيث صِيدَ، فإن بلغت قيمتُه ثمنَ هديٍ خُيّر بين أن يهدي من النَّعم ما قيمتُه قيمةُ الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعامًا فيُعطي كل مسكين نصفَ صاعٍ من بر أو صاعًا من غيره وإن شاء صام عن طعامِ كلِّ مسكينٍ يومًا، وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى، هو نفسه المفسّر الحنفي يقول كما هو قول الشافعي، مثله نظيرُه من النَّعم فإن لم يوجد له نظيرُ من النعم فكما مر
﴿فَجَزَاءُ مِثْلِ﴾ على الإضافة غيرُهم، يعني هناك قرأ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ﴾ هنا ﴿فَجَزَاءُ مِثْلِ﴾، وأصلُه ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ أي فعليه أن يجزي مثل ما قَتَل ثم أُضيف كما تقول عجِبتُ من ضَرْبٍ زيدًا ثم من ضَرْبِ زيدٍ،
﴿مِنْ النَّعَمِ﴾
حالٌ من الضمير في قَتَل إذ المقتولُ يكون من النَّعَم أو صفةٌ لجزاء
﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾
بمثل ما قتل
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
كيف التقويم؟ من الذي يُعتَبَر؟ يبحث عن ماذا؟ عن أهل العدالة هذا في قول ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ حكمان عادلان من المسلمين وفيه دليلٌ على أن المِثلَ القيمة لأن التقويمَ مما يَحتاجُ إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهَدة ولأن المِثلَ المطلقَ في الكتاب والسنة والإجماع مقيدٌ بالصورة والمعنى أو بالمعنى لا بالصورة، أو بالصورة بلا معنى، ولأن القيمةَ أُريدَت فيما لا مِثلَ له صورةً إجماعًا فلم يبق غيرُها مُرادًا إذ لا عمومَ للمشتَرِكِ.
فإن قلت قولُه من النَّعَم ينافي تفسيرَ المِثلِ بالمثل بالأُولى قلت من أوجب القيمة خيَّرَ بين أن يشتري بها هَديًا أو طعامًا أو يصومَ كما خيَّرَ الله تعالى في الآية، فكان من النَّعم بيانًا للهدي المُشتَرى بالقيمة في أحد وجوه التخيير لأن من قَوَّمَ الصيد واشترى بالقيمة هديًا فأهداه فقد جزى بمثل ما قَتَل من النَّعَم، على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزيَ بالهدي أو يُكَفِّرَ بالطعام أو الصوم إنما يستقيمُ إذا قُوِّمَ ونُظِرَ بعد التقويم أيَّ الثلاثة يختار، فأما إذا عَمَد إلى النظير وجعله الواجبَ وحدَه من غير تخيير فإذا كان شيئًا لا نظير له قُوِّمَ حينئذٍ ثم يُخَيَّر بين الطعام والصيام، ففيه نُبُوٌّ عما في الآية
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾
كيف خَيَّرَ بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم، أين سيذبح؟ مثلًا هو مثلُ هذا الذي قَتَل مثلًا كان الإبل أين سيذبح الإبل؟ ثم أين سيوزعها؟ الآن مثلًا في الفدية في النسك إنه تقول هذا ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ أو ذبح، فعند الشافعي هذه الدماء كلها باستثناء الإحصار يكون ذبحها بالحرم وتوزيعها على فقراء الحرم ولو كانوا غرباءَ ليسوا مستوطنين.
مثال: لو كان معك بالقافلة أناس فقراء وصاروا هناك بالحرم لك إعطاؤهم فليس شرطًا أن يكونوا من المستوطنين في مكة، والآن سيذكر خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة في مكان التوزيع:
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
﴿هَدْيًا﴾ حالٌ من الهاء في ﴿به﴾ أي يحكم به في حالِ الهدي ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ صفةٌ لهديًا لأن إضافتَه غيرُ حقيقية، ومعنى بلوغِه الكعبةَ أن يُذبَحَ بالحرم.
﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ معناه أن يذبحها في الحرم عند الشافعي وعند أبي حنيفة هنا بالنسبة لهذا الصيد لكن أبو حنيفة يقول فأما التصدق به فحيث شئت يعني يذبحه بالحرم ثم يوزعه و لو خارج الحرم.
أما الشافعي لا بد من ذبحه بالحرم ويوزَّع بالحرم، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ معطوفٌ على جزاء، ﴿طَعَامُ﴾ بدلٌ من كفارة أو خبرُ مبتدأٍ محذوف، أي هي طعامُ مساكين، ﴿أَوْ عَدْلُ﴾ وقُرئ بكسر العين، قال الفراء العدلُ ما عادل الشيءَ من غير جنسِه، وهنا الفرق بين العَدل والعِدل، فالعَدل ما عادل الشيء من غير جنسه يعني يجزئ هذا ويجزئ هذا كالصوم والإطعام ولو كان ليس من جنسه، أما العِدل قال لك مثلُه من نفس الجنس، كالصوم والإطعام والعِدلُ مثله من جنسه ومنه عِدلا الحمل، عِدلا الحمل يوجد مكان يجلس فيه الراكب هنا وهنا فيقال هذا عديلُ هذا، ويقال عندي غلامٌ عِدلُ غلامي بالكسر إذا كان من جنسه فإن أريد أنّ قيمتَه كقيمته ولم يكن من جنسه قيل هو عَدلُ غلامك بالفتح، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الطعام، ﴿صِيَامًا﴾ تمييزٌ نحوُ لي مثلُه رجلًا والخِيار في ذلك إلى القاتل، وعند محمد رحمه الله إلى الحكمين، أليس يحكم عدلان بمثلِ الصيد؟
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾
متعلِّقٌ بقوله ﴿فَجَزَاء﴾ أي فعليه أن يُجازِيَ أو يُكَفِّرَ ليذوق سوءَ عقابِ عاقبةِ هَتكِه لحرمة الإحرام، والوبال المكروه والضرر الذي يُنالُ في العاقبة مِن عَمَل سوءٍ لثِقَلِه عليه من قوله تعالى ﴿فأخذناه أخذًا وبيلًا﴾ أي ثقيلًا شديدًا، أخذٌ وبيل، وبيل يعني ثقيل شديد، والطعامُ الوبيل الذي يَثقُل على المعدة فلا يُستَمرَأ، يقال أكلتُ طعامًا وبيلًا ثقيلًا على المعدة لا يُستَمرَأ يعني لا يُتَهَنَّأُ به فيقال له طعام وبيل
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾
عما سلف لكم من الصيد قبل التحريم
﴿وَمَنْ عَادَ﴾
إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام
﴿فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾
بالجزاء، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوف تقديرُه فهو ينتقم الله منه
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾
بإلزام الأحكام
﴿ذُو انتِقَامٍ (95)﴾
لمن جاوز حدودَ الإسلام
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾
مَصيداتُ البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل
﴿وَطَعَامُهُ﴾
وما يُطعَمُ من صيده والمعنى أُحِلَّ لكم الانتفاعُ بجميع ما يُصاد في البحر وأُحِلَّ لكم أكلُ المأكول منه
فقط للتنبيه، عند الحنفية تفصيل فيما يُؤكل من البحر، وعند الشافعي كل ما يصاد في البحر يُؤكل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾
مفعولٌ له، أي أُحِلَّ لكم تمتيعًا لكم
﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾
وللمسافرين والمعنى أُحِلَّ لكم طعامُه تمتيعًا لتُنَّائِكم، التُّنَّاءُ المقيمون جمعُ تانِ من تَنَأَ بالمكان أي أقام، يأكلونه طريًّا ولسيارتِكم يتزودونه قديدًا، كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾
ما صيدَ فيه
﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾
مُحرِمين
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام
﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)﴾
تُبعَثون فيجزيكم على أعمالكم
فائدة: الذي يموت في الحرمين إن شاء الله يُبعَث مع الآمنين والذي يموت في مدينة النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو على العقيدة الصحيحة فهذا له لطفٌ من الله سبحانه وتعالى ولأجل هذا كان الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول: (اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك وموتًا في بلد نبيّك محمد).