﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)﴾
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾
رد عيسى عليه السلام عليهم تعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعًا.
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ رد على هؤلاء الذين عبدوا عيسى عليه السلام وقالوا عيسى هو الله أو قالوا الله ثالث ثلاثة ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ معناه من حيث الحقيقة.
ومعنى (ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعًا): أي لا يخلق لكم الضر لأن الضار والنافع على الحقيقة هو الله وإلا قد يحصل أن يلحق فلان بك ضررًا لكن خالق هذا الضر هو الله سبحانه وتعالى، أما فلان فهو سبب لكنه ليس خالقا، وعيسى عليه السلام لا يخلق الضر ولا يخلق النفع.
إذا هنا سيدنا عيسى عليه السلام هو لا يملك لكم ضرا ولا نفعًا ولا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، لكن سيدنا عيسى مبارك والنبي عليه الصلاة والسلام مبارك نسأل الله بهم وبجاههم وبحقهم وببركتهم وبمنزلتهم عند الله عز وجل لا على معنى أنهم يخلقون فهم لا يخلقون الخالق هو الله، إنما هو سؤال لله ببركة أنبياء الله.
فائدة: الحجر الأسود قبَّله النبي عليه الصلاة والسلام وهو حجر ليس فيه روح ولحم ودم، لكنه نزل من الجنة، وكان إلى جوار النبي الفاروق عمر رضي الله عنه فقال له: يا رسول الله أطلت هو حجر، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: “يا عمر هاهنا تسكب العبرات” هاهنا تسكب العبرات، هو حجر نعم لكن هو حجر صار مباركًا، في موقف من المواقف بعد ذلك سيدنا عمر يقول: (لولا أني رأيت رسول الله يقبل الحجر ما فعلت لأنه لا يضر ولا ينفع، فقال له أحد الصحابة: لكن يا أمير المؤمنين أنا سمعت أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: “يبعث الحجر الأسود وله يوم القيامة لسان وشفتين يشهد على من قبله وهو على التوحيد يوم القيامة”.
يقال: عند الحجرالأسود سبعون ألف ملك يدعون لمن يقبل الحجر الأسود أو لمن يستلمه وحتى في بعض الروايات ما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود سبعون نبي مدفون في تلك الناحية، فالملائكة هناك يدعون لمن يستلم الحجر الأسود لمن يقبل الحجر الأسود وهو حجر لكنه مبارك لأنه نزل من الجنة ثم شفتا النبي عليه الصلاة والسلام مستا الحجر الأسود فأي بركة تصير بذلك؟ ثم أيضًا ليس فقط شفتا النبي عليه الصلاة والسلام بل ودموعه الشريفة الطاهرة المباركة عليه الصلاة والسلام جرت وسالت على الحجر الأسود، ومع ذلك كله لا يضر ولا ينفع على الحقيقة بمعنى لا يخلق ضرًا ولا يخلق نفعًا.
لذلك كلمة صحيحة عندما نقول لا فاعل على الحقيقة إلا الله مع أن لنا فعل:
﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ أنتم لكم فعل نحن لنا أفعال
﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ لنا أفعال ولسنا مجبورين.
لا نقول مذهب الجبرية فنحن لنا اختيار تحت مشيئة الله عز وجل لكن فعلنا هذا ليس إبرازًا من العدم إلى الوجود لذلك عندما نقول لا فاعل على الحقيقة وما قلنا لا فاعل إلا الله ، فلنا أفعال لكن لا فاعل على الحقيقة و لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله.
معناه: الذي يخلق الضرو الذي يخلق النفع والذي يخلق الفعل هو الله سبحانه وتعالى.
﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)﴾
متعلق ب ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
الغلو مجاوزة الحد، فغلو النصارى رفع عيسى فوق قدره باستحقاق الألوهية، وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة، يعني ما بين اليهود لعنهم الله قالوا عن عيسى لا يستحق بالمرة أن يكون نبيا وما بين النصارى الذين قالوا والعياذ بالله بأنه إله هؤلاء لعنهم الله وهؤلاء لعنهم الله.
وهنا منهج للباحثين عن تعريف الغلو وهو أن تُجاوز حد الشريعة، فالكفر بالله غل.
وأما الوسطية: فهي الإسلام، ما جاء في الإسلام وسطية فإقامة الحدود على الزاني المحصن وعلى شارب الخمر وعلى القاتل وسطية، والظلم غلو ومجاوزة للحدود، فمخالفة أمر الله غلو وأخطر هذا الغلو وأكبر هذا الغلو وأكبر ظلم الكفر بالله عز وجل ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾
صفة لمصدر محذوف أي غلوًا باطلًا
﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾
أي أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الذين كانوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام وظلوا وبقوا على ضلال أجدادهم وآبائهم إنما هم تبعوا أسلافهم من أهل الضلال
﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾
ممن تابعهم
﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)﴾
لما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت وكانوا قد نُهوا عن الصيد في يوم السبت، قال داود: (اللهم العنهم واجعلهم آية) فمُسِخوا قردة، فصار يأتي القرد إلى من كان من أقربائه يتحسسه ويتلمسه ويشمه، قد يكون ولده أو أباه أو زوجته من صار على صورة قرد ثم بعد ذلك هؤلاء القرود الذين مسخوا على شكل القرود كلهم أهلكهم الله ما صار منهم ذرية يعني بالنتيجة لا يوجد اليوم بشر أجدادهم قرود إنما أهلكهم الله.
ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة، قال عيسى: (اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير) وكانوا خمسة آلاف رجل مُسخوا على صورة الخنازير.
عندما تسأل الله تعالى النعمة اذكر أنك إن لم تشكرها ستنقلب وبالًا عليك، هؤلاء طلبوا مائدة من السماء لكن عندما كفروا مُسخوا خنازير، فينبغي أن يكون العبد في كل أحواله مُسَلِّمًا لله سبحانه وتعالى وشاكرًا لله فهؤلاء بني إسرائيل جاءتهم النعم وهم طلبوا منها ما طلبوا ثم عندما جحدوا انقلبت كثير منها عليهم نقما.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)﴾
ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله
﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ﴾
لا ينهى بعضهم بعضا
﴿عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾
عن قبيح فعلوه ومعنى وصف المنكر بفعلوه ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه، يقال: تناها عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ثم عجب من سوء فعلهم مؤكدًا لذلك بالقسم بقوله:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾
وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه، وهذا المفسر رحمه الله مضى عليه مئات من السنين يقول عن ذلك الوقت: “يا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن هذا الواجب الديني في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”
في هذه الآية تأكيد واجب ديني ووظيفة دينية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأس الأمر بالمعروف الأمر بالإيمان ورأس النهي عن المنكر، النهي عن الكفر وهذا أعظم درجة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنشر عقيدة أهل السنة والجماعة وإحياء هذا الدين والتحذير من أهل الضلال والفاسدين والمفسدين الذين أضلوا كثيرا من العباد في هذا الزمان هذا من الواجبات الدينية وترك هذه الواجبات الدينية سبب لنزول البلاء العام وسبب للأمراض والأسقام التي ما كانت تعرف فيما مر في غابر الزمان.
قال عليه الصلاة والسلام: “قل الحق ولو كان مُرًّا” أكثر الناس اليوم يعادونك إن أنت قلت لهم الحق، إن أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر يعادونك ويبغضونك، قال أبو علي الدقاق: (الساكت عن الحق شيطان أخرس).
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
هم منافقوا أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم وهنا مراده بالمشركين أي عبدة الأوثان غير اليهود والنصارى مع ذلك فإن النصارى عبدوا تماثيل اتخذوها باسم عيسى ابن مريم فحصل منهم إشراك واليهود حصل منهم إشراك لكن هنا بهذا الموضع يقول المشركين ومراده عبدة الأوثان.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
لبئس شيئا قدموه لأنفسهم سَخَطُ الله عليهم أي موجب سخط الله
﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)﴾
أي في جهنم
﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إيمانًا خالصًا بلا نفاق
﴿وَالنَّبِيِّ﴾
أي محمد صلى الله عليه وسلم
﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني القرآن
﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أن موالاة المشركين تدل على نفاقهم
﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)﴾
مستمرون في كفرهم ونفاقهم، أو معناه: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما أُنزل إليه يعني التوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلًا في الحقيقة.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾
هو مفعول ثانٍ لتجدن وعداوة تمييز، فلا تُصدف بأن اليهود يريدون مودة لنا أو خيرًا لنا بعد كلام الله ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ وهم أهل الغدر قتلة الأنبياء الذين اغتصبوا بلاد المسلمين كيف يُؤمَنُون؟ هم أشد عداوة للمسلمين.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ عطف عليهم
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82)﴾
المراد أمثال النجاشي وعبد الله بن سلام الذين آمنوا، أي عن الذين أسلموا وليس عن الكفار.
اللام تتعلق بعداوة ومودة وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ أي علماء وعبادا ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ على تقدم قدمهم، قدم قدمه يعني سبق له سبق فيه، يعني من كان من أسلافهم “في قدم صدق” يعني من يقدم “حتى يضع الجبار فيها قدمه” يعني ما يقدم ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ علّل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ وأن فيهم تواضعا واستكانة وهذا عن الذين آمنوا من النصارى كالنجاشي، واليهود على خلاف ذلك.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾
هذا يدل أيضًا على أن المراد به من آمن من النصارى مِنَ الذين كانوا من الرهبان ومن كبارهم ممن آمن، فكان من رقة القلب التي كانت عندهم بعد ذلك إذا سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق.
﴿تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾ تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه فوضع الفيضَ الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجُعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من أجل البكاء.
ومن في ﴿مِمَّا عَرَفُوا﴾ لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله ومن في ﴿مِنْ الْحَقِّ﴾ لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرؤوا القرآن وأحاطوا بالسنة.
ويا حسرة على أكثر الناس في هذا الزمن يسمعون القرآن الكريم ولا يتحركون لا قلوبهم تبكي ولا عيونهم تبكي وهم يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾.
يقال كان سيدنا عمر في وجنتيه قناتان كمجرى الماء، قالوا: هذا من كثرة ما كان يبكي من خشية الله فصار أثر الدموع في وجنتي سيدنا عمر رضي الله عنه وهو الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه.
روي عن النجاشي أنه قال لجعفر ابن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرؤونه عليهم: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إلى مريم فقرأها إلى قوله ﴿ذلك عيسى بن مريم﴾ فأسلم النجاشي وحسن إسلامه وصار رجلا صالحا ولما مات النجاشي قال النبي عليه الصلاة والسلام: “صلوا على أخيكم أصحمة فإنه اليوم قد مات” .
وذكر بعض أهل العلم قالوا: رفع النجاشي وهو في أرض الحبشة فكشف الله للنبي عليه الصلاة والسلام فرأى جسده والرسول في المدينة والنجاشي في الحبشة وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ولي صالح شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه رجل صالح صار من أولياء الله عندما سمع ما سمع من الآيات التي جاءت في مريم عليه السلام.
وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة طه إلى قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثٌ موسى﴾ فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلا فبكوا بكاء شديدا.
﴿يَقُولُونَ﴾ حال من ضمير الفاعل في عرفوا
﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾
بمحمد صلى الله عليه وسلم والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)﴾
مع أمة محمد عليه السلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة أسلموا وسألوا الله تعالى وقد أسلموا أن يكتبوا مع هذه الأمة الحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد فأمة محمد شاهدة على الأمم التي قبلها، أمة محمد آخر الأمم وهي أفضل الأمم وأكثر أهل الجنة من أمة محمد
﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك، بشرت بهذه الأمة كما بشرت بالنبي محمد الكتب التي سبقت وما من نبي إلا أخذ الله عليه العهد والميثاق مع سابق علم الله عز وجل أن محمدًا خاتم الأنبياء ما من نبي إلا أخذ الله عليه العهد والميثاق أن يأخذ على قومه العهد والميثاق أنه إن ظهر فيكم محمد فانصروه وما ظهر محمد فيهم وظهر فينا فنصرناه صلى الله عليه وسلم.
﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾
إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين وقيل لما رجعوا إلى قومهم لاقوهم فأجابوهم بذلك ﴿وَمَا لَنَا﴾ مبتدأ وخبر و ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ حال أي غير مؤمنين كقولك ما لك قائما
﴿وَمَا جَاءَنَا﴾ وبما جاءنا
﴿مِنْ الْحَقِّ﴾
يعني محمدا عليه السلام والقرآن
﴿وَنَطْمَعُ﴾
حال من ضمير الفاعل في نؤمن والتقدير ونحن نطمع
﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾ الجنة
﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)﴾
الأنبياء والمؤمنين
﴿فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾
أي بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم لذلك
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)﴾
وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما هو مذهب الفقهاء وتعلقت في الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله ﴿بِمَا قَالُوا﴾ لكن الثناء بفيض الدمع في السباق وبالإحسان في السياق يدفع ذلك وأنَّا يكون مجرد القول إيمانا وقد قال الله تعالى ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ نفى الإيمان عنهم مع قولهم آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب.
لذلك هذا رد على من قال بأنه يكفي لأجل الإيمان مجرد القول فالمنافقين كما جاء في وصفهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ فلا بد مع النطق بالشهادتين من اعتقاد معنى الشهادتين بالقلب حتى يدخل هذا العبد في الإسلام.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)﴾
هذا أثر الرد في حق الأعداء والأول أثر القبول للأولياء أن يثيبهم الله تعالى الجنة وأن يجزيهم جزاء المحسنين وأثر كلام الأعداء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ جهنم وعذابها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
نزل في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حلفوا أن يترهبوا، مراده أن ينقطعوا للعبادة، ويلبسوا المسوح يعني الثياب التي لا تكون حتى دخلتها الصناعة وهو شعر البهائم أي الصوف الخشن ويقوموا الليل ، ويصوموا النهار ويسيحوا في الأرض يتجولون في البراري، بعضهم ما كانوا يلتزمون مكانا واحدا إنما يسيحون وحيث ما أدرتهم الليل ينزلون إن كان في برية أو في مسجد
الرهبان الذين كانوا على شريعة عيسى يعني على الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام على الإسلام يعني ليس على المحرف، فقد كان فيهم أولياء تركوا المساكن وبنوا الصوامع وذهبوا إلى الغابات انقطعوا لعبادة الله، أما هؤلاء الذين في أيامنا أخذوا الاسم فقط.
فأراد فقسم من الصحابة أن يترهبوا لأجل العبادة ولا يأكلوا اللحم والودك وهو سنام الإبل ولا يقربوا النساء والطيب لكن ما أرادوا التحريم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي ما طاب ولذ من الحلال ومعنى ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾ لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم المراد هنا ﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني المستلذات من الحلال لا تقطعوا أنفسكم عنها مع اعتقاد التحريم وهذا ليس نهي لهم عن الزهد لكن لا تقطعوا أنفسكم عنها مع اعتقاد التحريم، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا.
فائدة: العرب كانوا يحبون السنام لأنه كله أبيض لذيذ لا يوجد فيه عرق أحمر وروي أن عبد المطلب كان يطعمهم الكبد والسنام والذي يطعم الناس الودك كانوا يعتبرونه من أهل الفتوة والكرم عند العرب.
وردت كلمة الطيبات في القرآن بمعنين:
1. أحدهما المستلذات مثل ما جاء هنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
2. والثاني جاءت كلمة الطيبات بمعنى الحلال مثل ﴿يا أيها الرسل كل من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ وهنا ليس معناها توسعوا بالملذات أو توسعوا بالمآكل لا، معناه هنا الحلال ليس المستلذات.
الذي لا يميز ما هو الصحيح وما هو غير الصحيح في القرآن يهلك
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج وكان يعجبه الحلواء والعسل وهي نوع من الحلوى معروفة في العراق، أما أنه أكل الدجاج فصحيح النبي أكل الدجاج وأكل الحُبارى وهو نوع من الطيور.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾
ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)﴾ حدوده
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾
حلال حال مما رزقكم الله، حلالا طيِّبا أي المستلذ.
قالوا وليس معناه ترغيبًا إنما المعنى بيان حكمه بأنه يجوز وهنا حتى لا يفهم واحد ويقول لك: إذًا هذا معناه توسع في المستلذات.
أليس قلنا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب الحلوى والعسل لأنه ينفع في بعض الأوقات إنما الملازمة غير مستحسنة يعني كان يحبه النبي لكن ما كان يتتبع ذلك بل أكثر أيامه عليه الصلاة والسلام كان طعامه خبز الشعير أو التمر والماء.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيدًا بقوله:
﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)﴾
لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى.