بسم الله الرحمن الرحيم
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ (42) }.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا صَاحِبَيِ ٱلسِّجنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصلَبُ فَتَأكُلُ ٱلطَّيرُ مِن رَّأسِهِ قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴿٤١﴾﴾
يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام بعد أن تحدث مع صاحبيه في السجن عن الأهم والأولى عندما قصّ عليه رئيس الخبّازين ورئيس السقاه قصّ كل منهما رؤياه وكلاهما رأى الرؤيا في الليلة نفسها وكان يوسف عليه الصلاة والسلام قد أشاع بين أهل السجن أن الله تعالى قد أعطاه علم تعبير الرؤيا ويوسف عليه الصلاة والسلام كان له قصد من ذلك وهو أن تُقبل قلوب أهل السجن عليه ليسمعوا منه الإسلام، هكذا قصد يوسف عليه الصلاة والسلام فعندما قصا عليه الرؤيا، قبل أن يعبر لهما الرؤيا علم ما هو أولى وأهم علّم توحيد الله علّم الإسلام هذا الذي هو أعظم ما جاء به أنبياء الله، أفضل الأعمال الإيمان بالله عز وجل، فعلّم يوسف ذلك ودعا إلى ترك عبادة الأصنام وإلى ترك الإشراك بالله عزّ وجل وإلى عبادة الله وإلى توحيد الله وإلى تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وبعد ذلك عبّر يوسف عليه الصلاة والسلام وكان أعبر الناس عبّر لكل منهما رؤياه:
أما الشرّابي الساقي رئيس السقاة ﴿يَا صَاحِبَيِ ٱلسِّجنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا﴾ فيسقي ربّه خمرًا أي سيِّده
يقال: ربّه إذا كان مالكًا له إذا كان سيِّدًا له كما يقال: من ربّ هذا البيت؟ من ربّ هذا البعير؟ كما قال الزبيدي رحمه الله: (ربّ كل شيء مستحقه) من كان مالكًا لمتاعه مالكًا لعبده بمعنى مالكه، أما الربّ هكذا بالإطلاق فهذا اسم خاص بالله عز وجل والأسماء الخاصة بالله تبارك وتعالى لا يجوز إطلاقها على غير الله، إذا قيل: الربّ هكذا بالإطلاق فهذا اسم خاص بالله سبحانه وتعالى ومن كان مالكًا لشيء يقال: ربّه على معنى السيّد أو على معنى المالك المتصرف فيه وهذا معنى ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا﴾ كان هو عبدًا لذلك الملك، هذا الذي هو الساقي رئيس السقاة كان عبدا للملك فهو قال: فيسقي ربّه مع الإضافة معناه يسقي سيّده، هذا كما تقدم سائغ في اللغة جائز
فائدة: من الغلط لغة وشرعًا أن يقال عن شخص: ربّ العائلة لماذا؟ لأنه ليس ربًّا لهم ليس مالكًا لهم بل يقال: صاحب العيال لكن ربّ العائلة هو ليس ربًّا للعائلة لا يجوز أن يقال: فلان ربّ الأحرار؛ لأن ربّ الأحرار هو الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يقال: عن نجّار يُتقن النجارة لا يجوز أن يقال: ربّ النّجارين هذا هو والعياذ بالله إشراك بالله، لا يجوز أن يقال أمّا لو كان مثلا يُتقن هذه المهنة فيقال: ربّ النِجارة على معنى أنه يتقنها فلا ضرر في ذلك أما إذا قيل: ربّ النجارين فهو ليس ربًّا للنجارين عن الإنسان هذا يكون إشراكًا إذا قال: هذا ربّ النجّارين معناه يكون والعياذ لله أثبت ربًّا سوى الله سبحانه وتعالى في الفاتحة ﴿ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَالَمِينَ﴾ مالك العالمين هو الله سبحانه وتعالى أما مع الإضافة ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا﴾ سيّده يسقيه خمرًا.
وما هو تأويله هذا؟ يسقي ربّه أي سيّده يقول سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في تعبير هذه الرؤيا لهذا الساقي:
(ما رأيت من الكرمة شجرة العنب وحسنها هو الملك وحُسن حالك عنده)، هذا تأويل شجرة العنب التي رآها رئيس السقاة هكذا عبرها سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قال:
(ما رأيت من الكرمة وحُسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه)
يعني تظهر براءتك عند الملك وترجع ساقيًا للملك كما كنت بعد ثلاثة أيام هذا تعبير رؤيا رئيس السقاة
وأما الآخر رئيس الخبّازين:
﴿فَيُصلَبُ فَتَأكُلُ ٱلطَّيرُ مِن رَّأسِهِ﴾ السلال الثلاث التي رآها قال: هي ثلاثة أيام يعني إذا ثلاثة أيام على الساقي وثلاثة أيام على رئيس الخبّازين لكن الساقي بعد ثلاثة أيام ينجو ويظهر للملك أنه بريء ويرجع ساقيًا للملك أما الثاني الخبّاز فبعد ثلاثة أيام يقول يوسف عليه الصلاة والسلام له: يبعث إليك الملك عند انقضائهم فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك وعندها عندما سمع الخبّاز تأويل يوسف عليه الصلاة والسلام للرؤيا التي فيها قتله، ثلاث سلال فوق رأسه يقتل يصلب تأكل الطير من رأسه فقال: هذا فيه هلاكه فعندها قال ليوسف: ما رأيت شيئا، أراد أن ينسحب لكنه كان قد نطق بالرؤيا
وتنبهوا لشيء، ولنا فائدة نستطرد فيها قليلا إن شاء الله في أمر الرؤيا، (الرؤيا لأول عابر)، شخص رأى رؤيا هذه الرؤيا من حيث التأويل تحتمل أكثر من وجه فأنت جئت بوجهك على أول شخص قلت له: أنا رأيت كذا وكذا الرؤيا من حيث التعبير تحتمل أكثر من وجه فأنت جئت لشخص فقلت له: أنا رأيت كذا وكذا فهو قال لك: تأويلها كذا أنزلها على وجه من الوجوه وقعت هذه بمشيئة الله هذا معنى قولهم: (الرؤيا لأول عابر) إذا كن محتاطا عند من تقص الرؤيا التي أنت تراها وأنت تحدث بها فانتبه قال: ما رأيت شيئا فماذا كان الجواب؟
﴿قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴾ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر قضي الأمر وقعت العبارة ووقع التأويل
روى أحمد في مسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا معلقة برِجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا والرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزء من النبوة”. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴾ هذا الموضع من هذه الآية الكريمة يدل على أن الرؤيا إذا قصّت وقعت بإذن الله وأن من كذب في منامه فعبّره ذهب، هو كاذب لم ير فذهب فكذب في منامه أني رأيت كذا وكذا وذهب إلى من عبره فعّبر له وقع ذلك الشيء بإذن الله.
فائدة: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قصّا على يوسف فأخبرهما قالا: إنّا لم نر شيئا، وكنا ذكرنا قبل مجلسين أنّ علم تعبير الرؤيا يعد من العلم اللدنيّ ﴿وَعَلَّمنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلما﴾ يُقَالُ لَهُ: عِلْمٌ لَدُنِّي وَيُقَالُ لَهُ: عِلْمٌ وَهْبِي يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاِده الصَّالِحِينَ فلا يجوز تعبير الرؤيا، حرام من الكبائر تعبير الرؤيا لمن لم يعط هذا العلم اللدنيّ، وهذا العلم اللدنيّ الله تعالى يعطيه للأولياء ثم علم التعبير هو من جملة العلم اللدنيّ يوجد غيره هذا العلم علم التعبير حتى الأولياء ليسوا جميعًا يعطون هذا العلم أي علم التعبير بعض كبار الأولياء كان إذا قصّ عليه رؤيا لأجل أن يعبرها يقول: أنا هذا علم ما أوتيته لا يعبر حتى بين الأولياء ليس كلهم يعبر والله سبحانه وتعالى قال: في الآية الكريمة في سورة البقرة ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ الله يعلمنا ما معنى ذلك من اتقى الله، الله يعطيه العلم الباطن كيف ذلك؟
إذا أصلح الظاهر وعمل بالعلم الظاهر استقام فالله تعالى يعطيه العلم الباطن، العلم الباطن العلم اللدنيّ كعلم تفسير الرؤيا من اتقى الله سبحانه وتعالى حبّب الله إليه النوافل فقلبه يتعلّق بالنوافل أي يحبّ في رمضان أن يقوم الليل يحب أن يختم القرآن الكريم، كان بعض كبار الأئمة في شعبان كل يوم يختم القرآن مرة في رمضان يختم القرآن مرتين ويقوم الليل يتلذّذ يصير بالنسبة له هذا القيام لذّة يتلذّذ بالطاعة يتلذّذ بالقرآن الكريم يتلذّذ بالصلاة يتلذّذ بمجلس العلم يجد قلبه في فرح عندما يكون في المساجد في بيوت الله يجد نفسه مطمئنة، ساكنة، متلذّذة، مقبلة ليست نفسه مستثقلة، ليست نفسه مالة ليست نفسه متعجلة لانقضاء مجلس الخير هذه علامات ينبغي أن تنظرها في قلبك وترى قلبك أين يقع بين هذه القلوب؟ قلبك عبد الله أين هو في مجلس العلم؟ قلبك في مجلس تفسير القرآن الكريم أين هو؟ فِكرك في مجلس العلم أين هو؟ أين أنت في رمضان؟ أين أنت في يوم الصيام وفي ليل القيام؟ أين أنت في مجلس القرآن؟ في مجلس العلم؟ العبد الذي يتقي الله سبحانه وتعالى الله يحبّب إليه النوافل فقدوم رمضان وأيام رمضان بالنسبة له أيام فرح يقول: إذا الجنّة تتزخرف أي تتزين لرمضان فأنا كيف هيأت نفسي لشهر رمضان؟ ليس فقط بالزينة بالهلال، وهذا شيء حسن وهذا من الشعائر الحسنة نزين البيوت نذهب إلى المساجد ونحن نلبس ما يسمى الدشداشة بالقميص وبالقلنسوة ومعنا السواك ومع البخور ومع الطيب نأتي إلى المساجد نصلي التراويح نقوم الليل نجلس في مجالس العلم نجاهد أنفسنا ونترك لذة الدنيا ونأتي إلى لذة الآخرة لكن يوجد أيضا زينة أخرى زينة القلب التي ينبغي أن نعدّها ونحسن إعدادها لشهر رمضان، فمن اتقى الله سبحانه وتعالى فإن الله يحبّب إليه النوافل فبعد ذلك عندما تسمع أن من الصالحين من كان يصلي الفجر بوضوء العشاء لا تستغرب بعض الناس الآن يقول: أيوجد بشر هكذا؟ تقول له: أبو حنيفة كان يفعل يقول: هذا أبو حنيفة، أبو حنيفة أليس خُلِق؟ أليس أبو حنيفة رضي الله عنه من البشر؟ أربعون سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء؟ بشر لكن ما الذي يصير مع هؤلاء؟ ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾
روي في الحديث وإن كان إسناده ضعيفًا لكن ينبغي أن يفهم الحديث على وجهه
“من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم” من عمل بما علم، أنا تعلمت قدرًا أن أعمل بما تعلمت فيعطيني الله سبحانه وتعالى علم ما لم أعلم هذا المعنى من تعلم ما هو فرض عليه وعمل بذلك أعطاه الله تعالى من العلم الموهوب العلم الوهبيّ العلم اللدنيّ وهو غير مكتسب، وهذا العلم اللدنيّ حرام أي محروم منه من كان متقاعدًا عما افترض الله تعالى عليه ولذلك بعض من لم يفهم هذا الحديث قالت: اتركوا مادة الأوراق وخذوا مادة الأذواق فقالوا: نحن ما لنا والحضور في مجالس العلم هذه مجالس العلم مادة أوراق فقالوا: نحن تأتينا الأحوال والأذواق وما الطريق إلى تلك الأحوال والأذواق من ذاق عرف ومن عرف اغترف
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ علم الباطن إذا هو فتح، الله يفتح على من شاء من عباده علم الباطن فتحٌ يعرف به الشخص ما لا يعرفه غيره في فهم القرآن والحديث يفتح الله عليه وهو يكون من أهل العلم لكن غيره من أهل العلم وملك الأدوات لكن غيره مر على هذه الآية، على هذا الحديث ما فهم هذا أما هذا الله تعالى فتح عليه كيف فتح عليه؟ عرّفه ما لا يعرفه غيره الإمام الشافعي رضي الله عنه الله تعالى أعطاه العلم اللدني الذي هو علم باطن، علم ظاهر مكتسب أما هذا العلم الباطن غير مكتسب عندما نتعلم علم الدين ونعمل به بعد ذلك يأتيك إن شاء الله العلم الباطن المعبر للرؤيا المنامية لا يكون إلا وليًّا وذلك بالإجماع مثال على من كان مشهورًا جدًا بالتعبير الإمام ابن سيرين رضي الله عنه وقليلين غيره يدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
“الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة” رواه البخاري
وموسم رمضان هو موسم الرؤيا الصالحة أذكر في بعض السنوات بعض ممن هو حاضر معنا في هذا المجلس عندما ثبت على الحضور في هذا المجلس من أوله إلى آخره، في آخر الشهر الله أكرمه برؤية النبيّ عليه الصلاة والسلام في المنام وبعض الله تعالى أكرمه قبل ذلك كل ليلة من رمضان فيها أنسها و فيها بركتها فهي موسم من مواسم الرؤيا الصالحة كل ليلة ادعوا الله تعالى في هذه الليالي بالرؤيا الصالحة، ادعوا الله تعالى بأن يكرمنا برؤية النبي عليه الصلاة والسلام كما أننا من الليلة ندعو الله تعالى أن يبلغنا ليلة القدر وأن يرزقنا رؤيتها في اليقظة وفي المنام في رواية مسلم عن أنس بن مالك عن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة”، أما في أمر التعبير ولمن يتعجل في تعبير المنامات لغيره مع أنه ليس من أصحاب العلم اللدنيّ نقول:
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشجع أفضل الأولياء في أمته، لم يشجع أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه على تعبير المنام بل لمّا فعل أبو بكر وهو أعطي هذا العلم أبو بكر، أعطيت أسماء بنت أبي بكر أعطيت كانت معبرة مع ذلك أبو بكر الصديق عبّر المنام النبي عليه الصلاة والسلام قال له:
“أصبت بعضا وأخطأت بعضا” فإذا كان كلامنا عن الأولياء، أما رؤيا الأنبياء وحي إذا كان كلامنا عن الأولياء لا يبنى حكم شرعي على رؤيا منامية
حتى إن الإمام النووي رحمه الله في كتابه المجموع يقول:
(ولو أن شخصا رأى النبي عليه الصلاة والسلام في الرؤيا فقال له: غدا رمضان لم يثبت رمضان بهذه الرؤيا)
وليس المعنى أن الشيطان يتشكل بصورة النبي عليه الصلاة والسلام، الشيطان لا يتشكل في المنام لا بصورة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولا بصورة سيدنا يوسف ولا بصورة سيدنا يعقوب ولا بصورة سيدنا آدم ولا بصورة أي نبي من الأنبياء إذن ماذا يكون الأمر؟ الشخص يتهم نفسه هو لعله يكون توهم، الخطأ عنده هو أما الشيطان لا يتكلم على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ثم أكثر المنامات ليست على ظاهرها، بعض الناس يبني حياته على الذي يراه في المنام يراه أو يرى له أكثر المنامات ليست على الظاهر النبي عليه الصلاة والسلام رأى في المنام عيسى عليه السلام والمسيح الدجال عند الكعبة هذا له تأويل ليس على ظاهره كيف عرفنا أليس ورد في الحديث أن الدجال لا يدخل مكة لا يدخل الحرم، كذلك لو أن امرأة في المنام رأت أنها تقبّل يد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هل بناء على هذا يثبت لها النسب أنها منسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا يثبت تستأنس بذلك فإذا أكثر المنامات لا تؤخذ على ظاهرها يقول: لها تأويل ومن هنا يتأكد أنه يحرم تعبير الرؤيا على غير أهله ومن أهله كما قدمنا؟ من شاء الله تعالى له من الأولياء، غير الولي غير الولي حرام عليه أن يفسر الرؤيا حتى قال العلماء:
(لو قُصّ عليه لا يجوز أن يقول خير أو شر) وما يدريك، بعض الناس يأتي فيقول له: أنا رأيت كذا فيقول له: خير وما يدريك أو يقول له: شر وما يدريك قالوا: لكن يجوز أن يقول: رأيت خيرا إن شاء الله هذا صار على معنى الدعاء رأيت خيرا، خيرا إن شاء الله أن تدعو له لأن هذا خير وهذا الخير يأتي إن شاء الله تعالى في وقته ليس شرطا كل الذي أنت تراه أن تعرف ما هو تأويله بعض الناس أحيانا عندما تقول له: قُم إلى الطاعة ينام أكثر يقول: لعلّي أرى الرؤيا، الرؤيا تراها عندما تقلل ساعات النوم أنا أذكر في بعض الأوقات هنا في المسجد بعض الناس غفا إغفاءة خفيفة قام رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبعض الناس نام اثنتي عشرة ساعة، كلها تخليط أضغاث أحلام وشيء كان يتمنى الخلاص منها فإذا إذا رأى رؤيا فهو يقول: إن شاء الله تعالى تكون خيرا
ثم ورد في الحديث الصحيح: “أن من رأى رؤيا تعجبه يقصّها” لكن على من يقصها كما قدمنا؟ لأن (الرؤيا لأول عابر)
وأما الذي رأى رؤيا لا تعجبه لا يذكرها يتفل عن يساره ثلاث مرات ويقول: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر رؤياي، أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر رؤياي هذه ويتحول، يتفل ولا يحدث بها شيء مزعج لا تتكلم به قل أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر رؤياي هذه ويتحول قال صلى الله عليه وسلم: فإنها لا تضره”
ولذلك كما قدمنا لا ينبغي قص الرؤيا ما تستعجل تذهب إلى زملائك في العمل أو من حولك تقص عليهم لا تفعل لا ينبغي قص الرؤيا إلا لعالم أو إنسان ناصح يحب لك الخير
وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه” رواه مسلم.
وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من رأى رؤيا تعجبه فليحدّث بها فإنها بشرى من الله عز وجل ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره ويتعوّذ بالله من شرها” رواه أحمد. نصّ أهل العلم على أنه لا يجوز تعبير الرؤيا إلا لمن علم بها
كما جاء في الفواكه في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي قال:
(ولا يجوز تعبير الرؤيا بمجرد النظر في كتاب التفسير كما يفعله بعض الجهلة)
تنبهوا لذلك يقول (لأن الرؤيا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والزمان وتختلف كذلك على حسب أوصاف الرائي)
لذلك بعض الرؤى يقول المعبر: إذا كان الذي رآها تقيًّا صالحًا يكون تأويلها كذا أما إذا كان غير صالح يكون تأويلها غير هذا، نفس الرؤيا ولو بنفس الليلة و بنفس الزمن اسمعوا هذا سأل رجل ابن سيرين المعبّر، الولي المشهور قال:
(رأيت نفسي أني أؤذن في النوم فقال له: تسرق وتقطع يدك)، وجاء آخر فقال له: مثل الذي قاله الأول فقال له: (تحج إلى بيت الله الحرام) هذا تأويله سارق وهذا تأويله حاجّ، فوجد كل منهما ما فُسر له به يعني تحقق ما عبر به ابن سيرين فقيل له: في ذلك يعني كُلم ابن سيرين بذلك فقال: (رأيت هذا بِسمَة حسنة والآخر بِسمَة قبيحة ولا تخرج الرؤيا عن معناها ولو فسّرت بغيره على الصحيح)
في خلاصة لما ذكر يقول الحافظ ابن حجر:
(جميع المرائي تنحصر على قسمين الصادقة في رؤيا صادقة وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين وقد تقع لغيرهم)
هذه مقدمة كما سيأتي في رؤيا الملك والسبع البقرات والملك كان كافراً ، حسنا، هل تحصل رؤيا من كافر؟ ابن حجر يقول: (جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة وهي رؤية الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين وقد تقع لغيرهم بندور أي نادرًا كالرؤيا الصحيحة التي رآها الملك الكافر وعبّرها له النبيّ يوسف عليه الصلاة والسلام)
ثم من العلامات على أن هذه رؤيا صادقة أنّ الذي رؤي يقع في اليقظة على وفق ما وقع في المنام ثم يوجد الأضغاث وسيأتي ذكرها أضغاث أحلام هذه الأضغاث لا تنذر بشيء، ما هي الأضغاث؟ يقول ابن حجر:
(هي أنواع) إذا الأضغاث، أضغاث الأحلام (أنواع الأول تلاعب الشيطان) لماذا؟ ليُحزن الرائي، يريد أن يدخل الحزن إلى هذا الرائي فيتلاعب به الشيطان كأن يرى أنه قطع رأسه مثلًا وهو يتبعه أو رأى أنه واقع في هَوْل ولا يجد من ينجده ونحو ذلك ثم من جملة ذلك أيضًا من الأضغاث (أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه في المنام) شيء هو طوال النهار يفكر فيه ويتمناه، لم يجده في اليقظة فنام فرآه في المنام وكذا (رؤية ما جرت به عادته في اليقظة أو ما يغلب على مزاجه ويقع عن المستقبل غالبًا وعن الحال كثيرًا وعن الماضي قليلًا).
يقول الإمام البغويّ رحمه الله: (واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب أو من جهة السنّة أو من الأمثال السائرة بين الناس وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني وقد يقع على الضد والقلب أي العكس أُلِّف في تعبير الأحلام عدة مؤلفات منها ما يُنسب إلى ابن سيرين ومنها ما يُنسب إلى الشيخ عبد الغنيِّ النابلسيِّ وإلى غيرهما) اسمعوا ذلك (لا خير في الاشتغال بها) لا تذهب إلى شراء هذه الكتب وكلما رأيت شيئا تُسرع إلى كتاب ابن سيرين لماذا؟ لأن ذلك قد يُشوِّش الفكر وربما نحن قلنا: نفس الرؤيا هذا رأى عنبا هذا له تفسير وهذا له تفسير تختلف على حسب حال الشخص، تختلف على حسب الزمان، تختلف على حسب المزاج، تختلف على حسب الحال فربما حصل منه القلق والتنغيص بسبب ذلك ثم قد يدفعه هذا إلى أن يذهب إلى من ليس له علم بالتعبير فيقول له: قصّ عليّ أنا رأيت كذا وكذا، ما هو تعبير هذه الرؤيا؟ علم تعبير الرؤيا يختص الله تعالى به من يشاء
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ تقدّم معنى هذا في أول سورة يوسف ،يجتبيك ربّك يقول الإمام القرطبيّ في تفسيره:
(﴿يَجتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا هذا وجه وقيل: وكذلك يجتبيك ربك أي يصطفيك بالنبوّة
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ يعلمك علم تعبير الرؤيا وهذا والكلام في القرطبي ثناء من الله تعالى على يوسف عليه الصلاة والسلام وتعديد لما أنعم الله تعالى به على يوسف ثم القرطبيّ يقول: وأجمعُوا في هذه الآية ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ يقول:
وأجمعوا على أن ذلك في تأويل الرؤيا) وهذا لمن كان سأل في الدروس التي مضت عندما قلنا: علم تعبير الرؤيا من العلم اللدنيّ ولا يجوز التعبير لمن لم يكن عنده هذا العلم فكان البعض يسأل عن الدليل في ذلك فهذا من القرآن الكريم من جملة ما يدل على ذلك ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ قال عبد الله بن شدّاد:
(كان تفسير رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام بعد أربعين سنة وذلك منتهى الرؤيا) وكان يوسف عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بتأويلها وكان نبينا عليه الصلاة والسلام عنده هذا العلم وكان الصديق رضي الله عنه عنده هذا العلم وكان من أعبر الناس وكان سعيد بن مسيّب رضي الله عنه عنده هذا العلم، قال البغوي:
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ، يقول يعقوب ليوسف: أي كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا فكذلك يصطفيك ربك
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ يريد تعبير الرؤيا سميّ تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه والتأويل ما يؤول إلى عاقبة الأمر
إذا لما قصّا على يوسف وأراد رئيس الخبازين أن يتراجع بعد أن أعلمه يوسف عليه الصلاة والسلام أن التعبير بعد ثلاثة أيام الملك يطلبك ثم يقتلك وتصلب وتأكل الطير من رأسك فأراد أن يتراجع، ﴿قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴾
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنهُمَا ٱذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىاهُ ٱلشَّيطَانُ ذِكرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجنِ بِضعَ سِنِينَ﴿٤٢﴾﴾
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنهُمَا﴾، من الذي قال؟ يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنهُمَا﴾، قال يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنهُمَا﴾، من هو الشرابيّ الساقي
﴿وَقَالَ﴾ أي يوسف ﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنهُمَا ٱذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ إذا خرجت من السجن اذكرني عند سيّدك عند الملك أخبره عني أنّي محبوس ظلمًا صفني عند الملك بصفتي، قُصّ عليه قصتي لعلّه يرحمني ويخلّصني من هذه الورطة وهذا يدلنا كم كان بلاء يوسف الصّدّيق عليه الصلاة والسلام ظلم وكذب عليه وافتراء وامرأة العزيز وقبل ذلك إخوة وأيّ إخوة كادوا له وحقدوا عليه وحسدوه وألقوه في البئر وأرادوا قتله وبعد عن أبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام يوسف في كرب شديد جاءت بارقة من بوارق الفرج فلما عبّر له ستخرج بعد ثلاثة أيام فماذا طلب منه سيدنا يوسف
﴿ٱذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ عند الملك فماذا كان من هذا الساقي؟ لما خرج ﴿فَأَنسَىاهُ ٱلشَّيطَانُ ذِكرَ رَبِّهِ﴾ فأنساه أنسى الشرابيّ الساقي ذكر ربه أي ذكر سيده نسي أن يذكر للملك أنسى الشرابي وهو الناجي منهما الشيطان من الذي أنساه الشيطان؟ أن يذكر لسيده وكل ذلك بمشيئة الله وكل ما ذكرنا في أمر تعبير الرؤى والرؤيا لأول عابر كل ذلك أسباب بمشيئة الله فماذا كان؟
﴿فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجنِ بِضعَ سِنِينَ﴾ سبعًا عند الجمهور، البضع ما بين الثلاث إلى التسع فإذًا كانت مدة مكث سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن سبع سنين ويوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام في تلك الكربة لذلك هذه السورة مفرجة دافعة للكُربة سورة يوسف دافعة للكُربة أكثروا من سماعها وأكثروا من تلاوتها يدفع الله تعالى عنكم بهذه السورة الكُربة والغُمَّة .