بسم الله الرّحمن الرّحيم
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ (59) فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ (60) قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ (63) قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ (65)﴾.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِم قَالَ ٱئتُونِي بِأَخ لَّكُم مِّن أَبِيكُم أَلَا تَرَونَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلكَيلَ وَأَنَا خَيرُ ٱلمُنزِلِينَ ﴿٥٩﴾﴾
جهزّ يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام إخوته بجهازهم وأعطاهم من الطعام ما جرَت به عادته من إعطاء كل إنسان حِمل بعير وذلك بعد أن أكرمهم بعد كل الذي كان منهم من الحسد ليوسف والأذى الشديد الذي ألحقوه بيوسف عليه الصلاة والسلام وبأبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام، عقّوا وقطعوا وآذوا وسفّهوا أباهم وهو رسول الله، وأرادوا قتل أخيهم يوسف وغربوه وأدخلوا كربًا شديدًا على يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد كل هذا وكما سيأتي فيما بعد، يقول لهم:
﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ﴾ بعد كل هذا يوسف عليه الصلاة والسلام كيف يقابلهم؟ بالإحسان بالمعروف ويوسف عليه الصلاة والسلام أيضا أراد أمرا، كان استدرجهم في الكلام فعرف ما كان من أمر أخيه الصغير بنيامين فكان يريد أن يجلب بنيامين إلى مصر وكان له مصلحة دينية في ذلك في جلب بنيامين فأراد سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام أنْ يهيئ لهم الأسباب وأن يُحسن لهم، وأن يرجعوا إلى مصر في أسرع وقت هم كانوا يرجعون في كل عام لأجل الميرة وكانت هنا دخلت سنوات القحط والجدب التي كانت في رؤيا ذلك الملك فَهم يأتون لأجل الميرة، الميرة يعني الطعام يأتي من الخارج إذا كان طعام ويؤتى به من الخارج فهذا يقال له: الميرة فيوسف عليه الصلاة والسلام جَهّزهم بجهازهم كل واحد كان سيدنا يوسف يعطي حمل بعير لكل واحد بعير يعني جمل من الطعام، يأتي يدفع ما يدفع، الشيء الذي هو متعارف عليه فقط يعطيه حمل بعير حتى يُعطيَ مجالًا للآخرين فكل واحد حِمل بعير أعطى كل إنسان منه حمل بعير أكرمهم، أحسن ضيافتهم، أظهر لهم السماحة والكرم، هذا خُلق الأنبياء اذهبوا فأنتم الطلقاء، هكذا كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يعفو، فسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام بما عليه خلق الأنبياء، سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، فيغضب عندها، يغضب لله سبحانه وتعالى، ليس لحظ النفس إن كان هناك غضب فيكون غضبه لله، متى نغضب نحن؟ الأصل نغضب إذا رأينا حرمات قد انتهكت إذا رأينا من تجرأ على دين الله تعالى إذا رأينا من تجرأ على المعاصي إذا رأينا وهؤلاء صاروا كثرة في هذا الزمن يفتي بغير علم ويُضل الناس يغرقون الفضائيات وهذه الآلات بالفتاوى وبأنواع التفسير، وبالشيء الذي ليس له أصل من الدّين من غير أن يكون على هؤلاء رقيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. غضبتك لأجل هذا غضبتك لدين الله تعالى، فسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام أظهر السماحة والكرم
﴿قَالَ ٱئتُونِي بِأَخ لَّكُم مِّن أَبِيكُم﴾ وهو عليه الصلاة والسلام الأنبياء عندهم فطانة، الفطانة: شدّة الذكاء تَوقُّد في الذكاء ليس مجرد الذكاء العادي، كيف لا وهم أنبياء الله صفوة الخلق ﴿وَكُلّا فَضَّلنَا عَلَى ٱلعَٰلَمِينَ﴾ يكون عندهم ذكاء كبير فيوسف عليه الصلاة والسلام بذكائه الشديد صار يسألهم عن حالهم وكم هم؟ هو يريد أن يتفقد بنيامين لماذا؟ لأنه كان رأى إخوته جميعًا إلا شقيقه بنيامين نحن قدمنا من قبل بنيامين بعض العلماء قال: يحتمل أنه صار نبيًّا، بنيامين وهو أخو يوسف عليه الصلاة والسلام من أمه وأبيه، أمهما راحيل، أما البقية فكانوا من أمهات أخرى من بلها وزلفة وغيرها أما يوسف وبنيامين فكانا شقيقين
فائدة: بنيامين ما كان شريكًا لإخوانه فيما فعلوه أما هؤلاء الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة هؤلاء لم ينبأ واحدٌ بهم إنما نُبّئ من كان من ذريتهم وهؤلاء هم الأسباط الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم وكما سيأتي عندما جاءوا يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أولاده وأولاد أولاده عندما دخلوا مصر كانوا بضعًا وسبعين بضعًا وسبعين، ثم هؤلاء من جاء من ذريتهم وجاءهم سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام بلغوا تقريبًا ألف ألف يعني مليون ومتين ألف تقريبًا
يعني يوسف عليه الصلاة والسلام وموسى حوالي أربعمائة سنة، هؤلاء بلغوا ألف ألف ومائتي ألف هذا في نحو أربعمائة سنة فالأسباط الذين ذكروا في القرآن من نبئ من ذرية إخوة يوسف أما إخوته الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة وَسفّهوا أباهم رسول الله يعقوب فهؤلاء لا يكون منهم نبيّ إنّما من ذريتهم أما بنيامين ما كان معهم في ذلك وللذلك بنيامين بل قال بعض العلماء: صار نبيًّا، فيوسف عليه الصلاة والسلام نظر فرأى أنّ كل إخوانه إلا شقيقه بنيامين، وبنيامين أصغر من يوسف فأخذ يوسف عليه الصلاة والسلام في استدراجهم يريد أن يطمئن ما حال أخيه نحن قلنا هذا اللقاء كم كان بينه وبين فراق يوسف لأبيه؟
في بعض الروايات: أربعون سنة، في بعض الروايات: كان نحو الثمانين سنة، وقت طويل جدًا، أمّا رؤيا يوسف لما رأى تلك الرؤيا ﴿رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَٰجِدِينَ﴾ كان اثنتي عشرة سنة وقتها يوسف.
فيوسف عليه الصلاة والسلام يريد أن يطمئن هل بنيامين حيّ؟ فصار يستدرجهم في الكلام حتى علم منهم حياته وعلم أنه عند أبيه ولم يسمح أبوه بمفارقته لماذا؟ لشدة تعلق قلبه بمحبته فقال له إخوانه: كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد، لا يعلمون أن الذي يقولون عنه إنه ذهب منّا، هو الذي أمامهم عزيز مصر، ولا يعرفونه وبقي شقيقه عند أبينا فقال لهم عليه الصلاة والسلام: إذا قدمتم العام المقبل فأتوني به معكم، وقد أحسنتُ نزلكم وضيافتكم ورغبّهم ليأتوه به، ثم رهبّهم في المقابل، أخبرهم أنهم إن لم يأتوه به فلن يعطيهم الطعام، والقحط وصل حتى لأرض فلسطين هم بحاجة إلى الميرة وبحاجة إلى الطعام، رغّب ورهّب قال: فاجلبوه معكم فأخبروا بأنهم سيطلبونه من أبيه ويجهدون في طلبه لماذا؟ لأنهم يعلمون الذي كان منهم مع قصة الذئب وقصة يوسف فكيف أبوهم سيعطيهم بنيامين بعد ذلك؟
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِم قَالَ ٱئتُونِي بِأَخ لَّكُم مِّن أَبِيكُم أَلَا تَرَونَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلكَيلَ﴾
أُتِمّه أنا أتم لكم الكيل، وإنْ جلبتموه فماذا تزدادون، كيل بعير
﴿وَأَنَا خَيرُ ٱلمُنزِلِينَ﴾ كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم ورغّبَهم بهذا الكلام على الرجوع إليه
﴿فَإِن لَّم تَأتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيلَ لَكُم عِندِي وَلَا تَقرَبُونِ ﴿٦٠﴾﴾
لَا أَبِيَعُكُمْ طَعَامًا
﴿وَلَا تَقرَبُونِ﴾، إمّا هنا أنها داخلة في حكم الجزاء أو ﴿وَلَا تَقْرَبُونَ﴾ يعني بمعنى النَهي
﴿فَإِن لَّم تَأتُونِي بِهِۦ﴾ تُحْرَمُوا، تُحْرَمُوا ولا تقربوا، ولا تقربوا فهو داخل في حكم الجزاء، وبمعنى أنه يعني ليس لكم عندي هذا الكيل ولن يقرب لكم ما تطلبون من الطعام، فهم لمّا سمعوا هذا سيعملون جهدهم على إقناع أبيهم لجلب بنيامين معهم.
﴿قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ﴿٦١﴾﴾
يعني ﴿قَالُواْ﴾ سنخادعه عنه ونحتال حتى ننزعه من يده
﴿وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ﴾ ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى، قال يوسف عليه الصلاة والسلام لهم: فدعوا بعضكم رهنًا، اتركوا واحدا منكم. يوسف عليه الصلاة والسلام زيّن لهم ما قَدّم وزيادة على ذلك أرد أن يطمئن إلى رجوعهم مع بنيامين، قال: اتركوا واحدا هنا فتركوا شمعون، شمعون هذا كان أحسنهم رأيًا في يوسف أحسنهم رأيًا يعني هم كلّهم شاركوا في الذي كان إلّا بنيامين لكن أخفّ واحد على يوسف كان هذا فتركوا هذا عند يوسف وقال لفتيانه:
﴿وَقَالَ لِفِتيَٰنِهِ ٱجعَلُواْ بِضَٰعَتَهُم فِي رِحَالِهِم لَعَلَّهُم يَعرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهلِهِم لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ ﴿٦٢﴾﴾
قال يوسف لفتيانه، ويوسف تحته الدولة
﴿وَقَالَ لِفِتيَٰنِهِ﴾ لغلمانه الكيّالين الذين كانوا يكيلون: ﴿ٱجعَلُواْ بِضَٰعَتَهُم فِي رِحَالِهِم﴾
في أوعيتهم أيّ بضاعة؟ أليس هم جاءوا إلى مصر فاشتروا الميرة بشيء من البضاعة فيوسف مبالغة منه في التسامح وكذلك في الترغيب لهم للعودة خفية من غير أن يعرفوا الثمن الذي قدموه رَده من غير أن يشعروا ما عرفوا إلا عندما صاروا عند أبيهم حتى تزداد طمأنينتهم إلى يوسف، يقال: كانت نعالًا بضاعتهم التي أخذوا الطعام في مقابلها، ويقال: كانت أدمًا أو ورقًا قالوا: هذا هو الأليق ورق يعني دراهم مثلًا من الفضة لأنه أليق بالدسّ في الرحال
﴿لَعَلَّهُم يَعرِفُونَهَآ﴾ يعرفون حقّ رَدّها وحق التكرم بإعطاء البَدلين
﴿إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهلِهِم﴾ وفرّغوا ظروفهم
﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ لعلّ معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا أو ربّما يوسف قال: لعلّهم لا يجدون بضاعة فلا يأتون، ليس عندهم ثمن فقال: لأجل هذا سيجدون هذه البضاعة قد رُدّت إليهم فتكون لهم بضاعة يعني ثمن في القافلة القادمة التي فيها بنيامين وهذه كانت خشية يوسف عليه الصلاة والسلام وهذا كله من حيث لا يشعرون ويوسف عليه الصلاة والسلام قد جعل ذلك ليكون وسيلة ليعود إخوته إليه
﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِم قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلكَيلُ فَأَرسِل مَعَنَآ أَخَانَا نَكتَل وَإِنَّا لَهُۥلَحَٰفِظُونَ ﴿٦٣﴾﴾
﴿رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِم﴾ يعقوب عليه الصلاة والسلام بالطعام بالميرة وَأَخْبَرُوهُ بِمَا فَعَلَ يُوسُفُ كما قدمنا في الدرس الذي مضى أبوهم هو الذي أرسلهم إلى مصر وقال: يوجد هناك رجل صالح يقولون: بأنه صالح، واسمه يوسف وعنده العدل اذهبوا إليه ما كان يعرف أن هذا هو ولده يوسف، هذا كان يرسلهم في الوقت الذي كان لا يجف دمع يعقوب عليه الصلاة والسلام فرجعوا إلى أبيهم
﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلكَيلُ﴾ يعني يريدون قول يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿فَإِن لَّم تَأتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيلَ لَكُم عِندِي﴾ لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد مُنع الكيل ﴿فَأَرسِل مَعَنَآ أَخَانَا نَكتَل﴾ نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه
﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ وهم قالوا هذا يوم يوسف، بأننا سنحفظه ونحن عصبة وكيف سيأكله الذئب ونحن عنه غافلون والآن يكررون
﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ عن أن يناله مكروه. عاد إذا إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام إلى أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وجمالهم من مصر محمل بالطعام وقالوا: يا أبانا إن عزيز مصر كانوا يسمون الوزير في ذلك الوقت العزيز وهذا كان تحته الخزائن يعني هذا كيف اليوم الذين يقول لهم: رؤساء وزارات تحت يوسف في ذلك الوقت خزانة الأسلحة خزانة القرطاس خزانة الطعام وغير ذلك كل هذه الخزانات كلها تحت يوسف فكانوا يسمونه وهو كان تحت الملك وهو أيضًا كان يقال عنه: ملك فقالوا: يا أبانا إنّ عزيز مصر قد أكرمنا إكراما زائدا وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم الصغير من أبيكم
﴿فَإِن لَّم تَأتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيلَ لَكُم عِندِي﴾ ولا تقربوا بلادي
﴿فَأَرسِل مَعَنَآ﴾، الآن يطلبون
﴿أَرسِل مَعَنَآ أَخَانَا﴾ بنيامين يكتل لنفسه كيل بعير آخر زيادة على كيلنا وإنا لحافظون له من أن يناله مكروه معنا في سفره.
ماذا أجاب يعقوب عليه الصلاة والسلام؟ أخبر الله تعالى عنه
﴿قَالَ هَل ءَامَنُكُم عَلَيهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُم عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبلُ فاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿٦٤﴾﴾
لا يزال يذكر يوسف عليه الصلاة والسلام يعني أنكم قلتم في يوسف
﴿أَرسِلهُ مَعَنَا غَدا يَرتَع وَيَلعَب وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ كما تقولونه في أخيه ثم خنتم بضمانكم فما يأمنني من مثل ذلك؟ ماذا يضمن لي؟ ثم قال يعقوب:
انظروا هذه الكلمة ﴿فاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ فالله خير حافظا فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم
﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا﴾ توكل على الله فيه دفعه إليهم؛ لأنه كان ينظر مع التوكل على الله يحتاجون الطعام أولاده وأولاد أولاده ومن عنده، بلادهم قحط لكنه مع هذا مع هذا الدعاء ﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ فأرجو أن ينعم علي بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين، مصيبة يوسف ومصيبة بنيامين قال:
﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
قال كعب: (لما قال ﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردنّ عليك كليهما قال: وعزّتي وجلالي لأردنّ عليك كليهما)
روى الحاكم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله تعالى ملكًا موكلًا بمن يقول: يا أرحم الراحمين فمن قالها ثلاثًا قال له الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل” إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك يقبل دعاءك يستجيب منك فسل “يقول ثلاثًا: يا أرحم الراحمين”
﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُم وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُم رُدَّت إِلَيهِم قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبغِي هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّت إِلَينَا وَنَمِيرُ أَهلَنَا وَنَحفَظُ أَخَانَا وَنَزدَادُ كَيلَ بَعِير ذَٰلِكَ كَيل يَسِير ﴿٦٥﴾﴾
ثم إن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام فتحوا متاعهم لمّا وصلوا لاستخراج الطعام الميرة الذي أَتَوا به من مصر فوجدوا بضاعتهم فضتهم ورقهم التي كانوا دفعوها ليوسف في مقابل ما أخذوه من الطعام بحالها أُخفيت في رحالهم ولم تمس فكان ذلك مما قوّى عزائمهم في الكلام مع أبيهم، فقالوا له:
﴿يَٰٓأَبَانَا مَا نَبغِي﴾ ما نبغي، لا نبغي يعني من البغي يعني نحن لا نتجاوز، لا نتجاوز الحق فيما سنذكره لك فهنا ما للنفي أي ما ينبغي في القول ولا نتجاوز الحق ﴿يَٰٓأَبَانَا مَا نَبغِي﴾
وقيل: ﴿مَا نَبغِي﴾ أي ما نبغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان، يعني كأنه يقول: أنا ماذا أريد يعني ماذا أريد أكثر من ذلك ماذا أبغي أنا أكثر من ذلك؟ أو ما نريد منك بضاعة أخرى؟ لا نريد بضاعة أخرى ما نبغي لا نريد بضاعة أخرى بضاعتنا معنا، أو للاستفهام أي: أي شيء نطلب وراء هذا
﴿هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّت إِلَينَا﴾ جملة موضحة لقوله ﴿مَا نَبغِي﴾ والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها
﴿هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّت إِلَينَا وَنَمِيرُ أَهلَنَا﴾ في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي طعام يحمل من غير بلدك
﴿وَنَحفَظُ أَخَانَا﴾ نعيده ﴿وَنَحفَظُ أَخَانَا﴾ في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخاف
﴿وَنَزدَادُ كَيلَ بَعِير﴾ نزداد وسق بعير باستصحاب أخينا
﴿ذَٰلِكَ كَيل يَسِير﴾ سهل عليه متيسر لا يتعاظم وهذا هو الملك الذي أحسن إلينا وقدم إلينا ما قدم فظهر إحسان يوسف عليه الصلاة والسلام وتسامحه وكرمه وحلمه وذكاؤه مع ما ظهر أيضا من صبره وصبر أبيه يعقوب عليهم الصلاة والسلام،