بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ (66) وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾
﴿قَالَ لَن أُرسِلَهُۥ مَعَكُم حَتَّىٰ تُؤتُونِ مَوثِقا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُم فَلَمَّآ ءَاتَوهُ مَوثِقَهُم قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيل ﴿٦٦﴾﴾
كان نبيّ الله يعقوب عليه الصلاة والسلام شديد التَعلق بولده بنيامين لكنّه كان متعلقا أكثر بيوسف عليه الصلاة والسلام، وكان يعقوب عليه الصلاة والسلام يَشمُّ في بنيامين رائحة يوسف عليه الصلاة والسلام حتّى مع امتداد الوقت سنوات طويلة نحو الأربعين سنة من الفِراق وقلب يعقوب لا يزال في شوقٍ إلى ولده يوسف وتكاد عينه الشريفة عليه الصلاة والسلام لا تجفُّ من الدَّمع، فكان يحبّ أيضا بنيامين وهو الأخ الشقيق ليوسف، أمهما راحيل، أما بقية الإخوة فكانوا من أمهات أخريات لكنهم إخوة لأبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام، بنيامين كان بعيدًا عن تلك الشَّناعات التي حصلت من إخوة يوسف من إلقائهم ليوسف في البئر ومحاولة قتله وتغريبه وأذيته ثم ّبعد ذلك زادوا والعياذ بالله بتسفيههم أباهم الذي هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نبيّ من أنبياء الله سيدنا يعقوب رسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰل مُّبِينٍ﴾ وقعوا في ضلال كبير، بنيامين كان بعيدًا عن ذلك فيعقوب عليه الصلاة والسلام كان أيضا له حبّ كبير لهذا الابن الصّغير كان الأصغر بنيامين وكان يشمّ فيه رائحة أخيه يوسف ويتسلّى به عنه، يتسلى يعني يخفف عن نفسه يخفف عن نفسه يخفف عن نفسه شدة الشوق التي كانت ليوسف عليه الصلاة والسلام والظاهر أنّ القحطَ والجَدبَ في بلادِ يعقوب عليه السلام لأن القحط والجدب لم يكن فقط في مصر يعني سبع سنوات عِجاف قحط وجدب لم يكن نبات ولم يكن هذا الحال فقط في مصر، في فلسطين أيضًا كان، فالقحط وصل ولأجل هذا كان سيّدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام أرسل أبناءه إلى مصر لأجل أن يمتاروا الطعام وهو لا يعلم أنّ ولده يوسف عليه الصلاة والسلام، أنّ هذا عزيزَ مصر الذي يُرسل أولاده إليه ويقول: اذهبوا يوجد واحدُ يقالُ له: يوسف في مصر لا يعلم أنّ هذا هو ولده ، فأرسلهم لأجل الطعام ولكن هناك يوسف عرفهم عليه الصلاة والسلام ﴿وَهُم لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ هم ما عرفوه مع الزّي وهم يشاهدون وزير الأرض، أرض مصر في ذلك الوقت بحلته وهيبته وفي الأصل هو عليه الصلاة والسلام الذي أوتي شطر الحسن ومع طول المدة ما عرفوا أنّ هذا هو أخوهم يوسف فالذي كان منهم ما كان من إلقائه في البئر وأَذيّته ما عرفوا لكن هو عرفهم فلمّا استدرجهم يوسف عليه الصلاة والسلام يريد أن يتحسَّسَّ منهم أخبار بنيامين لأنهم حضروا من غير بنيامين حضر عشرة هم اثنا عشر، يوسف وبنيامين والعشرة الآخرون، فكان حضر العشرة، فيوسف صار يستدرجهم حتى عرف منهم أن أخاه بنيامين لا يزال حيًّا فسيّدنا يوسف عليه الصلاة والسلام صار يُدبّر لأجل أن يستقدم بنيامين إليه فهيَّأ لإخوانه من الأسباب ما بين الترغيب، لكم كيل بعير إذا هو حضر لأن كل واحد يحضر له كيل بعير، وَردّ لهم بضاعتهم، دسّها فتيان يوسف في رحال إخوانه لعله كان من الوَرِق فلم يشعروا بأنها رُدّت إليهم. الثمن الذي كانوا اشتروا به الميرة في السنة الأولى وطلب منهم أن يرجعوا واستبقى واحدًا من إخوانه وهو شمعون عنده قال: يبقى عندي حتى ترجعوا ببنيامين فلما رجعوا إلى أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وذكروا ما ذكروا، يعقوب عليه الصلاة والسلام ماذا تذكر؟ أليس هؤلاء الإخوة الذين خانوا في يوسف، أليس هؤلاء الذين كانوا أعطوا العهد والميثاق ثمّ بعد ذلك قالوا أكله الذِّئب ونحن عنه غافلون فكيف أعطيهم بنيامين؟ أعطيتهم يوسف قبل ذلك كيف أعطيهم بنيامين؟
﴿قَالَ لَن أُرسِلَهُۥ مَعَكُم﴾ إلا بشرط ﴿حَتَّىٰ تُؤتُونِ مَوثِقا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأتُنَّنِي بِهِۦٓ﴾ لن أُرسِل أخاكم معكم، لولا حاجة يعقوب عليه الصلاة والسلام، وأن الجدب والقحط كان في بلاده شديدًا وقاسيًا ما سمح يعقوب بسفر بنيامين مع إخوانه. إذا إخوانه كانوا رجعوا من عند يوسف ويريدون أن يرجعوا مرة ثانية ليأخذوا بنيامين ويرجعوا إلى يوسف ولأجل أن يجلبوا ميرة الطعام للعام الجديد يعقوب عليه الصلاة والسلام ما كان ليرسل بنيامين معهم لولا شدة القحط ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة والطعام ما كان ليبعث ولده العزيز على قلبه بنيامين إلى عزيز مصر الذي لا يعرف من هو
﴿قَالَ ٱئتُونِي بِأَخ لَّكُم مِّن أَبِيكُم أَلَا تَرَونَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلكَيلَ وَأَنَا خَيرُ ٱلمُنزِلِينَ ﴿٥٩﴾﴾
حتى تُعطوني ميثاقًا وعهدًا من الله معناه طلب منهم أن يحلفوا بالله أنكم تأتوني بأخيكم وترجعون به، وإنما جَعل الحلف بالله موثقًا منه لأنّ الحَلِف به مما يؤكد به العهود وقد أذن الله تعالى في ذلك فهو إذنٌ له، ويعقوب عليه الصلاة والسلام عندما وافقهم ذكرت العبارة العظيمة ﴿فاللَّهُ خَيرٌ حَٰفِظا وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ اذكر هذه العبارة (فالله خيرٌ حافظا وهو أرحمُ الرّاحمين) فعندما ذكرها يعقوب عليه الصلاة والسلام أخبر المَلَك مُبلّغًا عن الله سبحانه وتعالى لأردنّ عليك كليهما بنيامين ويوسف، فإذا مع ما اجتمع عند سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام من اليقين والتّوكُل على الله سبحانه وتعالى ومن استيداع أبنائه ومن الصبر
﴿قَالَ لَن أُرسِلَهُۥ مَعَكُم حَتَّىٰ تُؤتُونِ مَوثِقا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأتُنَّنِي بِهِۦ﴾ هذا يكون جوابًا لليمين لأن المعنى حتى تحلفوا
﴿لَتَأتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُم﴾ يعني إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به يعني كان هناك ما يمنع ذلك مما لا قدرة لكم على رده ﴿إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُم﴾، لا تمتنعون من الإتيان به إلا بالإحاطة بكم لا تمتنعون منه لعلّة من العِلل ﴿إِلَّآ﴾ لعلّة واحدة وهو ﴿أَن يُحَاطَ بِكُم﴾، هذا يدل كم كان يعقوب عليه الصلاة والسلام عنده حب لبنيامين وحرص عليه وخوف من أن يضيع بنيامين كما ضاع يوسف عليه الصلاة والسلام فماذا كان منهم؟
﴿فَلَمَّآ ءَاتَوهُ مَوثِقَهُم﴾ ماذا أعطَوا الموثق؟ أعطوا العهد؟ حلفوا بالله قيل حلفوا بالله ربّ محمد عليه الصلاة والسلام، في هذا الموقف عندما طلب منهم العهد والميثاق، حلفوا بالله، واللهِ ربّ محمّد عليه الصلاة والسلام.
فإن قال قائل وكيف ذلك ومحمّد لم يأت بعد عليه الصلاة والسلام؟ لكن اسم محمّد صلى الله عليه وسلم قد اشتهر في الملأ الأعلى أولًا بين سكان السماوات من الملائكة، ثم ما من نبيّ بعثه الله تعالى إلا بَشّر بمحمّد عليه الصلاة والسلام لذلك هذا الاسم عُرف عندهم وأقول: وإذا كانت الأمم من زمان يعقوب ومن قبل ذلك تُعظّم محمدًا صلى الله عليه وسلم فكيف ونحن أمّة محمد عليه الصلاة والسلام كيف لا نعظمه؟ وكيف لا نتوسّل به؟ وكيف لا نتبرّك به؟ وكيف لا نزوره بل وكيف لا نكثر من زيارته؟ وهو عليه الصلاة والسلام الذي قال: “لا تجعلوا قبري عيدًا”، معناه العيد كم مرة يأتي؟ عيد الفطر وعيد الأضحى لا تجعلوا زيارتي قليلة كالعيد الذي يأتيكم، أكثروا من الزيارة، ليس معناه لا تزوروا قبري لا تجعلوا قبري عيدا سبحان الله، الله تعالى قسم الأفهام قسم الأرزاق بعض الناس يقرأون هذا الحديث فيفرح ويقول: إذًا أنا ما استطعت أُكْثِرُ من زيارة النبيّ عليه الصلاة والسلام وبعض الناس حُرم الفهم فعندما يقرأ هذا الحديث، وهذا قرأ حديثا وهذا قرأ حديثا، يقول: إذا أنا لا أزوره. لا تزور من؟ أنت تقول: أنا لا أزوره؟ تقول: أنا لا أزور محمّدا؟ أتدري ما تقول؟ أيَّ هذيان تهذي به؟ تقول أنا لا أزور محمّدا؟ فإذًا كان هؤلاء إخوة يوسف حلفوا بالله ربّ محمّد صلّى الله عليه وسلم عندها قال أي يعقوب عليه السلام:
﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيل﴾ يعني على ما نقول من طلب الموثق وإعطائه، الله وكيلٌ علينا، الله رقيب ومطلّع، فإذًا وصل هنا في هذا الموضع أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ذُكِر أنه سيبعث بنيامين مع بقية إخوانه إلى عزيز مصر بناءً على طلب عزيز مصر، وحتى يزدادوا كيْل بعير وحتى يستردوا ولده شمعون الذي هو أيضا هناك
﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد وَٱدخُلُواْ مِن أَبوَٰب مُّتَفَرِّقَة وَمَآ أُغنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيءٍ إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾
لما أعطى أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام أباهم عهدهم وميثاقهم على الوفاء بما اشترطه عليهم﴿قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيل﴾ الله شهيد ولما رأى ما رأى يعقوب عليه الصلاة والسلام من اجتماع أبنائه وإرادتهم الخروج إلى مصر، عندها يعقوب عليه الصلاة والسلام أوصاهم، أوصاهم بعدما أذِنَ لأخيهم بنيامين بالرّحيل معهم قال لهم: ﴿يَٰبَنِيَّ لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد﴾ الآن هذا فيه حكمة قال ﴿لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد﴾
مصر كم بابا كان لها في ذلك الوقت؟ أربعة أبواب
قال: ﴿يَٰبَنِيَّ لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد وَٱدخُلُواْ مِن أَبوَٰب مُّتَفَرِّقَة﴾، لماذا قال يعقوب عليه الصلاة والسلام لأبنائه ﴿لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد وَٱدخُلُواْ مِن أَبوَٰب مُّتَفَرِّقَة﴾؟ لماذا طلب يعقوب عليه الصلاة والسلام من أولاده أن يتفرقوا على أبواب مصر وأن لا يدخلوا من باب واحد؟ لأي شيء؟ هذا فيه فائدة كبيرة، ما هي؟
الجمهور من المفسرين على أن يعقوب عليه الصلاة والسلام خاف عليهم العين خاف أن يُصابوا بالعين نحن نتكلم عن نبيّ رسول وانظروا ماذا قال سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام وكيف خاف على أبنائه وهم رجال كبار خاف عليهم كانت أجسادهم قوية طوال وهم عدد وهم أبناء يعقوب. إذا قال قائل في المرة الأولى لما ذهبوا لم يقل لهم هذا؟ ما كانوا معروفين، أما هذه المرة صاروا معروفين فلجمالهم وجلالة أمرهم، هنا في هذه المرة خشي عليهم لأنهم قد عُرفوا فخاف عليهم من الإصابة بالعين، العين حق، حق يعني شيء ثابت العين حق
فائدة: وهنا نقف قليلًا عند أمر الإصابة بالعين، عندنا وجوده أي وجود الإصابة بالعين كيف يحدث؟ الله تعالى يحدثه عند النظر إلى الشيء والإعجاب به بنظرة خبيثة يعني بنظرة مع مقصد من المقاصد الخبيثة ينظر الشخص إلى الشيء بنظرة خبيثة نظرة حسد نظرة كبر عجب فخر ليست النظرة البريئة أما النظرة البريئة فلا يصير معها الإصابة بالعين هذا مهم بيانه إنّما مع النظرة الخبيثة ينظر النظرة الخبيثة فيخلق الله تعالى في هذا الشيء الذي هو منظور نقصانا وخللا
كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يُعوّذ الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فيقول: “أعيذكما بكلمات الله التّامّة من كل هامّة ومن كل عين لامّة”، بكلمات الله التامّة التي لا يتخللها نقصٌ، من كل هامّة ما هي الهامّة؟ الهامّة ما يقتل بالسمّ ونحو ذلك كالحية ونحوها هذه يقال لها هامّة، قال: “أعيذكما بكلمات الله التامّة من كل هامّة ومن كل عين لامّة”، العين اللامّة هي العين التي تصيب عند النظر بسوء لذلك يقول الفقهاء: هذا عائن حتى كانوا يقولون من كان عنده هذا، بعضهم هكذا كان يؤتى به من بلد إذا نظر إلى الشيء يقع فورًا لو جمل يبرك فكان من العلماء يقول:
(من كان هكذا هؤلاء كانوا يحبسونهم عن الناس يعزلهم عن الناس لشدة ضررهم)
هذا الذي يقال له العائن، وعندما يعوّذ النبي عليه الصلاة والسلام الحسن والحسين أو يعلمنا أن نستعيذ بالله من شيء إذا نحن نؤمن بوجود هذا الشيء فليس لأحد أن ينكر أمر الإصابة بالعين أو أمر حصول الحسّاد أو أمر حصول السحر لأن هذا كله جاء ذكره في القرآن الكريم، وكذلك كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يُعوّذ الحسن والحسين منه ويعلم أمته عليه الصلاة والسلام أن تتعوذ منه فهذا حق منكره جاهل جاحد، يوجد من المعتزلة من ينكر هذا، يقولون:
هذا خرافة حتى إن بعضهم يقول: هو هذا شيء؟ إذا قلنا: لأجل أنه ورد اسمه، فنقول: هذا من باب أنه هو شيء نفسيّ، بل هو شيء محسوس ما يدل من النّصوص مما جاء يدل على أنه شيء محسوس حقيقي. مما أثبته الشرع الشريف من الأسباب العادية: العين، فقد أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن العين تضُرّ” أي بقضاء الله وقدره، الإصابة بالعين لا تعارض بينها وبين الإيمان بالقضاء والقدر فإننا نؤمن بالقضاء والقدر ونؤمن أن كل ما يجري بمشيئة الله تعالى ما كان خيرًا بمشيئة الله وبخلق الله وبعلم الله وما كان شرًّا بمشيئة الله بتقدير الله بخلق الله بعلم الله، الله قال ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَٰهُ بِقَدَر﴾ ومع ذلك فإننا نأخذ بالأسباب ، إذا مرض أحدنا فيسعى إلى الطبيب مع أنه يذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفِينِ﴾ ومع يقيننا بأن الله تعالى هو الذي يطعمني ويسقين فمع ذلك أشرب وأطعم وهذا لا يكون ضد عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر فإذا يحصل ضرر بمشيئة الله، بقضاء الله ولا تحصل الإصابة بالعين إلّا من نظرة حسد أو عجب، أمّا مجرد النظرة البريئة التي لم يكن معها حسد ولا عجب ولا فخر لا يحصل منها إصابة بالعين، أليس قلنا مع النظرة الخبيثة؟ إذا نظر العائن بنظرة خبيثة فيخلق الله تعالى بمشيئته ضررًا يحصل ضرر ونقصان فتصير الإصابة بالعين. هل يُشترط أن هذا العائن الذي نظر حتى يصيب بالعين أن يتكلم عندما ينظر؟ أم فقط بمجرد النظر؟ ماذا يقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في أحكام القرآن؟ يقول:
(إذا لم يتكلم العائن أي الشخص الذي يصيب بعينه أي يضر بعينه بما يدل على الإعجاب بالشخص أو الشيء الذي أعجبه لا يحصل الضرر، إنّما يحصل الضرر إذا تكلم الشخص العائن)
يعني نظر نظرة خبيثة وتكلم وهذا قول بعض العلماء ولكن قال بعض العلماء وهذا عليه مشايخنا: (يحصل الضرر لو لم يتكلم)
يعني مع حصول النظرة الخبيثة لو لم يتكلم يحصل بإذن الله تعالى أمر الإصابة بالعين فالذي ينكر الإصابة بالعين فقد خالف الشريعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أثبت ذلك فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“العين حق” حق يعني شيء ثابت “العين حق فلو كان شيء سابق القدر، سبقته العين”، “العين حق” أي شيء ثابت لو كان شيء يغلب قدر الله تعالى لسبقت العين القدر لكن هذا استدراك معناه هذا لا يكون، لا شيء يغلب قدر الله، معناه العين لها تأثير كبير لكنها بتقدير الله، إذا هي لا تعارض تقدير الله ولا تغلب تقدير الله تعالى، لو كان شيء سابق القدر لكانت العين لكن لا شيء سابق القدر، بل كل شيء يحصل بتقدير الله عزّ وجل يفهم من الحديث أنه لا شيء يؤذي أو ينفع إلا بمشيئة الله تعالى
أحيانًا يقع شخصٌ عن درجةٍ واحدة أو عن كرسيه فتجده بسبب ذلك صارت فيه علّة لسنوات وهو يتعالج منها وقد لا يبرأ منها، وتجد واحد أحيانًا قد يقع من جبل شاهق من مكان مرتفع وينزل ويمشي بقدرة الله تعالى، سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام ألقي في بئر في غيابة الجبّ ألقي في بئر ومع ذلك الله تعالى قدّر أن هذه البئر لا تكون مغمورة بالماء وجد صخرةً سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، في داخل البئر تيسرت له صخرة تعلّق بها حتى لا يغرق في الماء، ليس هو الذي قدّر، بئر موجودة مضى عليها ما مضى، وصارت هذه البئر مباركة لما فيها من بركة يوسف عليه الصلاة والسلام، ثمّ إخوانه لما سمعوا صوته قالوا: هذا لم يمت فصاروا يلقون الحجارة عليه حتى يقتلوه وهو غلام صغير ما مات وماذا صار؟ صار ملك مصر، صار ملك مصر. إذًا لا شيء يؤذي ولا شيء ينفع إلا بمشيئة الله تعالى. قد واحد يأكل السمّ ولا ينضَر وقد يأكل واحد طعاما اعتنى به عناية كبيرة في شرائه والبحث عنه وفي حفظه فأكله فخفي عليه أن هذا مهلك لكبده فقتله لا شيء يؤذي ولا شيء ينفع إلا بمشيئة الله، هذا استقراره في نفسك يعطيك راحة كبيرة ، مما يدل كذلك في كتاب الله تعالى على أمر الإصابة بالعين من الكفار الذين كانوا في زمن النبيّ محمد عليه الصلاة والسلام من شدّة اغتياظهم منه إبليس لعنه الله كم كان مغتاظًا من نبيّنا عليه الصلاة والسلام؟ وكم مرة يأتي بشعلة ومعه جيش من الشياطين لأجل أن يهجم على النبيّ عليه الصلاة والسلام ويرده الله سبحانه وتعالى؟ والشيطان في غيظ من كل من يتعلم علم أهل السنة في غيظ شديد، كل من يتعلم تنزيه الله ويعلّم أن الله موجودٌ بلا مكان ويعلّم التوسل بالنبيّ عليه الصلاة والسلام والتبرك برسول الله صلّى الله عليه وسلم ويعظم قدر محمّد صلى الله عليه وسلم يا غيظ الشيطان منه،
فالكفار أرادوا أذيَة النبي ﷺ فكانوا حتى بعيونهم ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزلِقُونَكَ بِأَبصَٰرِهِم لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكرَ﴾
قالوا: هذا دليل من القرآن الكريم على أمر الإصابة بالعين، هذا دليل، المعنى يا محمّد إن الكفار يكادون يحاولون، يكادون، الكفار أرادوا أن يضروا النبي ﷺ بأعينهم لكن الله حفظ محمدًا ﷺ من ذلك فهم من شدّة غيظهم وحسدهم لو تنفّذ لهم لأكلوه بأعينهم لو استطاعوا من شدة غيظهم لأكلوا النبي ﷺ بأعينهم، لكن الله تعالى حفظه من أن ينضر بأعينهم مهما غضبوا منه ومهما حسدوه
لبيد بن الأعصم ذاك اليهودي عمل سحرًا أيضًا للنبي ﷺ لكن ما أثّر في فكر النبي ما اختل فكره، لو حاول الكفار أن يفعلوا مثل هذا لا يستطيعون أن يحدثوا خللا في فكر النبي، الأنبياء محفوظون من ذلك. إذا الأنبياء لا يحصل معهم سبق لسان ،الأولياء يحصل معهم سبق لسان لكن الأنبياء لا يحصل معهم سبق لسان الأنبياء لا يحصل لماذا؟ لأن الأنبياء يبلغون لو كان يحصل منهم هذا أو يحصل معهم خلل في الفكر لجاء واحد وقال: وما يدريني لمَّا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام في أمر الصيام كذا وكذا ما يدريني لعل هذا كان عندما كان فكره قد اختل أو عندما كان قد سبقه لسانه فهذا لا يحصل.
في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “العين حق” ما معنى العين حق؟ شيء ثابت، العين حق يشرح عليه الصلاة والسلام كيف يكون حصول العين “يحضرها الشيطان وحسد بني آدم” رواه أحمد.
ما معنى يحضرها الشيطان وحسد بني آدم؟ هذا العائن ينظر بنظرة خبيثة مع كلام أو من غير كلام يتزامن هذا مع حضور الشيطان الذي يريد إيذاءه فبهذه النظرة الخبيثة يدخل الشيطان مع النظرة الخبيثة فيصاب هذا الإنسان بالعين، أما لو قال الشخص عند النظر إلى الشيء الذي يعجبه: اللهم بارك فيه ولا تضره ونحو ذلك فلا يحصل ضرر للشخص، يكون حصن ذلك الإنسان
روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من وجد في نفسه أو ماله أو ولده ما يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق” ماذا يفهم من هذا الحديث؟ أن الشخص قد يصيب نفسه بالعين إذا نظر إلى نفسه، لكن أي نظر؟ نظرة العجب والكبر وتكلم عن نفسه صار يتكلم عن نفسه مع الفخر هنا مع نية الفخر، نظرة العجب، نظرة الكبر وصار يتكلم عن نفسه قد يصيب نفسه بالعين، واسمعوا هذا اسمعوا هذا يا من تتهاونون في أمر التحصين يا من تتركون التحصين وتظنون أنكم في منأى عن ذلك، أقوى وقت للتحصين بعد الفجر وبعد المغرب، وهنا في إيقاع أوراد التحصين في هذا الوقت من الفجر إلى ثلاث ساعات ومن المغرب إلى ثلاث ساعات هذا الوقت يحصل فيه من سر التحصين بأوراد التحصين ما لا يحصل في غيره من الأوقات لا نقول لا ينفع لو أنه بعد ذلك تحصّن بل فيه ثواب وفيه نفع لكن لا يحصل هذا السر، لا يحصله الذي يكون في هذا الوقت، اسمعوا هذا الحديث وأنا أعلمُ أناسا لعلَّ بعضًا منهم أشرف على الموت ولعلَّ بعضًا منهم مات، كان إصابة بالعين. اسمعوا ماذا قال عليه الصلاة والسلام وقد روى البزّار في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقدره بالأنفس”
يعني أكثر فناء الأمة المحمدية بالعين، تجد في المستشفيات حالات لا يعرفون ما هو السبب ما هو العلاج رفعنا أيدينا عنه، لا علاج له فجأة حصل معه هذا لا نعرف، عين، أكثر من يمرض مرضًا هكذا النبي ﷺ يقول، أكثر من يمرض مرضًا يؤدي إلى الموت في أمة النبي ﷺ من العين “أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقدره بالأنفس”، أي مع كتاب الله وقدره يعني على حسب قضاء الله وقدره يكون، هذا معناه يصاب بمرض بسبب الأنفس، الأنفس يعني بالأعين “أكثر من يموت قال عليه الصلاة والسلام من أمتي بعد كتاب الله وقدره بالأنفس” بالأنفس يعني بالعين يفهم من ذلك أنّ كثيرًا من الأمراض المُعضلة التي لا ينجح فيها علاج الأطباء تكون من العين، أكثر الأمراض المعضلة من السرطان وغيرها، فجأة حصل معه ذلك من أي شيء هذا؟ كان من أمر العين بالأنفس بتقدير الله سبحانه وتعالى، علامة العين أن الإنسان قد يكون بحالة الصحة لا يشكو شيئًا فإذا به فجأة يصاب بسخونة أو بوجع عين أو بفالج أو بحمى أو غير ذلك من الأمراض بل قد يصيبه العمى، سمعتم بالشيخ محمد رفعت المصري القارئ الشهير رحمة الله عليه صاحب الصوت الجميل قيل: إنه كان في صغره يمشي مع أبيه فأُعجب رجل بحسن عينيه فنظر قال هذا كأولاد الملوك من هنا أصيب وبقي عمره أعمى، إلى أن توفي رحمه الله
وقد روى سيدنا علي رضي الله عنه أن الحسن والحسين أصيبا بالعين فمرضا فاكتأب رسول الله يعني حزن عليه الصلاة والسلام مما أصابهما فجاءه جبريل، هذان من؟ سبطا النبي عليه الصلاة والسلام ابنا علي وفاطمة جدهما رسول الله عليه الصلاة والسلام أصيبا بالعين حزن النبي عليه الصلاة والسلام مما أصابهما فجاءه جبريل فقال:
يا محمد إني أراك مكتئبا فقال: “إن الحسن والحسين مصابان فقال له: عوّذهما فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم بم أعوذهما؟ فقال له: قل” وهذا الدعاء من أقوى ما عَلمت في أمر علاج إصابة العين “اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم ذا الرحمة الكريم وليَّ الكلمات التامات والدعوات المستجابات عافِ حسنًا وحسينًا من أنفس الجنّ وأعين الإنس”، هذا رواه بن عساكر فرقاهما رسول الله ﷺ بما علمه جبريل من هذا التعويذ فقاما يلعبان ما بهما شيء
“اللهم ذا السلطان العظيم والمنّ القديم” المن القديم الإحسان، “ذا الرحمة الكريم ولي الكلمات التآمات والدعوات المستجابات” إن كنت تحصن نفسك تقول: “عافني” وإن كنت تحصن غيرك تقول: “عاف فلانا” تقولها ثلاثا وعند تحصينك وأقوى إن قلتها سبعا صباحًا وسبعًا مساء.
ورُوِي عن سيدنا علي أنه قال: “عوِّذوا بهؤلاء الكلمات أنفسكم ونساءكم وأولادكم” رواه البيهقي
﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدخُلُواْ مِن بَاب وَٰحِد وَٱدخُلُواْ مِن أَبوَٰب مُّتَفَرِّقَة﴾
قلنا: الجمهور على ماذا؟ على أن هذا في أمر الإصابة بالعين خاف عليهم من العين
وقيل: إنه أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم ومع أنه طلب منهم أن يأخذوا بهذه الأسباب
﴿وَمَآ أُغنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيءٍ﴾ أي إن كان الله أراد بكم سوءًا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة
﴿إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ معناه القضاء النافذ قضاء الله، مرت معنا في نفس هذه السورة ﴿إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ معناه في العبادة والدّين معناه الدين من الله وما يُتعبد به من الله سبحانه وتعالى وهنا معنى ﴿إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾
انظروا كلمة الحُكم هناك كان لها معنى وهنا لها معنى ﴿إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، هنا معنى القضاء النافذ هو قضاء الله سبحانه وتعالى وليس كما بيّنّا من قبل في هذه السورة الكريمة ما ذهب إليه من يقول: بما يسمى الحاكمية فحكم بالكفر على كل من خالفه وهو مذهب الخوارج الذين كفّروا عليًّا ومعاوية والحَكمين ومن تبعهم قالوا: هؤلاء قبلوا بغير حكم الله تعالى ما سمعنا في صلاة القيام ﴿وَمَن لَّم يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلكَٰفِرُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّم يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلفَٰسِقُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّم يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾، البراء ابن عازب قال:
(نزلت في اليهود الذين أنكروا حكم رجم الزاني المحصن)
أمّا مَن حكم بقانون يخالف الشريعة وهو لا يستحله ولا يجحد حكم الشرع لا نقول له كفرت، لكن إذا خالف حكم الشرع فإنه يقع في المعصية أما إذا جحّد حكم الله تعالى كذّب القرآن الكريم هنا والعياذ بالله يخرج من الإسلام بذلك، فهؤلاء مثل ما قال سيدنا علي كرّم الله وجهه لما قالوا هذا ماذا قال سيدنا علي؟ (كلمة حق أريد بها باطل)
﴿إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُتَوَكِّلُونَ﴾، التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه.