بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ (79) فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ (80) ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ (81) وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ (82) قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ (83)﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞ قَالُوٓاْ إِن يَسرِق فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفسِهِۦ وَلَم يُبدِهَا لَهُم قَالَ أَنتُم شَرّ مَّكَانا وَٱللَّهُ أَعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿٧٧﴾﴾
قال إخوة يوسف بعد أن وجد صواع الملك في رحل بنيامين، هو بنيامين لم يكن سارقا وإنما وضع هذا الصواع في رحله لمصلحة رآها سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام لمصلحة دينية لأمر محمود شرعا، ووجد يوسف عليه الصلاة والسلام هذا حيلة لاستبقاء بنيامين عنده في مصر وما كان يمكنه أن يتوصل إلى هذه المصلحة إلا بهذه الحيلة، فهذا ليس سيئًا من يوسف، ولا يعاب سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام عليه ثم هو أيضا قد أعلم أخاه بنيامين بهذا التدبير فلم يكن هناك ما يفجع بنيامين أو يجعله في خوف أو في اضطراب بل هي حيلة حتى يبقى بنيامين مع يوسف عليه الصلاة والسلام فلما وجد صواع الملك، والذي هو السقاية، كان يشرب فيه الملك ثم بعد ذلك لعزة أمر الطعام جعلوا هذا صاعًا يكيلون به، اختفى ثم جعل هذا في رحل بنيامين فلما وجد في رحل بنيامين ماذا كان من إخوانه؟ وهم من تقدم منهم ما تقدم في إيذاء يوسف عليه الصلاة والسلام وفي إيذاء يعقوب عليه الصلاة والسلام تقدم منهم أفعال خسيسة لم يدافعوا حتى عن بنيامين
بل ﴿ قَالُوٓاْ إِن يَسرِق فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾ وهم يقولون هذا في حضرة من؟ في حضرة يوسف، وهم لا يعلمون أنهم أمام يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿ قَالُوٓاْ إِن يَسرِق فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾ فأرادوا يوسف عليه الصلاة والسلام ثم ما هو قصدهم بأن يوسف قد سرق من قبل؟ قبل هذا نحن كنا قدّمنا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمهم الله سبحانه وتعالى من الكفر ومن الكبائر ومن صغائر الخسّة قبل النبوة وبعدها، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أول نشأتهم لا ينكرون وجود الله بل هم مؤمنون بالله وهم عارفون بالله حتى قبل أن ينزل الوحي بالنبوة على النبي قبل ذلك يكون مصدقًا بوجود الله فإذًا الأنبياء جميعًا على لا إله إلا الله وليس فيهم من هو سارق ليس فيهم من عبد صنمًا ليس فيهم من شك في الله، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما جنّ عليه الليل فرأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس ويقول: هذا ربي هذا على وجه الإنكار على قومه الذين كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب فكذلك الأنبياء محفوظون من الكبائر، لا تحصل سرقة من نبي من الأنبياء
ما معنى قول إخوة يوسف ﴿فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾؟ ﴿ قَالُوٓاْ إِن يَسرِق﴾ عن بنيامين
﴿فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾ لماذا هم قالوا هذا؟ يقال: إنهم يقصدون بذلك السرقة التي نسبوها ليوسف عليه الصلاة والسلام ما هي؟ وما سرق سيدنا يوسف لكن يقال: رأى مرة صنمًا في بيت بعض أقاربه من جهة أمه، أمه راحيل أم يوسف عليه الصلاة والسلام وبنيامين، هما أخوان شقيقان، اسمها راحيل، بعض أقاربه من جهة أمه في بيتهم كان يوجد صنم فيوسف في صغره دخل وأخذ الصنم وكسره وأتلفه فعبّروا عنه بهذا التعبير اعتبروا ذلك سرقة جهلا بحقيقتها.
الأنبياء من شأنهم إنكار المنكر لا يسكتون على الكفر، المنكر الذي هو دون الكفر لا يسكتون عنه فكيف بالمنكر الذي هو كفر؟ الأنبياء كانوا ينكرون المنكرات ومن أصول ديننا في شرعنا الحنيف إنكار المنكر،وهذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام لما عرف عن هذا الصنم في بيت بعض أقاربه من جهة أمه ماذا فعل؟ دخل أخذ الصنم كسره وأتلفه فماذا صار البعض يقول؟ يقول سرق هم ما عرفوا حقيقة ما الذي هو فعله، هذا قول، لماذا قالوا ﴿فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾
وقيل: كان في المنزل دجاجة فجاء سائل فيوسف عليه الصلاة والسلام أعطى الدجاجة السائل فبعضهم عبّر بهذا التعبير قال: ﴿سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾
وقول ثالث قيل: بأنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ الطعام من البيت ويطعمه للفقراء والمساكين لذلك هؤلاء ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوٓاْ إِن يَسرِق فَقَد سَرَقَ أَخ لَّهُۥ مِن قَبلُ﴾ هذا الذي كان من سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام.
ثم إنهم لما استخرجوا الصاع ،صواع الملك من رحل بنيامين إخوته نكّسوا رؤوسهم حياءً، وأقبلوا عليه أقبلوا على بنيامين قالوا: فضحتنا وسوّدتَ وجوهنا، هم من يقولون هذا وهم من فعل ما فعل؟ قالوا: سوّدتَ وجوهنا، ثم انظروا ماذا قالوا؟ قالوا: يا بني راحيل ،من هم بنو راحيل؟ يوجد راحيل ويوجد زلفة ويوجد بلها، راحيل هي أم يوسف وبنيامين، وهذا في حضرة يوسف وهم لا يعلمون أنه يوسف قال: يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟ هذا يدل على كم كان في قلوبهم على بني راحيل على يوسف وبنيامين قال: لا يزال منكم بلاء علينا قال: متى أخذت هذا الصاع؟ فرد عليهم بنيامين فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، الذي وضع البضاعة في الرحال هو هذا الذي وضع الصواع في رحلي لست أنا من فعل. يوسف عليه الصلاة والسلام يسمع هذا التمادي هذه المبالغة وهذا السلوك من إخوانه وطال صبره، وهذا شأن الأنبياء الصبر الصبر على طاعة الله، الصبر في الابتعاد عما حرم الله الصبر على البلاء، هذا شأن أنبياء الله
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفسِهِۦ وَلَم يُبدِهَا لَهُم قَالَ أَنتُم شَرّ مَّكَانا وَٱللَّهُ أَعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾فأسرها يوسف: أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها. قال يوسف:
﴿أَنتُم شَرّ مَّكَانا﴾ أي أنتم شر منزلة في السرق هذا معنى الكلام قال:
﴿أَنتُم شَرّ مَّكَانا﴾ لكن ما هو مراد يوسف عليه الصلاة والسلام أنتم شرٌّ منزلةً في السرق لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه. فماذا تقولون في أمر أخيكم هذا؟ هذا الإضمار الذي عند يوسف عليه الصلاة والسلام قال:
﴿أَنتُم شَرّ مَّكَانا وَٱللَّهُ أَعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ بما تقولون أو تكذبون
الآن بعد أن انتهى الصواع في رحل بنيامين وكان يوسف قد استنطقهم ما هو جزاؤه الذي يوجد؟ أي عندكم ما هو جزاء الذي يوجد الصواع في رحله؟ فقالوا: بأن هذا هو شرع آل يعقوب بأن السارق يُسترقُّ سنة إذًا معنى ذلك سيبقى بنيامين هناك، سيبقى بنيامين هناك في مصر عند يوسف ولن يرجع إلى أبيهم يعقوب ويعقوب عليه الصلاة والسلام كان قد أخذ عليهم العهد والموثق من الله تعالى أنهم سيحافظون على بنيامين ولن يضيعوه كما ضيعوا أخاه يوسف من قبل. والآن ماذا سيقولون لأبيهم؟
﴿قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبا شَيخا كَبِيرا فَخُذ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلمُحسِنِينَ ﴿٧٨﴾﴾.
لما أراد يوسف عليه الصلاة والسلام أن يحبس بنيامين أي أن يستبقيه عنده ووجد إخوته أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه منهم سألوه أن يطلقه ويعطوه واحدا منهم. قالوا: خذ واحدا منّا بدلا عن بنيامين تستبقيه عندك
﴿قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبا شَيخا كَبِيرا﴾ يعقوب عليه الصلاة والسلام شيخ كبير في السن وفي القدر متعلق به مغرم بحبه
﴿فَخُذ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ﴾ أبدله على وجه الاسترقاق أو الاستعباد فإن أباه يتسلّى به عن أخيه المفقود يتسلّى به يعني يخفف أبوه عن نفسه به يعني ببنيامين عن ولده يوسف
﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ أي نراك من المحسنين إلينا فأتمم إحسانك أو نرى من عادتك الإحسان فاجرِ على عادتك ولا تغيرها.
هكذا طلبوا من يوسف عليه الصلاة والسلام.
﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأخُذَ إِلَّا مَن وَجَدنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذا لَّظَٰلِمُونَ ﴿٧٩﴾﴾
نعوذ بالله معاذًا من ﴿أَن نَّأخُذَ إِلَّا مَن وَجَدنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ﴾ لَنْ آخُذَ.
يُوسِفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ يقول لهم: لَنْ آخُذَ أَحَدَكُمْ مَكَانَهُ
ما معنى إذا قوله ﴿إِنَّآ إِذا لَّظَٰلِمُونَ﴾ إذًا جوابٌ لهم وجزاء لأن المعنى إن أخذنا بدله ظلمنا لماذا؟ وهذا لأنه وجب أي ثبت على قضية فتواكم أنه في شرع آل يعقوب السارق ماذا يفعل به؟ هو يؤخذ ويُسترقّ لمدة سنة ولا يؤخذ غيره به، ما تبحث عن كفيل عن شخص آخر تقول هذا مكان هذا؟ هذا يكفل هذا، آخذ هذا مكان هذا، فيؤخذ من على حسب ما قلتم؟ من وجد الصاع أو الصواع في رحله فلو أخذنا غيره كان ظلمًا في مذهبكم فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم؟ إذًا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام ما قَبِلَ ذلك منهم ما قَبِل، يريد أن يأخذ بنيامين، وصلوا إلى مرحلة أيِسوا
﴿فَلَمَّا ٱستَيـَٔسُواْ مِنهُ خَلَصُواْ نَجِيّا قَالَ كَبِيرُهُم أَلَم تَعلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُم قَد أَخَذَ عَلَيكُم مَّوثِقا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبلُ مَا فَرَّطتُم فِي يُوسُفَ فَلَن أَبرَحَ ٱلأَرضَ حَتَّىٰ يَأذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَو يَحكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ ٱلحَٰكِمِينَ ﴿٨٠﴾﴾
لما يأسوا من يوسف عليه الصلاة والسلام وإجابته إياهم فيما سألوه من قبول المبادلة، إذًا هذه كانت مرحلة ماذا؟ طلب المبادلة، يئسوا من خلاصه، إنه هذا الصواع عند بنيامين سيأخذونه؟ كل ما كانوا يحاولون، خذ واحدا مكانه، لا ندري بأي وجه سنرجع إلى أبينا، سيكون هذا الثاني، يوسف ثم هذا الذي بعده. لما يئسوا من قبول يوسف لعرضهم بالمبادلة
﴿خَلَصُواْ نَجِيّا﴾
خلصوا نجيا: أي انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم لذلك عبّر بقوله نجيا: أي ذوي نجوى نجيّا أي ذوي نجوى
أو خلصوا نجيّا أي فوجا نجيّا أي مناجيًا، يعني كالذي يبالغ في التناجي؛ لذلك قال: خلصوا نجيّا أي يبالغ في التناجي، خلصوا ويئسوا، الآن يجتمعون يريدون أن يخلصوا إلى شيء خلصوا نجيّا مناجيًا المناجاة بعضهم بعضا
أو خلصوا نجيا تمحّضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه، يعني كالذي بالغ بجدٍ واهتمام في أن ينفرد، فيقال عن الذين فعلوا هذا: خلصوا نجيّا كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، فالنجيّ يكون بمعنى المُناجيّ، كالسمير بمعنى المسامر، وكذلك بمعنى المصدر الذي هو التناجي لذلك ماذا قال؟ أولًا في الأول
قال: استيأسوا معناه في يأس شديد، ثم بعد ذلك ما قال تناجوا خلصوا نجيّا معناه: في غاية التدبير إلى أن يكونوا في المُناجاة وهم سيستغرقون في مناجاتهم؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى رأي، الآن ماذا سيقولون لأبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام عند رجوعهم. وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ قال كبيرهم: قال كبيرهم في السن واسمه روبيل أو كبيرهم في العقل والرأي يعني أكثر واحد فيهم وهو يهوذا أو كبيرهم رئيسهم وهو شمعون وهو الذي كان استبقاه يوسف عليه الصلاة والسلام في المرة الأولى عندما ذهبوا للميرة عندما امتاروا استبقاه حتى يرجعوا ببنيامين
﴿قَالَ كَبِيرُهُم أَلَم تَعلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُم قَد أَخَذَ عَلَيكُم مَّوثِقا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبلُ مَا فَرَّطتُم فِي يُوسُفَ﴾ ومن قبل ما فرّطتم هذه ما صلة المعنى أي ومن قبل هذا قصّرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم، أو يقال هنا: ما هي المصدرية يعني من قبل تفريطكم ومن قبل ما فرّطتم. المعنى: وقع من قبل تفريطكم، هذه يُقال لها: ما المصدرية، ومن قبل ما فرّطتم في يوسف، معناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف وأنتم الآن فرّطتم بمن؟ ببنيامين لقد أخذ عليكم أبوكم ميثاقًا وعهدًا في حفظ أخيكم بنيامين وردِّهِ إليه إلا أن يحاط بكم أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به وها أنتم تفرّطون فيه كما فرّطتم في أخيه يوسف من قبله. ماذا كان رأي هذا الكبير؟
قال: ﴿فَلَن أَبرَحَ ٱلأَرضَ﴾ أرض مصر يعني أنا سأبقى عندهم إلى متى؟
﴿حَتَّىٰ يَأذَنَ لِيٓ أَبِيٓ﴾ يعني في الانصراف ارجعوا إلى أبيكم أنا سأبقى حتى يأذن أبي لي في الانصراف إليه
﴿أَو يَحكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بالخروج من هذه الأرض أو بالموت أو في قتالهم لكن معناه كان الرأي عنده ما له وجه أن يرجع فيلقى أباه يعقوب، هم قد أضاعوا بنيامين وقبل ذلك قد فرطوا في يوسف فقال: أنا أبقى هنا، ترجع إلى أبي تقول: أنا أبقى حتى يأذن
﴿أَو يَحكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ ٱلحَٰكِمِينَ﴾ لأن الله سبحانه وتعالى حكمه عدل لا يحكم إلا بالعدل.
فائدة: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ معناه الله عدل فيهم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله لو عذّب أهل أرضه وسماواته لعذّبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم”. أليس قال ابن رسلان الشافعي:
كذا له أن يُؤلم الأطفال *** ووصفه بالظالم استحالا
﴿وَهُوَ خَيرُ ٱلحَٰكِمِينَ﴾ أقبل بحكم الله سبحانه وتعالى
﴿ٱرجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُم فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمنَا وَمَا كُنَّا لِلغَيبِ حَٰفِظِينَ ﴿٨١﴾﴾
طلب منهم الرجوع إلى أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وإخباره بما كان من سرقة أخيهم بنيامين على زعمهم لصواع الملك قال:
﴿ٱرجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُم فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبنَكَ سَرَقَ﴾ وقُرِئَ سُرِّقَ، إن ابنك سرق وفي قراءة ابنك سُرّق أي نُسِب إلى السرقة إن ابنك سرق وفي قراءة سرّق أي نُسِب إلى السرقة
﴿وَمَا شَهِدنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمنَا﴾ ما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا من سرقته وتيقنا إذا الصواع استخرج من وعائه يعني قالوا: نحن نشهد عليه
﴿وَمَا كُنَّا لِلغَيبِ حَٰفِظِينَ﴾ وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق.
واسأل القرية يقول لهم: قولوا لأبيكم ما تقدم وزيادة
﴿وَسـَٔلِ ٱلقَريَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقبَلنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴿٨٢﴾﴾
قولوا لأبيكم إن كنت متهما لنا ولا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق فاطلبوا منه أن يسأل القرية هذا مجاز ماذا يقال له؟ مجاز الحذف ماذا قال؟ واسأل القرية وهو هل سيسأل جدران القرية؟ واسأل القرية واسأل أهل القرية، وهذا يقال له: مجاز الحذف
وهذا مما يستدل به على التأويل. ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلمَلَكُ صَفّا صَفّا﴾ وجاء ربك: أي أثر من آثار قدرة ربك. ليس المعنى ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلمَلَكُ صَفّا صَفّا﴾ أن الله تعالى يجيء كما نحن نجيء في الصفوف. وجاء ربك: أي وجاء أثر من آثار قدرة ربك التي يُظهرها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عندما يُجر عنق من جهنم جزء من جهنم فينقل إلى أهل الموقف بسبعين ألف زمام تُظهر فتظهر من الأهوال أشياء عجيبة فهذا يقال له: مجاز حذف. دليل مجاز الحذف في القرآن الكريم أيضًا هذا
﴿وَسـَٔلِ ٱلقَريَةَ﴾ واسأل أهل القرية.
﴿وَسـَٔلِ ٱلقَريَةَ﴾ يعني إن كنت لا تصدقنا اسأل أهل القرية هنا أراد مصر. قلنا في ذلك الوقت كانت أراضي مصر أربعين فرسخا في أربعين فرسخا هذه كانت مساحة مصر في ذلك الوقت ﴿وَسـَٔلِ ٱلقَريَةَ﴾ واسأل مصر أهل مصر، فاسألهم عن القصة ما هذه القصة؟ حصل العير والمنادي ومن اجتمع والناس ورسل الملك وعزيز مصر يعني القصة صارت ظاهرة في مصر ﴿وَسـَٔلِ ٱلقَريَةَ﴾ والعير العير قلنا: التي تعير تذهب وتجي هذه التي تذهب وتجي يقال لها: العير
﴿وَٱلعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقبَلنَا فِيهَا﴾ اسأل أصحاب العير أصحاب القافلة الذين كانوا معنا وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه الصلاة والسلام وإننا صادقون: يعني يقولون:
نحن في قولنا صادقون فرجعوا إلى أبيهم رجع إخوة يوسف لكل هذا انظروا من هنا أريد أن تدققوا في هذا وفي ما سيأتي من الآيات كيف صار حال أخوة يوسف من الذِلّة؟
وهذا ما أشار له الحافظ ابن الجوزي في مشاركة جديدة جدا إلى ذلة من يسلك مسلك إخوة يوسف من الحسد والأذى والبعد عن طاعة الله كيف أن الله تعالى يذله، يوجد عبارة أخرى ليست لابن الجوزي لبعض الصوفيّة الصادقين يقولون:
(من طلب الدنيا فليتهيأ للذل) مفتاح الذل أنت تريد أن تجد هذا المفتاح ماذا قال؟
(من أراد الدنيا طلب الدنيا فليهأ نفسه للذل) حتى في الدنيا، هنا عاجل لذلك ينبغي ألا يكون القلب معلقًا بالدنيا لذلك بعض من العلماء لما تكلم في معنى الزهد أعطى معنًى لطيفًا فقال: (أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك) أما أن تقول: أنا زاهد لأن هذا المال ليس معي فقط هذا الأثاث ليس معي هذه السيارة ليست معي هذا المتاع ليس معي ولكن قلبك مشحون بالفكر فيه ما فهمت حقا الزهد قلبك ليس فيه هذا قلبك خلا عن هذه العوالق. وهؤلاء إخوة يوسف عندما تعلقوا بعوالق الدنيا الحسد بداية ما حصل معهم الحسد على ماذا؟ على حب يعقوب عليه الصلاة والسلام ليوسف. لكن المعاصي بريد الكفر يعني المعاصي الاسترسال بها قد يؤدي والعياذ بالله إلى أن الإنسان بعد ذلك يقع في الكفر. لكن بدأت معه بمعصية ثم انتقل إلى غيرها وهذه المعاصي شؤم بعض الناس كان يستمرئ المعاصي وينتقل من معصية إلى معصية لا تستهن بالمعصية لا تنظر إلى صغر المعصية انظر إلى عظمة الله الخالق الذي تعصيه ما تقول هذه معصية وتمر، الآن نظرة إلى أجنبية، مصافحة لأجنبية، خلوة بامرأة أجنبية هنا غيبة هنا كذبة هذه المعاصي يخشى على صاحبها بعد ذلك. لذلك إخوة يوسف عندما سلكوا ذلك المسلك صاروا في حال ذليل وذلتهم ظهرت. وسيأتي زيادة، الآن بعد أن رجعوا إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام سيدنا يعقوب في هم كبير للذي كان من فقد ولده يوسف ثم الآن مصيبة جديدة أخرى فقد بنيامين أحب أبنائه إليه وأخبروه بهذا ماذا كان من يعقوب عليه الصلاة والسلام وحقيقة هذا الموقع من أكثر المواقع في هذه السورة هذا والذي يأتي في الآيات التي بعد يُظهر كم كان صبر نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام وكيف شدة البلاء كانت على يعقوب وكيف هو صبر الأنبياء؟ لذلك عندما كنا نقول: هذه السورة سورة يوسف اسمها المفرجة المفرجة للكرب لأجل هذا لأنه مهما كان همّك كبيرا عندما تستمع لتلاوة سورة يوسف أنت اسمع وانظر إما أن همّك زال أو زال أكثره، على الأقل نسيت كربك وأنت تستمع إلى هذه السورة الكريمة. فماذا كان من يعقوب عليه الصلاة والسلام
﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا فَصَبر جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا إِنَّهُۥهُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ ﴿٨٣﴾﴾
إذًا رجع إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام إلى بلدهم فلسطين وهم مهمومون في ضيق وهمّ حيث أخوهم الصغير بنيامين الذي ائتمنهم عليه أبوهم محبوس عند عزيز مصر وأخوهم الكبير روبيل متخلف هناك في بلاد مصر لأجل أخيه بنيامين ودخلوا على أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام فأخبروه خبر أخيهم الصغير بنيامين وأخيهم روبيل كما طلب منهم أخوهم الكبير
﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا﴾ لم يصدقهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وقال لهم والحزن يملىء قلبه:
﴿بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا﴾ زيّنت لكم أنفسكم أمرا هممتم به وأردتموه وإلا فمن أدرى ذلك الرجل ولا يعلم أنه ولده يوسف من أدرى ذلك الرجل أن السارق يُسترقّ لولا فتواكم وتعليمكم قال:
﴿بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا فَصَبر جَمِيلٌ﴾ فصبرٌ جميل
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا﴾ بيوسف وبنيامين وكبيرهم
﴿فَصَبر جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ﴾ بحالي في الحزن والأسف ﴿ٱلحَكِيمُ﴾ الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة. هذا تسليم سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿فَصَبر جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ﴾ يقول: الله ابتلاني والله تعالى حكيم لحكمة أرادها هذا البلاء الذي أصابني هو سبحانه وتعالى الذي ابتلاني فأنا كيف أقابل ذلك بالصبر