بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ (84) قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (86)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا فَصَبر جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ ﴿٨٣﴾﴾
فإذًا رجع إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام إلى بلدهم فلسطين حيث يعقوب عليه الصلاة والسلام فلسطين التي أسأل الله تعالى أن يعجل بفرجها، فلسطين التي أسأل الله تعالى أن يزيل عنها اليهود وظلمهم ويفرج الكرب عن القدس والأقصى وجنين وكل أرض فلسطين.
رجع إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام إذًا إلى هذا البلد الذي هو حقيقةً بلد مبارك، فلسطين بلد مبارك بنص القرآن الكريم ﴿إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَا ٱلَّذِي بَٰرَكنَا حَولَهُۥ لِنُرِيَهُ﴾ أكثر الوحي كان في فلسطين أكثر الأنبياء كانوا في فلسطين كثير من الأنبياء دفنوا في فلسطين
ورجع إخوة يوسف والذين كانوا أعطوا العهد والموثق على أن يحافظوا على أخيهم بنيامين ولكنهم في كل الأحوال سبق منهم ما كان مع أخيهم يوسف عليه الصلاة والسلام وما كان منهم من الشر الكبير في أذيّةِ يوسف وإلقائه في البئر ومحاولة قتله وما أدخلوا على أبيهم من الفاجعة الشديدة والحزن الشديد فلهم سابقة كبيرة ورجعوا إلى أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وهم في ضيق لأن أخاهم الذي ائتمنهم عليه أبوهم محبوس عند عزيز مصر، وبقي مع بنيامين أخوهم الكبير روبيل فصار هناك، بقي بنيامين وروبيل ومن قبل ذلك يوسف عليه الصلاة والسلام.
فرجعوا في هذه الحال إلى أبيهم يعقوب ماذا سيقولون لأبيهم وقد فعلوا ما فعلوا وبالتأكيد هذا الشيء سيذكرهم فورا بماذا؟ بيوسف؟ أبوهم سيذكر يوسف الحزن عنده كان كثيرا، فالآن تأتي أيضا هذه الحادثة ولده بنيامين لا يرجع فصار يوسف وبنيامين وهما الأحب إلى قلب نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام وهما أخوان شقيقان أمهما راحيل، فلما رجعوا إلى أبيهم يعقوب وأخبروه بالذي كان ﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا فَصَبر جَمِيلٌ﴾ ملأ الحزن قلب يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا﴾ يعني هذا ما زينته أنفسكم لكم أنفسكم زينت لكم أمرا في أمر أخيكم وما هممتم به وما أردتموه ثم أنتم على ما قلتم أنتم نطقتم وأعطيتموه الفتوى وما هو عندنا من أن الذي يسرق يُسْتَرَقّ وهو لا يظن بولده بنيامين وهو الذي نشأ تنشئة صالحة لا يظن به أنه على سوء
ثم كما ذكرت بعض العلماء قال: بأن بنيامين صار نبيا بعد ذلك، يعني من إخوة يوسف، هم اثنا عشر أبناء يعقوب عليه الصلاة والسلام، يوسف عليه الصلاة والسلام صار نبيًّا عندما بلغ الأربعين وفي بعض الروايات عندما بلغ نحو الثلاثين أو ثلاثين وشيء
بنيامين بعض العلماء قال: يحتمل أنه صار نبيًّا.
أما العشرة البقية الآخرون الذين كان منهم تلك الأفاعيل الخبيثة مع يوسف عليه الصلاة والسلام ومع أبيهم فهؤلاء لا يكون منهم نبي لأن الذي تصدُر منهم هذه الخسة لا يُنَبَأ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الشيء الذي فيه خسة حتى قبل النبوة، يعني قبل أن ينزل عليهم الوحي بالنبوة ﴿قَالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرا فَصَبر جَمِيلٌ﴾ هنا نذكر مع يعقوب عليه الصلاة والسلام أمر الصبر.
فائدة:
الصبر أيها الإخوة الذي هو يعبر عنه العارفون ضياء للقلوب والذي يترك الصبر يكون في هلاك لا أحد من البشر يصبر أكثر من أيوب صبره كان كبيرًا ولا من يعقوب ولا من الأنبياء لأن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه وإنما هذه المصائب التي تنزل وتصيب العباد هي حقيقة اختبار لهم نحن نُختبر تجد بعض الناس لو أنه مرض مرضا فأُقعِدَ في الفراش أسبوعا واحدا يرى الدنيا كأنها صارت سوداء حوله بعض الناس إن تأخر المال عنه أو تأخر الرزق عنه تجده في غضب في غيظ حقيقة هذا يدل على ماذا؟ على التعلّق وانشغال القلب بالدنيا وهذا يدل على عدم زهد هذا واحد، اثنان: يدل على عدم الصبر في مراتبه التي ينبغي أن نسعى إليها؛ لأن الصبر مراتب، لأن حال المسلم الكامل يكون على ماذا؟ على الصبر فسيرة الأنبياء في الصبر يعني هل منا من يظن بأنه سيعيش في الدنيا ولن يبتلى ومن أين هذا؟ ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيء مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ وَنَقص مِّنَ ٱلأَموَٰلِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴿١٥٥﴾﴾ فبعض أهل التفسير قال: هذا في سورة البقرة قالوا: هذه تهيئة هذه تهيئة للعباد لأي شيء إلى أن المصائب لا بد أن تصيبكم، لا بد أن تصيبكم فهيئ نفسك فإذا كان هذا ما نقصه مع يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي هو نبي رسول ثم مع يوسف عليه الصلاة والسلام الذي صار أيضا نبيا رسولا فإذا كان هذا يحصل مع الأنبياء فهل تظن أنك ستعيش في هذه الدنيا من غير ابتلاء؟ ولكن إذا لم تُهيئ نفسك قبل أن يصيبك البلاء لم تهيئ نفسك بأن تكون قويا متينا في الطاعة فإنك قد تتزلزل عندما ينزل البلاء ويصيبك
لذلك ماذا كان يقول بعض العارفين: (خذ من خلوتك لجلوتك)
أنت قبل أن تخرج إلى الناس إذا لم تمكّن نفسك فإذا خرجت فإذا جلست في مجلس فيه غيبة قد تنساق معه إلى مجلس فيه لهو قد تنساق معه لكن إذا خرجت من خلوتك قويا خلوتك كانت في طاعة الله سبحانه وتعالى فعندما أنت تخرج فبعدها أنت لا تكون وراء من يمشي إلى معصية الله بل أنت تكون داعية إلى الخير حيث أنت.
لذلك كلمة سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام هي طريق وإرشاد ﴿فَصَبر جَمِيلٌ﴾ تذكر كل ما تأتيك هذه المصيبة ﴿فَصَبر جَمِيلٌ﴾، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيهِ رَٰجِعُونَ﴾
﴿فَصَبر جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا﴾ يعني بيوسف إذًا ذكر أنه قال أن يأتيني بهم إذا لا يزال سيدنا يعقوب تتجدد عليه الأوجاع ويتجدد له الحزن لذلك قال:
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِم جَمِيعًا﴾ يوسف بنيامين وروبيل
﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ﴾
﴿ٱلعَلِيمُ﴾ سبحانه وتعالى بحالي في الحزن والأسف
﴿ٱلحَكِيمُ﴾ الذي لم يبتليني بذلك إلا لحكمة، بعد هذا الذي كان مع يعقوب عليه الصلاة والسلام وهذا الموقف وقد صار واضحا عنده أن بنيامين في مصر وحصل الذي حصل وها هم ثلاثة من أبنائه على رأسهم يوسف ثم بنيامين ثم هذا الثالث روبيل فعندها انظروا كم كان الأمر شديدا على يعقوب عليه الصلاة والسلام؟
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنهُم وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ فَهُوَ كَظِيم ﴿٨٤﴾﴾
تولّى: أعرض نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حزينًا على أولاده وهيّج حزنه الجديد على بنيامين وأخيه روبيل حزنه القديم على يوسف عليه الصلاة والسلام وحرّك ما كان كامنا
أحيانًا قد يكون حزن فينشغل الواحد عنه ثم يأتي كالشيء الذي يكون راكدًا ثم يأتي ما يحرّكه فتحرك الحزن مجددًا كالجرح جاءك ما يذكرك بالجرح جاءك كما يقول لك: أنت مجروح أنت نسيت أنك تنزف لا يقول لك: أنت لا تزال تنزف فراق بنيامين حرّك شيئًا كثيرًا عند يعقوب عليه الصلاة والسلام.
﴿تَوَلَّىٰ عَنهُم﴾: أعرض عنه وتحرّك الحزن
﴿وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ أضاف الأسف لو سألت ما الفرق بين الأسف والحزن الأسف حزن ولكن الأسف أشد الحزن. فماذا قال يعقوب؟ ﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ معنى ذلك هو في درجة عالية جدًا من الحزن الأسف أشد الحزن والحسرة، فأضافها إلى نفسه ﴿قَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ﴾ أنا في حزن شديد في هم شديد إذًا هم يخبرونه عما كان مع بنيامين وروبيل وماذا يجيب سيدنا يعقوب: ﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ إذًا معناه أكبر حزن كان يسكن قلب يعقوب عليه الصلاة والسلام هو الحزن الذي كان على يوسف.
﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبيَضَّت عَينَاهُ﴾ تأسف يعقوب عليه الصلاة والسلام على يوسف وإظهاره لهذا الأسف دليل على أن الرُزْءَ فيه , الرُزْءَ: يعني المصيبة مع تقادم عهده كان لا يزال غضًّا طريًا مع أن هذا كم مضى عليه؟ في بعض الروايات أربعون سنة كان مضى على هذا وفي بعض الروايات ثمانون سنة، ولكن لا يزال كيف الذي فقد ولده الآن لا يزال غضًّا طريًا ومن شدة هذا الحزن
﴿وَٱبيَضَّت عَينَاهُ﴾ وابيضت عينا سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام لماذا؟ إذ أكثر الاستعبار ومحقت العَبرة يعني أذهبت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر وقيل: قد عَميَ بصره عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أخذ يبكي بكاءً شديدًا على يوسف عليه الصلاة والسلام حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن والبكاء وذهب بصره.
بعض المفسرين قال: لا ما وصل إلى هذه الدرجة إنما كان يدرك ببصره لكن إدراكا ضعيفا لكن عدد من المفسرين قالوا:
﴿وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ﴾ وقال: من الحزن؛ لأن الحزن كان سبب البكاء ثم بسبب هذا البكاء حصل هذا البياض فكأن البياض حصل بسبب ماذا؟ بسبب الحزن يعني الحزن بسببه البكاء البكاء بسببه ابيضت عيناه.
﴿وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ﴾ وهنا يقول العلماء: هذا قد يحصل لنبيّ من الأنبياء أن يطرأ عليه عمى يعني فَقِد للبصر قد يحصل لكن لا يُبعث نبي وهو أعمى البصر يعني في الأصل لا يُبعث نبي وهو قد فقد بصره قالوا: لكن بعد ذلك أن يحصل كما حصل مع سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام قد يحصل يفقد البصر لفترة قد يحصل
مع أن بعضهم قالوا: بسبب كثرة البكاء الذي نجم عن كثرة هذا الحزن صار شيء كالغشاوة كالغشاوة الرقيقة فصار يدرك إدراكا خفيفا بعينه
لكن بعض العلماء قالوا: لا كان الأمر أشد من ذلك فَقد بصره عليه الصلاة والسلام من شدة البكاء على يوسف قيل:
(ما جفّت عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عامًا وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب)
ما جفّت عينه وعلى هذه الرواية ثمانون سنة ما جفّت عينه ولا يعني ذلك أنه كان لا يشتغل بنشر الإسلام هذا الحزن يصير في القلب لكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتوقفون عن النصيحة والتبليغ ونشر الإسلام وتعليم الشريعة لو كان يوجد حزن لا يتوقفون عن نشر الدين، لكن هذا الحزن كان شديدا جدا هذا المصاب الذي يصل بسيدنا يعقوب حتى يقول ﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ ثم تبيض عيناه ﴿وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ﴾ من شدة هذا في ذلك الوقت ما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب عليه الصلاة والسلام وهذا معناه إذا كان هذا قد أصاب نبيًّا رسولا عندما حصل هذا كان هو أكرم من على وجه الأرض فكيف بمن كان دون يعقوب عليه الصلاة والسلام، لنعلم أن هذه هي الدنيا وهذا هو حالها فلن تسلم فيه لن تسلم في هذه الدنيا نسأل الله السلامة ونسأل الله تعالى أن يعيننا عند نزول البلاء.
يجوز لنبي أن يَبلُغ به الجزع ذلك المَبْلَغ لماذا؟ لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن يعني من دخول الحزن إلى قلبه فلذلك حُمِد صبر يعقوب أليس نبينا عليه الصلاة والسلام بكى على ولده إبراهيم، إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام كان مضى عليه عام ونصف ثم فاضت روحه وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فالنبي عليه الصلاة والسلام ذرفت عينه الدمع وكان في المجلس عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فنظر فرأى دمع النبي عليه الصلاة والسلام يجري على خده يجري دمعه كأنه لؤلؤ دمعه الشريف عليه الصلاة والسلام يجري على خده فقال عبد الرحمن:
وأنت يا رسول الله أنت كذلك تبكي فما نحن نبكي فقال عليه الصلاة والسلام:
“نعم يا ابن عوف وإنها لرحمة”، ثم أتبعها بأخرى ثم قال: “القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الربّ وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون” متفق عليه.
فهذا ليس مذموما إنما المذموم الصياح النياح لطم الصدور ضرب الوجوه تمزيق الثياب أما هذا الحزن يصيب الأنبياء فهذا أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام قال: “القلب يجزع” يعني يصيبه الحزن
﴿وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ فَهُوَ كَظِيم﴾
فهو كظيم: مملوء صدره عليه الصلاة والسلام أي سيدنا يعقوب على أولاده ولا يُظهر ما يسوءهم كظيم فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله ﴿إِذ نَادَىٰ وَهُوَ مَكظُوم﴾ من كظم السقاء إذا شده على ملئه إذا امتلأ السقاء فشدّه فيقال كظم السقاء
(فَهُوَ كَظِيم﴾: معناه كان سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام يكتم في نفسه كان مغتاظًا جدا من أولاده ولكنّه ما عاد يُظهر لا يُظهرُ لهم ما يسوءه ولكن كم تسببوا له ولولده يوسف عليه الصلاة والسلام بالأذى والهمّ والحزن والضيق ليست قليلة، أربعون سنة أو ثمانون سنة ليست قليلة، أربعون سنة من الفراق وهو يقول لا أدري ولدي يوسف حيّ أم ليس حيًّا كان شديدا جدا عليه والذين فعلوا فعلتهم أمامه ومن أولاده عندما يكون مثل هذا الشر من الولد هذا يكون شديدا جدا ﴿فَهُوَ كَظِيم﴾ وانظروا إلى ما يدل من ناحية على شدة صبر يعقوب عليه الصلاة والسلام ومن ناحية على شدة بلائه في أولاده.
بماذا أجابوه؟
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ تَفتَؤُاْ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ ٱلهَٰلِكِينَ ﴿٨٥﴾﴾
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ تَفتَؤُا﴾ أي لا تفتأ أي لا تزال يعني يقولون له: أنت لا تزال تذكر يوسف يقولون له وبسبب أنك لا تزال ﴿تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا﴾ حرضًا أي مشرفا على الهلاك من المرض مريضًا في جسمك مشرفًا على الهلاك
﴿أَو تَكُونَ مِنَ ٱلهَٰلِكِينَ﴾ أو تكون من الموتى الهالكين.
فإما أنك تصير في مرض يذيبك الحب والحزن على يوسف فتصير مريضًا في مرض مشرفا على الهلاك تقارب الموت أو أنك تموت بسبب أنك لا تزال تذكر يوسف غمٌّ فوق غمٌّ وكرب فوق كرب وجفاء من هؤلاء الأولاد فوق جفاء وصبرٌ جميل من يعقوب عليه الصلاة والسلام.
وهنا انظروا كيف سيبث يعقوب عليه الصلاة والسلام حزنه
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ ﴿٨٦﴾﴾
لما رأى يعقوب عليه الصلاة والسلام الغلظة والجفاء من أولاده في مخاطبتهم له يقول: ﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ يتحسّر وهم بدل أن يتراجعوا عن الذي كانوا فيه ويُعلِموا أباهم بحقيقة الأمر ويذهبوا ليبحثوا عن أخيهم يُخاطِبون أباهم بمثل هذا الخطاب قُلْ هذا السّبَب فيه أنت، الذي أصابك لأنك أنت، هُم فعلوا ما فعلوا ثم يقولون لأبيهم: أنت السبَب، بسبب أنك لا تزال تذكر يوسف فيعقوب عليه الصلاة والسلام ازداد كربه
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ فلما رأى يعقوب عليه الصلاة والسلام الغلظة والجفاء من أولاده في مخاطبتهم له قال لهم:
﴿إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ ليس لكم ولا لغيركم بثي وحزني أنا
﴿أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ وما هو البث؟ أصعب الهمّ كيف قلنا في الحزن أشد الحزن الأسف والهمّ الذي يحصل للقلب ما يصيبك من همّ ما يدخل الهمّ على قلبك أصعبه البث لماذا؟ لماذا سُمي بثًّا؟ لأنه من شدة هذا الهمّ على القلب صاحبه يشق عليه أن يحبسه في قلبه فيبثّه إلى غيره ينشره حتى يخفّف عن قلبه يقول: إذا تركته في نفسي قد أموت، صعب أن أكتمه في صدري، حتى هذا الهمّ درجات، عندك همّ قد تقول أبقيها في قلبي، لكن أحيانا تقول: ليس فقط امتلأ قلبي فاض قلبي يشق علي أن أحبس هذا في صدري أكثر فتبثه تنشره، فلشدته لأنه أصعب الهم سُمي بثًّا ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ فالبث أصعب الهمّ الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس أي ينشره يعني يقول لهم سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام أنا لا أشكو إلى أحد منكم أو إلى غيركم، أنا لا أريد أن أشكو إلى أحد منكم إنما أشكو إلى ربي
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أنا لماذا سأبث حزني وهمي لكم أنا أشكو همّي إلى الله أشكو إلى ربي داعيًا له ملتجئًا إليه، خلّوني وشكايتي، هنا العبد عندما يكون اليقين عنده قويا بالله سبحانه وتعالى ويرى صعوبة الأسباب الأرضيّة حوله ويرى أن الهمّ قد أحاط به وكأنه ينظر من أين سيكون المخرج فعندها ماذا يفعل؟ فعندها يكون لجوؤه إلى الله سبحانه وتعالى
﴿وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ يعني أعلم من رحمته سبحانه وتعالى أعلم من رحمة الله أنه يأتيني بالفرج وكأن يعقوب عليه الصلاة والسلام وهو كذلك لا يزال يعقوب عليه الصلاة والسلام على الأمل بلقاء يوسف قال: ﴿وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ لا يزال يعقوب عليه الصلاة والسلام يذكر أن يوسف رأى تلك الرؤيا ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَٰجِدِينَ ﴿٤﴾﴾ ولم تتحقق هذه بعد فسيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام لا يزال عنده هذا الأمل
﴿وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ أعلم من رحمته سبحانه وتعالى أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب رويَ أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما بلغ به الأمر ما بلغ رأى ملك الموت عزرائيل عليه الصلاة والسلام في منامه بعض المفسرين قال: بل زاره ليس في المنام وبعضهم قال: في المنام رأى يعقوب عليه الصلاة والسلام ملك الموت عزرائيل عليه الصلاة والسلام ليس لقبض روح يوسف أو يعقوب إنما رآه، جاء عزرائيل عليه الصلاة والسلام زائرًا ليعقوب وتجوز هذه الزيارة ليس فقط تكون لأجل قبض الروح أو لأجل أن يعلمه أنه سيقبض روح ولده يوسف الآن لا، زاره وقد بلغ يعقوب عليه الصلاة والسلام ما بلغ عندما وصل إلى هذه الحال يعقوب عليه الصلاة والسلام وهو لا يزال على اليقين بالله والثقة والصبر والتوكل بل وأعلنها يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى وقد رأى أن الأسباب الأرضيّة تكاد تكون قد تقطعت وعندها جاء الفرج اشتدي أزمة تنفرجي بإذن الله تشتد الأزمة كما يشتد الكرب على الأمة المحمدية ولكن هذه الشدة تحمل بين ثناياها بإذن الله تعالى فرجًا قريبًا عندما بلغ الأمر من الشدة ما بلغ مع سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام جاءه هذا الملك الكريم
فائدة:
ملك الموت اسمه عزرائيل عليه السلام جاء ذلك في حديث الصور الطويل الذي رواه الطبراني أن اسم ملك الموت عزرائيل والإجماع على أن اسم ملك الموت عزرائيل كذلك نقله القاضي عياض المالكي وغيره فهذا ثابت أن اسم ملك الموت عزرائيل هذا ثابت وكثير من المفسرين إذا نظرتم عند هذا الموضع عند هذه الآية يذكرون زيارة عزرائيل ليعقوب عليه الصلاة والسلام، الملائكة تطوف في الأرض وتُذهب ما شاء الله تعالى من الأحزان عن العباد، الملائكة من حيث العدد أكثر عددًا من رمال الصحراء أكثر عددا من أوراق الأشجار أكثر عددا من كل ما خلق الله إذا الواحد منا معه عشرة من الحافظين الواحد منا، ثم غير هؤلاء الملائكة لهم وظائف كثيرة، الملائكة تحضر في مجلس العلم لذلك الرجاء الموصول ألّا تُقطع المجالس بالكلام وألّا يكون في المجالس ما يشوّش أو يذهب السكينة أن تكون مجالس العلم مجالس إنصات وخشوع وتذكّر وتدبر ومن لم يكن في نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ. الملائكة تحضر إلى مجالس العلم لكننا غالبا لا نرى الملائكة الذين يحضرون، الملائكة يحبون مجالس العلم يأتون إلى مجالس العلم، تحيط الملائكة بالمجلس وتحفّه بأجنحتها من الأرض إلى السماء حتى فيما يذكر تكون الملائكة تطير في السماء هي الملائكة أين تسكن الملائكة يسكنون السماء مسكنهم السماء، الله جعل السماء مسكنًا لهم “ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد” ثم الملائكة تتنزل ثم تكون الملائكة تطير والملائكة مع أنهم لا يأكلون ولا يشربون هم أقوى خلق الله أقوى خلق الله أقوى من الشياطين مرة إبليس لعنه الله جاء ليؤذي النبي عليه الصلاة والسلام ضربه ضربة هكذا جبريل عليه السلام طار إبليس اللعين إلى مسافة بعيدة الملائكة أقوى بكثير من الشياطين أقوى خلق الله فالملائكة تطير فإذا رأت أن هنا مجلس علم ماذا تفعل؟
تنزل إليه تضع أجنحتها وتنزل إلى هذا المجلس فأقول سبحان الله ملك يكون في السماء وبيننا وبينه كل تلك المسافة فعندما يعلم أن هنا مجلس علم يأتي من السماء ينزل إلى الأرض ليحضر في مجلس العلم وبعض الناس في الأرض فمن الأرض إلى الأرض التي فيها المجلس لا يمشي، هذا من العجيب فأنت عندما تكون في مجالس العلم خصوصًا في مجالس القرآن الكريم تذكّر أن الملائكة تحضر فأنت تقول في نفسك: لعلّه تأتيني نفحة لعلّه تأتيني نظرة ثم يوجد من الملائكة مَن وظيفته أنه يسلّ الحزن من قلوب الصالحين في ملك اسمه رَتائيل عليه السلام هذا يطوف في الأرض يزور الصالحين أي من شاء الله تعالى منهم يلقاهم يسلّ الحزن من قلوبهم يجوز أن يجتمع هذا الرجل الصالح به ويراه ويصافحه ويكلّمه، واحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام اسمه العرباض بن سارية رقت عظمه كبرت سنه شق عليه الحياة بعد النبي عليه الصلاة والسلام فصار يتمنى أن يخرج من هذه الدنيا، ثم ذات يوم أمامه صورة رجل بلباس أبيض ينظر إليه يقول: يا أخي لا تقل هذا لا تتمن هذا الموت لا تقل هذا قال: يا أخي ما أقول متواضع سيدنا العرباض قال ما أقول قال:
(قل اللهم حسّن العمل وبلّغ الأجل)، اللهم حسّن العمل وبلّغ الأجل.
ما أجمل هذا الدعاء اللهم حسّن العمل وبلّغ الأجل معناه يا رب حسن عملي وبلغني أجلي يا الله وأنا على عمل صالح حسَن وإلا ماذا أريد؟ إذا كان كما يدعو البعض يقول لك: إن شاء الله طول العمر طول العمر إذا كان مع المعاصي كان حجة عليّ أما تقول لي: طول العمر مع العمل الصالح فأزداد فيه نسأل الله تعالى العمل الصالح، أما أن تطول الحياة سيأتي ماذا كان من دعاء يوسف عليه الصلاة والسلام بعد أن تم له الملك وكل شيء ﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصَّٰلِحِينَ ﴿١٠١﴾﴾ اللهم حسّن العمل وبلّغ الأجل
وفي المجالس أيضا قد يأتي غير رتائيل إذًا الملائكة لهم مبالغ فتأتي الملائكة فتفرج الكرب عن الحاضرين والبعض في ليلة القدر ولكن هذا يكون من أهل الخصوص. لكن هنا أقول من يصل إلى مرحلة أنه يرى الملائكة تصافحه تصافح الملائكة مع العلامات الثانية في ليلة القدر إذا وصل إلى مرحلة أن الملائكة تصافحه هذا من أهل الخصوص، قد يرى بعض العلامات لكن من غير مصافحة الملائكة أما مع مصافحة الملائكة تصافح الملائكة تقصده الملائكة وتصافحه هذا يكون من أهل الخصوص.
فالملائكة من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى فهنا مع الكرب الشديد الذي أصاب يعقوب عليه الصلاة والسلام ينزل إليه على رواية في المنام وبعضهم قال: بل زيارة حصلت هذا ملك من خواص الملائكة وملك كريم هو عزرائيل عليه الصلاة والسلام في عدة روايات ما الحديث الذي حصل فيما بينهم لكن في بعض ما رويَ أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما رأى عزرائيل وعرف أنه عزرائيل قال له:
هل قبضت روح ولدي يوسف في من قبضت يريد أن يعرف في من قبضت من الأرواح هل قبضت روح ولدي يوسف فقال: لا والله هو حيّ فاطلبه، هذا إعلام من عزرائيل عليه السلام إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام، ثم علّمه عزرائيل علّم يعقوب دعاءً نافعًا جدًا مفرّجًا معجّلًا في قضاء الحاجة عندما سمع يعقوب عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء فقاله ما لبث بعد وقت أن جمعه الله تعالى بيوسف هذا الدعاء نافع جدًا لتفريج الكرب لقضاء الحاجة علّم عزرائيل عليه الصلاة والسلام يعقوب عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء
(يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الدائِمِ الّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَعْرُوفُهُ أَبَدًا ولا يحصيه غيرك فرّج عني)
فقال يعقوب عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء (يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الدائِمِ الّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَعْرُوفُهُ أَبَدًا ولا يحصيه غيرك فرّج عني) ففرج الله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد هذا الصبر وبعد زيارة عزرائيل عليه السلام وتعليمه لهذا الدعاء فدعا يعقوب عليه الصلاة والسلام ربه بهذا الدعاء