بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ (73) قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ (76)﴾.
أَعُوذُ بِاللهِ السمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشيْطَانِ الرجِيمِ
﴿قَالُواْ تاللَّهِ لَقَد عَلِمتُم مَّا جِئنَا لِنُفسِدَ فِي ٱلأَرضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ﴿٧٣﴾﴾
قسم من إخوة يوسف وقد دُسّ صواع الملك في رحالهم وعلى التحديد في رحال بنيامين. بنيامين هو لم يسرق، ولكن كان هذا بتدبير من يوسف عليه الصلاة والسلام طلب من فتيانه أن يضعُوا صواع الملك في رحال إخوانه وتحديدًا في رحال بنيامين وله في ذلك حكمة كما سيظهر فيما بعد عندما كان ذلك سببًا في قدوم يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أهله إلى مصر لما انطلقت العير ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلعِيرُ إِنَّكُم لَسَٰرِقُونَ﴾ السِّقَايَةَ التي هي صواع الملك في رحل بنيامين إخوانه وقفوا قالوا لرسل الملك ماذا تفقدون؟ ما الذي فقدتموه حتى تنادوا علينا وتقولوا ﴿أَيَّتُهَا ٱلعِيرُ إِنَّكُم لَسَٰرِقُونَ﴾ ﴿قَالُواْ نَفقِدُ صُوَاعَ ٱلمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِملُ بَعِير وَأَنَا بِهِۦ زَعِيم ﴿٧٢﴾﴾
يعني يقول لهم رسول الملك: قد فقدنا الصواع ومن جاء بهذا الصواع فله حمل بعير، وهذا من الجعالة وأنا به زعيم أنا ضامن لذلك، صار منهم الأمر في تعجب
فأقسموا ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ﴾ هذا قسم فيه معنى التعجب
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَد عَلِمتُم مَّا جِئنَا لِنُفسِدَ فِي ٱلأَرضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ﴾
معناه التعجُّب مما أضيف إليهم لماذا؟ لأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مشدودة لأن لا تتناول زرعًا أو طعامًا لأحد من أهل السوق ولأنهم أيضًا ردّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم
قالوا ﴿وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ﴾ وما كنّا نوصف قط بالسرقة نحن ما جئنا للإفساد ولا جئنا للسرقة فحلفوا بالله وقالوا أنتم تعلمون أننا ما جئنا للفساد والسرقة ونفوا أن يكونوا سارقين
﴿قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُم كَٰذِبِينَ ﴿٧٤﴾﴾
ما جزاؤه الضمير للصواع أي فما جزاءُ سرقة الصواع، الآن هم أقسموا بالله أنهم ما فعلوا ما سرقوا
فرُسُل الملك ﴿قَالُواْ﴾ لهم: ﴿فَمَا جَزَٰٓؤُهُ﴾ إن وجدنا الصواع في رحالكم فما جزاؤه الضمير للصواع أي فما جزاء سرقته ردّ عليهم إذًا منادي الملك وأصحابه فما جزاء من توجد في متاعه سقاية الملك
﴿إِن كُنتُم كَٰذِبِينَ﴾ في جحودكم وادّعائكم البراءة منه، ماذا يكون جزاء ذلك؟ الله تعالى أنطقهم بشيء كان في شريعة يعقوبَ عليه الصلاة والسلام ،في شريعة يعقوب عليه الصلاة والسلام السارق يُسْتَرق السارق يُسْتَرق سنة هكذا شريعة يعقوب والله يحكم بما يريد في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام السارق إذا سرق من حرز المثل ما يقام عليه حد السرقة تقطع يده. في شريعة يعقوب عليه الصلاة والسلام كان يُسْتَرقُّ سنة ليكون ذلك رادعًا للسارق.
يوسف عليه الصلاة والسلام كان طلب أن يُلقى عليهم هذا السؤال، لماذا؟ لأنه في دين الملك يعني في قانون الملك كما سيأتي كان السارق يُضرب ويُغرّم مثلي ما سرق الضعف ولكن يوسف عليه الصلاة والسلام ما هو قصده من هذا التدبير؛ قصده من هذا أن يستبقيَ بنيامين عنده فماذا يريد لو أنه حصل هذا الضرب والتغريم بالضعف ليس هذا الذي يريده يوسف عليه الصلاة والسلام بل يريد أن يستبقي بنيامين عنده.
بذلك إخوانه استُدْرِجوا حتى أنطقهم الله تعالى بذلك قالوا أي إخوة يوسف:
﴿قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٧٥﴾﴾
جزاء سرقته أي من توجد معه سقاية الملك أخْذُ من وُجِدَ في رحْله إن وجدتم سقاية الملك في رحْل أحدنا فخذوه، هذا جزاؤه خذوه وحُكْمُ السارق في آل يعقوب أن يُسترقّ سنة فلذلك استفتوا في جزائه فهو جَزَاؤُهُ تقريرٌ للحكم أي فأَخْذ السارق نفسِهِ فهو جزاؤه لا غير. المعنى الذي سرق هو يُؤْخذ ويُسْتَرقُّ سنة
﴿كَذَٰلِكَ نَجزِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي السُّراقة بالاسترقاق.
﴿فَبَدَأَ بِأَوعِيَتِهِم قَبلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱستَخرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرفَعُ دَرَجَٰت مَّن نَّشَآءُ وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم ﴿٧٦﴾﴾
فتّش رسول الملك الأوعية وبدأ بتفتيش أوعيتهم من قوة التدبير الذي كان عند يوسف ما بدأوا بالتفتيش ببنيامين بدأوا بتفتيش أوعية بقية إخوانه قبل وعاء بنيامين لنفي التُّهَمَ يعني لإزالة التُّهَمَ ليكون أبلغَ في الحيلة فابتدأوا بالكبير إلى أن انتهوا بالصغير حتى بلغوا وعاءه فرسول الملك هو أنهى التفتيش مع الجميع من بقي؟ أصغر واحد فعمدًا ماذا قال؟ قال: ما أظن هذا أخذ شيئا، بعيد هذا أصغركم بعيد أن يكون هو أخذ شيئا فقالوا: والله لا نتركه حتى ننظر في رحله فإنه أطيب لنفسك فهم أصروا قالوا: حتى تطيب نفسك لا نتركك حتى تفتش في رحل بنيامين
﴿ثُمَّ ٱستَخرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ استخرج الصواع أي وَجد سقاية الملك في وعاء أخيه بنيامين وانصرف هذا الرسول مع من معه بهذا إلى يوسف عليه الصلاة والسلام. ونلاحظ فيما تقدم في ذكر الصواع ذُكِّر ضمير الصواع مرات ثم أُنِّث؛ لأن التأنيث يرجع إلى المعنى وهو السِّقاية لذلك قال :
﴿ثُمَّ ٱستَخرَجَهَا﴾ وقبل ذلك كان ذُكِّر أو لأن الصواع يُذكّر ويؤنث لذلك هنا في هذا الموضع قال ﴿ثُمَّ ٱستَخرَجَهَا﴾ استخرج الصواع فيُذكر ويؤنث فإذًا وُجِد صواع الملك في رحل بنيامين واشتهر ذلك وصل الخبر إلى يوسف عليه الصلاة والسلام وإخوته الآن أُسْقط في أيديهم وكان كل ذلك تدبيرًا من يوسف عليه الصلاة والسلام لأمر فيه مصلحة دينية، في حيلة فيها مصلحة دينية، لأمر محمود شرعًا ما كان يمكن يوسف عليه الصلاة والسلام أن يتوصل إليه إلا بهذه الحيلة لذلك كان هذا من يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿كَذَٰلِكَ كِدنَا لِيُوسُفَ﴾ كذلك مثل ذلك الكيد العظيم ﴿كِدنَا لِيُوسُفَ﴾ علمناه إياه
﴿كَذَٰلِكَ كِدنَا لِيُوسُفَ﴾ قال أهل التفسير:
يسّرنا له الحيلة النافعة، يسرنا له الحيلة النافعة هذا معنى قوله تعالى ﴿كِدنَا لِيُوسُفَ﴾ وإلا فإن الله تعالى لا يوصف بأنه كائد كما أنه سبحانه وتعالى لا يوصف بأنه مستهزئ ولا يوصف بأنه ماكر ولا يوصف بأنه ناسٍ ولا يوصف بأنه مستحٍ هذا لا يوصف الله تعالى به إذًا هذه لها تأويل كما في قول الحق سبحانه ﴿ٱللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم وَيَمُدُّهُم فِي طُغيَٰنِهِم يَعمَهُونَ﴾ ما معنى الله يستهزئ بهم يجازيهم على استهزائهم وقيل ﴿ٱليَومَ نَنسَىٰكُم كَمَا نَسِيتُم لِقَآءَ يَومِكُم هَٰذَا﴾ نترككم من رحمتنا كما تركتم طاعة الله؛ لأن الذي يترك طاعة الله سبحانه وتعالى يجعل نفسه محروما من أنواع مخصوصة من الرحمات الخاصة إذًا ترك طاعة الرحمن سببٌ للحرمان، الذي يترك الطاعة يجد شؤم ذلك في نفسه.
واحد من الأكابر اسمه الفضيل ابن عياض رحمه الله يقول:
(كنت إذا عصيت الله عرفت ذلك في خلق زوجتي ودابتي)
إن رأيت زوجتي تغيرت علي أتذكر أنا ماذا فعلت اليوم دابّتي ما عادت منقادة لي أقول هذا بسبب الذي أنا كنت فيه. طاعة الله تعالى هي السبب في النجاة بطاعة الله فالذي نسي طاعة الله ﴿ٱليَومَ نَنسَىٰكُم﴾ نترككم من رحمتنا هذا ليس فيه وصف لله بالنسيان وَلَا يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَاسِيا.
﴿وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيرُ ٱلمَٰكِرِينَ ﴾ هذه مقابلة، المعنى المراد الله يجازيهم على مكرهم.
إذًا هنا المعنى جاء لكن اسُتعمل له غير لفظه ﴿وَيَمكُرُونَ﴾ مكر العباد خبث وخداع. ﴿وَيَمكُرُ ٱللَّهُ﴾الله يجازيهم على مكرهم.
﴿ٱللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم﴾ الله يجازيهم على استهزائهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَستَحيِۦٓ أَن يَضرِبَ مَثَلا مَّا بَعُوضَة فَمَا فَوقَهَا﴾ فما فوقها: في الحقارة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَستَحيِۦٓ أَن يَضرِبَ مَثَلا مَّا بَعُوضَة فَمَا فَوقَهَا﴾ معناه الله لا يحب ترك إظهار الحق، بل الله يحب أن نظهر الحق.
فإذا ليس من أسماء الله سبحانه وتعالى الكائد.
إذًا معنى ﴿كَذَٰلِكَ كِدنَا لِيُوسُفَ﴾ يسّرنا له الحيلة النافعة.
في الآية الكريمة نفس التي ذكرت في سورة البقرة ﴿ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرا وَيَهدِي بِهِۦ كَثِيرا وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلفَٰسِقِينَ﴾ بماذا؟ بعض الناس يقرأ القرآن الكريم فيهتدي وبعضهم يقرأ القرآن الكريم فيفهمه على غير وجهه فيضل. هذه الآيات لو واحد قرأها وفسّرها بهواه برأيه قد يذهب إلى معنى فاسد والعياذ بالله تعالى.
قال صلى الله عليه وسلم: “من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب”.
لذلك أذكر نفسي وإخواني جميعًا ألا نتجرأ في كتاب الله تعالى، ألا نتسرع حتى في الإعراب، حتى في الإعراب إذا لم تكن من أهل الإعراب، لا يجوز لك أن تعرِب آيات القرآن الكريم هذا كتاب الله عز وجل فكيف بالذي يتكلم في معانيه. فهذا التدبير الذي يسّره الله سبحانه وتعالى للصديق يوسف عليه الصلاة والسلام ويسّر له هذه الحيلة هذه الحيلة النافعة ماذا ستعقب بنيامين مع يوسف عليه الصلاة والسلام في مصر، سيبقى وبعد ذلك سيأتي بعد طول فراق يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿كَذَٰلِكَ كِدنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلمَلِكِ﴾ وهذا تفسيرٌ للكيد وبيانٌ له لأن الحُكْم هنا، معنى في دين الملك أي: في سيرته في قانونه في سياسته.
نحن قلنا هذا الملك بعد ذلك أسلم كان في سيرة هذا الملك في قانون هذا الملك السارق ماذا يفعل به؟ يغرّم مثليْ يعني ضعف ما أخذ ويضرب لكن لا يستعبد لا يحبس عنده ﴿مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾
ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه، لولا اعتراف إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام بأن جزاء من وجد المسروق في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف عليه الصلاة والسلام على أخذ بنيامين منهم في سياسة وقانون ملك مصر حينئذ. بيان ذلك أيضا أنه لو أجرى يوسف عليه الصلاة والسلام أخاه على حكم الملك وقانونه وسياسته لما أمكن يوسف عليه الصلاة والسلام أن يحبس أخاه بنيامين عنده لذلك قال:
﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ أجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق فكان ذلك مما ألهمه الله ليوسف أن يلقي عليهم هذا السؤال ليتوصل إلى حجز بنيامين عنده ما هي المصالح؟ لما سيترتب على ذلك الأمر من مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وأمه وإخوته وقومه ووفودهم إليه في بلاد مصر.
﴿نَرفَعُ دَرَجَٰت مَّن نَّشَآءُ﴾ أي نرفع درجات في العلم
فائدة:
﴿فَاعلَم أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَٱلمُؤمِنَٰتِ﴾ ﴿إِنَّمَا يَخشَى ٱللَّهَ مِن عِبَادِهِ ٱلعُلَمَٰٓؤُاْ﴾ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فوالله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له”
ربط ما بين العلم بالله والخشية له سبحانه وتعالى، والعلم بالله وهذا معنى توحيد الله وهذا هو علم التوحيد هذا فيه إشارة إلى علم التوحيد؛ لأن علم التوحيد علم العقيدة أفضل العلوم على الإطلاق لماذا؟ لأن شرف العلم بشرف المعلوم وعلم التوحيد يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى كما يجب، ورسوله صلى الله عليه وسلم كما يجب، العلم درجة، درجة عالية ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: “يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه من يرد الله به خيرا يفقه في الدين” منطوق الحديث من أراد الله تعالى به خيرا يسر له أن يتفقّه في الدين أن يزداد بعلمه. مفهوم الحديث “من لم يرد الله به خيرًا لم ييسر له أن يتفقه في الدين”
﴿نَرفَعُ دَرَجَٰت مَّن نَّشَآءُ وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾
فوقه أرفع درجة منه في علمه وهذا يدل على أن فوق تأتي على غير معنى المكان كما جاء ﴿وَهُوَ ٱلقَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِۦۚ﴾ فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة ليست فوقية المكان ليس دائمًا فوق تأتي على معنى المكان ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾ المشبهة الذين يجسمون ويشبهون الله تعالى بخلقه يقولون: هو في جهة فوق ولكن جهة فوق هذه مخلوقة أم أزلية؟ مخلوقة، أليس خلقها الله؟ السماء أليس الله تعالى خلقها؟ أليس الله موجودًا قبلها؟ وصحّ إذًا أن الله تعالى موجود قبلها بلا زمان ولا مكان فبعد خلقها الله يُغير ولا يتغير الله موجود بلا زمان ولا مكان وفوقه هذا دليل على التأويل ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه تجد هذا عنده علم
قل لمن يدّعي في العلم معرفة *** علمت شيئا وغابت عنك أشياءُ
الإنسان كم بلغ فيما يدّعي في العلم وإلى الآن.
لن أسألكم هل وصل الإنسان إلى كل شيء في هذه الأرض؟ لن أسأل عن هذا
سأسأل عما هو أقرب من ذلك هل وصل الإنسان بكل ما ادّعى من العلم إلى معرفة كل ما يتعلق بجسده؟ لم يصل، مع كل ما يُتحدث عنه اليوم من التقدّم في العلم هذه الأمراض التي أصابت الناس كم كان العجز في مقاومتها في معرفتها في تشخيصها في علاجها كم كان هناك عجز وضعف فيها؟ نتكلم عن حياة الإنسان لا نتكلم عن حياة البهائم ليس عن مرض يتعلق بالطيور ولا مرض يتعلق بالبقر الآن دخلته الإنفلوانزا فنتكلم عنه، نتكلم عن البشر لم يصل الإنسان إلى هذا العلم ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾ وقد يكون علمك قد حصلته عند إنسان أصغر منك بكثير
مرة واحد من كبار العارفين يمشي في الطريق كان شيخا جليلا كان عَلمًا يمشي في الطريق فرأى صبيا فنظر إلى الصبي قال: يا ابني ما اسمك؟ فهذا الصبي نظر إليه قال له: لأي شيء تسأل عن اسمي؟ هذا الشيخ وقف قال: لقد أدّبتني يا بني راجع نفسه وأنا لماذا أسأل أنا أحاسب نفسي حتى على الكلمة والسؤال هل أنا فعلًا كان لما سألت هذا عن اسمه ما هو القصد؟ قال: لقد أدبتني فقد تتعلم حتى من شخص أحيانا صغير جدا ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾
مرة واحد من كبار القرّاء، قدم إلى المدينة التي فيها الخليفة واجتمع الناس قالوا: هذا عنده القراءات ونجتمع عنده نسمع ماذا عنده من القراءات الخليفة والأمراء والناس يعني ينتظرون سيأتي إلى هذه البلدة هذا الشيخ فاجتمعوا سيسمعون القراءة الجديدة القراءات قال: كان شيخا فلما تقدم في الصلاة في سورة من السور القصيرة وقف نسيَ ليس في السور الطوال ولا أنه دخل في القراءات ويكرر ويقف ما عاد يتجاوزها وقف عنده، واحد من الحاضرين من الشيوخ الكبار أيضا ذاك قال: ما هذا الشيخ حصل معه ما حصل هو ليس شماته لكن هو يقول: هذا جاءت الصلاة بعدها ذاك ما تقدّم فتقدم هذا الشيخ الثاني الذي كان قال ذاك ماذا حصل معه فتقدّم فوقف في قراءة الفاتحة وقف في قراءة الفاتحة يكرر الآية نسيَ في قراءة الفاتحة ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾فوقه أرفع درجة منه في العلم، هذا وجه في التفسير
تفسير آخر: وهو لطيف جدا: فوق العلماء كلهم ﴿عَلِيم﴾ هم دونه في العلم وهو الله عز وجل، عالم عالم عالم عالم لكن كل هذا دون علم الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيء مِّن عِلمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ ماذا قالت الملائكة؟ ﴿سُبحَٰنَكَ لَا عِلمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمتَنَآ﴾ ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيم﴾ فوق العلماء كلهم ﴿عَلِيم﴾ هم دونه في العلم وهو الله سبحانه وتعالى.
العليم الذي هو من أسماء الله سبحانه وتعالى: الذي يعلم الخفايا ويعلم السرائر يعلم سبحانه وتعالى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويعلم حركة الذَرِّ في جو الهواء يعلم سبحانه هواجس الضمائر يعلم سبحانه تقلبات الخواطر يعلم سبحانه خفايا السرائر وعلمه سبحانه أزلي أبدي علمه واحد معناه ليس متجزئا ليس متبعضا ليس يطرأ على علم الله زيادة ولا يطرأ على علم الله نقصان لا يطرأ على علم الله سبحانه وتعالى تغير ﴿أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلخَبِيرُ﴾؟ شرط الخلق العلم لو لم يكن عالمًا لما كان شائيًا أي لما كان مريدًا لشيء من المخلوقات ولما وجد شيء من المخلوقات، هذا دليلٌ عقلي على صفة العلم لله سبحانه وتعالى ولذلك أهل السنة من أكثر ما يَردّون به على المعتزلة سمّاهم النبي ﷺ القدرية في مسألة العلم.
الشافعي قال:
(القَدَريْ إذا سلم العلم خُصِم)
حق أن كل ما يجري بمشيئة الله فماذا يقول هؤلاء المعتزلة القدرية؟ يقولون: هو الذي شاء للعباد أن تحصل منهم المعاصي وأن يقعوا في الكفر ثم بعد ذلك يعاقبهم بزعمهم والعياذ بالله قالوا: إذًا يكون ظالما فردَّ أهل السنة قالوا: ولكن هذا الذي يحصل من كفر العباد ومن معصية العباد أفبعلم الله أم ليس بعلم الله؟ فإذا قالوا: ليس بعلم الله جهلوا خالقهم إذا قالوا: بعلم الله فيقال لهم: عَلِمَهُ وشائه فهذه تكون قاصمة لهم كل ما يجري بعلم الله بمشيئة الله بتقدير الله سبحانه وتعالى ثم لا أحد من الخلق يحيط بعلم الله حتى نبينا عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الغيب وسيدنا يوسف الذي علمه الله تعالى تأويل الأحاديث والأنبياء مع كل علمهم مع ذلك لا يعلمون كل الغيب ثم إنّ علم الله ليس محصورا في اللوح المحفوظ، اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ليس مكتوبا فيه ما هو بعد ذلك لكن الله سبحانه وتعالى يعلم عدد أنفاس أهل الجنة ليس فقط عدد أهل الجنة أنفاس أهل الجنة لا متناهية خلود ولا موت يا أهل الجنة جعلنا الله تعالى من أهل الجنة يا أهل الجنة خلود ولا موت يا أهل النار خلود ولا موت الله يعلم عدد أنفاس أهل الجنة ويعلم سبحانه وتعالى عدد أنفاس أهل النار. ويوجد كتاب مكتوب في اللوح المحفوظ فيه أسماء أهل الجنة وفيه أسماء أهل النار نسأل الله السلامة نسأل الله تعالى أن نكون من أهل الجنة هذا قد قضي الأمر فيه هذا قضي الأمر فيه وإنما نحن نحيا على الدعاء والرجاء واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا. في شيخ صوفي من مشايخ السودان اسمه الشيخ عبد الرحيم بن أحمد البُرَعي يقول في ذلك وهو يتكلم عن علم الله سبحانه وتعالى:
يرى حركات النمل في ظلم الدجى ولم يخف إعلان عليه وإسرار
ويحصي عديد النمل والقطر والحصى وما اشتملت بحر عليه وأنهار
يعلم سبحانه كل ذلك هذا الشيخ البرعي رحمه الله هو صاحب تلك القصيدة المشهورة:
يا راحلين إلى منى بقيادي هيّجتمُ يوم الرحيل فؤادي