بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ (100) ﴾.
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ وَقَالَ ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿٩٩﴾﴾
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ ضمّ إليه أبويه بعد فراق طويلٍ استمر ثمانين سَنة جاء يعقوب عليه الصلاة والسلام مع بعض ذريته إلى مصر للقاء يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ ضم إليه أبويه واعتنقهما، الأبوان أبوه وأمّه، أبوه يعقوب عليه الصلاة والسلام وأمّه راحيل
بعض العلماء قال: أمُّه راحيل كانت قد توفاها الله وإنَّمَّا هذه خالته، بعد وفاة أمِّه فيما يروى تزوّجها يعقوب عليه الصلاة والسلام وعلى هذا الوجه عبَّر بقول أبويه؛ لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العمّ أبّ، الخالة أمّ والعمُّ أبّ ومنه قوله تعالى ﴿وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبرَٰهِـمَ وَإِسمَٰعِيلَ وَإِسحَٰقَ﴾ الذين ذكروا فيهم من الأعمام وعُبِّر عنهم بالآباء ومعنى دُخولهم عليه أي على يوسف عليه الصلاة والسلام قبلَ دخولهم مصرَ أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام حينَ استقبلهم أنزلهم في مضرب خيمة أو في قصر كان له ثَمَّ فدخلوا ملكه قبل أن يدخلوا إلى أرض مصر هيأ مكانًا ليستقبلهم على أطراف مصر وضم إليه أبويه يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي ما كان قد جفّ دمعُ عينيه الذي كان لا يزال ذاكرًا ليوسف عليه الصلاة والسلام وكأن مصابه فيه لا يزال غضًّا طريًّا قريبًا مع طول السنوات فكان لا يزال لا يفتأ يذكر يوسف بعد هذا الغياب الطويل وبعد هذا الصبر وهذه عاقبة الصبر ,الصَّبر يورث الظفر، الصَّبر يورث النصر وفي المعارك يقال: وما النصر إلا صبر ساعة، لذلك كما كان يأتي في كتاب الله عز وجل ﴿ٱصبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ اغلبوا أعداءكم بالصَّبر
اغلبوا أعداء الأمَّة بالصَّبر اغلبوا منْ يُحاربون دينَ الله بالصَّبر اغلبوا مَن يعادي أهل السُنَّة والجماعة بالصَّبر، اغلبوا من ينفرون النَّاس عن مجالس الحقِّ عن مَجالس أهل السُّنة اغلبوهم بالصبر فهذا الصَّبر طريق أنبياء الله، فهذا يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد هذا الغياب الطويل جاء الوقت الذي سيجتمع فيه بولده وحبيبه يوسف عليهم الصَّلاة والسلام، يوسف عليه الصلاة والسلام عمل لهما لوالديه أولا استقبالا خاصًّا لوالديه، وما أعظم حق الأبوين، خصَّ والديه باستقبال خاصّ ليس أبوك ليست أمك كغيرهما، خطابك لأبويك ليس كخطابك لغيرهما هؤلاء أعظم الناس حقًّا عليك.
ولذلك هنا في هذه الإشارة اللطيفة أول ما ذكر ﴿ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ ليس فقط يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي هو بشوق إلى يوسف ويوسف عليه الصلاة والسلام بشوقٍ كبير إلى يعقوب بل ويذكر بعض أهل التفسير كالإمام ابن جرير الطبري رحمه الله وغيره :
أنه كان قد جاء جبريل عليه السلام وأعلم يوسف بحزن أبيه عليه وجبريل عليه السلام هو الذي طلب من يوسف عليه الصلاة والسلام أن يرسل قميصًا إلى أبيه يعقوب هذا القميص الذي كان يسمى قميص الشفاء لا يوضع على مبتلى إلا عافاه الله، هذا كان بطلب جبريل عليه السلام. فأيضًا إذا يوسف عليه الصلاة والسلام هو في شوق كبير إلى لقاء والِدَيْه.
ولكن يوسف عليه الصلاة والسلام أيضًا كان في مكان يشتغل فيه بنشر الإسلام وكانت سنوات صعبة من الجَدب والقحط تمرّ على البلاد وأيضًا كان الأمر بحاجة إلى تدبير من يوسف عليه الصلاة والسلام فكان منه هذا الذي تقدم حتى جاء يعقوب عليه الصلاة والسلام وأمُّه راحيل ومن ذرية يعقوب ومن أحفاده ومن بعض أهله جاءوا جميعًا إلى مصر ﴿وَقَالَ ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾
وقال لهم بعد ذلك: ادخلوا مصر ,مصر أرض مصر
﴿ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ من ملوكها كانوا لا يدخلونها إلا بجواز، بجواز يعني بإذن أو ادخلوها آمنين من القحط رويَ أنه لما لقيه اجتمع يوسف عليه الصلاة والسلام بأبيه يعقوب ويقال:
يوسف أراد أن يبادر أباه فقال أبوه يعقوب: السلام عليك يا مُذهب الأحزان قال: السلام عليك يا مذهب الأحزان؛ لأنه برؤيته يوسف ذهب الحزن الذي كان في قلب يعقوب عليه الصلاة والسلام فقال:
السلام عليك يا مذهب الأحزان وكيف لا يكون كذلك وإذا كان قد اجتمع بولده؟ وإذا كان سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
(رؤية الإخوان تذهب الأحزان).
إخوان: يعني أخوك في الإسلام أن ترى أخاك، تذهب الأحزان عندما تلقى أخاك، فكيف إذا كان هذا بلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام؟ قال: السلام عليك يا مذهب الأحزان وقال له يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا فقال: “بلى” وقيل: إنَّ يعقوب عليه الصلاة والسلام وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجال ونساء اثنان وسبعون هؤلاء كان فيهم من صار من ذرية أولاد يعقوب يعني هو جدُّهم عليه الصلاة والسلام وبعض الأهل، اثنان وسبعون هؤلاء الذين دخلوا مصر،
ولكن أتدرون كم خرجوا منها مكث منهم من مكث في مصر، هذا كما قلنا كان في زمن مَلك يقال له: الريّان بن الوليد وهذا يكون جدّ فرعون مصر الذي بُعث له سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وذاك اسمه الوليد بن مصعب وعلى التقريب يعني يوجد هنا مسافة أربعمائة سنة على التقريب يعني ما بين يوسف وموسى تقريبًا، وإن زدنا يعني بدقة إلى أن مرّ موسى وأخذ التابوت الذي كان فيه جسد يوسف عليه الصلاة والسلام كان تقريبًا يوجد بينهما أربعمائة سنة، أربعمائة سنة دخلوا مصر اثنان وسبعون خرجوا منها مع موسى عليه الصلاة والسلام كان المقاتلون الذين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلًا هذا سوى الهرْمة والذرية أما هؤلاء مع الذرية والهرْمة والنساء المجموع الإجمالي كلهم مجموعهم ألف ألف ومائتي ألف يعني مليون ومائتي ألف دخلوها اثنان وسبعون خرجوا منها مليون ومائتي ألف رُويَ أنه بعث يوسف عليه الصلاة والسلام مع البشير
البشير الذي تقدَّم ذكره يهوذا الذي ذهب بقميص الشفاء بعثه يوسف إلى أبيه يعقوب ويقالُ: هو نفسه الذي كان قد حمل قميص الجفاء، قميص يوسف الذي كان ملطخا بدم السخلة وقال له: هذا دم يوسف قال: أنا أحزنت أبي أنا الآن أضحكه أنا أذهب همه وقلنا: هذا خرج حاسِرًا حافيًا ماشيًا على قدميه، قال: أنا أحمله ماشيًا، فهذا البشير يروى أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام بعث مع البشير إلى يعقوب جَهازًا ومائتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله وأولاده فلما ارتحل يعقوب عليه الصلاة والسلام هو وأولاده وجميع أهله من بلاد الشام كانوا في فلسطين لكن في فترة من الفترات في بعض الوقت كانوا قد ذهبوا ضمن فلسطين لكن في بادية لكن في الأصل ما كان يعقوب عليه الصلاة والسلام في البادية وفي هذا إشارة ستأتي في بعض الآيات الكريمة القادمة إن شاء الله فذهب يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أولاده من فلسطين ودنا من بلاد مصر للقاء يوسف الصديق ويوسف عليه الصلاة والسلام استأذن الملك الذي فوقه صحيح كان يوسف عليه الصلاة والسلام يسمى ملكًا، الوزير كان يسمى عنده ملكًا وكان يسمَّى أيضًا العزيز، عزيز مصر لكن من حيث السلطة كان فوقه الملك الريَّان بن الوليد، لكن هذا الملك كما أخبرنا قد أسلم، أسلم وتبع يوسف عليه الصلاة والسلام وانتشر الإسلام في أرض مصر حتى صار هذا الملك تبَعًا ليوسف لا يخالف يوسف عليه الصلاة والسلام، مع ذلك يوسف عليه الصلاة والسلام استأذن هذا الملك في أنّه يريد أن يلقى أباه يعقوب وأن يستقبله أن يلقى أباه يعقوب عليه الصلاة والسلام ويستقبله فأذنَ له الملك وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه الملك نفسه خرج، خرج الملك وخرج يوسف عليه الصلاة والسلام في أربعة آلاف من الجُند وخرج معهم أهل مصر لاستقبال يعقوب عليه الصلاة والسلام وعندما جاء يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أهله إلى مصر دخلوا على يوسف عليه الصلاة والسلام
فـ ﴿ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ واجتمع بهما خصوصًا وحدهما دون إخوته، لذلك قال ﴿ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ اجتماع خاص، سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام مع أبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام وأمه راحيل من دون إخوته ورحبّ بأهله جميعا وهنا قال لهم: ﴿ٱدخُلُواْ مِصرَ﴾ لأنه قد يشكل على البعض يقول: وإذا كانوا قد دخلوا مصر فلماذا سيقول لهم ادخلوا مصر وقد دخلوها؟ فجمعوا فقالوا: إنما كان في خيمة أو في قصر فاستقبل في خارج أرض مصر وحصل هذا الاجتماع و﴿ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ ثم قال للجميع:
﴿ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ ومن تعظيم يوسف عليه الصلاة والسلام وإجلاله لأبويه وأمام الملك وأهل مصر
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى ٱلعَرشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدا﴾
أجلسه على العرش على السرير قيل: لما دخلوا مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخرّوا له يعني الإخوة الأحد عشر
قال ﴿يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَٰجِدِينَ ﴿٤﴾﴾
﴿خَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدا﴾ الإخوة الأحد عشر وكذلك أبواه والسجدة عندهم كانت جارية مجرى التحية والتَكْرُمَة كما عندنا القيام لأهل الفضل كما هو عندنا في التحية المُصافحة يقول عليه الصلاة والسلام: “تصافحوا يذهب الغِلّ وتهادوا تحابّوا”، وتصافحوا يذهب الغِلّ وتهادوا تحابّوا، فكان عندهم في التحية السجود هكذا كان عندهم
وقال الزَّجَّاجُ: (سُنَّة التعظيم في ذلك الوقت أن يُسجد للمُعظَّم وكان هذا جائزًا لهم في شريعتهم ولم يزل ذلك معمولًا به في سائر شرائع الأنبياء حتى حرّم الله تعالى ذلك في شريعة نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام)
ولذلك لما قَدِم الصحابيُّ الجليل الذي هو أعلمُ الصحابةِ بالحلال والحرام معاذُ بن جبل رضي الله عنه الذي مقامه المبارك قبره في الأردن فسيدنا معاذ لمَّا قدم من الشام رجع من الشام قدم على النبي عليه الصلاة والسلام فلمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد معاذ فقال عليه الصلاة والسلام: “ما هذا يا معاذ؟ لا تفعل”، قال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم وأنت أولى بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: “لا تفعل لو كنت آمر أحدًا” وفي رواية “لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”
في بيان عظيم حق الزوج، معناه بيّن له النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا صار حرامًا في شريعتنا لا نسجد ولو كان على وجه التحية أمّا السجود لمخلوق على وجه العبادة فهذا يكون إشراكا بالله عز وجل، يقول أهل العلم:
(وإذا كان فعل معاذ هذا الذي هو فيه مظهر عظيمٌ من مظاهر التذلل هذا سجد بوضع الجبهة في مقابلة النبي عليه الصلاة والسلام فما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشركت يا معاذ، ما قال له: أنت عبدتني يا معاذ، فإذا كان هذا لم يعتبره النبيّ عليه الصلاة والسلام إشراكا بالله فكيف بهؤلاء الذين يكفرون من يقول (يا ربِّ أسألك بجاه محمّد أن تقضي لي حاجتي)
هذا السجود كان عندهم كان سجود تحية وفيه مظهر من التذلل، فبالتالي هنا علينا أن نفرق، العبادة ليست مجرد التذلل، العبادة غايةُ التذلل وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، غاية التذلل يعني نهاية التذلل أقصى التذلل، هذا من صرفه لغير الله أشرك أما مُجرد أن تتذلل لأخيك المسلم واخفض جناحك للمؤمنين واخفض لهما جناح الذل من الرحمة هذا التذلل، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين هذا التذلل للمسلم هذا لا يكون عبادة بعضهم قال: ينبغي وهو ابن عباس أن تكون أمام والدك كالعبد أمام سيّده كالعبد كيف ينتظر العبد أمر سيده؟ هكذا ينبغي مُطرِق الرأس أمام أبيه وينتظر ماذا يأمره أبوه هكذا ينبغي أن يكون فهذا كان في شرع يعقوب وقبل شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان جائزًا سجود التحية لكن بعد ذلك في شرع النبي عليه الصلاة والسلام حُرّم ذلك، تحققت إذا رؤيا الصديق يوسف عليه الصلاة والسلام كان له من العمر اثنتا عشرة سنة عندما رأى تلك الرؤيا تحققت تلك الرؤيا بعد ثمانين سنة، فسجد إخوة يوسف والشمس والقمر أمه وأبوه
﴿وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأوِيلُ رُءيَٰيَ مِن قَبلُ قَد جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا وَقَد أَحسَنَ بِيٓ إِذ أَخرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلبَدوِ مِن بَعدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيطَٰنُ بَينِي وَبَينَ إِخوَتِيٓ إِنَّ رَبِّي لَطِيف لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ ﴿١٠٠﴾﴾
هذا تأويل الرؤيا أخرج سعيد ابن المنصور وأبو يَعلى والحاكم وصَّحَّحهُ والبيهقيُّ في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال:
جاء يهودي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمّد صلى الله عليه وسلم أخبرني عن النُّجوم التي رآها يوسف ساجدةً له ما أسماؤها؟ هذا اليهودي جاء إلى النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام وقال له: أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ساجدةً له، أحدَ عشر كوكبًا الكوكبُ يقالُ له نَجم، الشمس لا يقال لها نجم، القمر لا يقال له نجم، الأرض لا يقال لها نجم، ولا يقال لها كوكب، الشمس باسمها شمس والقمر باسمه قمر، والأرض باسمها أرض النجوم هي نفسها الكواكب، فهذا اليهودي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام، هو النبي العربيّ الأميّ
فقال: يا محمّد أخبرني عن النُّجوم التي رآها يوسف ساجدةً له ما أسماؤها؟ فلم يُجبه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ حتى أتاه جبريل، ما أجابه عليه الصلاة والسلام حتى جاء جبريل عليه الصلاة والسلام بالوحيِّ فأخبره علّم جبريل رسولنا محمّد صلى الله عليه وسلم أسماء النجوم التي رآها يوسف عليه الصلاة والسلام، وعندها أرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودي فقال:
“هل أنت مؤمنٌ إن أخبرتك بها؟” هل تؤمن إذا أنا أخبرتك بأسماء تلك النجوم التي رآها يوسف؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام:
“خِرثان، وهذه الأسماء تقدمت معنا خِرثان، وبعضهم قال: يسمى جِريان وطارق هذه أسماء النجوم وطارق، ويُحدث عنها النبيّ العربي الأميّ عليه الصلاة والسلام خِرثان أو جريان وطارق والذياَّل وذو الكتفين أو الكنفان وذو الفَرع ووثَّاب وعمودان وقابِس والضَروح والمُصبِح والفَيْلق هذه النجوم والضياء والنور يعني أباه وأمه رآها في أفق السماء ساجدةً له، فلمَّا قصَّ رؤياه على أبيه قال: هذا تعبيرها”، يعقوب عليه الصلاة والسلام كان لما قُصَّ هذا وهذا يُحدث به نبُينا عليه الصلاة والسلام.
فلما قصَّ رؤياه على أبيه قال أبوه: أي يعقوب أرى أمرا متشتتا يجمعه الله. كان فراق طويل بين يعقوب عليه الصلاة والسلام وولده يوسف بعد فراق طويل قال: أرى أمرا متشتتا يجمعه الله بعد هذا التشتت، قد أشرنا في بداية هذه السورة الكريمة إلى أمر الرؤيا؛ لأن أمر الرؤيا كان له شأن في قصّة يوسف عليه الصلاة والسلام لن نعيد ما ذكرنا وفصَّلنا أكتفي فقط هنا بهذه الإشارات في أمر الرؤيا، الرؤيا لا يعبرها إلا من كان معبرًا وهذا من العلم اللدنيّ ﴿وَعَلَّمنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلما﴾ هذا لا يجوز له أن يتكلم بتعبير الرؤيا إلا من كان مُعبرا أعطاه الله تعالى العلم اللدنيّ في هذا وهذا يكون من أولياء الله الصالحين
ثم ورد في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“اعتبروها بأسمائها”، كلام عن الرؤيا أو الرؤى “اعتبروها بأسمائها وَكَنُّوها بِكُنَاهَا وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ” رواه ابن ماجه.
“اعتبروها بأسمائها” مثل أن يعبر الغراب إذا رأى الغراب بالرجل الفاسق، والضِلَع إذا رأى بالمرأة؛ لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام سمى الغراب فاسقا وجعل المرأة كالضلع، وبنحو ذلك من الكُنى والأسماء “اعتبروها بأسمائها وَكَنّوها بكناها والرؤيا لأول عابر” أي أن الرؤيا إذا احتملت تأويلَين وأكثر فعبرها من يعرف عبارتها وهنا هذا يختلف على حسب حال الشخص والزمان الوقت حال المُعبر، عبرها من يعرف عبارتها وقعت على ما أولها وانتفى عنها غيره من التأويل، وهذا معنى الرؤيا لأول عابر. وعن أبي رَزين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
“الرؤيا على رِجل طائر” “الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر” تُعبَر أو تُعبَّر “ما لم تُعبر فإذا عُبِرت وقعت” لذلك كان من الوصايا التي تقدمت من رأى رؤيا لا يُكلِّم بها إلا عالمًا أو فاضلًا أو صالحًا وإلا فليَكتُم فأمر الرؤيا هذا من العجائب لا تُكلم بها إلا أهل الفضل “الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت” ما معنى على رجل طائر وهل يستقر الطائر من حيث الغالب على الأرض؟ أما أن ينزل حتى يطير مسرعًا؟ معنى هذا شيء سريع أمر الطائر وإذا كان أمر الطائر هكذا فكيف بالذي يكون عالقا على رِجل الطائر كيف يكون قراره؟ قالوا: وكذلك أمر الرؤيا فإذا عُبرت، إذا عُبرت هذه الرؤيا معلّقة برجل الطائر هذا معنى كأنّها معلّقة بطائر قيل: والمراد لا يستقرّ قَرارها إذا عُبرت سقوطها أو حصولها يكون سريعًا فإذا عُبرت وقعت قال السيوطي في “مصباح الزجاج”:
(أي لا يستقر تأويلها حتى تعبر) وهذا وجه لطيف يعني أنها سريعة السقوط إذا عُبرت كما أن الطائر لا يستقر في أكثر أحواله فكيف ما يكون على رِجله؟
﴿وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأوِيلُ رُءيَٰيَ﴾ قال نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام لأبيه يعقوب صلى الله عليه وسلم:
﴿يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأوِيلُ رُءيَٰيَ مِن قَبلُ﴾ أي إن هذا السجود الذي سجدته أنت وأمي وإخوتي لي هو تصديق
﴿قَد جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا﴾ تصديق وتعبير الرؤيا التي كنت قد رأيتها من قبل
﴿قَد جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا﴾ رؤيا صادقة الرؤيا الصالحة فيها بشرى كبيرة للمؤمن رؤيا النبيّ محمّد عليه الصلاة والسلام ورؤيا الأنبياء حق من رأى نبينا عليه الصلاة والسلام في المنام قد رأى رسول الله حقا فإن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع الشيطان أن يَتزيّا بزيِّ نبينا عليه الصلاة والسلام فقد قال:
“من رآني في المنام فقد رآني حقَّا فإنَّ الشيطانَ لا يتزيّا بي” في رواية “فإن الشيطانَ لا يتمثل بصورتي”، في رواية “فسيراني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي” فبشرى عظيمة لمن أكرمه الله برؤية رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، والله هذه نعمة لا تساويها كل أموال الدنيا لأنه ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام “فسيراني في اليقظة”؟ وأين اليقظة؟ قالوا: إمَّا أن يكون عند الحوض الشريف في الآخرة، ولكن قال بعض العلماء: ولكنِ المؤمنون الذين يعبرون الصراط من رأى منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ومن لم ير سيَرون النبيّ عليه الصلاة والسلام عند الحوض فأين المزية، إذا لمن أكرمه الله تعالى برؤية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في المنام في هذه الدنيا قالوا:
إذا معنى “فسيراني في اليقظة” هذا الذي أكرمه الله عز وجل برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام في هذه الدنيا فإنه قبل أن يفارق الدنيا وهو على فراش الموت يكشف الله تبارك وتعالى له فيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بالجنة من غير أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من القبر، رسول الله عليه الصلاة والسلام في قبره والمسافة قد تكون بعيدة بين هذا الرائي وبين مدينة النبيّ عليه الصلاة والسلام قالوا: هذه الجبال الأبنية كلها هذه تصير كالبِلَّوْر، كيف أراك وتراني ومع هذه المسافة البعيدة يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بالجنة، الشيطانُ لا يستطيع أن يتشكل بصورة نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام في المنام بل ولا يستطيع الشيطان أن يتشكل بصورة يوسف عليه الصلاة والسلام في المنام ولا بصورة أي نبيٍّ من الأنبياء أمَّا هذه البشرى التي ذكرنا وهي الموت على الإسلام لمن رأى نبينَّا محمدًا عليه الصلاة والسلام في المنام.
﴿قَد جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا﴾ أي صادقة، وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعون سنة هذه رواية أو ثمانون هذا قول ثان أو ست وثلاثون بين رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام وحصول هذه الرؤيا في قول قالوا ثمانون سنة، وفي قول ست وثلاثون سنة، وفي قول اثنتان وعشرون وفي قول ثمانية عشر.
﴿وَقَد أَحسَنَ بِيٓ إِذ أَخرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجنِ﴾، سبع سنوات يا إخوة وهذا النبيّ الكريم يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجنِ بِضعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾﴾، سبع سنوات
﴿وَقَد أَحسَنَ بِيٓ إِذ أَخرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجنِ﴾ أي بعد الهمِّ والضيق والحُزن ونلاحظ لم يذكر هنا أمر الجُبّ وإلقائه في الجُبِّ لماذا؟ قالوا: لأنه تقدم قوله
﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ فلن أكلمكم بهذا وجعلني مَلكًا وحاكمًا نافذَ الكلمة في الديَار المصرية حيث شئت وقد أحسن بي ،تقول فلان أحسن به وفلان أحسن إليه وتقول فلان أساء بي وأساء إلي وهنا وقد أحسن بي أي أحسن بي ربي، وجاء بكم من البدو من البادية
﴿وَقَد أَحسَنَ بِيٓ إِذ أَخرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلبَدوِ﴾ وجاء بكم من البدو من البادية؛ لأنهم كانوا انتقلوا إلى بعض بادية فلسطين كانوا أصحاب مواشٍ ينتقلون في المياه والمناجع
﴿مِن بَعدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيطَٰنُ بَينِي وَبَينَ إِخوَتِيٓ﴾ أي أفسد بيننا وأغرى
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيف لِّمَا يَشَآءُ﴾ يذكر هنا لطف الله وكأن في لقاء يوسف عليه الصلاة والسلام مع يعقوب بعد طول هذا الفراق من اللطف
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيف لِّمَا يَشَآءُ﴾ أي لطيف التدبير
﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ﴾، العليم الحكيم بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف فهو العليم بجميع الأمور فلا يخفى عليه شيء