بسم الله الرّحمن الرّحيم
﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ (89) قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ (90) قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ (91) قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (92)﴾.
﴿يَٰبَنِيَّ ٱذهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيئسُواْ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يَاْيئسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ ﴿٨٧﴾﴾
طلب يعقوب عليه الصلاة والسلام من أولاده أن يذهبوا إلى المكان الذي جاءوا منه في مصر وخلفوا فيه أخويهم بنيامين وروبيل ويتحسسوا ويلتمسوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين ولا يقنطوا من رحمة الله وفرجه
﴿وَلَا تَاْيئسُواْ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ﴾ من رحمة الله من فرج الله من نعمة الله سبحانه وتعالى لا تقنطوا من رحمة الله بعد كل الضيق الذي أصاب يعقوب عليه الصلاة والسلام وقد عظم حزنه وزاد همه واشتد كربه فمن فقد يوسف عليه الصلاة والسلام إلى فقد بنيامين وما بين هذا وهذا طول في السنين مع ذلك ومع أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أظهر حزنا شديدا على يوسف ثم ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ مع كل ذلك يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي يعلم من الله ما لا يعلمه بقية أبنائه وهو الذي يذكر رؤيا يوسف التي لم تتحقق بعد ﴿رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَٰجِدِينَ ﴿٤﴾﴾ وهو الذي يرجو رحمة الله عز وجل ولا يزال ينتظر هذه البشرى بيوسف وحتى زاره ملك الموت عزرائيل عليه السلام وسأله يعقوب عليه الصلاة والسلام في من قبضتَ رُوح ولدي يوسف؟ قال له: يوسف حيّ فاطلبه فعلّمَه عزرائيل عليه السلام أن يقول هذا الدعاء المفرّج للكرب، والذي نذكره أيضًا في السورة المفرّجة
(يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الدَائِمِ الَذِي لَا يَنْقَطِعُ معروفه أَبَدًا وَلَا يُحْصِيهِ غَيْرُكَ فَرِّجْ عَنْي)
فبعد هذا يعقوب عليه الصلاة والسلام وهو كان في فلسطين يطلب من أبنائه أن يرجعوا إلى عزيز مصر، إلى أرض مصر وفي هذه المرة أن يسألوا عن يوسف أيضًا أن يسألوا عن يوسف إذا هو حي، عنده الأمل والرجاء أن يوسف عليه الصلاة والسلام حيّ وأوصاهم بعدم اليأس من رَوْح الله، من رحمة الله سبحانه وتعالى، ومن الفرج حتى مع اشتداد الكرب إذا اشتد الكرب وَعظُم البلاء واشتدت الأزمة فماذا يكون؟ وهل تأتي تباشير الصباح إلّا بعد ظلام وليل؟ وهل يكون الفرج إلا بعد غمّ وكرب؟ فيوصيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام ألّا ييأسوا من رحمة الله عز وجل
﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيئسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ﴾
﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن
﴿لَا يَاْيئسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ﴾ الذين يجحدون رحمة الله تعالى ونعمته؛ لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته وأمّا الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبَه في نعمته فييأس من رحمته
﴿لَا يَاْيئسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ﴾ من رحمة الله
﴿إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ﴾ المعنى هنا أي لا يجحد رحمة الله، ولا يجحد نعمة الله إلا القوم الكافرون، أمّا الذي يكون مسلمًا عاصيًا متلوثًا بالمعاصي معاصيه كثيرة من كبائر وصغائر ولم يَتُب إلى الله من كثرة ذنوبه يقول: لا أظن أنّ الله يغفر لي، أنا ذنوبي كثيرة لكنه ما جحد رحمة الله ولا نعمة الله بل هو مؤمن بالله فهذا يسمى عند الشافعية: القنوطُ من رحمة الله، وهو معصية كبيرة هذا ليس خروجًا عن الملّة هو لكثرة ذنوبه لكثرة معاصيه مسرف على نفسه، معاصٍ وذنوب كثيرة يقول: الله لن يغفر لي وهو لم يتب أما لو تاب، من تاب تابَ الله عليه، مهما أسرف العبد على نفسه لا ينبغي أن يقنط من رحمة الله عزّ وجل
أمّا المراد هنا ﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيئسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ﴾ لا يجحد رحمة الله لا يجحد نعمة الله إلا القوم الكافرون فإذًا ذهب إخوة يوسف راجعين من فلسطين إلى مصر
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئنَا بِبِضَٰعَة مُّزجَىٰة فَأَوفِ لَنَا ٱلكَيلَ وَتَصَدَّق عَلَينَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجزِي ٱلمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾﴾
رجع إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام إلى مصر كما أمرهم أبوهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وقصدوا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في ملكه فلما دخلوا عليه قالوا له متعطفين مترحمين صاروا في ذلّة وهم من فعلوا بيوسف عليه الصلاة والسلام ما فعلوا؟ هم جعلوه في البئر، هم حاولوا قتله، هم سفّهوا أباهم، هم آذوا يوسف وآذوا يعقوب وآذوا بنيامين هم من ظلموا عندما كانوا في قوّة وشباب وحسدوا يوسف عليه الصلاة والسلام على حُبّ أبيه له وهو الذي ما أساء إلى واحد منهم وبعد هذا الوقت يرجعون لكن بِذلّة يا أيها العزيز متعطفين مترحمين، من سلّ سيف البغيّ قتل به ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن نسي زلته استعظم زَلل غيره ، يا أيّها العزيز دخلوا عليه متعطفين مُترحمين يا أيّها العزيز لقد مسّنا وأهلنا الحاجة والفقر، وضيق الحال من الجَدب والقحط يقولون: وجئنا لجلب الطعام وقت الميرة هم كانوا وقتها في تلك السنوات سنوات القحط والجذب قالوا: جئنا لجلب الطعام فقد مسنا الضر
الضّر هنا الهُزال من الشدّة والجوع، أصابهم هزال من الشدة، البلاد في مصر وفي فلسطين عمّ القحط حتى في فلسطين في ذلك الوقت فصار بسبب هذا القحط قِلة الطعام فأصابهم الهُزال من الشدة والجوع ومع هذه الحال هم وغيرهم يأتون إلى مصر، نَعم سيأخذون الميرة لكن في مقابل مال، يدفعون مالا، يدفعون بضاعة، مع الشدة والضيق الذي كانوا فيه ما كان معهم إلا بضاعة مُزجاة، بضاعة مُزجاة مدفوعة ما معنى مدفوعة؟ يدفعها كلّ تاجر رغبة عنها مدفوعة يعني كيف تقول أنا أدفعها؟ يعني لا أريدها يعني زاهد فيها، يعني بضاعة رديئة لا تملأ العين، لا تملأ النظر ليست لها تلك القيمة قال:
﴿وَجِئنَا بِبِضَٰعَة مُّزجَىٰة﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبةً عنها واحتقارا لها
يقال: من أزجيته إذا دفعته وتركته، بضاعة ضعيفة قليلة رديئة نبادلها بالطعام، يقولون ليوسف عليه الصلاة والسلام:
وهي لا يقبل مثلها إلّا أن تتجاوز عنا وتقبلها منا
ويقال كانت دراهم زُيوفة لا تؤخذ إلا بوَضيعه
وقيل: كانت مجرد صوف وسَمْن، وهم يريدون في مقابل ذلك الميرة وكان سّيدنا يُوسف عليه الصلاة والسلام لكلّ شخص يعطيه حِمل بعير حِمل جَمل فقط حتى لا يَأخذ واحد زيادة لأنّ القحط قد عمّ البلاد يدفعون الثمن ويأخذون وهم ما جاءوا به بِضاعة مزجاة بِضاعة رديئة وهم يشعرون بهذا فهم يقفون الآن بذل أمام يوسف عليه الصلاة والسلام ويقولون:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلعَزِيزُ﴾ يتذللون له
﴿فَأَوفِ لَنَا ٱلكَيلَ﴾ الذي هو حَقُنا أن تعطي الكيْل
﴿وَتَصَدَّق عَلَينَآ﴾، هنا طلبوا من يوسف أن يتصدق عليهم، السيف الذي رفعوه نزل على رقابهم ﴿وَتَصَدَّق عَلَينَآ﴾ وتفضل علينا يا يوسف أيها العزيز بالمُسامحة والإغضاء عن رَداءة البضاعة يقولون: نعتذر منك بِضاعتنا رديئة نحن نعرف بضاعتنا رديئة أو ﴿تَصَدَّق عَلَينَآ﴾ زدنا على حقنا لأنّنّا في ضيق شديد أو هذا وجه ثالث في معنى ﴿وَتَصَدَّق عَلَينَآ﴾ هبْ لنا أخانا بنيامين رُدّ إلينا بنيامين الذي هو محجوز عنده لكن بنيامين قد عرف أنه عند أخيه يوسف وصار في أمان
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجزِي ٱلمُتَصَدِّقِينَ﴾ يقول الحافظ الإمام الواعظ ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله في صيد الخاطر:
(ومن تأمل ذلّ إخوة يوسف عليه السلام يوم قالوا: ﴿وَتَصَدَّق عَلَينَآ﴾ عرف شؤم الزَلل ومن تَدّبر أحوالهم قاسم بينهم وبين أخيهم من الفروق وإن كانت توبتهم قَبلت لأنه ليس من رَقع وخَاط كَمن ثوبه صحيح، ليس الذي هو على الصلاح وما عصى كمن عصى وتاب، من تاب تاب الله عليه لكن ذاك ابتعد أصلًا عن المَعصيةِ ليْس مَن خَرق صومه ثم رَقع كمَن صَام من غير خَرق ولا رَقع ليس هذا كهذا)، وهم وإن كانوا تابوا فيما بعد ورجعوا إلى الإسلام كانوا هم سبّوا أباهم النبيّ رجعوا إلى الإسلام ثم تابوا لكن ليس حال هؤلاء الذين قد تلوثوا بكل هذا، قالوا ليعقوب قالوا عنه:
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰل مُّبِينٍ ﴿٨﴾﴾ في موضع آخر ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلقَدِيمِ ﴿٩٥﴾﴾ وكل ما فعلوا أيضا حالهم من الرَقع والخرق ليس كحال الذي لم يتلوث في ذلك وهنا يشير الحافظ ابن الجوزي رحمه الله إلى شؤم المعصية وما تُسببه المعصية وما تلحقه المعصية بصاحبها من الذلّة، المعصية باب للذِلة عندما وقع إخوة يوسف فيما وقعوا فيه فبعد كل هذه السنين قلنا في بعض الروايات أربعون سنة وفي بعض الروايات ثمانون سنة ربما في بعض الروايات ثلاثة وعشرون سَنة أكثر من قول في هذه المدة في كل الأحوال سنوات طويلة جدا، رجعوا ليقولوا وتصَدّق علينا وقفوا في هذا الموقف حتى يتذكر هذا ليعرفه كل من يتجرأ على الزَلل على المعصية ليتَذّكر شُؤم الزلل
﴿قَالَ هَل عَلِمتُم مَّا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذ أَنتُم جَٰهِلُونَ ﴿٨٩﴾﴾
هنا تذكروا ما تقدم معنا في أول السورة الكريمة، عندما ألقي يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر وجاءه الوحي أي ألهمه الله سبحانه وتعالى، أمّا متى صار نبيا يوسف عليه الصلاة والسلام؟ فيقال: عندما بلغ الأربعين سنة وبعضهم قال: بعد أن تجاوز الثلاثين بشيء في ذلك الوقت عندما ألقي في البئر وهو في سن صغيرة، الله تعالى أوحى إليه أي ألهمه، تذكرون ذلك الموضع؟ أنه سينبئ إخوانه أي بعد حين بما كان منهم وما فعلوه وهم لا يعرفونه سبحان الله العظيم بين هذا وهذا عشرات من السنين يأتي الوحي يُلهم وهذا معناه أنك ستنجو من الذي أنت فيه وهم هؤلاء الذين فعلوا بك ما فعلوا فبعد حين أنت ستنبئهم ستخبرهم بما فعلوه وهم لا يشعرون أنك أنت يوسف ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجمَعُوٓاْ أَن يَجعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلجُبِّ وَأَوحَينَآ إِلَيهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمرِهِم هَٰذَا وَهُم لَا يَشعُرُونَ ﴿١٥﴾﴾ وها هو يوسف عليه الصلاة والسلام بعد كل هذه السنين وهؤلاء أمامه في ذِلّة، يوسف ينظر في حالهم فلمّا رآهم بلغوا ما بلغوا من هذه الحال وهم لا يعلمون أنّه يوسف
﴿قَالَ هَل عَلِمتُم مَّا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذ أَنتُم جَٰهِلُونَ﴾ لمّا سمع يوسف عليه الصلاة والسلام هذا الكلام من إخوته ورأى ما وصلوا إليه من سوء الحال وقَالُواْ مَسَّنَا وَأَهلَنَا ٱلضُّرُّ وتَضرّعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم فاضت عيناه ورقّ قلبه وحنّ عليهم ورحمهم وبكى ورحمهم وبكى وباح لهم بما كان يكتمه من شأنه كاشفًا عن سرّه حاسرًا عن جبينه الشريف عليه الصلاة والسلام ولم يتمالك أن عرَّفهم نفسه حيث ﴿قَالَ هَل عَلِمتُم مَّا فَعَلتُم بِيُوسُفَ﴾؟ أي هل علمتم قبح
﴿مَّا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذ أَنتُم جَٰهِلُونَ﴾ لا تعلمون قُبحَه
أو ﴿إِذ أَنتُم جَٰهِلُونَ﴾ أي في حَدّ السفه والطيش
وما فعلوا بأخي وما عرضوه للغم، بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وما كان منهم من الإيذاء بأنواع الأذى فما أعظم ما ارتكبوا من قطيعة الرحم وتضييع الحقّ إذ فرقوا بين يوسف وأخيه وتسببوا بذلك الأذى والمكروه وهم جاهلون بعاقبة ما يفعلون بيوسف عليه الصلاة والسلام وما يؤول إليه أمره ﴿قَالَ هَل عَلِمتُم مَّا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذ أَنتُم جَٰهِلُونَ ﴿٨٩﴾
﴿قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِي قَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَينَآ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ ﴿٩٠﴾﴾
لم يقولوا له فقط أنت يوسف؟ ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾؟
بعد أن حسر عن جبينه الشريف عليه الصلاة والسلام وشعروا بنبرةِ الصوت، هيبته وهو الوزير وهو الملك وحوله من حوله، ومع هذه السنوات ما كانوا قد عرفوه الآن ظهر في كلامه شيء من النبرة التي تذكرهم بيوسف وحسَر عن جبينه وصار يواجِههم بما فعلوا مع يوسف وكيف سيعرف عزيزُ مصر ذلك ,وعزيز مصر الذي يكلمهم واسمه يوسف ﴿قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾ أنت يوسف أنت ذاك يوسف، يوسف الذي في البئر، يوسف الذي أخذته القافلة، يوسف الذي لحقنا بالقافلة ونقول لهم: هذا عبد آبق، أبق منا وأخدتم مالا في مقابله هذا يوسف الذي تقفون الآن أمامه تقولون له: تصدّق علينا
﴿قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِي﴾ وإنما ذكر أخاه وهم قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوا عنه
﴿قَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَينَآ﴾ منّ الله علينا بالألفة بعد الفراق وذَكر نعمة الله بالسلامة والكرامة ولم يبدأ بالمَلامة مع هؤلاء الذين فعلوا ما فعلوه أول ما بدأ قبل الملامة بدأ بِذكر ما قد منّ الله تعالى به عليه من السلامة والكرامة هذا يوسف
﴿قَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَينَآ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ﴾ الفحشاء
﴿وَيَصبِر﴾ عن المعاصي وعلى الطاعة
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ أي أجرهم
فوضع الضمير لاشتماله على المُتّقين والصابرين قال :
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ وقبلها كان ذكر ﴿مَن يَتَّقِ وَيَصبِر﴾ فلم يقل هنا أجر المتقين وأجر الصابرين وبدلا من ذلك جاء
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ لأنّ هذا يشتمل على المُتّقين وعلى الصابرين
وقد قيل: (من يَتق مَولاه ويصبر على بلواه لا يضيع أجره في دنياه وعقباه)،
﴿قَالُواْ تاللَّهِ لَقَد ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَينَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ﴿٩١﴾﴾
اختارك الله فضلك علينا بالعلم والحِلم والتقوى والصبر والحسن
﴿وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ﴾ وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم لم نتق ولم نصبر لا جَرم أن الله أعزك بالمُلك وأذلنا بالتمسكن بين يديك
﴿قَالَ لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿٩٢﴾﴾
عندما اعترف إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام بإثمهم وخطَئهم ووقفوا بين يدي أخيهم يوسف عليه الصلاة والسلام ملِك مصر والحاكم النافذ على بلاد مصر وخزائنها وهم ينتظرون حُكم أخيهم عليهم، وقد ملك وقدَر وحكم وتمكّن وتمسكنوا وتَذلّلوا واستَعطَفوا واسْتَرحمُوا
﴿قَالَ لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ﴾ لا تعيير عليكم اليوم متعلق بالتثريب وبعضهم قال متعلق بِـ﴿يَغفِرُ﴾والمعنى لا تثريب عليكم لا أَثربكم اليوم، لا أثربكم وهو اليوم الذي هو مَظِنّة التثريب فما ظَنُّكم بغيره من الأيام وهذا يدُلّ على عظيم عفوِ يوسفَ عليه الصلاة والسلام
﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ يغفر الله لكم، الله يغفر لكم بالهداية إلى الإسلام يغفر الله لكم، الله يغفر لكم بالهداية إلى الإسلام؛ لأنّهم سبّوا أباهم الذي هو نبيّ بقولهم ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰل مُّبِينٍ ﴿٨﴾﴾ هذا وجِه ﴿يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ أي الله يغفر لكم بالهداية إلى الإسلام
وجه آخر قالوا: يكون بعدَ أنْ أدخلهم في الإسلام، قال ﴿يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ أي ما يحصل منكم من المعصية في المستقبل هذا معنى يغفر الله لكم
رُوِيَ أن رسولَ اللهِ ﷺ أخذَ بعضادَتَيْ بابِ الكعبةِ يومَ الفتحِ فقالَ لِقُرَيشِ:
مَا تَرَوْنَنِي فَاعِلًا بِكُمْ؟ قالُوا: نَظنّ خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٌ وَقَدْ قَدَرْتَ، فقال عليه الصلاة والسلام: (أقول ما قال أخي يوسف ﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ﴾ مقالةَ سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة عندما قدر وتمكن قال: أقول ما قال أخي يوسف ﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ﴾
وروي أنّ أبَا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتل عليه ﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ﴾ ففعله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “غفر الله لك ولمن علمك”.
ويروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه أنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيًّا ونحن نستحي منك لما فرطنا فيك فقال يوسف عليه الصلاة والسلام:
إن أهل مصر وإن ملّكت فيهم فإنهم ينظرون إلي بالعين الأولى أليس كان بيع أول ما دخل مصر؟ بيع في السوق واشتراه العزيز ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بَلغ عبدًا بِيعَ بعشرين درهمًا بلغ مصر فبَلّغه ما بلغه صارَ في هذا بيع بعشرين درهمًا والآن قد بَلغ ما بَلَغ قال:
“ولقد شرفت الآن بكم حيث علم الناس أني من حفدة إبراهيم”
فائدة:
في مسألة مهمة جدًا هنا تحتاج إلى انتباه في قوله: ﴿يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾، استغفار الكافر دخوله في الإسلام، استغفار الكافر دخوله في الإسلام استغفار الكافر، توبة الكافر الإسلام بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام بقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمد رسول الله هذا هو استغفار الكافر لا ينفع الكافر استغفاره اللساني قبل أن يسلم، لا ينفعه أن يقول أستغفر الله وهو لم يسلم، إذا هنا فرق في العبارة ما بين الاستغفار، والاستغفار اللسانيّ، الكافر لا ينفعه الاستغفار اللسانيّ قبل أن يسلم أي لا ينفعه أن يقول أستغفر الله بل هو عندما يقول: أستغفر الله وهو لا يزال على الكفر كأنه يقول: يا ربي كذب نفسك اغفر لي مع أني أنا لا أزال كافرًا وهذا لا ينفعه إذا ما هو الاستغفار الذي يكون نافعًا للكافر؟ الإسلام ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارا ﴿١٠﴾ يُرسِلِٱلسَّمَآءَ عَلَيكُم مِّدرَارا﴾، استغفروا ربكم هذا سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام قاله لقومه، معناه أسلموا ليس معناه قولوا: أستغفر الله، ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم﴾ وكذلك سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما استغفر لأبيه على معنى سأطلب من الله أن يدخلك في الإسلام، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام عندما ذهب إلى عمه أبي طالب وكان مشرفا على الموت كان على فراش الموت فدخل عليه وقال: يا عَم قل لا إله إلا الله محمّد رسول الله أشهدُ لك بها عند الله فصار المشركون حول أبي طالب ينظرون إليه يقولون: أترغب عن مِلة آبائك يا أبا طالب أترغب عما عليه آباؤك فأبو طالب نظر إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام وقال:
لولا أنْ تُعيّرُني بها قُريش لأقرَرْتُ بها عينك، معناه هو يعلم أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام على حقّ فالرسول عليه الصلاة والسلام اغرورقَت عيناه بالدّمع حزن حزنًا شديدًا عمه الذي دافع عنه لكن ما نطق بالشهادتين خرج عليه الصلاة والسلام وهو في غضب وقال كلمة عليه الصلاة والسلام قال:
“لأستغفرن لك ما لم أنه عنك”
معناه لأطلبنّ من الله أن يدخلك في الإسلام إلا إذا نزل عليّ وحي أنك لن تسلم وما هو إلا أن مات أبو طالب ولم يسلم وجاء ولده سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام قال:
(يا رسول الله إن عمك الشيخ الكافر قد مات) في رواية: (إن عمك الشيخ الضال قد مات) في رواية في البخاري منهما والثانية في أبي داوود قال: (إن عمك الشيخ الكافر قد مات) فما زاد عليه الصلاة والسلام عن كلمة قال:
“اذهب فواره”
هنا لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام رحمه الله ولا قال غفر الله له لماذا؟ لأن الله تعالى قال في القرآن الذي نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِۦ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشرِك باللَّهِ فَقَد ضَلَّ ضَلَٰلَا بَعِيدًا﴾ إذا بالنص القطعي وليس رؤيا منامية هذا النص لا تدفعه الرؤيا المنامية التي رآها العباس أو غيره رؤيا منامية ليس الآن مجال الكلام فيها لكن أمامنا الآن نص قطعي ما هو هذا النص القطعي؟ النصّ القطعي أن الذي يموت على غير الإسلام فهذا لن يغفر الله له لن يرحمه الله وإذا كان هذا مع أبي طالب فكيف أبو لهب؟ لأجل رؤيا منامية يقولون: اندفع العذاب عن أبي لهب بكل يوم اثنين هذا ضد النص القطعي إذا النصّ القطعي بماذا؟ النص القطعي من مات على غير الإسلام لا يجوز أن يقال: رحمه الله ولا أن يقال: غفر الله له؛ لأن هذا يكون تكذيبًا لصريح القرآن الكريم إذا مات إنسان على غير الإسلام الذي يقول: الله يغفر له أو الذي يقول: الله يرحمه كان يعاملنا معاملة حسنة بعد أن ضيع أعظم حق وكفر بالله أي معاملة تتكلم عنها؟! أعظم حق لله ضيعه أعظم الحقوق عليه أضاعه فمن الذي تتكلم فيه فهذا الذي يقول: الله يغفر له كأنه يقول: يا رب كذب نفسك أنت يا رب قلت بأنك لن تغفر لمن مات على غير الإسلام وأنا أقول يا رب هذا فلان مسكين هذا اغفر له ارحمه هذا يكون معارضا للنص القطعي فمن مات على غير الإسلام لا يُترحم عليه ولا يستغفر له بالنسبة للميت الكافر الذي مات لا يترحم عليه ولا يستغفر له ننتقل الآن إلى الكلام عمن؟ عن الكافر الحيّ الترحم على الكافر في حال حياته جائز رحمك الله، رحمك الله، هذا يأتي تحته، رحمك الله بأن تُسلم، ثم أليس الله تعالى قال: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيء فَسَأَكتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾
﴿وَسِعَت كُلَّ شَيء﴾ يعني في الدنيا في الدنيا وسعت المؤمن والكافر الرزق والمال والماء والطعام والسترة والصحة والولد هذا كله من الرحمة فهذا ما فيه إشكال
بقي هنا مسألة وهي: بالنسبة لقول: غفر الله لك لكافر حيّ قول: غفر الله لك لكافر حيّ فهل يجوز أن يقال هذا لكافر؟ فالعلماء قالوا: الذي يجوز في شريعة نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام إذا أردت أن تُدخل لفظ المغفرة فلتقل غفر الله لك بالإسلام لا بد من التقييد من غير تقييد لا يجوز لأنه يكون هناك إيهام إنما إن أردت أن تستعمل هذا اللفظ إن أردت استعماله وإن أردت قل: الله يهديك للإسلام يكفي، لكن إن أردت استعملت هذا اللفظ فتضيف ماذا؟ غفرَ الله لك بالإسلام ولا تقتصر على قول غفر الله لك حتى لا يتوهم أن له مغفرة وهو على مثل هذا الحال حتى لا يكون هناك إيهام فلا تقل غفر الله لك لهذا الكافر إن أردت أن تقول: فأضف، قل غفر الله لك بالإسلام مع هذه الإضافة أما بالنسبة لنبينا عليه الصلاة والسلام وبالنسبة للأنبياء فيجوز أن يقول لكافر حيّ (غفر الله لك) ولو لم يضيف بالإسلام؛ لأنه مع الأنبياء الذين اشتهر عنهم أمر الدعوة وأمر البيان فلا يكون فيه إيهام لذلك لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أحد الأنبياء ضربه قومه حتى أغشي عليه ثم قام فلما قام قال:
“اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”
معنى “اللهمّ اغفر لقومي” يعني بالإسلام وهنا يغفرُ الله لكم يوسف عليه الصلاة والسلام في دعائه وما سيأتي في الآيات عن سيدنا يعقوب معناه يدخلكم في الإسلام هذا معناه أو أنه قد دعاهم إلى الإسلام فأسلموا وهذه كانت توبتهم وليس شرطًا أن تذكر كل هذه التفاصيل في القرآن الكريم وهو الجامع، ثم يغفر الله لكم ما يكون منكم بعد ذلك.
فائدة:
العلم بكتاب الله عزّ وجل هذا فضل من الله ونعمة من الله، الله تعالى يجعلنا من الذين يقرؤون القرآن الكريم فيفهمون معانيه ويكونون عاملين به وأحب أن أختم هذا الذي ذكرت بوصية تدل على أهمية علوم القرآن الكريم وأنّ العلم بالتلقي وكان يسألني بعض الإخوة في أيّ كتاب من كتب التفسير نقرأ يوجد علماء كبار في التفسير مثل سيدنا ابن جرير الطبري مثل سيدنا الفخر الرازي مثل أبي حيان الأندلسي مثل القرطبي مثل الألوسي، ولكن أين تجد نسخة اليوم تخلو من الدسّ سيدنا يوسف دُسَّ عليه دس كبير جدا
وأنا أراجع في بعض التفاسير فوجدتُ واحدًا من كتب التفسير المشهورة جدا طبعة في الأسواق يقولون: ما معناه قد عاقب الله يوسف على الهَمَّة بأن رزقه أحد عشر ولدا فأمّا بقية إخوانه كل منهم كان له اثنا عشر ولدا أما يوسف أحد عشر ولدا قال لأنهم اثنا عشر إخوة فكل واحد كان له اثنا عشر ولدًا إلا يوسف أحد عشر قال: لماذا عاقبه الله على الهَمّة؟ ما أعجب هذا ما أعجب هذا يعني على زعمهم أن يوسف عقب على هذه الهمّة وهؤلاء فعلوا كل ما فعلوا، ويوسف أصلًا هو ما همّ بالزنى بل ولا خطر على قلبه خاطر الزنى ،فكم وجدت من الدسائس على سيدنا يوسف لذلك عندما نتكلم في تفسير القرآن الكريم وعن الأنبياء ينبغي أن نقف للدفاع عن أنبياء الله
ولذلك اخترت هذه الوصية التي تعطي منهجا سواء في أخذ العلم بالتلقي أو إلى من نرجع من العلماء بالإجمال، وصية الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله لولده وكان يقال له شيخ الإسلام تقي الدين السبكي هذا الذي يقال له شيخ الإسلام
فإذا يقول شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رضي الله عنه لولده:
أبُنيَّ لا تُهمل نصيحتي التي أُوصيك واسمع من مقالي تَرشد
احفظ كتاب الله والسننَ التي صحت وفقه الشافعي محمّدي
واعلم أصول الفقه علمًا مُحكمًا يهديكَ للبحثِ الصحيحِ الأيِّدي
وتعلم النحو الذي يدنِي الفتى من كلِّ فهم في القرآن مُسَدّدِ
واسلك سبيل الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ في العلوم وأحمدِ
وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه والسالكين طريقهم بهم اقتد
واتبع طريق المصطفى في كلّ ما يأتي به من كل أمر تسعد
واقصد بعلمك وجه رّبك خالصا تظفر بِسُبْلِ الصالحينَ وتهتدي
واخش المهيمن وأْتِ ما يدعو إلي ـ ه وانته عما نهى وتَزَّهد
وارفع إلى الرحمن كلِّ مُلمة بضراعة وتمسك وتَعبُد
واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر واشكر لمن أولاك خيرًا واحمد
وعليك بالورع الصحيح ولا تحم حول الحمى واقنط لربك واسجد
وخذ العلوم بهمّة وتفطّن وقريحة سمحاء ذاتِ توقّد
واستنبط المكنون من أسرارها وابحث عن المعنى الأسَّد الأرْشَد
وعليك أرباب العلوم ولا تكن في ضبط ما يلقونه بمفندِ
وإذا أتتك مقالة قد خالفت نصّ الكتاب أو الحديث المسند
فاقفُ الكتابَ ولا تَمل عنه وقِف مُتأدبًا مع كل حبر أوحَد
فلحوم أهل العلم سُمَّت للجناة عليهم فاحفظ لسانك وابعد
هذه وصيتي التي أوصيكها أكرم بها من والد متودد
فائدة:
هي كنز أعظم من كنوز الدنيا مما جاء في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : “مَنْ قال إذا أوى إلى فراشه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لهُ الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، غفر الله له ذنوبه أو خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر”
هذا الدعاء إذا أويت إلى فراشك فقله.