بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ (95) فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (96) قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ (97) قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (98)﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم
مراجعة لقصة سيدنا يوسف مع فائدة :
يوسف عليه الصلاة والسلام كيف عامل إخوته الذين آذوْه وأرادوا قتله ثم واحد من إخوته خالف في التوصية بقتله قال: لا نقتله هؤلاء كان منهم من قال: اقتلوا يوسف والآخرون سكتوا واحد من العشرة، عشرة لأن بنيامين لم يكن معهم، واحد قال: لا نقتله بل نرميه في جبْ فرموه في جبٍ فلم يمت في الجب، الله تعالى سلّمه ثم بعد ثمانين عامًا اجتمع بإخوته وبأبويه هكذا اختار بعض المشايخ هذا القول بالنسبة للفترة ما بين إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في الجب إلى أن اجتمع بأبويه وبإخوته وعند البحث في هذه المدة الزمنية وكيف لو أردنا أن نجمع ما قدمنا من الفترات الزمنية فهل سيكون مجموعها ثمانين؟
ما يذكره أهل التفسير يقولون في المسألة أقوال:
فبعضهم يقول: اثنتان وعشرون سنة كانت مدة الفراق
بعضهم يقول: ستٌ وثلاثون سنة هذا قول ثان
بعضهم يقول: أربعون سنة
وبعضهم يقول: ثمانون سنة وهو ما ذكره شيخنا رحمه الله
هذه أربعة أقوال وقد نجد غيرها أيضا إذا نظرت في الفترات، في مدة، ألقيَ يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر ثم خرج، دخل مصر، الآن أكثر مدة سنجد فيها اختلافا، وبناء عليها يظهر لنا أمر المدد الزمنية، مدة مكثِ يوسف عليه الصلاة والسلام في بيت العزيز
ستجد من المفسرين من قال: عندما كان سبعة عشرة عاما حصل من امرأة العزيز من المراودة معه ما حصل، بعد ذلك في السجن سبع سنين، بعد ذلك، سبع سنوات كان فيها خصب ثم سبع سنوات فيها قحط وجدب ثم سنة فيها يعصرون، وحصل اللقاء مع أبيه وإخوته لكن بعضهم لا يقول على السبعة عشر عامًا يقولون بعد ذلك
وهذا يزيل الإشكال، فأكثر مدة التي بناء عليها يتفرع الاختلاف في الأوقات، كم كانت؟ مدة الفراق في كل الأحوال أقل قول فيما ذكرت فيما وجدته أنا اثنتان وعشرون سنة، شديد هذا، فراق اثنين وعشرين سنة أليس صعبا لفقد ولد في ذلك الوقت؟ بالنظر إلى هذه المدة لمدة مُكث يوسف في بيت العزيز، يعني بعضهم قال: ثلاث عشرة سنة بعضهم يقول: هي أكثر
يعني معنى ذلك أنه كان مكث مدة طويلة في بيت العزيز على الأقوال الثانية مدة طويلة ثم حصلت المراودة هذا يزيل جزءا كبيرا من الإشكال الذي قد يكون عند البعض أنه كيف جاءت هذه المدة الزمنية، وهي ليست بمدة قصيرة ثم في بعض الأحداث أيضا يكون هناك تراخ، يعني لا يلزم أنه على الفور خرج يوسف عليه الصلاة والسلام من السجن ففورًا دخلوا في تلك السنين في بعض الأحداث أو فورًا جاءوا بالعير إلى مصر يكون هناك شيء من التراخي فيها لكن أكثر مدة والله أعلم التي ربما يتفرع عليها هذا الخلاف هي مدة مكث يوسف عليه الصلاة والسلام في بيت العزيز
فإذًا الله تعالى سلم يوسف عليه الصلاة والسلام بعد ثمانين عامًا الله جمع الجميع بعد ثمانين عامًا فسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام ما آذاهم ما قال هؤلاء كانوا تآمروا علي ليقتلوني ثم اتفقوا على أن يرموني في الجب لأنتقمنَّ منهم ما قال لو تأسينا بالأنبياء حالنا لا يكون هكذا يكون القلب نقيًّا صافيًا لا يحمل الغلّ للمسلمين ولا يحمل الحقد بعضهم يأتي يقول لك: أنت فعلت معي كذا قبل عشرين سنة قلبك عجيب قلبك حمل هذا عشرين سنة بدل أن يمتلأ قلبك بطاعة الله وبذكر الله في هذه السنوات قلبك لا يزال فيه فسحة ليحمل هذا قدوتنا أنبياء الله ينبغي الصدق فهذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قال لهم: أستغفر لكم ربي قال لا تثريب عليكم لا تعيير عليكم اليوم وهم قد عرفوا أنه هو يوسف ﴿قَالَ لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ يَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ معناه بعد هذا أنتم حسِّنوا عملكم هم رجعوا إلى الإسلام تابوا؛ لأنهم كانوا سفّهوا أباهم رجعوا إلى الإسلام لكن بعد ذلك يدعو لهم بتحسين العمل؛ لأنهم تابوا وهم ظلموا يوسف من دون ذنب منه إنما حسدا ظلموه وآذوه وآذَوا أباهم نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام ومع أن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام كان في ذلك الوقت الذي جاء إخوته فيه إليه ملِكًا في مصر كان في مقدرته أن يحرقهم بالنار وكان في استطاعته أن يسخّن ماءً حتى يغلي إلى حدٍ كبير ثم يرميهم في هذا الماء حتى تفترق اللحوم عن العظام ملك، من سيقول له أو يرميهم بالسجن حتى يتعذبوا زمانًا طويلًا لكنه ما فعل شيئًا من ذلك بل أحسن إليهم وأكرمهم وأنعم عليهم وهكذا كل الأنبياء يحسنون إلى من أساء إليهم لا يجعلون عادةً لهم أن ينتقموا من الناس سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي عانى منهم ما عانى ثم بعد ذلك ماذا كان منه كما سيأتي العفو انظروا إذًا إلى سِيَر الأنبياء وأخلاقهم.
الله تعالى قصّ في القرآن الكريم قصة يوسف التي فيها حكم كثيرة كما سيأتي في آخر السورة وفي أولها الإشارة إلى ذلك بأن أحسن القصص فيها ذكر الحاسد والمحسود الظالم والمظلوم القحط والجدب السجن والانطلاق جُمعت كلها ونزلت على النبي عليه الصلاة والسلام هذه السورة في وقت كان يوجد حزن عند النبي عليه الصلاة والسلام، الله تعالى أخبر في هذه السورة أن يوسف عليه الصلاة والسلام لقيَ من إخوته لأبيه العشرة ما لقي حاولوا أن يقتلوه حسدا منهم لماذا؟ كانت له محبة في قلب والده لماذا؟ لماذا أحبه أبوه أكثر؟ لِما كان عليه يوسف عليه الصلاة والسلام من محاسن الأخلاق.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
حاولوا قتله ثم قالوا: لا ليس القتل نلقيه في الجب في البئر
الله تعالى حفظ يوسف عليه الصلاة والسلام من الهلاك وحفظه من أن يعطب في هذه البئر ثم إلى ماذا آل أمر هؤلاء؟ آل أمرهم إلى أنهم صاروا محتاجين إليه صاروا يذهبون من أرضهم إلى مصر ليجلبوا الطعام من شدة حاجتهم إليه ثم هو لما عرفهم لم ينتقم منهم بقتل ولا بقطع أطراف ولا بحبس في السجون وهو كان قد عَرفهم وهم لم يعرفوه لكن كان أمره معهم بعد عشرات السنين بعد زمن طويل ما كان منه الانتقام، بعد ذلك هم تابوا ورجعوا إلى الإسلام فتاب الله تعالى عليهم لكن لأجل ما تقدم منهم من تلك الأعمال يقول المفسرون:
لا يكونون أهلًا للنبوة؛ لأن النبوة لا يستأهلها إلا من نشأ على الخلق الحسن، على الصدق على الوفاء على الصيانة وهؤلاء سبقت منهم هذه السوابق الخبيثة فلا يستحق واحد منهم أن ينال النبوة فمن قال من المؤرخين إنهم صاروا بعد يوسف أنبياء فقد كذب. إنما من ذريتهم من كان أنبياء الذين يقال لهم: الأسباط منهم اليسع وإلياس وذو الكفل من ذريتهم وليس منهم، الأنبياء خُلقهم على التواضع لا يكونون مترفعين على الناس وينبغي للمؤمن أن يقتدي بأنبياء الله. انظروا هذا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام يقول:
“اللهم أحيني مسكينا” أي متواضعا “اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا” معناه يا رب اجعل آخر أحوالي في الدنيا التواضع آخر أحوالي يعني أخرج من الدنيا وأنا على التواضع “واحشرني في زمرة المساكين”
“اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين” يعني احشرني يا رب مع المتواضعين هذا معنى مسكين هنا ليس المعنى أن الله لا يرزقه كفايته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلا فَأَغنَىٰ﴾ يعني أناله الله الكفاية ليس المعنى أنه كان لا يجد كفايته بقي على هذه الحال ما كان عنده ثم كفاه الله سبحانه وتعالى فهكذا أنبياء الله فإذًا بعد هذا الكرب الذي كان فيه يعقوب عليه الصلاة والسلام ويوسف عليه الصلاة والسلام وبعد هذا الفِراق الكبير وصار إخوة يوسف في حضرة الملك يوسف عليه الصلاة والسلام عزيز مصر وعرّفهم أنه يوسف وكشف عليه الصلاة والسلام عن جبينه الشريف فعرفوا أن هذا هو يوسف وسمعوا نبرته التي كانوا يعرفونها من قبل وهو يكلمهم ويذكرهم ماذا فعلتم بيوسف فعلتم كذا فعلتم كذا عرفوا فإنك لأنت يوسف عرفوا أنه يوسف ثم أخبر الله تعالى فقال سبحانه:
﴿ٱذهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرا وَأتُونِي بِأَهلِكُم أَجمَعِينَ ﴿٩٣﴾﴾
لما عرّفهم يوسف عليه الصلاة والسلام بنفسه سألهم عن حال أبيه لا يزال يعقوب في ذلك الوقت ما عرف بعد أن يوسف عليه الصلاة والسلام هو عزيز مصر هو ولده يوسف الذي طال الفِراق بينهما واشتد به الشوق والحنين للقائه فيوسف سأل عن أخبار أبيه فقال له:
قد هزُل جسمه ولانَ عظمه وذهب بصره من شدة البكاء والحزن فأخذت يوسف عليه الصلاة والسلام الشفقة والرحمة على أبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام ثم أعطاهم يوسف عليه الصلاة والسلام قميصه وهو الذي يلي جسده الشريف
وقد قيل: إن هذا القميص هو القميص المتوَارث الذي كان في تعويذ يوسف
وقيل: كان من الجنة وأمره جبريل قد واحد يقول: لمَ لم يحصل من قبل؟
فبعضهم قال: عندما جاءه الإذن أمره جبريل أن يرسله إليه لماذا؟ فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيمٍ إلا وعوفيَ فيه من ريح الجنة وفيه من ريح يوسف عليه الصلاة والسلام وبركة جسد نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجسادهم مباركة فهذا كان القميص الذي يلبسه يوسف عليه الصلاة والسلام ففيه إذًا من بركة يوسف عليه الصلاة والسلام وفيه من ريح يوسف وفيه من ريح الجنة والذي أمر بإرساله جبريل عليه الصلاة والسلام
﴿ٱذهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرا﴾ يصِير بصيرا أو يأتي إليّ وهو بصير، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام لما أعطاهم قميصه ليذهبوا به إلى أبيه قال له أخوه يهوذا:
أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء، نفسه الذي كان حمل بقميص يوسف الذي لطخ بدم السخلة وقالوا: هذا دم يوسف هو الذي ذهب بقميص الجفاء فلما جاء هذا قال: أنا كما أني كنت قد ذهبت بقميص الجفاء فاليوم فإني أذهب حاملًا قميص الشفاء إلى أبي. وقيل: حمله من مصر إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام في فلسطين وهو حافٍ حاسر ما انتظر القافلة حافٍ حاسر من مصر إلى أرض كنعان في فلسطين وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا وقال:
أنا أذهب به إليه لأني ذهبت إليه بالقميص ملطخا بالدم وأخبرته أن يوسف أكله الذئب فأنا أخبره أنه حيّ فأفرحه كما أحزنته. وكان هو البشير وخرج حافيًا يعدو ليبشّر أباه يعقوب، إرسال هذا القميص قميص يوسف عليه الصلاة والسلام إلى يعقوب فيه فائدة كبيرة يقول: العلّامة شهاب الدين أحمد بن العماد: (وما أحسن قولَ يوسف عليه السلام لإخوته:
﴿ٱذهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرا﴾ أراد أن تَعُمَّ بركته جُملة بدنه، ليس فقط الوجه، وإن عبّر بالوجه).
إذًا لأجل هذا أرسل القميص لتعمَّ البركة، بركة هذا القميص جُملة بدنه.
مع أن سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام نبي رسول وله شأن عالٍ عند الله سبحانه وتعالى لكن الله سبحانه وتعالى يجعل أسبابًا ومن جملة هذه الأسباب ما يجعل الله تعالى في الأنبياء من البركة إذًا يقول العلامة شهاب الدين:
(أراد أن تعمّ بركته جملة البدن والوجه يعبر به عن جملة البدن ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ﴾ قال ﴿وَجَّهتُ وَجهِيَ﴾ ليس فقط المراد الوجه)
وكما قدمنا قيل: بأن هذا القميص كان من الجنة فهذه الآية الكريمة ﴿ٱذهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرا وَأتُونِي بِأَهلِكُم أَجمَعِينَ﴾ إذًا هذا القميص حُمِل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام فيعقوب عليه الصلاة والسلام مسح به وجهه وجسده الشريف عليه الصلاة والسلام فارتدّ بصيرا.
فائدة:
الأنبياء هم معلموا التوحيد، من يجرؤ على أن يقول بأن فعل يعقوب شرك لأنه تمسح بالقميص إذا مسح به فهو تمسّح به وهل معنى كلمة التمسّح العبادة؟ إن مسحت رأسك في الوضوء فهل هذا يعد عبادة لغير الله؟ إن مسحت وجهك بعد رفعك كفيّك فمسحت وجهك فهل هذا يكون إشراكا بالله عز وجل؟ فأي فهمٍ هذا عند هؤلاء الذين يقولون التمسح بالكعبة شرك؟ أو التمسح بقبر النبي شرك والعياذ بالله؟ أو التمسّح بقميص النبي شرك؟ أو التمسّح بأثار النبي شرك؟ وهذا الذي في كتاب الله في سورة يوسف ماذا يقولون فيه؟ قميص
هذا لا يُنافي “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله” هل سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام ويوسف عليه الصلاة والسلام يطلب خلق العون من غير الله حاشا هؤلاء هم أنبياء الله بعض الناس يتشدد في غير محل التشدد ثم إذا أسقط في يديه يقول لك: حسنا وأنا لا أريد أن أفعل هذا لا تريد أن تفعل إذا كنت لا تريد أن تفعل كما فعل الأنبياء فماذا نقول؟ إذا كان الأنبياء هم فعلوا ذلك قميص هم يصدّقون أنه يكون شفاء بدواء من عشبة من أرض قد يكون أحيانا بنوع تراب أو بنوع مياه يصدق أن هذا يكون فيها شفاء وإذا كان في هذه شفاء فلماذا لا يكون هناك من أسباب الشفاء ما كان من بركة الأنبياء؟ وخالق هذا وخالق هذا وخالق هذا كله هو الله سبحانه وتعالى هي أسباب من فَهم توحيد الله لا يكون عنده إشكال في هذا أما الذي لم يفهم معنى التوحيد فماذا يقول للناس؟ أشركتم يقول لك: هذا التمسّح شرك وقولوا لي الحجر الأسود متّعنا الله تعالى بأن نقبله وقد جرت عليه دموع الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن شفتيه على هذا الحجر الأسود فإذا نحن قبلنا الحجر الأسود مسحنا الحجر الأسود هل هذا التمسح فيه نقض للا إله إلا الله؟ هذا حجر أسود هذا ليس كاللات والعزى ومناة هذا ليس كالشِعْرى هذا ليس صنما وهذا التمسح ليس معناه اخلق لي نفعا إنما أنا أرجو من الله سبحانه وتعالى البركة التي جعلها في هذا. ماء زمزم شفاء وبركة إذا قال بعض العلماء:
من أسرار ماء زمزم النظر إلى ماء زمزم سبب لشفاء العين كيف النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى قميص رسول الله، إلى شعرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى آثار رسول الله، كيف بزيارة حُجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف يكون هذا عبادة لغير الله؟ كيف يكون هذا إشراكًا إذا ﴿بِقَمِيصِي هَٰذَا﴾
يقول: ﴿بِقَمِيصِي هَٰذَا﴾ بهذا القميص لأن هذا القميص فيه بركة.
البركة لها عدة معانٍ منها النماء منها الخير منها الفيوضات. ليلة القدر يقال لها: ليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ورمضان شهرٌ مبارك.
البركة معناها الخير، والتبرُّك طلب الخير، أما التبريك معناه الدعاء له بالبركة تقول: برّك عليه هذا يقال له: تبريك الدعاء له بالبركة، أما التبرك معناه طلب البركة وطلب البركة طلب الخير. فكيف يكون من قد طلب الخير كيف يكون مشركا؟! وفي صلاتنا في الصلاة الإبراهيمية: (وبارك على محمد وعلى آل محمد) ما معنى قولنا: وبارك على محمد؟ معناه يا رب أدمِ البركة التي أعطيتها محمدًا صلى الله عليه وسلم لمحمد أثبتها وأدمها وأبقها وهذا يدل على أن بركة النبي عليه الصلاة والسلام لم تنقطع.
ثم يذكر البيهقي في دلائل النبوة : روى رجل من قريش من آل الزبير أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أصابها ورم في رأسها ووجهها وأنها بعثت إلى عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر ورضي عن أبيها، اذكري وجعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أسماء رضي الله عنها بعثت لعائشة اذكري لرسول الله عليه الصلاة والسلام يوجد ورم في رأسي وفي وجهي اذكري ذلك اذكري وجعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعلّ الله يشفيني وهي تدعو ولكن تبعث إلى النبي عليه الصلاة والسلام ببركته تطلب الدعاء، فذكرت عائشة الصدّيقة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجع أسماء انظروا هنا كيف كان الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق الذي ينزل عليه الوحي الذي يقود الأمة ويعلّمها ويقضي حوائجها عندما سمع ذهب بنفسه عليه الصلاة والسلام لزيارة أسماء لعيادتها حتى دخل عليه الصلاة والسلام على أسماء فوضع يده الشريفة على رأسها ووجهها من فوق الثياب لأن يد النبي عليه الصلاة والسلام لا تمسُّ النساء كما قالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها: “ما مسّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط”. ما كان يصافح النساء عليه الصلاة والسلام ولا يمس النساء إنما هذا معناه مع الحائل يعني على مكان الورم من فوق الثياب. ثم قال عليه الصلاة والسلام:
“بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك بسم الله”
صنع ذلك ثلاث مرات، فأمرها أن تقول ذلك فقالت ذلك ثلاثة أيام فذهب الورم”، بسم الله أذهب عنها وإذا كان عن رجل أذهب عنه فهذا مما علم النبي عليه الصلاة والسلام مما هو مجرب للورم لهذه الأورام، بسم الله على موضع الورم على موضع الداء “بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك بسم الله”، انظروا النبي ماذا يقول: “بدعوة نبيك” يعني نفسه عليه الصلاة والسلام تحدثًا بنعمة الله بدعوة نبيك ماذا؟ “الطيب المبارك” معناه يتبرك به عليه الصلاة والسلام “بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك بسم الله هذا ثلاث مرات”
على مدار ثلاثة أيام هذا مما علّمه النبي عليه الصلاة والسلام إذًا كان يعلم صلى الله عليه وسلم التبرّك
ثم في صحيح مسلم عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال:
(أخرجت إلينا أي أسماء جُبّة طيالسة فقالت: هذه كانت عند عائشة هذه الجبّة تقول أسماء: كانت عند عائشة حتى قُبِضت يعني حتى قُبِضت عائشة رضي الله عنها فلما قبضت أي عائشة قبضتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها) فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها هكذا تقول أسماء.
يقول الحافظ النووي في شرحه على مسلم:
(وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم)قال القاضي عياض في شرحه على مسلم: (قولها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها يقول: لما في ذلك من بركة ما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم أو لمسه وقد جرت عادة السلف والخلف على التبرك بذلك منه عليه الصلاة والسلام).
﴿ٱذهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرا وَأتُونِي بِأَهلِكُم أَجمَعِينَ﴾ ارجعوا إليّ بعد ذلك ﴿بِأَهلِكُم أَجمَعِينَ﴾ قال: لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلاكي يعني كان قد بلغهم أني قد مت هلكت بمعنى مت فاغتمّوا لذلك فالآن لينعموا ﴿وَأتُونِي بِأَهلِكُم أَجمَعِينَ﴾ لينعموا بآثار ملكي كما اغتمّوا بأخبار هلاكي
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلعِيرُ قَالَ أَبُوهُم إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ ﴿٩٤﴾﴾
لما خرجت القافلة التي فيها إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه القافلة قلنا يهوذا ذهب منفردًا بالقميص حافيًا حاسر الرأس بالقميص والقافلة الآن سترجع ليكون بعد ذلك عودة أو ذهاب يعقوب عليه الصلاة والسلام مع من سيصطحب من أهله وأبنائه وأحفاده فالآن فصلت العير خرجت القافلة التي فيها إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام وانفصلت عن أرض مصر متوجهة إلى أرض كنعان في فلسطين خرجت القافلة من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولا إذا فصل منه وجاوز حيطانه إذًا سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام أين؟ فلسطين القافلة انطلقت من أين؟ من عريش مصر
﴿لَمَّا فَصَلَتِ ٱلعِيرُ﴾ مع كل هذه المسافة ﴿قَالَ أَبُوهُم﴾ كان يوجد بعض من الأولاد في هذه المرة الأخيرة عنده ومن الأحفاد ومن حوله من قومه ﴿قَالَ أَبُوهُم إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ بَعْد القافلة في عريش مصر قال:
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ يقال: أوجد الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانية أيام ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ التفنيد: النسبة إلى الفند، الفند هو الخرف
أذكر عبارة هنا العالم العامل لا يخرف العالم العامل، أما لو واحد كان عنده علم لكن ما كان يعلم قد يصيبه العالم العامل لا يخرف إذًا التفنيد هذا نسبة إلى الفند هو الخرف
قال:
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ لولا أن يكون منكم النسبة لي إلى الفند إلى الخرف وإنكار العقل من هرم وهذا الذي يقال فيه: هذا شيخ مفند والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني
﴿لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ هذه يذكر علماء التفسير والعلماء بعلوم القرآن الكريم يقولون:
هذه لغة قبيلة عربية يقال لها: قيس عيْلان تفندون ومعناها عندهم: تستهزئون إذًا معناه كان لا يزال يوجد من هؤلاء من كان والعياذ بالله ينسب ذلك إلى يعقوب قيس عيلان هذا هو ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان قبيلة عربية كبيرة والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فتجد هذه لغة الحجازيين وهذه لغة تميم وهذه لغة قيس عيلان فهذه قبيلة كبيرة من أكبر القبائل من الأصول الكبيرة التي تفرعت عنها عن قيس عيلان ، عيلان لقب بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من أكبر القبائل التي تفرّعت عنها بنو سليم وهوازن وغطفان ومن الفروع الصغيرة التي تفرّعت عنها العدوان وفهم وبنو مازن هؤلاء القيسيّة الذين كان لهم في التاريخ حرب طويلة مع القحطانيين
فهذه ﴿لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ عندما تتبعها العلماء قالوا: هذه لغة قيس عيلان من العرب وعندهم ما معنى ﴿لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾
لولا أن تستهزئوا تُفَنِّد بمعنى تستهزئ عندهم
﴿قَالَ أَبُوهُم إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولَآ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ انظروا البلاء الشديد ماذا كان منهم
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلقَدِيمِ ﴿٩٥﴾﴾
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حتى نفرق، القافلة بعد ما وصلت، إذًا يوجد إخوة هناك وفي آخرين هنا هؤلاء الذين هناك تابوا ودخلوا في الإسلام هؤلاء صدر منهم هذا ثم هؤلاء أيضًا تابوا ودخلوا في الإسلام
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلقَدِيمِ ﴿٩٥﴾﴾ يعني في ذهابك عن الصواب قديم وهذا تسفيه منهم لأبيهم والعياذ بالله كان يعقوب عليه الصلاة والسلام يتوقع الفرج بلقاء ابنه يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام بعد طول بعاده وطول حزنه عليه
أليس قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ مرّ معنا في هذه السورة ريح الصبا ضدّها أو ما يقابلها ريح الدّبور هبّت عليه ريح الصّبا التي يستروح بها كل محزون ومكروب فذهب بريح يوسف الصدّيق بمشيئة الله وقدرته إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام وبين يوسف ويعقوب عليه الصلاة والسلام مسافات طويلة قال يعقوب لأبنائه:
إني لأجد وأشم ريح يوسف لولا خوفي من أن تسفّهوني وتنسبوا لي ضعف العقل وتستهزئوا بي.
﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلبَشِيرُ أَلقَىٰهُ عَلَىٰ وَجهِهِۦ فارتَدَّ بَصِيرا قَالَ أَلَم أَقُل لَّكُم إِنِّيٓ أَعلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ ﴿٩٦﴾﴾
لم يطل الانتظار حتى جاء البشير الذي خرج من مصر حافيًا حاسرًا وهو يهوذا وصل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام فبشره بلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام ثم ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب عليه الصلاة والسلام
أو يقال: أعطاه ليعقوب ويعقوب ألقاه على نفسه فارتد سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام رجع بصيرا يقال: رده فارتدّ وارتدّه إذا ارتجع عاد مبصرا بعينيه كما كان سابقا بعدما كان ضريرا ﴿قَالَ أَلَم أَقُل لَّكُم﴾ يعني قلت ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أو قولوا ولا تيأسوا من روْح الله وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر فقال: ما أصنع بالمُلك؟ على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة
﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱستَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ﴿٩٧﴾﴾
سَلْ الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك وحق ابنك إنا تبنا واعترفنا بخطايانا إذًا الآن هذا كان بعد أن رجعوا إلى الإسلام فلما طلبوا هذا الاستغفار من يعقوب يعقوب ما قال سأستغفر ولا قال يغفر الله لكم
﴿قَالَ سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم رَبِّيٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾﴾
قيل: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أرجأ الاستغفار لأولاده عندما سألوه أن يستغفر الله لهم لانتظار الوقت الذي هو مظنّة الإجابة بيّنّا بأن هذا بعد أن رجعوا إلى الإسلام الآن لما طلبوا منه هذا الاستغفار بعد أن رجعوا إلى الإسلام طلب
﴿قَالَ سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم رَبِّيٓ﴾ أرجأه إلى الوقت الذي فيه مظنة الإجابة
يقال: أخّر الاستغفار إلى وقت السحر وقت السحر: هو وقت الأسرار وهذا الوقت الذي تنزل فيه الملائكة وتنادي مبلغةً عن الله “ينزل ربنا كل ليلة من السماء الدنيا” أي ينزل ملك ربنا بأمر ربنا “فتنادي إن ربكم يقول هل من داعٍ فيستجاب له هل من يستغفر فيغفر له هل من سائل فيعطى”
ويقال: أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة
ويقال: أخّر ليعرف حالهم أو ليتعرف حالهم في صدق التوبة أو أراد أن ينتظر إلى أن يسأل يوسف عليه الصلاة والسلام هل عفا عنهم؟ اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.