بسم الله الرحمن الرحيم
{ ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ (102) وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ (103) وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ (104) وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ (105) }.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ذَٰلِكَ مِن أَنبَآءِ ٱلغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيهِم إِذ أَجمَعُوٓاْ أَمرَهُم وَهُم يَمكُرُونَ ﴿١٠٢﴾﴾
إذا قلنا الخِطابُ هنا لنبينا عليه الصلاة والسلام
﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ يا محمّد ذلك مبتدأ ذلك إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف
وكما قدمنا الآيات التي كانت قبل كان فيها أخبار يوسف عليه الصلاة والسلام من الوقت الذي كان فيه عليه الصلاة والسلام طفلًا صغيرًا إلى أن صار وزيرا لمصر إلى أن جمعه الله تعالى بأبيه وأهله إلى أن توفاه الله وكما قدمت لو نظرنا في كل سور القرآن الكريم لا تجد قصة نبي سُردت كما سردت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في هذه السورة الكريمة لذلك تجد في هذه السورة أُنسا كبيرا جدا وصدقا إنه من عجائب هذه السورة أنك بمجرد أن تبدأ بالاستماع إلى آياتها وكأن القلب الذي عليه وفي هذا الوقت قلوب الناس عليها ليس عقدة واحدة بل عقد مع كثرة المصائب كثرة البلايا فكأنك عندما تبدأ بسماع تلاوة سورة يوسف كأن هناك مع كل آية مفتاح يحل عقدة من هذه العُقد فكيف إذا تعلمت تفسيرها وتدبرت معانيها ثم عملنا على حفظها ثم نبقى على تلاوتها على مدار العام، يعني يكفي أن أقول لكم إذا آيات خففت عن قلب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام خففت عنه يعني نزلت هذه الآيات وهذه السورة الكريمة في الوقت الذي كان فيه البلاء يبلغ شدة كبيرة جدا على نبينا عليه الصلاة والسلام في السنوات الأخيرة قبل الهجرة النبوية الشريفة لذلك قصت هذه الأخبار على نبينا عليه الصلاة والسلام
﴿ذَٰلِكَ﴾ إشارة إلى ما سبق من خبر يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿مِن أَنبَآءِ ٱلغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ وهذا هو الخبر وإذا نبينا الذي هو أُميّ
فائدة:
إنَّ وصْفَ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ بأنَّه «أُمِّيّ» هو في حقِّه مَدْحٌ لا ذمٌّ، إذ ليس المقصودُ به الجهلَ أو النقصَ في العلم، وإنَّما هو دلالةٌ على كمال صدقه ﷺ، لأنَّه لم يتعلَّمْ القراءةَ والكتابةَ من أحدٍ، ومع ذلك جاء بالكتاب المعجز، وأخبر عن أخبار الأوَّلين والآخِرين.
وقد يَستشكِل بعض الناس فيقول: أليس العلمُ رِفعةً للإنسان ومزيَّةً له؟ بلى، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾.
غير أنّ أُمِّيَّةَ النبيِّ ﷺ كانت مدحًا؛ لأنَّه مع كونه لم يتعلَّمْ من بشرٍ، قَصَّ علينا بالتفصيل قصصَ يوسف، ونوح، وثمود، وأصحاب الرسّ، وقصة آدم وبداية الخَلْق، وأخبار إدريس وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، بل وأخبر عن أشراط الساعة وأحوال القيامة ونهاية الدنيا. فمن أين له هذا العلم لولا أنَّه وحيٌ من الله تعالى؟
فأُمِّيَّتُه ﷺ برهانٌ على صدقه، ودليلٌ على أنَّه نبيٌّ مؤيَّدٌ بالوحي. وقد أعطاه الله علمَ الأوَّلين والآخِرين، مع أنَّه لم يتعلَّمْ عند أحدٍ، فكان في ذلك أعظم الحجج على خصومه.
والعجب أنَّ الناسَ يعظِّمون مَن يكتشف أمرًا صغيرًا قد يتبيَّن بطلانُه بعد حين، فيكتبون فيه المجلَّدات ويُدرِّسونه في المدارس، فإذا جاء رسول الله ﷺ بالوحي المعصوم، وبالأخبار الصادقة من أول الدنيا إلى آخرها، أعرض عنه كثيرٌ منهم ولم يصدِّقوه!
ثمَّ إنَّ هذا الكتاب العظيم، القرآنُ الكريم، هو الكفاية والهدى، غير أنَّ كثيرًا من الناس هجروه، فلا يقرؤونه إلا في رمضان، بل بعضهم قد لا يقرؤه حتى في رمضان! بينما كان السلف يختمونه في أربعين يومًا، أو في شهر، أو في أسبوع، أو في ثلاث ليالٍ، بل عثمان ذو النورين رضي الله عنه ختمه في ركعة. فأين نحن من هؤلاء؟!
ولذلك قال الفاروق عمر رضي الله عنه:
«كفى بكتاب الله واعظًا».
وهو ما ظهر في مرض النبيِّ ﷺ الأخير، حين أراد أن يكتب لأصحابه كتابًا يكون لهم وصيَّةً جامعة، فقال بعض الحاضرين: حسبُنا كتابُ الله. أي: يكفينا ما نزَل عليك من الوحي، ففيه الهداية والبيان، ولن تضلَّ هذه الأمة ما دامت متمسِّكةً بكتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ.
﴿ذَٰلِكَ مِن أَنبَآءِ ٱلغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ هذا يَنزل بوحي على النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن يتنزل على النبيّ عليه الصلاة والسلام ليس في حال نوم إنما في حال يقظة أمَّا مَا يذكر في بعض الروايات أغفى إغفاءةً عليه الصلاة والسلام ثم أفاق وقال: “أنزلت علي آنفا سورة بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿إِنَّآ أَعطَينَٰكَ ٱلكَوثَرَ﴾ إلى آخرها” قالوا: ليس هذا على معنى النوم واستدلوا بها على أن ﴿بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ آية من سور القرآن الكريم لكن النبيّ من الأنبياء الرؤيا التي يراها في المنام وحي من الله لكن نزول القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام كان في يقظته ليس في حال نومه عليه الصلاة والسلام ﴿ذَٰلِكَ مِن أَنبَآءِ ٱلغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيهِم﴾ لدى إخوة يوسف ﴿إِذ أَجمَعُوٓاْ أَمرَهُم وَهُم يَمكُرُونَ﴾
﴿مَا كُنتَ لَدَيهِم﴾ يعني معناه عندما عزموا على ما همّوا به من إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر ما كنت معهم يا محمَّد صلى الله عليه وسلم وكيف عرفته؟ وكيف قصصته؟ أليس جاء ذلك اليهودي يقول له: أخبرني عن القصة فالنبيّ عليه الصلاة والسلام قال: إن أخبرتك تؤمن؟ قال:
نعم أؤمن فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان عليه الصلاة والسلام معه عندما عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر
﴿وَهُم يَمكُرُونَ﴾ يمكرون بيوسف عليه الصلاة والسلام ويبغون له الغوائل والمعنى أن هذا النبأ الذي أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصه على قومه لم يحصل لك يا محمّد صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي؛ لأنك لم تحضر بني يعقوب حين اتفقوا على إلقاء أخيهم في البئر وبعد هذا البيان اسمعوا هذه الآية اسمعوا هذه الآية وفكروا فيها
﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ ﴿١٠٣﴾﴾
أراد العموم أو أهل مكة أي وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم ﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ ﴿١٠٣﴾﴾ ولو حرص على هدايتهم وإرشادهم وتعليمهم رسول الله محمّد عليه الصلاة والسلام
﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ﴾ مع حرصه عليه الصلاة والسلام
﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ ﴿١٠٣﴾﴾ لأن الأكثر قد خلقه الله تعالى ليكون حصة جهنم والعياذ بالله ﴿وَلَو شِئنَا لَأٓتَينَا كُلَّ نَفسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِن حَقَّ ٱلقَولُ مِنِّي لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجمَعِينَ﴾ نجمع هذه مع هذه الآية الكريمة مع غيرها من آيات القرآن الكريم والأحاديث لنعلم أن قليلا من الناس الذين خلقهم الله تعالى شاء لهم أن يكونوا من أهل السعادة الأبدية في الجَنة قليل من الناس مع أن الجنَّة أكبر بكثير من جهنم، الجنة أكبر بكثير من جهنم ومع ذلك الحصَّةُ الأكبر لجهنَّم حطب، حطب لجَهنَّم يا عباد الله حصب جهنَّم يمشي على الأرض ونهايته حطبة تكون في نار جهنم فتزيدها وقودًا أشدُّ ما خلق الله تعالى من العذاب في جهنَّم
فائدة: قال بعضُ العارفين:
«قليلٌ من الناسِ ممَّن خلقَ اللهُ تعالى آمن، وقليلٌ ممَّن آمن تعلَّم، وقليلٌ ممَّن تعلَّم عمل، وقليلٌ ممَّن عمل أخلص».
نسألُ اللهَ العفوَ والعافية.
فمَن وجد في نفسِه خيرًا، فليحمدِ اللهَ تعالى؛ فهكذا يُعلِّمُنا رسولُ الله ﷺ.
الحمدُ لله، نحن الآن في مجلسِ علمٍ، والحمدُ لله، نحن في طاعةٍ لله تعالى تفكَّرْ: في هذه اللحظة التي أنتَ فيها، كم من الناس في مواطنِ ضلالٍ؟ كم من الناس في أماكنِ فسقٍ وفجورٍ؟ كم من الناس يهلكون ويُهلِكون؟
لولا أنْ تداركنا اللهُ برحمتِه، ماذا كُنَّا فاعلين؟ ما هو حالُنا؟ أين كُنَّا نحن؟ وأين كُنَا سنكون؟ وأين سيكون أهلُنا وأبناؤنا؟
لقد كان مع النبيِّ ﷺ رجالٌ رأوا المعجزات بأعينهم، ولم يؤمنوا! سمعوا القرآنَ الكريمَ من فمِه الشريف ﷺ، ولم يؤمنوا! ونحنُ ما سمعنا القرآنَ من فمه الشريف، ولا كُنَّا معه، وما رأينا ضبًّا ميِّتًا يتكلَّم، ولا قمرًا ينشق، ولا شجرةً تشقُّ الأرض وتقول: «أشهد أنَّك رسولُ الله». وما رأينا جِذعَ النخلِ يبكي ويحنو عليه النبي ﷺ فيضُمُّه. وما رأينا جبريلَ عليه السلام ينزل في مجلس النبي ﷺ متشكِّلًا، كما رآه الصحابة.
أيُّ أُنسٍ ذاك المجلس! فيه سيِّدُ البشر ﷺ، وفيه جبريلُ رئيسُ الملائكة والوحي، وفيه خيارُ الصحابة. ومع ذلك، دخل بعضُ المشركين وشاهدوا كلَّ هذا، ثم لم يؤمنوا.
ونحنُ – مع أنَّنا لم نرَ ذلك – آمَنَّا بمحمَّدٍ ﷺ، وصدَّقنا بهذا الإسلام.
كما قال سيِّدُنا سعدُ بنُ معاذ يوم بدر:
«لقد آمَنَّا بك وصدَّقناك، وشهدْنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقّ، لو استعرَضتَ بنا هذا البحر فخُضتَه لخُضناه معك، ما تخلَّف منَّا رجلٌ واحد. إنَّا لصُبرٌ في الحرب، صدُقٌ في اللقاء، ولعلَّ الله يُريك ما تقرُّ به عينُك. فَسِرْ بنا على بركةِ الله لما أراد الله».
فنحن – بفضل الله – آمَنَّا وصدَّقنا، نذكر نبينا ﷺ في كلِّ يوم، ونسأل الله الثبات. فأيُّ حالٍ يكون إن لم نذكر نبيَّنا؟
لقد أكرمنا اللهُ بنعمةِ الإيمان، وخصَّنا بشرفِ الانتساب إلى أمَّةِ محمد ﷺ. وهذه نعمةٌ عظيمة، إذ جعل اللهُ أمَّةَ محمَّدٍ أكثرَ أهلِ الجنَّة: صفوفُ أهلِ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، ثمانون منها لأمَّة محمَّد ﷺ.
فاللهم اجعلنا من هؤلاء، بل من الصفوفِ الأُولى، من السابقين الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عذاب.
وهناك – في دار الخلود – لا ظمأ ولا جوع، لا عطش ولا تعب، لا همَّ ولا غمّ، لا نكدَ ولا فِراق.
المؤمنون في الجنَّة لا يفترقون أبدًا بعد ذلك، وتلك نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى.
﴿وَمَآ أَكثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ ﴿١٠٣﴾﴾ وهذا ليدلنا أيضًا على ما أخبر عنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنَّه في اللوح المحفوظ يوجد كتاب كُتب فيه أسماء أهل الجنَّة
نسأل الله أن نكون من هؤلاء ويوجد كتاب فيه والعياذ بالله أسماء أهل النار نعوذ بالله من أن نكون من هؤلاء، تدلنا هذه الآية على أنّ كل شيء من هداية وضلال وإيمان وكفر وحسنة وسيئة وعطاء وسلب ورخاء وشدة وقحط وجدب كل ذلك بمشيئة الله
﴿إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهدِي مَن يَشَآءُ﴾، بعض الناس ما حال قلوبهم
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِم وَعَلَىٰ سَمعِهِم وَعَلَىٰٓ أَبصَٰرِهِم غِشَٰوَة وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيم﴾ خُتم خَتم كالطابع على قلوبهم وبسبب هذا الختم لا نور الإيمان يدخل من خارج القلب إلى داخله ولا الظلم التي في داخل القلب تخرج من داخله إلى خارجه فلا نور يدخل ولا ظلام يخرج، فهذا هو الختم الذي طُبع على قلوب هؤلاء وبعض الناس الله تعالى يجعل الإيمان في قلوبهم يجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان في قلوبهم ينور الله تعالى قلوبهم بالإيمان ولذلك من الدعاء الذي علمنا النبي عليه الصلاة والسلام: “اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا” انظروا ماذا قال:
“وزيّنه” أن يزينه “وزيّنه في قلوبنا وكرّه لنا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الرَّاشدين”
﴿وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (104)
أي: يا محمّد ﷺ، لا تسألُهم أجرًا على التبليغ، ولا على القرآن، وإنّما دعوتُك خالصةٌ لوجه الله تعالى.
وهكذا ينبغي أن يكون حالُ الداعية إلى الله: لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، ولا ينتظر منهم جزاءً ولا شكورًا، فإنْ طلب الأجر الدنيويّ قلَّ تأثير موعظته في القلوب، أمّا إذا كان صادقًا في دعوته، صادراً من قلبٍ مُخلِص، فإنَّ كلامه يصل من القلب إلى القلب، لا من قلبٍ إلى أذنٍ فقط.
وقد كان مشايخنا – رحمهم الله – يُضرَب بهم المثل في ذلك؛ فكان يُقال لبعضهم:
«إنّ فلانًا الذي علَّمتموه اليوم يتكلَّم عليكم!» فيقولون: «يكفي أنَّه يشرب من البئر، ولو ألقى فيه حجارةً، المهمّ أنّه يشرب».
أي: يكفي أنَّه انتفع بالعلم، ثم يمضي المعلِّمُ في سبيله لا يلتفت.
وكذلك كان عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لم يكن له بيتٌ، إنما كان يمرُّ بالناس فيُعلِّمهم، ثم يمضي في طريقه. وهكذا سائرُ أنبياءِ الله تعالى.
ونبيُّنا محمّد ﷺ مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله بالبيان، ولم يؤذن له بالقتال ثم كان الإذن بالقتال بعد الهجرة، في السنة الثانية ومنذ ذلك الحين وإلى وفاته ﷺ، أي في عشر سنوات، بلغ عدد غزواته وبعوثه وسراياه أكثر من ستين، خرج بنفسه الشريفة في سبعٍ وعشرين غزوة، فضلًا عن السرايا التي بعث بها لأجل الدعوة إلى الله.
فكانت حياتُه ﷺ جهادًا متواصلًا: جهادُ بيانٍ، وجهادُ سِنانٍ. ومع ذلك لم يكن يسأل أجرًا، ولا ينتظر مالًا، ولا يطلب جاهًا دنيويًّا، ولم يُرِد أن يكون مَلِكًا على العرب ملكًا دنيويًّا، بل كان رسولَ الله إلى العالمين.
﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: ما القرآن إلا موعظةً للناس كافةً، ورحمةً لهم، وحثًّا على طلب النجاة على لسان رسولٍ من رسل الله.
﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
أي: كم من علامةٍ ودلالةٍ على وجود الخالق، وعلى صفاته العُليا، وتوحيده، يمرُّ بها الناسُ في السماوات والأرض، ومع ذلك يُعرِضون عنها ولا يعتبرون بها.
يرون مساكنَ الأمم الهالكة، وآثارَهم الباقية، ثم لا يتفكَّرون: أين أصحابُها؟ أين مَن كان يعمُر تلك الديار؟ ذهبوا وبادوا، وصاروا خبرًا يُروى، وأثرًا يُذكَر.
فأين مدائن صالح؟ وأين بيوتُ ثمود؟ وأين أصحابُ الأيكة؟ وأين قومُ لوط؟ وأين شدَّاد بن عاد؟ كلُّها أممٌ بادت، وديارٌ درست، لم يبقَ منها إلا ذكرى وآثار، لتكون عِبرةً لمَن يأتي بعدهم.
وهذا الخطاب موجَّهٌ إلى المشركين أوَّلًا، ثم هو تذكرةٌ لنا نحن كذلك. فإنَّا – بعد حينٍ من الزمان – سنصير خبرًا يُروى، وأسماءً في ذاكرة مَن يأتون بعدنا، وربما لا يُذكَر بعضُنا أصلًا. كم مِن مُلكٍ وأميرٍ كان صيتُه يملأ الدنيا، ثم اندثر ذكرُه، ولا يعرف الناسُ عنه شيئًا! أفلا نتفكَّر نحن في هذه الآيات؟
ثمَّ إنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يُظهر ما يشاء من آياته لعباده.
ومن أعظمها ما وقع يوم بدر: فقد أمدَّ اللهُ نبيَّه ﷺ بالملائكة تقاتل معه. قال تعالى:
﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَىٰ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤-١٢٥].
وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما:
أنّ بعض الكفار رأوا الملائكة تضرب أعناقهم، وبعض المؤمنين سمعوا أصوات الملائكة تُبشِّرهم وتنادي: «أقبِلْ حَيْزوم!» وهو فرسُ جبريل عليه السلام.
ورُوي أيضًا أنَّ رجلين من قبيلة غفار شاهدا من جبلٍ قريبٍ سحابةً تقترب من أرض بدر، وسمعا أصوات الخيل وحمحمة الملائكة، فمات أحدُهما من شدَّة الخوف، ونجا الآخر.
بل إنَّ أهل السِّير يذكرون أنَّ الجبل الذي نزلت عليه الملائكة يوم بدر – وكان جبلًا صلبًا – ذاب من تحت أقدامهم فصار كثيبًا رمليًّا، وبقي إلى اليوم علامةً عجيبة: جبالُ بدر من حوله صلبةٌ قاسية، وأمَّا هذا الجبل فهو من الرمل، مَن يصعده قد يغوص قدمُه في الرمل فلا يثبت، ومن شاء الله أكرمه ببلوغ قمَّته، فيسمع التكبير، كما ذكر بعض الثقات.
هذه آياتٌ عظيمةٌ باقية، شاهدةٌ بصدق نبيِّنا ﷺ. ومع ذلك، ﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ﴾.