بسم الله الرحمن الرحيم
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ (107) قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (108) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (109) حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ (110) لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ (111)}.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [١٠٦].
أي: ما يؤمنُ أكثرُ هؤلاء المشركين بإقرارِهم بأنَّ الله تعالى هو خالقُهم ورازقُهم، وخالقُ السمواتِ والأرضِ، إلَّا أنَّهم في الوقتِ نفسِه مشركون، يعبدون غيرَه ويجعلون له أندادًا.
قال جمهورُ المفسِّرين:
إنَّ هذه الآية نزلت في المشركين؛ إذ كانوا يقرُّون بأنَّ الله هو الخالقُ، فإذا نزلت بهم شدَّةٌ لجؤوا إليه، لكنَّهم مع ذلك يشركون به غيرَه. ومن جملة هذا الشرك ما قاله القَدَرِيَّة من إثباتِ قدرةِ التخليقِ للعبد، أمَّا التوحيدُ المحضُ فهو ما عليه أهلُ السُّنَّة:
(لا خالقَ إلَّا الله).
فالمرادُ إذن: أنَّ إقرارَهم باللِّسان لا يُغني عنهم شيئًا، إذ لم يوافقه اعتقادٌ صحيحٌ ولا عملٌ مستقيم. ولذلك لا يُسمَّون مؤمنين، بل هم مشركون؛ لأنَّ الإيمانَ لا يكون مجرَّدَ كلمةٍ تُقال، بل لا بدَّ أن يُوافقها اعتقادٌ صادقٌ بالقلب.
لقد كانوا يطوفون بالكعبة ويقولون: (لبيكَ اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إلَّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك). فأيُّ توحيدٍ في هذا؟! إنَّها كلماتٌ ظاهرُها الذِّكر، وباطنُها الشركُ بالله تعالى.
ومن هنا كان قولُ (لا إله إلَّا الله) هو المدخلُ إلى الإسلام، بشرطِ أن يُقال عن اعتقادٍ صحيحٍ، لا عن نفاقٍ ولا عن جهلٍ يَنقضُ معناها. فلو قال بلسانه: (لا إله إلَّا الله)، ثم نسب إلى الله تعالى ما لا يليق به، أو شبَّه الله بخلقه، أو والعياذ بالله سبَّ الله، فقد نقضَ كلمتَه، ولم يكن من المؤمنين.
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم:
«أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلَّا الله، وأني رسولُ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على الله تعالى».
وقال أيضًا:
«أفضلُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إلهَ إلَّا الله». فهي كلمةُ الخَلاصِ والإخلاص، من كان آخرُ كلامِه: (لا إله إلَّا الله) دخل الجنة.
فالآية الكريمة إذًا بيانٌ صريحٌ أنَّ هؤلاء المشركين لم يحقِّقوا التوحيدَ، بل أشركوا بالله عز وجل، مع أنَّهم أقرُّوا بوجوده وخَلقه.
وهذا يهدمُ ما أحدثه بعضُ المشبِّهة في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
(توحيدُ ربوبية – توحيدُ ألوهية – توحيدُ أسماء وصفات). فإنَّ هذا تقسيمٌ لا أصل له لا في كتابٍ ولا في سُنَّةٍ ولا في إجماعٍ ولا في قول أحدٍ من علماء السلف أو الخلف.
وقد كان مقصدُ من أحدثه تكفيرَ المسلمين الذين يتوسَّلون بالأنبياء والصالحين، حتى زعموا أنَّ إيمان أبي جهل وأبي لهب أكملُ من إيمان من يتوسَّل برسول الله صلى الله عليه وسلم! وهذا ضلالٌ مبين.
إنَّ الإسلام قائمٌ على كلمة: (لا إله إلَّا الله محمد رسول الله)، وهي تتضمَّن توحيدَ الربوبية والألوهية معًا، ولا ينفصل أحدُهما عن الآخر، بل هما متلازمان. ومن زعم غير ذلك فقد ابتدع في الدين ما ليس منه.
﴿أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأتِيَهُم غَٰشِيَة مِّن عَذَابِ ٱللَّهِ أَو تَأتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغتَة وَهُم لَا يَشعُرُونَ ﴿١٠٧﴾﴾
هل أمنوا عذاب الله؟ ﴿أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأتِيَهُم غَٰشِيَة﴾ عقوبة تغشاهم وتشملهم
﴿مِّن عَذَابِ ٱللَّهِ﴾ تنزل عليهم عقوبة من الله سبحانه وتعالى تغشاهم تعمهم
﴿أَو تَأتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ﴾ القيامة
﴿بَغتَة﴾ والساعة والقيامة تأتي بغتة أي فجأة
﴿وَهُم لَا يَشعُرُونَ﴾ بإتيانها ولكن هذا حال المستكبرين في الأرض وهذا حال الطغاة المجرمين المتجبرين وهؤلاء اليهود على طريقة هؤلاء المشركين الأوائل تكبر وتجبر وظلم وتلذذ بإراقة دماء المسلمين ويرون أنهم يتقربون بذلك بزعمهم إلى الله ويرتفعون في الدرجات هل يأمن هؤلاء من عقوبة الله تعالى والله تعالى قادر على إهلاكهم في لحظة واحدة والله تعالى قادر على إنجاء المسلمين والله على كل شيء قدير
﴿قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٨).
﴿قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي﴾: أي هذه هي السبيلُ، سبيلُ الدَّعوة إلى الإيمان والتوحيد.
و﴿سَبِيلِي﴾ أي سبيلُ محمَّدٍ ﷺ، سبيلُ أهل الإسلام، سبيلُ أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ. أيُّ سبيلٍ هو؟ ليس سبيلَ الهوى، ولا سبيلَ الرأي المجرد، ولا سبيلَ الشذوذ عن أهل السُّنَّة والجماعة، ولا سبيلَ الخوارج الذين يُكَفِّرون الأمَّةَ الإسلاميَّة.
﴿قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي﴾: أي الدَّعوة إلى الإيمان، والدَّعوة إلى توحيد الله. سبيلُ رسول الله ﷺ وطريقُه. والسبيلُ والطريقُ يجوز تذكيرُهما وتأنيثُهما، فيُقال: هذا سبيلٌ وهذه سبيل.
ثم فَسَّرَ سبيلَه بقوله: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: أي أدعو إلى دِينِي مع حجَّةٍ واضحة، غيرِ عمياء.
ومعنى ذلك أنَّ سبيلَ محمَّدٍ ﷺ هو الدَّعوةُ إلى الله مع البيان، ومع البرهان الواضح.
﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾: فيه تأكيدٌ للضمير المستتر في (أدعو).
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: أي أنا ومن اتبعني عطفًا عليه. ومعناه: أدعو إلى سبيل الله أنا، ويدعو إليه
كذلك مَنِ اتَّبعني، أي من كان على الطَّريق الذي كان عليه النبي ﷺ.
وهنا دعوةٌ لك: أتريد أن تكون من هؤلاء؟ من الذين يدعون إلى الله على بصيرةٍ
كما دعا رسول الله ﷺ؟ من الذين يسيرون على طريقه؟ هؤلاء هم الذين اشتاقَ إليهم رسولُ الله ﷺ، وتمنَّى لقاءَهم، وأعلن حبَّه لهم، ودعا لهم، وبشَّرهم.
ومن هنا كان أهلُ السُّنَّة والجماعة هم أهلَ هذا السبيل، أي: سبيلُ رسول الله ﷺ.
فأهلُ السُّنَّة والجماعة: الشافعيَّة، والمالكيَّة، والحنفيَّة، والحنابلة. الأشاعرة، والماتُريديَّة.
والصوفيَّة الصادقون: سواء كانوا رفاعيَّة، أو نقشبنديَّة، أو شاذليَّة، أو قادرِيَّة، بشرط أن يكونوا على الأصول الصحيحة، غير منحرفين، على طريقة أهل الصُّفَّة الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ.
فالواجب أن تضع نفسك على هذا الميزان.
وقد سُئِل أحدُ العارفين بالله من شابٍّ محتارٍ: هذا يقول أنا على الحق، وذاك يقول أنا على الحق، فأين أذهب؟
فقال له: “عليك بمذهب أهل السُّنَّة والجماعة، فإذا كنتَ على هذا المذهب فأنت على سبيل النبي ﷺ.”
﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: أي ما من شيءٍ يقوله أهلُ السُّنَّة والجماعة إلَّا ومعهم شاهدٌ من
العقل، وحجَّةٌعقلية تؤيِّد الشواهدَ النقليَّة.
وقوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: يحتمل أن يكون (أنا) مبتدأ، و(على بصيرة) خبرٌ مقدَّم، فيكون المعنى: على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني
أي كلُّ من اتبع النبي ﷺ فإنَّه على حجَّةٍ وبرهانٍ لا على هوى.
﴿وَسُبْحَانَ اللهِ﴾: بعد هذا البيان، ما فائدةُ قوله؟ معناها: أُنزِّه اللهَ عن الشركاء، وأُنزِّهه عن قول
هؤلاءالمشركين.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي لستُ من المشركين الذين يعبدون مع الله غيرَه سبحانه وتعالى.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠٩).
وفي قراءة: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾: أي ما بعثنا إلى الأقوام السابقين إلَّا رجالًا من البشر، لا ملائكة،
يُرسَلون إلى أممهم.
فالأنبياء بشرٌ يُوحَى إليهم؛ وأمَّا الملائكة ففيهم رُسُلٌ بين الله وأنبيائه، لكن الله لم يبعث مَلَكًا إلى قريش
ولا إلى ثمود، ولا إلى أصحاب الأيكة، ولا إلى أصحاب الرسّل.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ النبوَّة لا تكون في النساء، فمريم الصِّدِّيقة عليها السلام — وهي سيِّدة نساء العالمين — كانت ولِيَّةً صِدِّيقة، ولم تكن نبيَّة.
ويجوز أن يُقال: مريم عليها السلام، كما نقول: أبو بكرٍ عليه السلام، وعمر عليه السلام، وعثمان عليه السلام، وعليٌّ عليه السلام.
ألسنا نقول في الصلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قال العلماء: “إذا قلت ذلك في صلاتك فقد سلَّمتَ على كلِّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض”. كم هو جميل أن تستحضر هذا المعنى وأنت تصلِّي، لا أن تمرَّ به مُجرَّد مرور.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: في هذا التعبير دلالةٌ على أنَّ الرسول مأمورٌ بالتبليغ، وكذلك النبي. فلا يجوز أن
يُقال: إنَّالنبي ليس مأمورًا بالتبليغ؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾، وهذا الإرسال يقتضي البلاغ.
فائدة: الفرق بين النبي والرسول:
الرسول: من أوحي إليه بشرعٍ جديد، أو بنسخ بعض شريعة من قبله.
النبي: من أوحي إليه باتِّباع شريعة من قبله.
وكلاهما مأمورٌ بالتبليغ.
﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾: أي من أهل الأمصار، لا من أهل البوادي. وذلك لأنَّ أهل القرى
في الغالب أعلم وأحلم، وأكثر استعدادًا لتحمُّل أعباء الرسالة.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾: أي أفلا يسافرون في الأرض نظرَ اعتبارٍ وتفكُّر
فيرون عاقبةَ مَنكان قبلهم من الأمم المكذِّبة؟ ألم يُدَمَّروا ويُهلكوا بعقوبات الله؟
هذا النظر ليس نظرًا سطحيًّا، بل نظرُ تدبُّرٍ وتأمُّل.
فهذه الأرض التي يمشون عليها قد مشى عليها أممٌ من قبلهم، فلمَّا كذَّبوا أنبياء الله أهلكهم الله.
وهذا النظر يحيي القلوب؛ فإذا أُغفل، ماتت القلوب، لا نامت فقط، بل ماتت.
ومن الأمم السابقة: مَن كان من بني إسرائيل، الذين قتلوا أنبياء الله، فسلَّط الله عليهم أنواع
العقوبات، وانتقممنهم. نسأل الله أن ينتقم ممَّن يسلك مسلكهم من أعداء الدين.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أي دارُ الآخرة خيرٌ للذين اتَّقوا الشرك، وآمنوا بالله وحده.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي ألا تستعملون عقولكم في إدراك الحق؟ وفي قراءة: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
فمن معاني “على بصيرة” أنَّ المؤمن يستعمل عقلَه ليكون شاهدًا له في أمر الشرع. فهو لا يجعل العقل أصلًا للأحكام الشرعية، ولا يقدِّمه على الوحي، لكنَّه لا يعطِّله، بل يجعله تابعًا للشرع.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في تعريف التوحيد:
“نفي التشبيه والتعطيل”.
نفي التشبيه: العقل لا يقبل أن يُشبَّه الله بخلقه.
نفي التعطيل: العقل لا يقبل أن تُعطَّل صفات الله.
فطريق أهل السُّنَّة والجماعة هو هذا الطريق الوسط: على بصيرة، على هدى، على عقلٍ سليمٍ منضبط بالشرع.
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱستَيئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم قَد كُذِبُواْ جَآءَهُم نَصرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأسُنَا عَنِ ٱلقَومِ ٱلمُجرِمِينَ﴾ (١١٠).
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱستَيئَسَ ٱلرُّسُلُ﴾: أي يئسوا من إيمان أقوامهم، بعدما رأوا شدَّة التكذيب والعناد.
وليس المراد اليأس من الله، فهذا لا يليق بمقام الأنبياء، وإنما اليأس من إيمان المعاندين من أقوامهم.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم قَد كُذِبُوا﴾: فيها قراءتان مشهورتان:
﴿كُذِّبُوا﴾ بالتشديد: أي أيقن الرسل أنَّ أقوامهم كذَّبوهم، “وظن” هنا بمعنى “أيقن”.
﴿كُذِبُوا﴾ بالتخفيف: أي ظنَّ الأقوام أنَّ الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر والتمكين، وأنَّ الوعد لم يتحقق.
وهذا من لطائف القرآن، إذ تتعدد القراءات ويظهر معها تنوع المعنى. وقد روي عن مسلم بن يسار أنَّه كان يبحث عن هذه الآية، فلمَّا سمع سعيد بن جبير يقرأها بالتخفيف ﴿كُذِبُوا﴾، فرح فرحًا شديدًا وقال: “فرَّجت عني، فرَّج الله عنك”.
﴿جَآءَهُم نَصرُنَا﴾: أي جاء النصر للرسل والمؤمنين بهم، فجأةً بعد طول ابتلاء، حين بلغت القلوب
الحناجر وضاقت الأرض بما رحبت. وهكذا يأتي الفرج بعد الشدَّة.
﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾: أي ننجِّي من نشاء من عباده المؤمنين. وقرئت أيضًا: ﴿فَنُنْجِيَ﴾. والمعنى: أنَّ الله يُنقذرسله ومن آمن معهم.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأسُنَا عَنِ ٱلقَومِ ٱلمُجرِمِينَ﴾: أي لا يُدفع عذابنا إذا نزل بالكافرين المجرمين، فلا ملجأ لهم ولا وقاية.
وهذا يذكِّر بقصَّة النمرود لمَّا خرج بجيشه الجرار ليقاتل إبراهيم عليه السلام، فأرسل الله عليه جندًا من الذباب، وهو أهون المخلوقات، فدمَّر جيوشه. فمن يرد بأس الله إذا نزل؟
لطائف وفوائد:
شدَّة الابتلاء قبل الفرج: يشتد الكرب بالرسل وأتباعهم حتى يظن الناس أن لا مخرج، فإذا جاء الفرج كان أعظم وأوقع.
بشارة للمؤمنين: كما فرَّج الله عن يوسف عليه السلام بعد طول ابتلاء، فإنَّ فرج الله قريب لأمة محمد ﷺ، مهما اشتدَّ البلاء.
إمهال لا إهمال: الكفار قد يُمهلون، لكن لا يُتركون، فإذا جاء بأس الله فلا دافع له.
تربية على الصبر والثبات: في هذه الآية تسلية للمؤمنين، وتثبيتٌ بأنَّ وعد الله حق، وأن النصر يأتي بغتةً من حيث لا يُحتسب.
وهكذا تختم سورة يوسف بالتفريج والرحمة، وبشارةٍ بأنَّ النصر وإن تأخَّر فهو آتٍ لا محالة، وبأنَّ بأس الله لا يُرد عن القوم المجرمين.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي ٱلْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾﴾
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في قصصِ الأنبياءِ وأُممِهم، أو في قصَّةِ يوسفَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام وإخوته.
﴿عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي ٱلْأَلْبَابِ﴾؛ حيثُ نُقِلَ يوسفُ عليهِ السَّلامُ مِن غايةِ الحُبِّ في كَنَفِ أبيه يعقوبَ إلى غيابةِ الجُبِّ، ثمَّ مِنَ الحَصيرِ إلى السَّريرِ، فكانت عاقبةُ صبرِه سلامةً وكرامة، ونهايةُ مكرِ إخوته خُسْرًا وندامة.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ أي: ما كان القرآنُ الكريم حديثًا مُخْتَلَقًا كما زعم الكُفَّارُ، وإنَّما هو وحيٌ مِنَ الله تعالى، يقُصُّ على نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ أدقَّ تفاصيلِ ما جرى ليوسفَ عليه السَّلامُ وإخوته، وما وقعَ بين مصرَ وأرضِ فلسطين.
﴿وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: مصدِّقًا للكتبِ المتقدِّمة.
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ممَّا يحتاجُ إليه في أمرِ الدِّين؛ لأنَّ القرآنَ أصلٌ تُبنى عليه السُّنَّةُ والإجماعُ والقياس.
﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَّلال.
﴿وَرَحْمَةً﴾ مِنَ العذاب.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله ورسله.
قال الشَّيخ أبو منصور الماتُريدي رحمه الله في ذكرِ قصَّة يوسفَ عليه السَّلام وإخوته:
«فيها تصبيرٌ لرسولِ الله ﷺ على أذى قريش؛ كأنَّه يقول: إنَّ إخوةَ يوسفَ ـ مع موافقتِهم إيَّاه في أصلِ الدِّين ـ عملوا به ما عملوا، حتَّى سَفِهوا أباهم، وذلك خُروجٌ عن الدِّين، لكنَّهم تابوا فرجعوا إلى الإسلام. ومع ذلك صَبَر يوسفُ عليه السَّلام. فأنتَ يا محمَّد ﷺ ـ مع مخالفتِهم إيَّاك في أصلِ الدِّين ـ أحرى أنْ تصبرَ على أذاهم».
فخِتامُ هذه السُّورةِ الكريمة ذكرَ الهُدى والرَّحمة، والتَّفكيرَ في نصرِ الله تعالى
وأنَّه ﴿لَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾، وأنَّ هذا الهُدى وهذه الرَّحمة إنَّما تكونُ للمؤمنين.
فاثبُتوا على الإيمان، واحمدوا اللهَ تعالى على نِعَمِه.
والحمدُ لله الذي بنِعمتِه تتمُّ الصَّالحات.
قد تمَّ لنا بفضلِ الله سبحانه وتعالى في هذا المجلس قراءةُ سورةِ يوسفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلام وتفسيرُها
نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا بركاتِ سورةِ يوسفَ عليه السَّلام، وأن يفرِّجَ عنَّا بها كُرُوبَنا، ويَكشِفَ هُمُومَنا وغُمُومَنا، وأن ينصرَنا على القومِ الكافرين.