بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞ رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأٓخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصلِحِينَ ﴿١٠١﴾﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞ رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأٓخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصلِحِينَ ﴿١٠١﴾﴾
لمّا رأى يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام نعمة الله تبارك وتعالى قد تمت، وشمله مع أبيه وأهله قد اجتمع بعد طول غياب أثنى على الله سبحانه وتعالى بما هو أهلُه واعترف له سبحانه وتعالى بعظيم إحسانه وفضله وسأله هذا السؤال العظيم سأله أن يتوفاه ويميته على الإسلام الذي فيه السعادة الأبدية في الآخرة ثم سأله أن يُلحقه بعباده الصالحين بدرجاتهم
﴿رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ﴾ ملك مصر
﴿وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ تفسير كتب الله أو تعبير الرؤيا.
الله سبحانه وتعالى أعطى الصدّيق يوسف عليه الصلاة والسلام بعد صبره أعطاه من الملك وأعطاه كذلك من تأويل الأحاديث من علم تعبير الرؤيا قال:
﴿رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ من في كل منهما للتبعيض، لماذا؟ لأن يوسف عليه الصلاة والسلام مع كل ما آتاه الله لم يُعط كل الملك وإنما أُعطي من الملك وأُعطي شيئا وهو عليه الصلاة والسلام كان أعبر الناس لكنه كذلك أُعطي بعض التأويل. هذه الدنيا ليس هناك من البشر من يملكها كلها مع أن كل الدنيا قليل كلها قليل، وليس لكل واحد منّا من هذه الدنيا إلا القليل، وما بقي لنا في هذه الدنيا قليل، وما بقي لنهاية كل الدنيا قليل، فكيف بك بقليل من قليل من قليل من قليل؟ فأي قليل في قليل يدك الآن عندك وما بقي من قليلك إلا القليل.
فهذا يوسف عليه الصلاة والسلام مع كل ما أعطاه الله إنما هو أُعطِيَ شيئا من الملك وشيئا من العلم وهذا يدلنا على أن هذه الدنيا لن نستطيع أن نحصّلها مهما سعينا وراءها الأنبياء هم أزهد خلق الله في هذه الدنيا أزهد خلق الله في هذه الدنيا يوسف عليه الصلاة والسلام عندما كان طلب الملك لمصلحة نشر الإسلام ليس حبًّا في الملك الدنيوي الزائل نفوس الأنبياء ليست كنفوس غيرهم نفوس الأنبياء لا تتعلق بهذا الفاني نحن كم تتعلق نفوسنا بهذا العَرَض الزائل الذي يأكل منه البر والفاجر؟ وهذا الملك الزائل يوجد من ينافسك فيه ويوجد من يتنازعك عليه
لذلك كان سيدنا علي كرم الله وجهه روي عنه أنه كان يقول:
(الدنيا جيفة وطلابها كلاب)
طلاب الدنيا الذين هم بهذا الاسم، أما إن جلستم في مجالس علم الدين إذا جلستم في مجالس الزهد وفي مجالس العلم شتان شتان ما بين جليس وجليس وبين أنيس هو بحق أنيس وبين من ظاهره أنيس وهو مهلك لمن كان معه جليس شتان شتان بين هذا وهذا. فيوسف عليه الصلاة والسلام هو يحمد الله تعالى على هذا الملك الذي أعطاه الله وعلى هذا العلم ومقصود يوسف عليه الصلاة والسلام وهذا لا يخفى والآيات التي نحن الآن فيها تبين هذا بيانًا جليًّا يثني على الله. كان من دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات” عندما تجد الأولياء العارفين العلماء الصالحين تهيأت لهم الأسباب وكادت تكتمل يشتاقون إلى لقاء الله ويزهدون في هذه الدنيا. يحضرني الفاروق عمر رضي الله عنه، سيدنا عمر هذا الفاروق الذي جعل الله تعالى به إحقاق الحق وإبطال الباطل وتثبيت الدعوة الإسلامية ونشر الإسلام والعدل حتى إنه مرة اهتزت الأرض تحت أقدام عمر فضربها برجله قال:
ألم أعدل عليك فسكنت عندما ذهب في آخر عام إلى الحج فبعد أن حج ورأى كثرة الحجيج وكيف استقر له الأمر وقوة الدولة وقوة الخلافة ذهبَ استلقى تحت شجره ودعا بهذا الدعاء قال:
(اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وموتا في بلد نبيك محمد، قالوا: يا أمير المؤمنين كيف تنال الشهادة الثغور بعيدة في الشام والعراق أنت في المدينة؟ قال: الله يأتي بها إن شاء) فنالهما عمر رضي الله عنه نال الشهادة ودفن في مدينة النبي عليه الصلاة والسلام إذًا هكذا عندما يأتي الملك لهؤلاء الأولياء هكذا يكون حالهم كيف الأنبياء الذين هم أعلى درجة بكثير مهما بلغ الولي من البشر لا يصل إلى درجة النبي، نبي واحد أفضل عند الله من كل الأولياء. فهذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام تمت له النعم النبوة الاصطفاء الرسالة الملك الاجتماع بأبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد طول غياب جمعه الله تعالى بهم في الأرض التي هو يحكمها وكلمته نافذة فيها فلما رأى هذا يوسف عليه الصلاة والسلام بادر بشكر الله هكذا ينبغي إذا رأينا أن أمورًا قد تهيأت لنا ما كانت تهيأت من قبل ماذا كان يقول الإمام الرفاعي رضي الله عنه: (لا تنشغل بالنعم عن المنعم)، لا تنشغل بالنعم عن المنعم، فهكذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿ رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأٓخِرَةِ﴾
يا رب أنت تتولاني بالنعمة في الدارين، أنت وليي، من كان الله وليه أي ناصره ومعينه فمن هذا بعد ذلك الذي يقوى عليه؟ إذا نصره الله فبعد ذلك لا يبالي لا من قلة عدد؟ لا يخاف المسلم بعد ذلك ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشرَىٰ وَلِتَطمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ وَمَا ٱلنَّصرُ إِلَّا مِن عِندِ ٱللَّهِ العَزِيز الحَكِيم﴾ هذا يكون من الله سبحانه وتعالى. يوسف عليه الصلاة والسلام كان غلامًا في بئر صار ملكًا صار نبيًّا رسولًا.
نذكر كيف كان شكرهم؟ بعد هذا الصبر الله تعالى أعطاه ما نسي نعمة الله تعالى عليه ﴿رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأٓخِرَةِ﴾ يا رب أنت تتولاني بالنعمة في الدارين انظروا الآن ماذا كان طلب يوسف عليه الصلاة والسلام بعد كل هذا
﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصَّٰلِحِينَ﴾ توفني مسلمًا وهم الأنبياء ما عندهم شك أنهم على الخاتمة الحسنة لكن مع ذلك هذا الدعاء الذي فيه تعليم لنا وفيه ثواب من الله سبحانه وتعالى يعلمنا الأنبياء وهذا الذي تمناه يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصَّٰلِحِينَ﴾ طلب الوفاة على حال الإسلام كقول يعقوب عليه السلام: ﴿لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ﴾ ويقال: توفني مسلما
عن الضحاك: توفني مخلصًا
وعن التستري: توفني مُسلمًا أي مُسَلّمًا إليك أمري
وفي عصمة الأنبياء ﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصَّٰلِحِينَ﴾ من آبائي أو على العموم.
رويَ أن يوسف عليه الصلاة والسلام أخذ بيد يعقوب عليه الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه ويوسف عليه الصلاة والسلام كان هو العزيز في مصر والوزير وتحته خزائن الدولة فيعقوب عليه الصلاة والسلام مشى مع يوسف، يوسف عليه الصلاة والسلام أخذه بيده فطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الثياب وخزائن السلاح حتى أدخله خزانة القراطيس.
ورُوي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد ذلك أقام في مصر مع يوسف عليه الصلاة والسلام أربعًا وعشرين سنة قبل أن يتوفاه الله وأوصى يعقوب عليه الصلاة والسلام أن يُدفن في الشام وتحديدًا في فلسطين. أوصى سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام أن يدفن في فلسطين وفي مدينة الخليل في هذه المدينة المباركة كان قد عاش يعقوب عليه الصلاة والسلام في مصر مع ولده يوسف أقام بعد الاجتماع أربعًا وعشرين سنة بعد هذا الفراق بعد فراق الثمانين سنة بعد ذلك إقامته مع يوسف عليه الصلاة والسلام في مصر أربع وعشرون سنة وصية يعقوب عليه الصلاة والسلام أن يدفن إلى جنب أبيه إسحاق.
إسحاق عليه الصلاة والسلام وإبراهيم عليه الصلاة والسلام وهذا سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام، سيدتنا سارة ثم بعد ذلك كما سيأتي يوسف عليه الصلاة والسلام نُقل إلى هناك كل هؤلاء في مكان واحد في الخليل في بقعة واحدة كأنها لشدة أُنسها روضة من رياض الجنة كأنها روضة من رياض الجنة ليس نبي واحد أكثر من نبي فسيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام إذًا عاش أربعًا وعشرين سنة في مصر مع يوسف ثم بعد ذلك هذه وصيته فمضى سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام بنفسه ودفنه ثمّ رجع بعد ذلك يوسف عليه الصلاة والسلام إلى مصر وقد وصلنا إلى الموضع الذي فيه الآن ذكرنا وفاة يعقوب عليه الصلاة والسلام وكذلك نذكر وفاة يوسف
﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بالصَّٰلِحِينَ﴾ يوسف عليه الصلاة والسلام رجع إلى مصر عاش بعد أبيه في مصر ثلاثًا وعشرين سنة فلما تمَّ أمره التَّمام تمَّ الأمر ليوسف عليه الصلاة والسلام طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى ملك الآخرة فتوفاه الله طيبًا طاهرًا. تخاصم أهل مصر في يوسف وتشاحوا في دفنه كلٌّ يحب أن يدفن في محلته حتى همُّوا بالقتال ثم رأوا أن يعملوا له صندوقا من المرمر وأن يجعلوا يوسف عليه الصلاة والسلام فيه ودفنوه في نهر النيل في نيل مصر هذا النهر من الأنهار المباركة ثم إن أصله كذلك من الجنة ومن عند سدرة المنتهى دفنوا يوسف عليه الصلاة والسلام في نهر النيل في مكان لأنهم اختلفوا هؤلاء يريدون أن يكون يوسف أقرب إليهم وهؤلاء يريدون أن يكون يوسف أقرب إليهم فجعلوه في مكان في نهر النيل بحيث أن الماء يمر عليه ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرّعا وبقي هناك سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام إلى أن جاء سيدنا موسى يروي الخازن في تفسيره يقول:
(لما مات يوسف عليه الصلاة والسلام دفنوه في النيل، في نهر النيل في صندوق من رخام وقيل من حجارة المرمر وذلك أنه لما مات يوسف عليه الصلاة والسلام تشاحّ الناس فيه في مختار الصحاح تشاح الرجلان على الأمر لا يريدان أن يفوتهما فطلب كل أهل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته لماذا تسابق وتنافس وتشاح المسلمون في ذلك الوقت وكلهم يريدون أن يكون جسد يوسف عليه الصلاة والسلام قبر يوسف عليه الصلاة والسلام أقرب إليهم تبركًا بسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام. حتى هموا أن يقتتلوا ثم رأوا أن يدفنوه في النيل بحيث يجري الماء عليه لماذا؟ قالوا: فإذا جرى عليه الماء تفرق عنه فبركته تصل إلى جميعهم فتعم البركة جميع أهل مصر الذين حول النيل)
ويقول عكرمة: (إن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام دفن في الجانب الأيمن من نهر النيل فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب الأيسر وأجدب الجانب الآخر فدفنوه في وسط النيل وقدّروه يعني قدّروا المسافة بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي إلى أن أخرجه موسى عليه الصلاة والسلام وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه في الشام في الأرض المقدسة).
متى حمله موسى عليه الصلاة والسلام؟ بعد أربعمائة سنة من دفْن يوسف عليه الصلاة والسلام حمله سيدنا موسى تقريبًا ما بين سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وسيدنا يوسف ثلاثمائة وستون سنة ومن يوسف إلى موسى عليهما الصلاة والسلام أربعمائة سنة فموسى عليه الصلاة والسلام بعد أربعمائة سنة نقل التابوت الذي فيه جسد يوسف عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس ويروى أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان قد أوصى أن يُحمل جسده إذا مات من مصر وأن يدفن عند آبائه فحمله موسى عليه الصلاة والسلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر حمله موسى عليه الصلاة والسلام روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض”
روى الترمذي في جامعه:
“في قصة نقل جسد يوسف عليه الصلاة والسلام من مصر إلى الأرض المقدسة في فلسطين أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد الخروج بمن معه خرج من مصر باتجاه أرض فلسطين وكان معه من معه من العلماء أظلم عليهم الطريق في النهار خروجهم كان في النهار صار هناك ظُلمة أظلم الطريق عليهم فوقف سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وقال: إن جسد يوسف هاهنا وقد أوصى أن يدفن في الأرض المقدسة فقال موسى للعلماء: من يعرف أين جسد يوسف؟ ما عرفوا لكن قالوا له: إن هاهنا عجوزًا امرأة عجوز تعرف فذهب إليها موسى عليه الصلاة والسلام فقال: أين جسد يوسف؟ قالت: (لا أدلك عليه حتى تعطيني حكمي) هي تعرف والذي يسألها هو نبي أين جسد يوسف؟ قالت: (أنا لا أدلك عليه حتى تعطيني حكمي) فقال لها: وما حكمك قالت: (أن أكون معك في الجنة) عجوز لكنها فطنة، ذكية، موفقة، هذا طلبها، هذا طلبها قالت: أن أكون معك في الجنة “فقال سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: غير هذا لك طلب آخر؟ قالت: هو هذا طلبي (أن أكون معك في الجنة) فأوحى الله تعالى إلى موسى الكريم عليه الصلاة والسلام أن أعطيها حكمها فقال لها: (لك ذلك) بوحي من الله رفيقة سيدنا موسى هذه العجوز في الجنة فقالت العجوز: (أنضبوا) أي جففوا هذا المستنقع فرفعوا الماء في مكان في النيل ثم حفروا ووصلوا إلى صندوق فتحوه فإذا فيه جسد يوسف عليه الصلاة والسلام بعد كما هو بعد أربعمائة سنة، فلما حملوه أليس الطريق كان قد أظلم عليهم فلما حملوه أضاء الطريق لهم. وهذا لا يتعارض مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدفنون حيث يموتون؛ لأن ذلك قد تحقق بدفن يوسف عليه الصلاة والسلام أربعمائة سنة في مصر حيث مات ثم نُقل بعد مدة بوصية منه أن يدفن إلى جوار آبائه فحُمل إلى فلسطين لذلك كما قدمنا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام سيدنا إسحاق عليه الصلاة والسلام سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام سيدتنا سارة كلهم مدفونون في مدينة الخليل في أرض فلسطين وكأنها روضة من رياض الجنة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام كان ولد له إفراثيم وميشى ولإفراثيم ولد نون ولنون ولد يوشع يوشع بن نون بن إبراثيم بن يوسف يوشع الذي هو فتى موسى توارثت الفراعنة من العماليق هؤلاء العماليق من العرب بعده على مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف عليه الصلاة والسلام وآبائه فإذًا كانت وفاة يوسف عليه الصلاة والسلام بعد مولد جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحدى وستين وثلاثمائة سنة. روى ابن حبان وصححه أن موسى عليه الصلاة والسلام عند خروجه من مصر إلى الشام اهتدى للمكان الذي دُفن فيه يوسف فأخرجه فحمل عظامه أي جثته إلى الشام فدفنه في الشام وليس المراد بالعظام أن التراب كان أكل جلده ولحمه بل هذا تعبير من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. أليس قال الشاعر في رثاء طلحة الطلحات:
رحم الله أعظُما دفنوها *** بسجستان طلحة الطلحات
طلحة دفن حين دفن دفن كما هو فحمل موسى عليه الصلاة والسلام جسد الصدّيق يوسف الذي أعطاه الله تعالى النبوة والرسالة والملك وجمع شمله مع أبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام وأمه راحيل بعد فِراقٍ طويل تمّم الله تعالى النعمة لسيدنا يوسف فدعا الله تعالى ﴿تَوَفَّنِي مُسلِما وَأَلحِقنِي بِالصَّٰلِحِينَ﴾.