بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ﴿6﴾ وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ﴿7﴾ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ﴿9﴾۞قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ (10) قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والأولياء والمرسلين وحبيب ربّ العالمين وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت يا حيّ يا قيوم تجعل الحزن إذا شأت سهلا، اللهم علمّنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا أرحم الرحمين، ربّنا تقبل منّا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التّواب الرحيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿6﴾﴾.
ذُكر في سورة البقرة ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ وفي الأعراف ﴿يُقتلون﴾ في البقرة ﴿إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ في سورة البقرة ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ولم تأتِ معها الواو فلم تأتِ الآية وَيُذَبِّحُونَ
ولكنها هنا جاءت ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ فلماذا هناك في البقرة وكذلك في الأعراف ﴿ َيُذَبِّحُونَ﴾، ﴿يُقتّلون﴾ كانت بلا واو وهنا مع الواو والحاصل أن التذبيح حيث طرح الواو جُعل تفسيرا للعذاب وبيانا له يعني وكأنه هو يكون من جملة العذاب ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وما هو هذا العذاب الذي هو ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ومن يفعل ذلك يلقى آثاما ما هو يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا فلذلك عندما جاءت في البقرة يُذَبِّحُونَ وفي الأعراف يُقتّلون بلا واو فكان المراد هناك التفسير للعذاب لذلك جُعل تفسيرا العذاب هناك وبيانا له وحيث أُثبت الواو كما هو هنا جُعل التذبيح من حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر وكأن المعنى ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ثم جنس آخر من العذاب ما هو بماذا بتذبيح الأبناء أما هناك في البقرة سوء العذاب بيان ذلك العذاب ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بيان أما هنا وكأنه جنس آخر يعني كأنه نوع آخر من العذاب ﴿ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ كانوا قد تركوا نساءهم أحياءً ولم يقتّلوهم، لم يذبّحوهم تركوا نساءهم أحياءً لأجل أن تكون النساء في خدمتهم وهذا بلاء شديد لأجل أن تكون النساء في خدمتهم فكان هذا البلاء شديداً لأجل ذلك قال سبحانه:
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وما هو المراد بكلمة بلاء هنا كلمة البلاء تأتي للمعنيين لمعنى المحنة ولمعنى النعمة فيعبّر عن هذا بلاء وعن هذا بلاء وهنا يراد بالبلاء النعمة وهنا يراد بالبلاء المحنة، المِحْنَة لذلك هنا في قوله تعالى
﴿وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال الإشارة إلى العذاب والبلاء المِحْنَة هذا الوجه الأول ﴿وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ معناه ذلك العذاب الذي تقدم ذكره ويكون هنا معنى البلاء المِحنة، والوجه الثاني وهو بقوله أو إلى الإنجاء معناه وقد يراد بالبلاء ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فيُراد هنا ما هو الإنجاء يُراد هنا الإنجاء والبلاء يكون النعمة إذاً البلاء يأتي على معنى المِحنة ويأتي على معنى النعمة، وإذاً هنا ﴿وفي ذلكم﴾ ولكن في ذلكم ماذا سبق ذلك؟ في موضع ذُكر الإنجاء وفي موضع ذُكر العذاب ثم جاءت كلمة البلاء كلمة البلاء البلاء هنا المحنة البلاء أيضاً يأتي على معنى النعمة فجاء ذكر الإنجاء ثم جاء ذكر العذاب ثم قال ﴿وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ ما هو البلاء؟ فإما أن ترجع ذلك إلى العذاب وإما أن ترجع إلى الإنجاء، فإذا رجعت إلى الإنجاء فالبلاء ماذا يكون معنى؟ النعمة وإذا رجعت إلى العذاب فماذا يكون معنى البلاء؟ المحنة فكلمة البلاء تأتي للمعنيين على معنى المحنة العذاب وتأتي كذلك على معنى النعمة وكان في هذا التذكير لهم بأن الله سبحانه وتعالى قد نجاهم وهذه الآيات التي نزلت على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو عليه الصلاة والسلام الذي كان يتعرض لأذىً شديد من المشركين وكان عليه الصلاة والسلام قد نزلت عليه هذه الآيات وفيها التخفيف عنه صلى الله عليه وسلم لشدة ما كان يلاقي هذه الآيات وغيرها مما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام التي فيها ذكر ما كان مع إخوانه الأنبياء عليه الصلاة والسلام من قبل من أنواع الشدّة وما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر وهذا فيه تسلية أي تخفيف لكل الدّعاة إلى الله. الأنبياء الذين هم صفوة الخلق هذه الدنيا ما سلموا منها ما سلموا من أهلها
وما أحد من ألسن الناس سالمًا ولو كان النبي المعظما
لا يسلم فهذا البلاء الذي ينزل كان على النبي عليه الصلاة والسلام وكأنه يذكّر عليه الصلاة والسلام بما حصل مع من قبله فذُكر هنا سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا موسى يذكّر قومه نعمة الله عليهم لأن قوم موسى بعد الإنجاء الذي كان لهم من العذاب والتقتيل والتذبيح واستحياء النساء واستعباد فرعون وآل فرعون لهم بعد ذلك كان منهم من كفر بالله وعبد العجل فكان في ذلك بلاء كبير على سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فكان سيدنا موسى يذكّرهم نعمة الله تعالى عليهم حيث نجّاهم الله سبحانه وتعالى من آل فرعون ذكّرهم قال ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ذكرهم نعمة الله عليهم حيث أنجاهم من آل فرعون الذين كانوا يذيقونهم صنوف العذاب من تذبيح الأبناء واستحياء النساء وذلك فيه بلاء عظيم والله تعالى قال ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنة﴾ وهذا معناه هذا الخير من الله سبحانه وتعالى والشر بخلق الله وهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى أليس نجد في هذه الدنيا الخير والشر؟ أليس نجد في هذه الدنيا البَرَ والفاجر؟ أليس نجد في هذه الدنيا الصالح والطالح؟ أليس نجد في هذه الدنيا العامل المجد في الطاعة والمقصّر البعيد عن طاعة الله تعالى أليس في هذه الدنيا الملائكة والأولياء والصالحون وتجد في هذه الدنيا الشياطين والكفّار والأشرار هذا طريق الخير وهذا طريق الشر هذا بخلق الله وهذا بخلق الله لكن الحق سبحانه بماذا أمر بماذا أمرنا الله بطريق الخير أمرنا الله باجتناب طريق الشر وماذا يحب لنا سبحانه وتعالى ويرضى يحب لنا طريق الخير لذلك يا إخوة من علامة حب الله للعبد أن يكون مقبلاً على طاعة الله ولأجل هذا المعنى الذي ذكرت وحتى نجد كيف الربط بين الآيات الكريمة فانظروا الآية التالية
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴿7﴾﴾
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وهذه الآية نجد فيها معنى عظيماً للشكر لله سبحانه وتعالى
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَيْ آذَنَ وهذا نظير تأذن وآذن نظيره توعد وأوعد تأذن آذن توعد أوعد هذا نظير هذا تأذّن على وزن ماذا؟ تفعّل ولا بدّ في تفعّل يعني وزنها عندما يأتي على هذا النحو لا بدّ فيه من زيادة معنى ليس في أفعل الذي على وزن أفعل آذن تعطي معنى لكن تأذّن تعطي معنىً آخر معنى إضافياً كأنه قيل وَإِذْ آذَنَ رَبُّكُمْ إِيذَانًا بَلِيغًا تَنْتَفِي عِندَهُ الشُّكُوكُ وَالشُّبَهُ معناه عندما يكون الإعلام من الله سبحانه وتعالى وعندما يكون الوعد من الله سبحانه وتعالى والخبر من الله سبحانه وتعالى فلا شك ولا شبهة ولا ريبة لا بد أن يكون هذا محققاً لماذا؟ لأنه من الله فأنت عندما تسمع ذلك ففي قلبك اليقين بماذا؟ أن هذا متحقق لماذا؟ لأنه من الله سبحانه وتعالى فإذاً اعمل بما أمرك الله تعالى وجاء الوعد في سياقه لتنال البشرى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ وهذا قيل هو من جملة ما قال موسى لقومه يعني وكأن المعنى وقال موسى لقومه إذ تأذن ربكم وانتصابه للعطف على نعمة الله عليكم وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ فتكون هذه معطوفة عليها وعلى هذا يكون هذا الخبر الذي نزل على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو فيه حكاية عمّاً عن سيدنا موسى الذي ذكرهم بماذا؟
بإنجاء الله يعني كأنه قيل وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا مَعْطُوفَةً واذكروا أيضاً حين تأذّن ربكم والمعنى وإذ تأذّن ربكم فقال لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خوّلتكم من نعمة الإنجاء وغيرها إذا شكرتم نعمة الله تعالى عليكم وقد أنجاكم وخوّلكم هذه النعمة لَإِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ نِعْمَةً إِلَى نِعْمَةٍ لَأَزِيدَنَّكُمْ
معناه نعمة إلى نعمة أي إذا أنتم شكرتم الله سبحانه وتعالى وشكر الله تعالى أولاً الشكر لا يكون ممن لم يدخل في الإسلام من لم يدخل في الإسلام لا يسمى شاكراً مهما فعل لماذا؟ لأن الإيمان شرط لقبول العمل الصالح الإيمان شرط لقبول العمل الصالح فمن كان على غير الإيمان والعياذ بالله مهما عمل لن يقبل الله تعالى منه فهذا لم يحقق أدنى مسمى الشكر هذا لا يسمى شاكراً ثم بعد ذلك يكون شكر العبد بأداء الواجبات واجتناب المحرمات وأن لا يستعمل العبدُ نعمة من نعم الله تعالى عليه في معصيته وكلما تمكن العبد في ذلك ازداد شكره فإذا تمكن أكثر تحققت له المحبة لله والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد في الشكر وحُبب إليه الشكر وصار الشكر لذّة له وصارت الطاعة لذّة له وعندها يصير عبداً شكورا ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ولكن هذه المرتبة تكون لمن شاء الله تعالى له من الأولياء أن يصل إلى مرتبة الشكور إذاً نحن ما بين الشاكر والشكور فإذاً المعنى الأول الذي أريدكم أن تقفوا عليه إن أنعم الله تعالى علينا بنعمة فإن نحن قابلنا هذه النعمة بالشكر لله سبحانه وتعالى فإن الله تعالى يزيد النعمة نعمة إذاً أنت بشكرك لله سبحانه وتعالى تستجلب النعمة تستجلب الرزق تدفع النقمة تدفع المحنة تدفع البلاء هذا من أسرار الشكر لله سبحانه وتعالى فكم من إنسان بسبب أنه كان في طاعة من الله سبحانه وتعالى دفع الله سبحانه وتعالى عنه البلاء كم من إنسان بسبب شكره لله سبحانه وتعالى فرّج الله تعالى عنه همّا قضى الله تعالى عنه ديناً يسّر الله تعالى له عسيراً فُتِحَتْ له أبوابٌ هي في وجه أكثر الناس مُغلَقَة بماذا أُشكُرُ أُشكُرِ الله إذاً إمنع نفسك من المعاصي ليس فقط الشكر أن تقول الحمد لله الحمد لله على كل حال يعني الحمد لله على كل حال معناه نحمد الله تعالى في السراء ونحمد الله تعالى في الضراء وأمة محمد عليه الصلاة والسلام الحمادون نحن الحمادون الحامدون ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هذه الأمة إذا أرادت حصول النعمة ودفع النقمة إذا أرادت ذهاب الفقر عنها إذا أرادت رد كيد الأعداء عنها إذا أرادت العزة عليها أن تشكر الله عليها أن تشكر الله بشكر الله حرّر صلاح الدين فلسطين نعم بشكر الله لأنه عندما عمل بالشكر لله وهذه من الأسرار العبد الذي يعمل بالشكر لله الله يوفقه للطاعات يفتح له أبواب الخير لذلك كما قلت لكم هذه الآية آية عظيمة جداً وفيها معنى عظيم في شكر الله سبحانه وتعالى ينبغي ألا يبتعد هذا المعنى عنّا لماذا أقول ذلك؟ لأنّنا في كثير من الأحيان تشغلنا النعمة عن المنعم
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ ننشغل إذا كنا في صحة شغلنا بالصحة وقصرنا في الطاعة فإذا مرضنا يقول يا ليت الصحة ترجع إلينا لنفعلن ونفعلن لنذهبن إلى مجالس العلم ولو حبوا لنمشينّ في نصرة الدين ولو تكبدنا ما تكبدنا فإذا صرنا في الصحة فبدل أن تجده في باب الخير وفي باب نصرة الدين وإذ به ذهب في أبواب الملذات والشهوات ما حال الإنسان هذا قل لو كان عندي مال ما هؤلاء الأغنياء انظر كيف يقصّرون هكذا يحدث نفسه أكثرهم كيف يقصّر ولا يبذل المال في سبيل الله ويترك ضرورات المسلمين ويترك المسلمين في فاقتهم وفي حاجتهم قال أما أنا لو صار معي مال لأجهزن الدعاة إلى الله لأبذلن المال فلما جاءه المال فكر في شراء السيارة يا أخي أنت الذي قلت ما قلت قبل أيام كنت تقول غير هذا كأنك غير الذي رأيت كأني أسمع غير الذي كنت أسمع يفكر هذا بيتي قديم أغير أثاث بيتي وحاجتي هنا وحاجتي هنا ذهب المال ما بقي شيء من المال سبحان الله يقول وإذا كان معي بقي شيء من المال لكنت جعلته في سبيل الله يا هذا ستضعف أمام المال أول شيء تفعله اجعل المال في سبيل الله ثم بعد ذلك فكر في شأنك أول ما تفكر فيه كان من الأكابر أن عبد الله بن المبهر رضي الله عنه صحيح عمل في التجارة لكن لما كان يسأل عن هذا ذكر لكم ما معنى هذا ليس عيباً أن أستعين بهذا لأجل مصالح المسلمين ماذا كان يفعل؟ وهذا فيه شكر لله هذا يعلمنا كيف نشكر الله سبحانه وتعالى قال: أنا أقسم المال أقسم المال، نية صادقة يا أخي قال أقسم المال المال الذي يأتيني من التجارة أقسمه ثلث المال ثلث المال فوراً يذهب في سبيل الله أول شيء يخرجه وثلث يأخذه يستعين به على حوائجه وثلث يرجع فيقلبه في التجارة مرة أخرى لهذا أغناه الله أغناه الله بالعلم والفهم والصلاح وحتى بالمال بعض الناس يقول لكن أنا لعلّي حصلت ربحا قليلا ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ لا تنظر نظرة قاصرة المال الآن نقص بهذا القدر أبو بكر الصديق رضي الله عنه تصدّق بكل ماله بكل المال سيدنا عمر رضي الله عنه بنصف المال هذا من شكر الله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ معناه إن قدمتم الشكر لله سبحانه وتعالى لأزيد النعمة التي خولتكم إياها نعماً فوقها وهذا فيه دلالة كبيرة لذلك يقول بعض أهل التفسير فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود هذه عبارة معناها ذخيرة معناها كنز الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وما معنى ذلك؟ الشكر قيد الموجود أنت بين يديك نعمة فلنقل الله سبحانه وتعالى أنعم عليك بنعمة الولد ولدك موجود وهذه نعمة ماذا فعلت بهذا الولد؟ هل قلت أنا أريد ولدي أن أهيئه لنصرة دين الله تعالى؟ فأحسنت تربيته وتنشئته جلبته معك إلى مجالس العلم؟ حفظته من كتاب الله؟ حفظته من المتون؟ ليكون من جملة الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى فإن فعلت قيد الموجود الله يحفظ لك ولدك قيد الموجود يعني يقيد يعني يحفظ بسببه يجعل الله تعالى سبب الحفظ بسبب ماذا؟ بسبب الشكر قيد الموجود وأما إن تركت هذا الولد فإنك قد تفقده لم تقابل النعمة بالنعمة لم تقابلها بالشكر تركت الشكر وانشغلت بالنعمة عن المنعم لو شكرت الله فشكرك الله نعمة شكرك الله نعمة
إذا كان شكري نعمة الله نعمة عليّ له في مثلها يجب الشكر
فما لي عذر غير أني مقصّر وعذري إقراري بأن ليس لي عذر
إن وفّقني الله للشكر فهذه نعمة لذلك كيف تجدوا أولياء الله بكل أحوالهم على الشكر ليس إذا فقد النعمة صار عابساً (وُرُودُ الفَاقَاتِ أَعيَادُ المُرِيدِينَ) في كل الاحوال جاء المال، ذهب المال إذاً الشكر قيد الموجود والثانية وصيد المفقود الذي يخرج من أجل الصيد يبحث عن شيء وليس بين يديه فقد يسر له الله تعالى ويرجع هذا يرجع من غير صيد وهذا يرجع بصيد وفير بسبب الشكر لله يكون بالشكر أن تصطاد المفقود لذلك قال الشكر فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود يعني أنت بسبب هذا الشكر شيء أنت ليس عندك الآن الله تعالى يعطيك إياه يجلبه لك لذلك كم من من عمل بالشكر لله جاءته الدنيا صاغرة من غير أن يطلبها ومن غير أن يسعى لها واسمعوا العبارة التالية وقيل:
(إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد)
(إذا سمعت النعمة نغمة الشكر) يعني هذا العبد الذي جاءته النعمة بدأ ماذا يعمل؟ بالشكر عُبّر عن هذا بماذا؟ بنغمة الشكر بنغمة الشكر بعد هو وكأنه بلغ درجة لكن ليس كثيراً لكن بدأ بهذا إذا سمعت النعمة نغمة الشكر ماذا تأهبت للمزيد معناه ستتوالى عليه النعم (إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد) الله سبحانه وتعالى يعطيه زيادة أيضًا يوجد وجه لطيف جدًا في معنى هذه الآية ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لأزيدنكم من الطاعة إذا الوجه الأول الذي ذكرناها أزيدكم من ماذا؟ لأزيدنكم من النعمة والوجه الآخر لأزيدنكم من الطاعة ويوجد من أهل التفسير من مال إلى هذا الوجه الثاني لأزيدنكم أي لأزيدنكم من الطاعة أي كلّما كما قدمتُ ازداد العبد في شكر الله تعالى كلّما زاده الله تعالى في طاعته وإذا زاده الله تعالى في طاعته صار من أحباب الله وفي هذا المعنى الذي قدمت عن عطاء رضي الله عنه قال دخلتُ على عائشة رضي الله عنها مع عُبيد بن عُمير فقلت انظروا ماذا سألت اخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ما هو أكثر شيء عجيب أنت رأيته من أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وما هذا السؤال فبكت عن أي شيء ستتكلم فبكت وقالت وأي شأنه لم يكن عجبا وأي شأنه لم يكن عجبا إنه أتاني في ليلة فدخل معي في فراشي أو قالت في لحافي حتى مس جلدي جلده ثم قال:
“يا بنت أبي بكر ذريني أتعبد لربي” قالت قلت إني أحب قربك فأذنت له فقام صلى الله عليه وسلم إلى قِربة من ماء فتوضأ وأكثر صبّ الماء ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع صلى الله عليه وسلم فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال:
“أفلا أكون عبدا شكورا” فقال أفلا أكون عبدا شكورا ولما لا افعل وقد أنزل علي إن في خلق السماوات والأرض الآية إذا حقيقة الشكر عند أهل التحقيق الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع مع خضوعك لله سبحانه وتعالى فأنت تقابل نعمه سبحانه وتعالى بالشكر فيكون منك أن نطقت بلسانك وأقررت بقلبك بإنعام ربك سبحانه وتعالى عليك ويقال شكر العاملين من جملة أقوالهم، شكر هو نعت العابدين يكون نوعا من أفعالهم وشكر هو شكر العارفين يكون باستقامته له في عموم أحواله يقول أبو بكر الورّاق رحمه الله:
(النعمة مشاهدة المنّة وحفظ الحرمة)
لا يتجرع على ما حرّم الله تعالى وهو في حال الشهود لنعمة الله تعالى عليه ولمنّة المولى سبحانه وتعالى عليه ولذلك يقال الشاكر هو الذي يشكر على النفع، والشكور هو الذي يشكر على المنع، الشاكر يشكر على النفع جاءته نعمة، الشكور ابتلي بشيء فقد شيئا فقد نعمة الشكور الذي يشكر على المنع ومن شكر على المنع فكيف يكون حاله مع النفع ويقال أيضا الشاكر الذي يشكر على العطاء والشكور الذي يشكر على البلاء يقول الجنيد البغدادي رحمه الله كنت بين يدي السريّ رحمه الله ألعب فهذا كان من العارفين كلاهما من العارفين فكان الجنيد بين يدي السريّ قال وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر يعني في مجلس الإمام الجنيد يتكلمون في معنى الشكر فقال السريّ للجنيد (يا غلام ما الشكر فقلت ألا يُعصَ الله بنعمة) أَنْ لَا يُعْصَ اللَّهُ بِنِعْمَةٍ يعني أَنْ لا تَسْتَعْمِلَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تعالى عَلَيْك في معصية وهذا هو الشكر الواجب أَنْ لَا يُعْصَ اللَّهُ بِنِعْمَةٍ أي أَنْ لا تَسْتَعْمِلَ نِعْمَةً بصر، سمع، يد، جوارح، مال، ولد ألا تستعمل نعمة من نعم الله تعالى عليك في معصيته فقال السريّ له (يوشك أن يكون حظك من الله تعالى هذا اللسان) قال الجنيد: يعني هذه نعمة نعمة كبيرة
قال الجنيد: (فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السريّ).
وجواب الجنيد وهو إبن سبع سنين على هذا نعمة يدل هذا على فهمه. دخل رجل على سهل بن عبد الله فقال له: (إن اللصّ دخل داري وأخذ متاعي أحد اللصوص دخل إلى بيتي وسرق المتاع فقال اشكر الله تعالى لو دخل اللصّ قلبك وهو الشيطان وأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع) أن يدخل الشيطان قلبك فيفسد عقيدتك أو أن يدخل اللص دارك ويأخذ متاعك فاشكر الله وقيل شكر العينين أن تستر عيباً تراه لصاحبك وشكر الأذنين أن تستر عيباً تسمعه فيه وقال الجنيد:
(كان السريّ إذا أراد أن ينفعني يسألني فقال لي يوماً يا أبا القاسم أيشٍ الشكر فقلت ألا يستعان بشيء من نعم الله تعالى على معاصيه فقال من أين لك هذا فقلت من مجالستك) يعني أنا تعلمت هذا من مجالستك قيل التزم الحسن بن علي رضي الله عنه الرُّكن عند الكعبة وقال:
(إلهي نعّمتَني فلم تجدني شاكرا وابتليتني فلم تجدني صابرا فلا أنت رفعت النعمة بترك الشكر ولا أدمت الشدّة بترك الصبر إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم) الله تعالى يعفو عنا انظروا إلى هذا المعنى وما يكون من الكريم سبحانه وتعالى إلا الكرم قيل إذا قصُرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر إذا كانت إيدك قصيرة عن الشكر أطل لسانك بالشكر أطلقه في شكر الله تعالى.
قدم وفد على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان في هذا الوفد شاب فقام الشاب يريد أن يخطب فقال عمر الكُبْر ،الكبر يعني قدم الكبار يعني الأكابر قدم من هو كبير في السن يتكلم قال الشاب يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك، أنت اليوم خليفة يوجد في المسلمين من هو أسن منك فقال عمر تكلم فقال: ما كانوا وفود مداهنة ولا ذاهبين حتى يأخذوا عطية
فقال: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة لا نحن قدمنا إليك رغبة طامعين بشيء ولا وفد الرهبة أننا نخاف قال أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد أمننا منها عدلك فقال فمن أنتم؟ فقال وفد الشكر جئناك نشكرك وننصرف، قيل الحمد على الأنفاس والشكر على نعم الحواس
وفي الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ: “أول من يُدعى إلى الجنة الحامدون لله تعالى على كل حال” على السراء والضراء أخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعا بلفظ “أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله في السراء والضراء” وقال هذا حديث صحيح ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ أي عذاب شديد
لِمَنْ كَفَرَ نِعْمَتِي وكيف ذلك؟ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَسَلْبُ النِّعَم فكم من قرية كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فلما كفرت بأمر الله ماذا كان من أمرها الله أذاقها لباس الخوف والجوع بما كانوا يكفرون ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ في الدنيا فسلبُ النعم وَأَمَّا فِي الْعُقْبَى فَتَوالي الْنِّقَمِ وجاء الخبر كذلك لنبينا عليه الصلاة والسلام فيما كان أيضاً من أمر موسى وفي خطابه لقومه
﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿8﴾﴾
إن تكفروا يا بني إسرائيل، إن كفرتم أنتم والناس كلهم من في الأرض جميعا فإن الله لغني عن شكركم حميد، هذا معنى الحميد وإن لم يحمده الحامدون لأن الله أهلٌ لأن يطاع ولأن الله سبحانه وتعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين ولا ينضر بعصيان العاصين فإن الله غني عن العالمين فالله سبحانه وتعالى لا يكتسب صفة جديدة بطاعة العباد وبشكرهم وحمدهم لا يكتسب كمالاً لأن الله تعالى يغير ولا يتغير ولأن ذات الله أزلي أبدي ولأن صفات الله أزلية أبدية لا تغير فيها لا يحصل في ذات الله تعالى حادث الله سبحانه وتعالى أزلي أبدي وصفاته سبحانه وتعالى أزلية أبدية.
لما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ﴿إن الله خلق العرش إظهاراً لقدرته ولم يتخذه مكاناً لذاته﴾ لم يخلق الله تعالى العرش لأجل أن يكتسب صفةً جديدة وإلا والعياذ بالله لكان معنى ذلك إنه قبل اكتسابها كان فيه نقص ثم اكتسبه وتنزه الله سبحانه سبحانه وتعالى عن ذلك لماذا خلق الله العرش إظهاراً لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته إذاً ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهذا المعنى الذي قلت لكم الآن في تنزيه الله هذا الموضع يدل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
فعندما تقول ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ نعم هذا من جملة ما يستدل به على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الزمان وعن المكان وعن مشابهة الأنام وعن الحاجة أو الافتقار إلى زمان أو مكان أو إلى أي شيء من هذه الأكوان أو إلى الإنسان أو إلى غيره من المخلوقات لماذا؟ الله يقول فإن الله لغني أيضاً لغني عن شكركم حميد وإن لم يحمده الحامدون وأنتم أي إن لم تشكروا الله ضررتم أنفسكم بماذا؟ حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه أنتم حرمتم أنفسكم من ذلك
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ﴿9﴾
تلك الأقوام التي جاءت من قبلكم إما أن يكون المراد هنا ابتداء خطاب لأهل عصر النبي ﷺ أو من كلام موسى
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ إِذَاً إِمَّا أَنْ يُقَالُ هو من كلام موسى لقومه أو هو ابتداء خطاب لمن؟ لأهل عصر محمد عليه الصلاة والسلام ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ وَلِكُل مَن يَكفُرُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ إما نقول هذه جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً يعني كأنها جملة معترضة أو عطف والذين من بعدهم على قوم نوح ولا يعلمهم إلا الله اعتراض يعني ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إما أن نعطف فتصير والذين من بعدهم يعني معطوف على الأقوام لا يعلمهم إلا الله يعني كل هؤلاء لا يعلم قدرهم لا يعلم عددهم تفاصيلهم إلا الله سبحانه وتعالى أو أن يكون المراد ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ وَتَكُون هَذِه كَأَنَّها جُمْلة مُعْتَرِضة ﴿وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ والمعنى أنه من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله كم من الأقوام لم تقصَ أخبارهم على النبي عليه الصلاة والسلام وكم نحن عرفنا من أخبار الأمم التي كانت قبلنا
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات فماذا كان منهم
﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ من الذين ردوا الكفار الضمير يرجع إليهم فردوا أي الكفار فردوا ماذا أيديهم جمع يد لكن جمع قليل والجمع الأكثر يقال أيادي يد أيدي أيادي ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ فرد الضمير أيضاً في أفواههم إلى الكفار يعني الكفار لما رأوا ما رأوا من البينات من الأنبياء من المعجزات ماذا كان منهم إما تعجباً وإما غيظاً جعلوا أصابعهم جعلوها في أفواههم كالذي يعض عليها ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغليظاً هذا وجه والوجه الثاني يعود إلى الأنبياء أي ردَّ القوم أيديهم في أفواه الرسل يعني يكون المعنى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ من الذين ردوا؟ الكفار كالوجه الأول لكن في أفواههم هنا ردّ الكفار أيديهم في أفواه الأنبياء فيكون في أفواههم هنا على هذا الوجه يرجع إلى ماذا؟ الضمير هنا إلى الأنبياء أي ردّ القوم أيديهم في أفواه الرسل وتقول لماذا؟ كالذي يكون يتكلم بالحق فيأتي إنسان صار كأنه في بحر لُجي من شدة العناد فيريد أن يضع يده على ثمك لأجل أن يُسكتك يقول لك أنا لا أريد أن أسمع، لا تتكلم أي ردّ القوم أيديهم في أفواه الرسل كي لا يتكلموا بما أرسلوا به
﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من الإيمان بالله والتوحيد ﴿مُريب﴾ موقع في الرِّيبه كان من شدة عنادهم كما أنه كان من قوم نوح من يضع أصابعه في أذنه حتى لا يسمع وكان من المشركين من إذا صار عند الكعبة وكان النبي عليه الصلاة والسلام هناك يقرأ القرآن يضع القطنة في أذنيه حتى لا يسمع ثم إن واحدًا المشركون هكذا كانوا قد أوصوه فقال “ولكن أنا أين عقلي” هو بزعمه يطوف حول البيت والنبي عليه الصلاة والسلام يقرأ شيء من القرآن وهو يضع شيئا في أذنه يسد أذنه ثم قال “وماذا يضيرني لو أنا سمعت” فلما أزال المانع من أذنيه سمع تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام ما تمالك نفسه قال “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله” فكان يوجد من الكفار من يكون في درجة شديدة من العناد يريد أن يسكت الأنبياء ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ قال لا نصدق وقال ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من الإيمان بالله والتوحيد مع كل هذه المعجزات مريب موقع في الريبة
قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ (10)
﴿قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ﴾ ولم يقل أشك في الله لذلك قال أُدخلت همزة الإنكار على الظرف أفي الله شك؟ لماذا؟ لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأنه لا يحتمل الشك، وجود الله ووحدانية الله تعالى وقدرة الله تعالى لا تحتمل الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾
﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم من ذنوبكم إذا آمنتم ولم تجئ مع (من) يعني ليغفر لكم من ذنوبكم انظروا في كتاب الله في مواضع ستجد ليغفر لكم ذنوبكم في مواضع ليغفر لكم من ذنوبكم فيقول بعض أهل التفسير ولم تجئ مع من إلا في خطاب الكافرين كقوله ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ في سورة نوح أيضا في قوله تعالى ﴿يا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أما في خطاب المؤمنين ﴿هل أدلكم على تجارة﴾ إلى أن قال ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾ وغير ذلك مما يعرف بالاستقرار وأطال أهل التفسير في بيان دلالات ذلك واختصر ذلك بعضهم فقال للتفريق في الخطاب بين المؤمنين والكافرين لعدم التسوية بينهم بين المؤمنين والكافرين ثم إن الكافر من كان كافرا توبته مغفرته بماذا؟ بالإسلام لا غير قالوا أما المسلم قد يقع في معصية ولا يتوب ويمحو الله تعالى عنه السيئات ويغفر الله تعالى له ذنوبه من غير أن يتوب لذلك قال في خطاب المؤمنين قال ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾ وللكفار قال ﴿لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾ إلى وقت قد سماه وبيّن مقداره ﴿إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ (10) ﴾
قالوا أي القوم ﴿إِنۡ أَنتُمۡ﴾ ما أنتم، يردون على الأنبياء
﴿إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا﴾ لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلما تخصون بالنبوة دوننا ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ يعني الأصنام
﴿فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ السلطان في القرآن الحجة فأتونا بسلطان مبين بحجة بينة وقد ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وإنما أرادوا بالسلطان المبين مبين آية قد اقترحوها تعنّتاً ولجاجاً اللجاج هذا الذي يزيد كثيراً في الخصومة يجادل كثيراً معانداً فيكون هذا حاله أنه على التعنّت واللجاج
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11)﴾
﴿قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾ تسليم لقولهم إنهم بشر مثلهم نعم هم بشر ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِ﴾ بالإيمان والنبوة كما منّ علينا
﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ جواب لقولهم فأتونا بسلطان مبين والمعنى أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا المعنى أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلّق بمشيئة الله تعالى
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11)﴾ أمر منهم للمؤمنين بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا كأنهم قالوا ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم.