بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ (13) وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ (15) مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ (16) يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ (17)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿مَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(12)﴾
وما لنا ألا نتوكل على الله وأي عذر لنا في ألا نتوكّل على الله أي عذر لنا في ألا نتوكّل عليه وكان الأمر بالتوكّل من رسل الله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين أمروا أممهم بالتوكل على الله وهم في أعلى درجات التوكل على الله فأخبر الله تعالى عنهم وما لنا أن لا نتوكل على الله أي عذر لنا إن نحن تركنا التوكل على الله وقد هدانا سبلنا وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كلٍّ منّا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين، التوكل على الله ثقة القلب بالله الاعتماد الحقيقي على الله ترك الاعتماد الحقيقي عن غير الله سبحانه وتعالى.
ثقة القلب ويقين الفؤاد بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وهو سبحانه وتعالى الذي فعل بنا ما يوجب ان نتوكل عليه سبحانه وتعالى كل شيء في هذا العالم خلْق الله فعل الله ولا فاعل على الحقيقة إلا الله وهكذا ينص الامام أبو منصور الماتُريدي رحمه الله وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، نحن لنا فعل لكنّ فعلنا كسب وليس خلقا، الله وحده هو الخالق لذلك، في معنى لا إله إلا الله من أحسن ما قيل في بيان معنى كلمة الإخلاص والتوحيد لا إله إلا الله لا خالق إلا الله كما قال ذلك إمام أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى وكان الإمام البخاري والبخاري هو كان قبل الماتريدي، البخاري على نفس الذي يقوله الماتريدي
فعله تعالى صفة له في الأزل والمفعول حادث، فعل الله أزلي أبدي لا يطرأ عليه تغير أو تبدل أفعالنا نحن هي المتغيرة، أما فعل الله أزلي أبدي ويقال كله فعله وخلقه ولا يقال كله شغله، الشغل لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى بعض عوام الناس يقولون كل شغله وهذا لا يضاف إلى الله لا تصح إضافته إلى الله لا يجوز إضافته إلى الله إنما يقال فعله وخلقه، وفهم هذا المعنى يجعل اليقين في القلب ألا أتوكل إلا على الله ؟ولماذا أتوكل على غير الله؟ ومن الذي خلقني؟ الله سبحانه وتعالى، فإذاً ثقة قلبي أين ينبغي أن تكون؟ بالله سبحانه وتعالى أعتقد أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء وأعتقد أن كل ما يجري بمشيئة الله سبحانه وتعالى بتقدير الله لا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله تبارك وتعالى تكون، فلماذا بعد ذلك يكون التوكل على غير الله سبحانه وتعالى؟ نحن خلقُ لله، أعمالنا الله خلقها أقواتنا الله خلقها أرزاقنا الله خلقها والأمر كذلك وما لنا ألا نتوكل على الله فأي عذر لنا بعد ذلك في ترك التوكل على الله سبحانه وتعالى؟
وهو سبحانه وتعالى الذي هدانا السبيل الذي وفّقنا لطريق الحق الذي جعلنا نسلك طريق الدين طريق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى، أهل التوفيق عندهم حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. من علامات التوفيق نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات التوفيق الدفاع عن عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات التوفيق أن يكون ميزاننا هو ميزان الشرع في كل أحوالنا نزن بميزان الشرع من علامات التوفيق أن نسرع إلى الخير وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يرد الله به خيراً يهده ويفهمه” فهذا من علامات التوفيق من علامات التوفيق أن العبد يسعى ليكون في حاله في مقاله في قيامه في قعوده مع الناس في بيته في كل أحواله كما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علامات الخذلان والخذلان ضد التوفيق محاربة الدين، مسبّة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام
نحن عندما ننتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى لنا أن جعل قلوبنا تتحرك حبا لمحمد عليه الصلاة والسلام. وألسنتنا تنطلق بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنطلق هذه الألسنة لتنشر دين الله ولتدافع عن الدين فهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى هذا وإن أكثر أهل الحق في هذا الزمان مضطهدون حتى من أقرب الناس إليهم حتى بعضهم لأجل أنه على الحق لأجل أنه تعلم علم أهل السنة والجماعة لأجل أنه يُعلم هذا العلم الحق يُحارب في بيته من أقرب الناس إليه ويُحارب من أخصّ أقربائه وعشيرته صار أهل الحق غرباء هذا الزمان ولكن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فطوبى للغرباء” أما نرضى أن نكون من هؤلاء الغرباء وإن نالنا بعد ذلك وفوقه ما نالنا؟ بلى نرضى أن نكون من هؤلاء الغرباء لأن هؤلاء الغرباء كم لهم قُرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد يكون لك من خاصة بيتك من زوجتك من ولدك من هو عدوٌ لك وكيف تعرف ذلك؟ من يريد إبعادك عن طريق الحق عن طريق أهل السنة والجماعة حقيقةً هذا عدو قد يكون في ثوب ولد أو في ثوب قريب أو في ثوب زوج أو زوجة.
ولماذا لا نسلّم أمرنا إلى الله سبحانه وتعالى؟ مم نخشى؟ وعلام نخشى؟ نخشى على الرزق وإذاً أين هو التوكل على الله سبحانه وتعالى؟ نخشى كثرة من يعادينا لسنا أفضل من أنبياء الله لسنا أفضل من أنبياء الله نحن في سورة إبراهيم، هذا آزر أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان مشركاً دعاه إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام إلى الإيمان ما قَبِلَ ومات مشركاً هذا ما أثنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن المضي في الدعوة إلى الله بل سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام هاجر من العراق إلى أرض الشام ولما هاجر سيدنا إبراهيم، انظر كم كان من علامات التوكل على الله عند سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما خرج وحيداً من العراق إلى الشام ولكن الله سبحانه وتعالى نصره وما أثنى عزمه ولا أوهنه ما كان من أبيه من عداوة أبيه لماذا صارت العداوة؟ لأي شيء؟ لأنه ما قبل أن يُسلم ما دخل في الإسلام، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام مضى. ورد في الحديث هذا في البخاري أن آزر يُلقى يعني في الآخرة في النار فيلقاه إبراهيم ليس معنى يلقى أن إبراهيم يدخل في النار الأنبياء لا يدخلون في النار ولا المؤمنون حتى عند الشفاعة إنما كُشِفَ له هذا معناه إنما هذا اللفظ في البخاري لكن هذا معناه معناه كُشِفَ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فرأى آزر، رأى أباه وقد أُلقِي في النار، وهو أبوه لكن مات مشركًا.
فقال إبراهيم عليه السلام لأبيه: (أما إنك لو أطعتني لشفعت فيك) قال: أما إنك لو أطعتني لشفعت فيك معناه أنت ليس لك شفاعة لأنك مِت على غير الإسلام هذا في صحيح البخاري. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعلمون كيف يكون التوكل على الله سبحانه وتعالى وقلنا هنا ذكر التوكل على الله بمنّة الله تعالى علينا ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ وهو سبحانه وتعالى الذي هدانا ووفقنا لهذا الطريق قال أبو تراب، أبو تراب هذا النخشبي وهذا من كبار الصوفية من القدماء
قال أبو تراب في بيان معنى التوكل:
(التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والشكر عند العطاء والصبر عند البلاء) التوكل: طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية، معناه هذا العبد يُقرّ بأنه عبد لله سبحانه وتعالى يستسلم أنا عبد لله سبحانه وتعالى فأنا لا أخرج عمّا أراد الله سبحانه وتعالى لا أخرج عنه أنا عبد لله لا يكون الذي أنا أريد إنّما يكون الذي يريده الله سبحانه وتعالى يستسلم هذا العبد يطرح بدنه يستسلم، طرح البدن في العبودية مهما ارتفعت ومهما علوت ومهما سموت أو انحدرت ونزلت في كل أحوالك اجعل بدنك مطروحا في العبودية معناه أنت تسلّم لله سبحانه وتعالى أنك عبد لله، طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية يتعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى وتنخلع عن تعلّق قلبك بما عند الناس فليس بصرك إلى الذي في يد الناس بل قلبك واثق بالله سبحانه وتعالى ومتعلق بالله عز وجل يتعلّق قلبك بالخالق سبحانه وتعالى وتفوّض أمرك إلى الله فأنا لماذا أسعى وراء الناس وأنا ثقتي بالله سبحانه وتعالى ربّ الناس؟ هذا من علامات التوكل.
وكذلك الشكر عند العطاء فإذا أعطاني الله سبحانه وتعالى فأنا على شكر الله على حمد الله في كل أحوالي أحمد الله سبحانه وتعالى وَلْنَحْمَدِ اللَّهِ صَبَاحَ مَسَاء أَنْ جَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ وَلْنَحْمَدِ اللَّهِ صَبَاحَ مَسَاء أَنْ وَفَّقَنَا لِلإِسْلَامِ وَأَنْ جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فنشكر الله سبحانه وتعالى على هذا العطاء والصبر عند البلاء وإذا أصابنا البلاء كنا من أهل الصبر نصبر على ما ابتلانا الله سبحانه وتعالى وأشدّ الناس بلاءً من؟ الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كم كان صبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وكم كان صبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم مضْمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم أن لا يتوقفوا عن الدعوة أقسم الأنبياء على الصبر أليس قدّم ذكر التوكل وذكر التوفيق معه ثم ذكر الصبر والصبر على الدعوة إلى الله عز وجل الصبر في الدعوة إلى الله أيّها الدعاة إلى الله قدوتكم أنبياء الله أقسموا ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ وفي هذا إذان أن الداعية إلى الله لا بد أن يلقى ما يلقى من الأذى ولكن لا بد أن يكون من أهل الصبر ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ وَأَن لَّا يُمْسِكُوا عَن دُعَائِهِمْ يعني عن دعوتهم حلفوا على الصبر على أذاهم مهما تعرضوا للأذى وأن يصبروا على الأذى وَأَلَّا يُمْسِكُوا عَن دعائهم أَلَّا يَتَوَقَّفُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أليس في الآية التي قبل ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وهنا قال حتى لا يكون تكراراً ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكراراً للتي قبلها ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فهنا قال سبحانه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ثقوا بالله سبحانه وتعالى واجعلوا قلوبكم واثقة بالله عز وجل ولا ينبغي يا أمة محمد يا أشرف الأمم لا ينبغي أن نتزلزل أو أن نضطرب إن رأينا كيد أعداء الإسلام وإن ظهر بأس عدونا علينا بل ينبغي أن نصبر على ذلك ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وانظروا إلى ما أخبر الله سبحانه وتعالى عن الكفار وماذا يريد الكفار
﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13)﴾
﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعودُ بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب ليس المعنى أن الأنبياء كانوا قبل أن يوحى إليهم بالنبوة على ملّة المشركين معنى لتعودن في ملتنا العود قال بمعنى الصيرورة يعني إما أن تصيروا في ملتنا وإما أننا سنخرجكم من أرضنا وهذا الذي يريده الكفار لن يقبلوا منا إلا أن نترك ديننا ولكننا لن نترك ديننا لأنه الحق ولو كره الكافرون ولو كره المشركون لأن دين الله تعالى لا بد أن يظهر لو جاء حولنا ما جاء من الأحزاب فماذا يكون؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ولا يزيدنا هذا إلا إيماناً وتسليماً وإن كانوا هم يقولون قالوا قبل ذلك للأنبياء كما أنهم يقولون اليوم لهذه الأمة إن لم تمضوا معنا ينالكم ما ينالكم من الجوع من الخوف ماذا سينالنا إلى أين. الله تعالى أخبر أنهم قالوا مثل ذلك للأنبياء
﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه إذاً في كل الأمم من يؤمن بالأنبياء هذا خطاب الكفار لهم ولكن ماذا يقول الحق سبحانه
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ إلى الأنبياء
﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ هذا الوحي من الله إذا كان هؤلاء الكفار يتوعدون هذه الأمة فإن الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى الأنبياء لنهلكن الظالمين ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ كانوا في صياصيهم الصيصية الحصن متحصنين من كان من بني قريظة مع من تحالفوا وتحزّبوا ضد النبي صلى الله عليه وسلم وتوعدوا فماذا كان؟ أهلكهم الله فهذا وعدٌ من الله ووعد الله يا عباد الله لا خُلْف فيه، لذلك والله لا نزداد إلا يقينا بالنصر لا نزداد إلا ثقة بالله سبحانه وتعالى أنه سيرد لنا المسجد الأقصى ونزداد يقينا أن كل لسان مسموم ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم سيسلط الله تعالى عليه من يذلّه كان فيما مضى أحد المشبّهة المجسّمة كان في جماعة فمروا في بغداد في قبر الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله والمشبّهة يعادون الإمام الأشعري معاداةً كبيرة ثم هذا المشبه ذهب فارق جماعته ليقضي حاجته ففعل فعلته على قبر أبي الحسن الأشعري بال عليه ثم رجع من شدة حقد المشبّهة لأن الإمام الأشعري أغاظهم حشرهم جعلهم في أقماع السماسم وجماعته كذلك جماعة الأشعري كذلك إلى يومنا هذا لذلك المشبّهة الجفاة النفاة هؤلاء تجدهم على أعلى درجات العداء لأهل السنة والجماعة بكل ما يستطيعون سلاح الكذب الافتراء اللؤم الطعن بكل ما يستطيعون قالوا له ما فعلت؟ قال فعلت ما فعلت على قبر الأشعري ثلاثة أيام فقط ابتلاه الله تعالى صار لا يبول إلا دماً بقي الدم يخرج منه حتى مات وإذا كان هذا مع ولي صالح فكيف بمن يتجرأ على نبينا سيد الأنبياء وسيد الأولياء عليه الصلاة والسلام ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ وعد من الله تعالى فأبشروا.
وللعلم في أكثر آيات القرآن الكريم عندما ذُكر الظالمون أريد بالظالمين الكفّار في أكثر آيات القرآن الظلم يأتي على غير ذلك، الظالمون والفاسقون في آيات القرآن الكريم في المصحف في أكثر الآيات التي ذُكر فيها الفاسقون أو الظالمون أريد الكفار
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ والبشارة كذلك وهذه البشارة يؤيّدها أيضاً ما جاء في سورة الأحزاب فهذه هنا في سورة إبراهيم
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ إن شاء الله إذا كانوا هم أخذوا منا أرضا وحتى الأرض التي هي بعد معهم أو كانوا في الأصل فيها إن كنا لم نصلها ستصل إلى المؤمنين
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي أرض الظالمين وديارهم
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ هذا في الأحزاب قالوا ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ أي إلى يوم القيامة هذا الفتح لأمة الإسلام إلى يوم القيامة سيورث الله تعالى المسلمين ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ وهذا إلى يوم القيامة ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي أرض؟ أرض الظالمين وديارهم
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14)﴾ ذلك الإهلاك والإسكان ذلك الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حقٌ لمن خاف مقامي أي حق للمتقين أن يرثوا أرض الظالمين فلئن كانت دولة الظلم ساعة فإن الحق إلى قيام الساعة
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ وهو موقف الحساب أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ والمعنى أن ذلك حق للمتقين
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ الوعيد خاف أي العذاب هذا لمن خاف الله لمن خاف مقام الله لمن استعد ليوم القيامة وخاف عذاب الله تعالى فهذا العبد الخائف خوفه من الله سينصره على الظالمين وسيورثه الله تعالى ﴿أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ (15)
﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ واستفتحوا يرجع إلى الأنبياء، هذا وجهه واستفتحوا أي الأنبياء واستنصروا الله على أعدائهم
وهو معطوف على أوحى إليهم أوحى إليهم واستفتحوا استنصروا الله طلبوا النصرة من الله
انظروا كيف هذه الآيات ذكر فيها التوكل على الله ذُكر فيها التوفيق والهداية من الله ذُكر فيها الصبر في الدعوة إلى الله ذكر ما يكون من ثمرة ذلك وهو أن الله تعالى سيُورِثُهم أرضَ الظالمين وديارَهم وأموالَهم وبما أنَّ الكلامَ في مقامِ التوكل فإنَّ الأنبياء لُجُوءُهم إلى الله سبحانه وتعالى وَاستَفْتَحُوا
﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)﴾ وَخَسِرَ كل متكبرٍ بطرٍ عنيدٍ مجانبٍ للحق وهذا هو الجبّار في حق المخلوق المتكبر البطر أما إذا أطلق الجبّار على الله فهو مدح ليس على المعنى الذي إذا أطلق على المخلوق الجبار في حق الله: (الذي لا تناله الأيدي ولا يكون في خلقه وفي ملكه سبحانه وتعالى إلا ما يريد)
ولذلك أهل التوحيد يقولون الله سبحانه وتعالى موصوف بكل كمال يليق به منزّه عن كل نقص في حقه لماذا قُيِّدَت بقول يليق به؟ لأنه يوجد كمال يكون في حق المخلوق ولكن يكون نقصا إذا وصف الله به كالوصف برجاحة العقل إذا وصف به المخلوق فهذا مدح لكن في حق الله ذم لذلك من قال عن الله تعالى العقل المدبر هذا إلحاد والعياذ بالله هذا ذم وشتم لله سبحانه وتعالى وقد يكون كمالاً في حق الله وفي حق غيره كالوصف بالعلم لكن علم الله ليس كعلمنا علم الله أزلي أبدي وقد يكون كمالاً في حق الله ونقصاً وذماً وقدحاً في حق المخلوق كالوصف بالجبار الوصف بالجبار كمال في حق الله معناه الذي لا تناله الأيدي ولا يكون في خلقه وفي ملكه إلا ما يريده أما إذا وصف العبد به ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجبار والعياذ بالله المتكبر البطر والعنيد وما أقبح هذا الذي يكون مجانبا للحق العنيد هو المجانب للحق.
نقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قال حكى الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين :
أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوماً في المصحف يعني قال افتحوا المصحف تفاؤلاً، تفاءل يوماً في المصحف فخرج له يعني لما فتح المصحف فخرج له قوله عز وجل ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ فمزّق المصحف والعياذ بالله قال استفتحوا بالمصحف هذا كان خليفة، فتح المصحف فإذا بهذه الآية أمامه ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ والعياذ بالله مزّق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كل جبّار عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ مزّقني الوليد
فلم يلبث إلا أياماً حتى قُتِل شر قِتله وصُلب رأسه على قصره ثم على سور بلده ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ مُجَانِبٍ لِلْحَقِّ معناه فَنُصِرُوا وَظَفِرُوا وَأَفْلَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَهُمْ قَوْمُكُمْ وقيل الضمير للكفار
واستفتحوا الوجه الأول على معنى الأنبياء استفتحوا طلب النصر من الله
الوجه الثاني المراد الكفار ومعناه استفتح الكفار على الرسل ظنًا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ (16)
﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ من بين يديه
﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ من بين يديه ويقال من ورائه تأتي على معنى الخلف وعلى معنى الأمام ﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ من بين يديه وهو لا يزال في الدنيا هذا على الوجه الأول في التفسير وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يُبعث ويوقف من ورائه جهنم
﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ (16)﴾ ويسقى معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى
﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ وما هو الصديد ما يسيل من جلود أهل النار وصديد عطف بيان لماء لأنه مبهم فبُين بقوله صديد
﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ أمامه جهنم إما أنّ الوصف له في الدنيا وهو مُقبِلٌ بعد ذلك على جهنَّم وإما الوصفُ له وهو في الآخرة حين يُبعث ويوقف وأنَّ جهنَّم من بين يديه، أمامه جهنَّم وماذا يكون الشرابُ الذي يشربُه ويُسقى مِن ماءٍ صديد شرابه والعياذ بالله الصديد شرابه ما يسيل من جلود أهل النار وكيف يستسيغ هذا الشرب؟ كيف يستسيغ الصديد؟ يتجرعه ولا يكاد يسيغه يشربه جرعة جرعة كأنه لا ينزل وكأنه واقف في حلقه لا يستسيغه ما ينزل من جلود أهل النار وقيل ما ينزل كذلك من الزناة في جهنم والعياذ بالله فينزل ولكنه في عطشٍ شديد فلا يجد إلا هذا شرابا له، صديداً أو حميما، فكيف تكون الإساغة يتجرعه ولا يكاد يسيغ ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة كقوله لم يكد يراها أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ (17)﴾
ولا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفَّف عنهم من عذابها، نسأل الله السلامة نسأل الله النجاة من النار لا موت هناك خلود وحياة ولا موت إما جنة وإما نار وهؤلاء الكفار أخبر الحق سبحانه عنهم لا يقضى عليهم فيموتوا يتمنون الموت لا يموتون لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفَّف عنهم من عذابها فلا يُخفَّف عنهم من العذاب
ولذلك الكافر ليس له رحمة في الآخرة ليس له رحمة في الآخرة ولا مغفرة الله تعالى أخبر ولا يُخفَّف عنهم من عذابها فمن مات على غير الإسلام لا يُترحم عليه ولا يستغفر له لأن الله تعالى أخبر أنه لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفَّف عنهم من عذابها ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ويأتيه الموت من كل مكان أي أسباب الموت اسمعوا عباد الله ما سيُقبل عليه هؤلاء الكفّر لنعمل للنجاة لنتعب في هذه الدنيا في طاعة الله سبحانه وتعالى ولنثبت على الإيمان بالله عز وجل فيا ويل من مات على غير الإيمان بالله ويأتيه الموت من كل مكان أسباب الموت من كل مكان من كل جهة من فوقه عذاب من تحته عذاب عن يمينه عذاب وعن شماله عذاب ومن أمامه عذاب ومن خلفه عذاب ويأتيه الموت من كل مكان فإذا من كل مكان من كل جهة أو أن يكون المراد من كل مكان في جسده وهذا تفظيع لما يصيبه من آلالام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكا لو كان يوجد موت لكان كل نوع من هذا العذاب مهلكا وما هو بميت لأنه لو مات لاستراح وهذه كقوله تعالى ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ أي لا يموت فيرتاح من العذاب ولا يحيا حياة طيبة هنيئة
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ قيل إنه لا يبقى عضوٌ من أعضائه إلا وُكِّل به نوعٌ من العذاب إما حيّةٌ تنهشه أو عقربٌ تلسبه، تلسبه أي تلسعه إلا وُكِّل به نوعٌ من العذاب إما حيّةٌ تنهشه أو عقرب تلسبه أو نار تسفعه أو قيد برجليه أو غلٌّ في عنقه أو سلسلة يقرن بها أو زقوم أو حميم أو غير ذلك من العذاب
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ(17)﴾ ومن بين يديه عذاب غليظ أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله وأغلظ وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.