بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ﴿5﴾﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آلهوأصحابه الطيبين الطاهرين ربنا تقبل منّا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التوابالرحيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِيذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴿5﴾﴾
بعث الله سبحانه وتعالى الأنبياء بما فيه مصلحة العباد ومصلحة العباد منحصرة في اتباعشرع الله عز وجل، لا مصلحة فيما يخالف شرع الله عندما تقول مصلحتي في كذا معناه أنتتفعل ما فيه اتباع للشرع ما كان مخالفا لشرع الله ليس فيه مصلحة، المصلحة هذه الكلمة التينستعمها كثيرا ينبغي أن ننزلها في مكانها، مصلحة العباد في اتباع الأنبياء والأنبياء بعثهم اللهتبارك وتعالى لدعوة العباد إلى لا إله إلا الله لدعوة العباد إلى دين الله تعالى الإسلام فلا دينصحيح إلا الإسلام وأيّد الله سبحانه وتعالى الأنبياء بالمعجزات الباهرات وما من نبي إلاوأعطاه الله تعالى معجزات بعض المعجزات قد سُمي لنا وبعضها لم يسمَّ لنا ومن جملة هؤلاءالأنبياء من ذُكر عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة كليم الله موسى عليه الصلاةوالسلام سيدنا موسى أعطاه الله تعالى آيات بينات وهذه الآيات جاء ذكرها في أكثر من موضعمن كتاب الله عز وجل
من ذلك ما جاء أيضا في ذكر الآيات التسع ما تقدم معنا قبل سنين في تفسير سورة الأعراف﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَاهَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ الآياتالبينات التسع التي أيّد الله تعالى بها موسى عليه الصلاة والسلام وأرسلها على قوم فرعونوأتباعه القبط.
جاء ذكرها في هذه الآيات ذكر سبعة :
القحط والجدب وهو الذي عُبّر عنه بالسنين أعوام جدب وقحط أصابتهم فلا يستغل فيها زرعولا ينتفع فيها بضرع مجاعة عمتهم. والآية الثانية النقص من الثمرات قلة الثمار من الأشجاربسبب الجوائح والعاهات التي كانت تصيبها.
والآية الثالثة الطوفان قيل وهو إما أنه كثرة الأمطار التي أتلفت الزروع والثمار وقيل المرادبالطوفان فيضان نهر النيل عليهم حيث فاض الماء على وجه الأرض ثم ركد فلا يقدرون أنيحرثوا أرضهم ولا أن يعملوا شيئا حتى أصابهم الجهد جوعا وأصابهم ضيق شديد.
الآية الرابعة: وهذه الآيات لماذا تُذكر في كتاب الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى عليها مامضى من السنين وهذا الكتاب العظيم أليس نزل على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وتذكرفيه هذه الآيات وتذكر فيه قصص الأنبياء ويذكر فيه ما كان من أحوال الأمم السابقة ليكون فيذلك التذكير لهذه الأمة والعظة فهذه الآيات أصابتهم وهي قد تحصل في أي وقت من الأوقات.
الآية الرابعة: الجراد وهو هذا المعروف أرسل الله تعالى على قوم فرعون جراداً بشكل غيرمعهود فكان هذا الجراد يغطي الخضراء يغطي الأرض لكثرة هذا الجراد كان يحجم ضوءالشمس لكثرته وكان هذا الجراد لا يترك لهم زرعا ولا ثماراً ولا شجراً حتى قيل إن هذاالجراد كان يأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم ، آية جعلها الله تعالىكما سيأتي هذه الآيات يعتبر بها من يعتبر
وآية أخرى خامسة: القمّل وقيل إما هو السوس فكان يدخل حبوبهم فيفسدها وقيل بل هو القملالمعروف وقيل القمّل المراد به هنا في هذه الآيات التي أصابت قوم فرعون البعوض أقدَّ مضاجعهم فلا يمكنهم لكثرة البعوض نوم ولا يجدون معه قرارا.
والآية السادسة: الضفادع وهي معروفة كثُرت عندهم الضفادع حتى نغصت عليهم عيشهمكانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم وتقفز على فرُشِهم وملابسهم وملأت بيوتهم وأطعمتهموآنيتهم. الآية السابعة: الدم حيث صارت مياه آل فرعون دماً الماء الذي كان يجري صار دماً فكانوا لا يستقون من إيناءٍ ولا من بئر ولا نهر إلا انقلب إلى دم في الحال بقدرة الله بل وكانواإذا استقوا من نهر النيل لا يستقون شيئاً من ذلك إلا وجدوه دما، فهذه سبع آيات ذكرت هنا فيالأعرف ثم الثامنة وهي عصى موسى عليه السلام وتقدم ذكرها أنها كانت من معجزات نبيالله موسى عليه الصلاة والسلام حيث انقلبت عندما ألقاها موسى عليه السلام حيّةً حقيقيةً تسعىبقدرة الله تعالى. والآية التاسعة: اليد وهذه تقدم أيضاً ذكرها وأنها من معجزات موسى عليهالسلام إذ كان عليه السلام يضع يده في جيبه ثم يخرجها بيضاء من غير سوء ولا ضرر فإذاً جاء ذكر ذلك في الأعرف وهنا الإشارة إليه كذلك في سورة إبراهيم ثم يأتي بإذن الله تعالى﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فِي سُورَة الإِسْرَاءٍ فالله سبحانه وتعالى أعطى هذه الآياتلسيدنا موسى أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور أن أخرج قومك بأن أخرج أو أي أخرجفتكون أن هنا مفسّرة أن أخرج معناه أي أخرج قومك لأن الإرسال فيه معنى القول كأنه قيلأرسلناه وقلنا له أخرج قومك من الظلمات إلى النور وجاء كذلك في بداية هذه السورة الكريمةفيما كان خطابا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه أيضا أُنزل عليه كتاب وأرسله الله تعالىليخرج قومه من الظلمات إلى النور فتكرر في كتاب الله عز وجل ذكر الظلمات على معنىالكفر والنور على معنى الهداية والإيمان والمعنى أن من كان غير مؤمن بأنبياء الله فهو فيالظلمات وأن الذي يدخل في الإسلام انتقل من الظلمات إلى النور يا ويل من كان في الظلام ياويل من كان في الظلمات يا بؤسه ويا عاره ويا ذله، أموال الدنيا كلها لا تخلصه أما الذي انتقلإلى نعمة الإيمان جاء لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك من الدنيا وما فيها أن تفتح مجلسعلم في بيتك خير لك من أن يأتيك مليون ليرة ذهبيّة أن تفتح مجلس علم في بيتك يُوجد ظلماتويُوجد نور الظلمات الكفر والضلالة الانحراف عن الحق وهل يستوي الظلام والنور؟ وهلتستوي الظلمات والنور؟ وهل يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار؟ وهل يستوي العالمونوالجاهلون؟ وهل يستوي الصالحون والفاجرون؟ لا يستوون عند الله عز وجل من سوّى بينهؤلاء فهو مكذب لكتاب الله عز وجل وبالأنبياء كلهم، هذه الإشارة في أول هذه السورة لنبينامحمد عليه الصلاة والسلام لإخراج قومه من الظلمات إلى النور ثم يُقص عليه وموسى كذلكعليه السلام جاء ليخرج قومه كذلك من الظلمات إلى النور ومعنى ذلك أن كل الأنبياء عليهمالصلاة والسلام جاءوا لإخراج العباد من الظلمات إلى النور ثم أيها الإخوة الأعوان علىطريق الظلمات كثير ومن يريد أن يحول بينك وبين طريق النور كثير ومن يعينك على طريقالنور ويشجعك عليه ويثبّتك عليه قليل حتى إنه مما ورد في الأثر أنه في آخر الزمان قد تجدبعضا من أهل الحق يستخفون بين الناس لشدة ما يشنّع عليهم لشدة ما يشنّع عليهم يستخفون بينالناس فالظلمات طريق جهنم والنور طريق الجنة وكما قال رسولنا الكريم عليه الصلاةوالسلام:
“فمن وجد في نفسه خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه” هذا الذي يموتوهو في طريق الظلمات الذي يموت كافرا غدا يوم القيامة عندما تزل قدمه ويهوي عنالصراط ثم الملائكة تمسكه فتلقيه فلا يزال يهوي حتى يصل إلى قعر جهنم والعياذ بالله، فالأنبياء وجودهم رحمة وجهاد الأنبياء لأعدائهم بالسنان والبيان رحمة لأنه ما هو المقصود منذلك أن يدخل الناس في دين الإسلام
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
ذكرهم بأيام الله أنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ومنه أيامالعرب لحروبها وملاحمها أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوىوفلق لهم البحر أيام اليوم في الأصل: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس هذا يقال لهيوم ثم نقول أيام أصلها أيوام الياء ثم بعدها الواو والياء ساكنة فأدغمت الياء مع الواو وغلبتالياء عليها فبدل أن تقول أيوام فتقول أيّام هذا في الأصل إذا رددناها إلى أصلها ثم صار يُعرفعند العرب يقولون أيام العرب فيها وقائع شهيرة كقولهم يوم أبيض حصل فيه ما حصل للعربمن الخير مثلاً وكانوا يقولون من يَرى يوماً يُرى ومرادهم بذلك من تجده اليوم تراه اليوممسروراً يأتي عليه وقت يكون فيه محزوناً من يرى يوماً يُرى وتلك الأيام نداولها بين الناسفكان يقال إذاً لما يحصل عند العرب في الحروب في الملاحم يقال أيام العرب يقال لها أيام أيامالعرب وقائع العرب ثم كذلك
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بأيام الإنعام ذكّرهم بالأيام التي كان لهم فيها نعم من الله عز وجل ذكّرهمبتلك الأيام وكما كانت هناك أيام إنعام في زمن موسى عليه السلام فكذلك في زمن نبينا محمدعليه الصلاة والسلام. في صحيح البخاري لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجداليهود يصومون يوم عاشوراء من شهر الله المحرم فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلكفقالوا ذاك يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فنحن نصومه تعظيماً له فماذا قال نبيناالكريم عليه الصلاة والسلام: “نحن أولى بموسى منكم” ثم صامه عليه الصلاة والسلام وأمربصيامه أي استحباباً . الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح يقول:
(ويُستفاد من هذا الحديث استحباب عمل الشكر لله عز وجل على ما مَنّ به في يوم معين منإسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل عام).
ولذلك قالوا وأيّ نعمة أعظم من نعمة بروز محمد عليه الصلاة والسلام إلى الدنيا فاستدلوا بهذهالآية على استحباب الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف لا يكون هذا اليوم يوماً من أيام الله ويوم الهجرة النبوية المباركة كيف لا يكون يوماً من أيام الله والإسراء والمعراجكيف لا يكون يوماً من أيام الله وبدر كيف لا يكون يوماً من أيام الله ونسأل الله تعالى أن نرىيوما نجد فيه الأقصى محررا فيكون يوماً من أيام الله
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ذكّرهم بأيام من العام لذلك الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلمسنة حسنة بدعةُ هدى بدعةُ خير ليس سنة سيئة ليس بدعة ضلالة ليس مخالفاً لهدْيِ النبي صلىالله عليه وسلم لأن الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه أننا نُقدم الشكر لله عزوجل على نعمة بروز نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى هذه الدنيا أليس عليه الصلاةوالسلام لما نزل إلى هذه الأرض نزل معتمداً على يديه مشيراً بإصبعه رافعاً رأسه إلى السماءأليس احتمله جبريل أليس لفّه ميكائيل أليس طارت به الملائكة أليس نادت الملائكة وقالتطوفوا به مشارق الأرض ومغاربها واعرضوه على موارد الأنبياء فهذا يوم من أيام اللهوتعليماً لأمة محمد عليه الصلاة والسلام على محبة رسول الله والتي يقول أهل العلم كل خيرمنشأه محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كان هذا من علامات حب محمدعليه الصلاة والسلام أن تحتفل به فكان عليه الصلاة والسلام يعلم أمته ذلك فلما سُئل عليهالصلاة والسلام عن صومه الاثنين فقال عليه الصلاة والسلام: “ذاك يوم ولدت فيه وفيه أُنزلعلي” فكان يصومه عليه الصلاة والسلام.
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ هذه الأيام التي ذكْرُها فيه عظة وفيه عبرة وفيه تحريكٌ للقلوب على طاعةالله عز وجل إنَّ الأمة عندما تتذكر أيام الله كيوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عسىأن يكون منها إلا أن تتحرك قلوبها شوقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قال العلماء:
(إن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يقدّم هذه الأمة ولا يؤخرها يقدمها لإتباع النبيعليه الصلاة والسلام) يقدّمها لتنصر دين الله يقدّمها لتزداد محبة في محمد صلى الله عليه وسلميقدّمها لتدافع عن دين محمد في الوقت الذي غفا أكثر الناس في هذا الزمان إغفاءةً طويلةطويلة طويلة متى يكون القيام من هذا الرقود ومتى الإفاقة من هذا السُبات ولكن الناس نيام فإذاماتوا تنتبهوا ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي صرتم من أهلها صرتم من سكانها
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ في هذا التذكير آيات وهذه الآيات هيلكل الناس ولكن لماذا التخصيص بالصبَّار والشكور لأنهم أهل العبرة لأنهم من يعتبر
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على البلايا، يقول أبو عثمان رحمه الله: (الصبّار هو الذي يُداومعلى الهجوم على المكاره) هذا هو الصبّار وهذه درجة عالية يوجد صابر وصبور وصبّارصيغة مبالغة الصبّار والذي ذكر هنا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على البلايا قيل في جملةالمعاني صبّار يُداوم على الهجوم على المكاره معنى ذلك يُداوم على مجاهدة النفس المجاهداتالكبيرة أداء العبادة أليس بحاجة إلى مجاهدة نفس، الصلاة بحاجة إلى مجاهدة، والصيام بحاجهإلى مجاهدة، والحج أسأل الله أن يرزقنا حجاً مبروراً بحاجة إلى مجاهدة، من غير الصبر لايقوى العبد على هذه المجاهدة لذلك إذا رجعنا إلى أصل الصبر، الصبر ما هو؟
حبس النفس وقهرها على مكروه تتحمله أو لذيذ تفارقه، هذا الصبر عندما تقوم من فراشكلصلاة الليل فتفارق محبوبا فهذا لا بدَّ له من صبر إن لم تكن من أهل الصبر لن تحضر فيمجالس العلم أقل شاغل سيشغلك ويمنعك عن الحضور في مجلس العلم وأي مدخل سيجدهالشيطان سيقوى به عليك لعدم الحضور في مجالس العلم يقول بعض العارفين: لو أن الناس قدعلموا ما في مجالس العلم من الخير لحبوا إليها حبواً لو علموا ما فيها من الخير لحبوا إليهاحبواً هذا الإمام النووي رحمه الله لما قهر نفسه وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة الله تعالى فتح عليهبالعلم فتح عليه له مصنفات هو ما عاش إلا نحو أربعين سنة مصنفاته قيل تحتاج إلى من عاشستين سنة فقط يكتب وهذا غير الذي قال لجماعته امسحوه امحوه يوجد أقوال رجع عنها يوجدأشياء قال هذه لعلَّ الناس لا يفهمونها فطلب أن يُمحى ثم بعض ما طلب أن يُمحى قيل قدطارت به الركبان انتشر في الآفاق ماذا كان؟ كان صوّاماً قوّاماً كان لا يقبل أن يأكل عاش فيدمشق في مدرسة في الرواحية في دمشق جلبه إلى المدرسة في صغره اعتنى به وإلا كيفيصل إلى هذه المرحلة الصبّار الشكور مجاهدة كبيرة هذا يحتاج إلى تهيئة كبيرة أبوه في الأولاعتنى به عندما كان صغيراً يُقال لما كان ابن سبع سنين وكان قد أتم حفظ القرآن الكريمانظروا الأولاد يريدون اللعب وهو لا يقبل يحاول الأولاد قهره على أن يلعب معهم فيأخذبالبكاء يقول لا أريد، أريد أن أبقى على قراءة القرآن ابن سبع سنين يبكي إذا أرادوا حمله للعبفإذا صار مع الأولاد يبكي يقول أنا أذهب إلى قراءة القرآن مرّ به واحد من العارفين منالأولياء رأى هذا الحال أحبه وتفرّس فيه ثم ذهب إلى أبيه وقال اعتني بولدك هذا سيكون شأنهعالياً في العلم وذهب إلى معلمه فقال له الذي كان يعلمه فقال له هذا الولي اعتني بهذا الولد هذايكون من شأنه كذا وكذا فذاك قال أنت منَجم؟ أنت ما يدريك قال له لست منجمّاً إنما شيء ألقاهالله تعالى على لساني فقلته فبعد ذلك اعتنى به فقضى حياته في العلم ثم بعد ذلك كان قد بلغتسعة عشر سنة فانتقل كان في نوى بعد ذلك حمله وهو ابن تسعة عشر سنة إلى دمشق فكانبعد ذلك قليل النوم لا يقبل أن يأكل من الطعام الذي في دمشق هذا سنة ستمائة وشيء يعني هوكان تقريباً إحدى وثلاثين وستمائة ستمائة وواحد وخمسين تقريبا كان في دمشق في ذلكالوقت ما كان يقبل يقول أخشى أن أكل من بعض أموال الأوقاف اختلطت أموال الأوقاف فيذلك الوقت بغيرها قال أخشى أن أكل شيئا من ذلك صبر هذا الصبر كيف يُنال العلم إلا بالصبرلذلك هؤلاء أهل العلم هم أكثر من يتذكر والذين يحضرون في مجالس العلم أكثر من يتذكر فلاينبغي أن يحرم الإنسان نفسه يقول انتهى شهر رمضان أريد أن أحضر في رمضان بعدرمضان لا أحضر إلى رمضان الذي بعده ماذا يقول ابن الجوزي:
فبالله عليك يا رفيع القدر بالتقوى لا تبع عزها بذل المعاصي ذقت ما ذقت من حلاوة العلموحلاوة الإيمان فلا تبع بعد ذلك عزها بذل المعاصي إن في ذلك لآيات لكل صبّار على البلاياشكور على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، ولذلككان سيدنا علي كرم الله وجهه يقول: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. ما الصبرهو الصبر الواجب ذكرنا التعريف العام للصبر حبس النفس وقهرها على مكرور تتحمله أولذيذ تفارقه. ثم الصبر الواجب ما هو ثلاثة: صبر على أداء ما أوجب الله، وصبر على اجتنابما حرم الله وصبر على ما ابتلاك الله تعالى به بمعنى أنك لا تتسخط على الله ولا تقابل البلاءبالمعصية هذه الثلاثة صبر على أداء الواجبات وصبر على اجتناب المحرمات وصبر على ماابتلاك الله تعالى بمعنى أنك لا تتسخط على الله ولا تقابل البلاء بالمعصية هذه الثلاثة. صبرٌ على آداء الواجبات وصبر على اجتناب المحرمات وصبر على ما ابتلاك الله به. والأنبياء همأهل الصبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كم أوذيَ في أصحابه يوم أحد وكم كان عليهالصلاة والسلام يحب عمّه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه في يوم أحد بعد أن قُتلحمزة رضي الله عنه بقِر بطنه وليك كبده ومثّل بجسده فلما وقف رسول الله صلى الله عليهوسلم على جسده بعد المعركة صار يبكي وجاءت صفية أخت حمزة وصارت تبكي ثم قالعليه الصلاة والسلام:
“يرحمك الله يا عم قد كنت والله وصولا للرحم فعولا للخيرات” ثم سلّم النبي عليه الصلاةوالسلام عليه وعلى شهداء أحد وقال “أشهد بأنكم شهداء عند الله لا يسلّم عليكم أحد من أمتيإلى يوم القيامة إلا رددتم عليه السلام”. فكم كان صبر النبي عليه الصلاة والسلام وكم كانصبره في مكة. الصبر يا إخوة ضياء للقلوب إن لم نصبر قلوبنا تنطفئ إن لم نصبر صرناوالعياذ بالله أقرب إلى الوقوع في المعصية إذا ابتعد الإنسان عن مجالس الخير وعن العمل فيالدعوة إلى الله تعالى كما ذكر بعض العارفين فإنه يُحرم مدد الأولياء لا بد لنا من الصبر الحياةلا بد أن تمر هي ساعة الحياة ساعة لا نصبر فيها على طاعة الله تعالى لا نصبر على مجالسالعلم لا نصبر على نصرة هذا الدين ثم أما تذكرون جميعكم قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون من سنتي ما أفسدالناس” معنى ذلك أن أهل الحق في آخر الزمان يصيرون غرباء تصير غريباً في قومك فيعشيرتك بين أقرب الناس بين جيرانك وأنت تدعوهم إلى الحق تصير غريباً ولكن بعد أننسمع قول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم “فطوبى للغرباء” وهذه بشارة من فم محمدعليه الصلاة والسلام فبعد ذلك لا ينبغي أن نترك العمل في الدعوة إلى الله تعالى لأجل كلامالناس لا ينبغي أن نقصر في نصرة الدين تحسباً من نظرة الناس إلينا البشارة من النبي عليهالصلاة والسلام وهو عليه الصلاة والسلام الذي نرجو أن يكون لنا شفيعاً يوم القيامة لذلك قالالحق سبحانه:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾