﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ(27)﴾
أقف معكم كثيرا عند هذه الآية الكريمة:
قال صلى الله عليه وسلم: “إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قول الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾”.
القول الثابت، الثبات عليه في الحياة الدنيا الثبات عليه في الآخرة أما القول الثابت فهو القول الذي نحن جميعا نسأل الله عز وجل أن نثبت عليه وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا هو القول الثابت القول الثابت كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ولذلك كما قدمتُ في الدرس الماضي يجب أن نحافظ على إسلامنا وإيماننا وأن نثبت على الدوام على دين الإسلام فلا ننقض لا إله إلا الله محمد رسول الله مهما حصل معنا مهما غضبنا مهما استزلنا الهزل لا ينبغي أن يصدر من أي منّا كلمة تخرجه عن الإسلام أو فعل يخرجه عن الإسلام أو اعتقاد يخرجه عن الإسلام خسر الدنيا والآخرة، الدنيا هي عبارة عن متاع مال ودينار ودرهم ونحن جميعا نعلم أن لا شيء يبقى من ذلك ولا يبقى لنا ولا يدخل معنا في قبورنا إلا ما كان من العمل الصالح ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فالقول الثابت وأنا أكرره حتى يصير راسخا في نفوسنا هذا المعنى المسلم لا يخرج عن الإسلام إلا إذا نقضَ الشهادتين ما دام محافظا على الشهادتين مهما وقع في المعاصي لا يخرج عن الإسلام إذا نقضَ الشهادتين خرج عن الإسلام ما عاد مسلما وهذا والعياذ بالله هذا هالك في قبره سيجد العذاب سيجد الوبال وفي القيامة سيجد الذل والخزيّ والعار وفي جهنم الويل والعذاب الشديد، كلمة عباد الله نحفظها.
قال نبينا عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب في مرض وفاته: “يا عم قل لا إله إلا الله محمد رسول الله أشهد لك بها عند الله” طلب منه هذه الكلمة قال يا عم قل لا إله إلا الله محمد رسول الله أشهد لك بها عند الله.
الحمد لله أننا من أهلها كم من الناس حُرِمَ من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله مع اعتقاد معناها، وقد تجد من الناس من يقولها بلسانه لكنه ينقضها، فيعتقد في الله التشبيه أو يعتقد في الله والعياذ بالله أنه جسم أو يعطّل كالمعتزلة وينكر صفات الله فيقول إن قلنا الله عالم فبلا علم سميع فبلا سمع بصير فبلا بصر فينكرون صفات الله يوجد من شبه ويوجد من عطّل وأنكر الصفات توحيد الله سبحانه وتعالى كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: (التوحيد هو نفي التشبيه والتعطيل) فلا نشبه الله تعالى بخلقه ولا نعطّل ولا ننكر صفات الله عز وجل ، كما قال سيدنا الشافعي رضي الله عنه: (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) لا تشبيه لا تكيف لا تمثيل، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا فكرة في الرب” رواه أبو القاسم الأنصاري.
لا يجوز أن نتصور رب العالمين في عقولنا، فهذا إذًا القول الثابت الذي نسأل الله عز وجل أن يثبتنا عليه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، في الحياة الدنيا بينّا كذلك المعنى: الثبات على الإسلام في هذه الدنيا إلى الممات فلا ننقض إسلامنا لا نبطله لا نقطعه لا بردة قولية ولا بردة فعلية ولا بردة اعتقادية نبقى ثابتين على دين الإسلام مهما حاول أهل الفتن أن يجرونا إلى الباطل إلى الضلال مهما حاول أهل البدع التمويه لأن بعضهم يستعمل آيات القرآن الكريم ويستعمل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه يفسرها بهواه فيحرّف المعنى فلا يكون الذي قاله كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس من يزلُّ بسبب ذلك وإلى المعنى في قوله تعالى:
﴿وفي الآخرة﴾
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المسلم إذا سئل في القبر” إذًا هذه الآية وما سيمر معنا من الأحاديث أو من الآيات أو من أقوال أهل العلم فيه إثبات سؤال الملكين منكر ونكر في القبر وفيه إثبات عذاب القبر وفيه إثبات نعيم القبر فالمؤمن يُؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك يجب أن نؤمن بعذاب القبر وبنعيم القبر وبسؤال الملكين وبكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما جاء في الحديث الذي يرويه الإمام البيهقي رحمه الله عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولّون عنه”، حين يجعل هذا الميت في القبر أليس يدفنون الميت؟ الناس ماذا يفعلون بعد ذلك؟ ينصرفون فإذا انصرفوا صوت نعالهم هذا وهم مغادرون يسمعه الميت يسمعُ خفق نعالهم “فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل حفظته صلاته ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل حفظه صيامه ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل حفظته زكاته ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل حُفِظَ بذلك فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب فيقال له هذا الرجل- صلى الله عليه وسلم – ماذا تقول فيه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه قال عما تسألونني قالوا ماذا تقول في هذا الرجل الذي فيكم أي الذي كان فيكم وبماذا تشهد عليه فيقول أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مِت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له انظر إلى مقعدك منها وما أعد الله عز وجل لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له ويعاد الجسد كما بُدِأ حتى التي كانت قد صارت ذرات متفتتة منه ترد أعيانها ويعاد الجسد كما بُدِأ -في يوم القيامة هيئة جسده كما كانت لكن في بعض الحالات قد تتغير تلك الهيئة ويُعاد الجسد كما بُدِأَ لو كان قطع منه شيء يعاد له – ويجعل نسمة من النَسَم الطيب وهي طائر يعلُق في شجرة الجنة” وروي كذلك “يعلُق في شجر الجنة” – يعلُق بضم اللام يأكل العُلقة وهو ما يُتبلغ به – وقال محمد وهو الراوي ابن عمر ابن علقمة الذي روى عن أبي سلمة عن أبي هريرة فرّع من هنا في الرواية قال وسمعت عمرو بن الحكم ابن ثوبان قال: “فينام نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله”.
كما قدمنا المؤمن التقي في قبره ينام أكثر الأحيان ينام نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه من كان أعلى في الدرجة من كان من الأولياء هؤلاء بعضهم في قبره يتلذّذ بالصلاة يصلي وبعضهم يقرأ القرآن بأنواع الذكر والطاعة يتلذّذون تصير تلك الطاعة لَذّة لهم لا تعب فيها فهم على هذه الحال قد يقول قائل ولكن أنا قد أشاهده ميتا ولا أرى هذا النعيم الذي هو فيه فكيف ذلك؟
العلماء قالوا عدم الوجدان لا يستلزم العدم، إذا أنت لم تستشعر بشيء هذا لا يعني أنه معدوم، هذه الحجارة تسبح الله أم لا تسبح الله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ النباتات تسبح الله أو لا تسبح الله تسبح الله وتمر بالبستان ولا تسمع التسبيح ويجوز أن تسمعه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إني لأعرف حجرا في مكة كان يسلم علي” كلما مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر يقال هذا كان في الطريق كان على مقربة من بيت الصديق أبي بكر رضي الله عنه الحجر يقول السلام عليك يا محمد ويسمعه النبي عليه الصلاة والسلام فلما أن نزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام في حراء فرجع من نفس الطريق فمرّ بنفس الحجر الذي قال لنبينا عليه الصلاة والسلام في طريق ذهابه إلى حراء السلام عليك يا محمد بعد أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس الحجر قال السلام عليك لكن هذه المرة قال يا رسول الله ثم أيضا أنت قد تكون إلى جوار شخص نائم وهذا النائم أثناء نومه يرى رؤية يرى نفسه أنه يقف مع الحجاج في عرفات ويلبي ويؤدي المناسك ويزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يبرح فراشه في عمان وأنت إلى جواره أنت تنظر لا تشعر بشيء من هذا فإذا قام فقال لك أنا كنت في المدينة أنت إلى جواره أنتما في عمان هو رأى نفسه صار في المدينة وأنت ما رأيت إلا جسدا في عمان بمثل هذا قرّب العلماء كيف أنك قد تقف على قبر وصاحبه قد يكون منعّما وقد يكون معذّبا وأنت لا تشعر بذلك فليس بسبب عدم إحساسك أو بسبب عدم رؤيتك لحال هذا الميت في القبر تنفي ما يحصل في القبر من العذاب أو من النعيم.
رجع بعد ذلك راوي الحديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة إلى أبي هريرة قال وهو قول الله عز وجل ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ قال وإن كان كافرا فقد ذكرنا الحال إذا كان مؤمنا فتكون الصلاة تدافع عنه والصيام يدافع عنه والزكاة تدافع عنه وفعل الخيرات من الصلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ذلك يدافع عنه في قبره فماذا عن الكافر المفلس؟ الكافر الذي ليس له حسنة الكافر الذي ليس له حسنة الكافر الذي مهما عمل في الدنيا لا يقبل الله سبحانه وتعالى منه شيئا من ذلك. يوم أمس مررت بشخص لا أعرفه فقال لي هل لي سؤال قلت نعم قال لي من مات كافرا هل نترحم عليه؟ قلت له: في سورة النساء رب العالمين يقول ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أخبرنا الله عز وجل أن من مات على غير الإسلام لن يغفر الله سبحانه وتعالى له ولن يرحمه قلت له فمن قال يا رب اغفر لهذا الذي أخبرتنا أنك لن تغفر له وكأنه يقول والعياذ بالله يا رب كذب نفسك قلت له هذا خروج عن الدين تكذيب القرآن خروج عن الدين ثم في سورة الأعراف قال سبحانه:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾
أي يتقون الشرك قال له أنا ما كنت أعلم هذا أنا كنت أترحم كثيرا فيما مضى وما كنت أعلم هذا قلت له أما الترحم على الكافر في حال حياته جائز وهو حي الله قال ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني في الدنيا المؤمن والكافر بأنواع النعم التي يُنعم الله سبحانه وتعالى بها على البشر مؤمنهم وكافرهم في الدنيا أما في الآخرة فليس له نصيب ليس له حظ لا يُرحم ولا يغفر الله تعالى له فهو في قبره معذّب وفي الآخرة معذّب فانظروا هذا رجل كبير قال لي أنا ما كنت أعلم هذا بسبب عدم العلم بسبب التقصير في علم الدين لأن بعض الناس علم الدين عندهم فضلة أنا أعجب كيف يسكت الواحد على سم يسري في جسدي قد يهلكه الآن نحن نسمع عن القبر لو تمثل واحد منا نفسه لو أنني الآن نزلت في قبري يجوز نعم من حيث العقل يجوز يجوز على أي واحد منا أن لا تطلع عليه الشمس وأن يصبح وقد صار جافيا في ترابه فماذا يكون الحال هذا ألا يدفعنا إلى أن نستعد هذا الاستعداد ألا يتطلب منّا أن نحصن أنفسنا بعلم الدين ما خلقنا الله سبحانه وتعالى كالبهائم الناس منهم اليوم لا يعرفون قدر علم الدين ولا قدر مجالس علم الدين والله لو علموا قدر مجالس علم الدين لحبوْا إليها حبوْا لحبوْا إليها حبوْا تجد من الناس لأقل عارض لأقل سبب دنيوي لن أقول كسل باعث على الكسل يقعدهم في بيوته لا يحضرون في مجالس العلم ولا يقبلون على مجالس العلم فلذلك نحن علينا أن نتفكر في هذا وهذا من أسباب وقوفي في عدة مجالس عند هذه الآية الكريمة.
إذًا الآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم الكافر ماذا يكون حاله في القبر قال: “وإن كان كافرا أُتي من قبل رأسه فلم يوجد شيء ثم أتي عن يمينه فلم يوجد شيء ثم أتي عن يساره فلم يوجد شيء ثم أتي من قبل رجليه فلم يوجد شيء – أعوذ بالله – فيقال له اجلس فيجلس خائفا مرعوبا – هذا قد يكون في الدنيا ممن إذا عُلم أنه سيمر في طريق الناس ترتعد وتخاف فإذا به في قبره يجلس خائفا مرعوبا – فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم أي رجل هو وماذا تشهد به عليه فيقول أي رجل فيقال الذي كان فيكم – سبحان الله فلا يهتدي لاسمه لا يهتدي لاسم محمد عليه الصلاة والسلام – حتى يقال له محمد فيقول ما أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس – هنا قال بعض أهل العلم يُستفاد من هذا أنه لا ينبغي أن يتّبع الناس الذين ليس لهم علم هو ماذا يقول سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس فلم يكن معذورا لأجل أنه قال كما قال الناس ضلّوا وأضلّوا- فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مِت وعلى ذلك تبعث ثم يُفتح له باب من أبواب النار فيقال له ذلك مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورا ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له ذلك كان مقعدك من الجنة وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه” الذي ورد في الأحاديث في اختلاف الأضلاع أي بمعنى تشابكها التي في اليمين تصير إلى اليسار والتي في اليسار تصير إلى اليمين هذا ورد في الكافر لكن قال العلماء وقد يحصل هذا لمن شاء الله تعالى له من عصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا من غير توبة لكن لا تكون شدة الضغطة ضغطة القبر كالكافر الكافر أشد لا نعتقد أن ضغطة المسلم العاصي في قبره كضغطة الكافر والذي ورد في الأحاديث ليس في الضغطة بالنسبة للمسلم العاصي في هذا إنما للكافر أما الأتقياء فلا تصيبهم تلك الضغطة ولا حتى ما قد يعبر عنه البعض بضمة حنان هذا لا يحصل إنما يوسع لهم في قبورهم، قال أبو هريرة: (فذلك قول الله عز وجل ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾)
ويروي البيهقي كذلك عن سليمان بن محمد بن ناجية قال حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه قال حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا مفضّل بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي سهيل عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عمر كيف أنت إذا كنت في أربع من الأرض في ذراعين فرأيت منكرا ونكيرا” قال يا رسول الله: وما منكر ونكير قال صلى الله عليه وسلم: “فتّان القبر” فتّان القبر يعني الذين يمتحنان الناس الفتّان هنا بمعنى الممتحن وتسميتهما منكر ونكير ليس على معنى المنكر الذي هو باطل أنكر بعض الناس قال لا يصح أن يسمى ملك منكر قال العلماء التسمية وردت ومنكر معناه ليس معروف الهيئة لأنه ليس كهيئة البشر ولا كهيئة الجن (سلام قوم منكرون) إن أنكرت هيئته ليس على معنى المنكر الذي هو من الباطل، قال فتّان القبر اسمعوا الوصف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن منكر ونكير أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف معهما مرزبّة يعني التي تسمى المطرقة معهما مرزبّة لو اجتمع عليها أهل منى ما استطاعوا رفعها لو اجتمع الحجاج الذين في منى لأجل أن يحملوا هذه المطرقة ما استطاعوا.
يقول عليه الصلاة والسلام: هي أهون عليهما من عصاي هذه فامتحناك يعني كيف بك لو امتحناك قال عمر رضي الله عنه لا شك أنه من الناجين ثم لا يصح ما يرويه البعض يقول فعمر لما يأتيه منكر ونكير في القبر فهو يحشرهم في الزاوية وبدل أن يسأله هو يسألهم هذا غير صحيح إنما هذا الذي ورد الذي أذكر قال فامتحناك يعني لو حصل مثل ذلك فإن تعاييت أو تلويت ضرباك بها ضربة تصير بها رمادا قال يا رسول الله وإني على حالتي هذه قال نعم قال صلى الله عليه وسلم أرجو أكفيكهما ومن وجه آخر صحيح عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا في قصة عمر وقال ثلاثة أذرع وشبر ولكن في هذا الطريق من غير ذكر المرزبّة.
وفي حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عذاب القبر قال: “فيعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان” إذاً هذا هو حديث البراء بن عازب وهذا حديث صحيح الإسناد وقد رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش ورواه ابن المبارك في الزهد حديث عود الروح في القبر إلى الجسد إذًا في القبر عندما يصير الميت في القبر فإن روحه تُرد إلى جسده وعندها يرجع له الإحساس وإلا كيف يسمع قرع النعال وكيف يكلم الملكين وكيف يسألانه وكيف يجيبهما ثم بعد ذلك كيف يرى المقعد من الجنة أو المقعد من النار وكيف يكون النعيم وكيف يكون العذاب إذا كانت لم ترجع له الروح ثم قد يقول قائل ولكن إذا كان هذا مثلا قد تفتت جسده احترق صار معه حادث تهشمت عظامه تناثرت أشلاءه فكيف يحصل، فلنفرق أولا:
قال بعض العلماء الظاهر بالنسبة للسؤال يحصل إذا دُفن مسألة ثانية أما بالنسبة لعود الروح ولما يحصل من النعيم أو من العذاب فقد قال أهل العلم لا مانع لو كانت قد تفتتت أعضاء جسدي أن يحصل عود الروح في بعض من تلك الأجزاء لكن من العلماء من قال نرى عود الروح إلى كل الجسد ونحن على ذلك لكن بعض العلماء استعمل هذا التعبير عندما بيّن قال وكيف إذا كانت ذرات متفتتة ومتفرقة فقالوا وما المانع ما المانع أن يجعل الله تعالى فيها إحساسا وأن يصل لها الأثر من هذه الروح قالوا لا مانع في ذلك والله تعالى على كل شيء قدير ثم إن الغزاليَ رحمه الله قال: (المدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان) ثم يقول: (وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذّاته من لم يجرِ له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار) هذا كله قول الغزالي يقول (اغترارا بسكون ظاهر جسمه في مشاهدته إنكار المعتزلة لعذاب القبر).
فيذكرون ممن يُنكر عذاب القبر ويبث هذا وليحذر اليوم صار من يتكلم بهذه المسألة ممن ينكر عذاب القبر المعتزلة والخوارج إلى أن قال: (فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالإضافة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما مع ما فيهما من العجائب) يقول: (والسبب الذي ينفّر طباع أهل الضلال عن التصديق بهذه الأمور بعينه منفّر عن التصديق بخلق الإنسان من نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب والآيات إلى أن المشاهدة تضطر إلى التصديق بذلك فإذا ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن ينكر بمجرد الاستبعاد)، فإن لم تستشعر ذلك لا يعني أن عذاب القبر ليس موجودا وعذاب القبر ثابت بالأحاديث المتواترة وردت به الأخبار تواترا معنويا وعذاب القبر كما شاء الله ولمن شاء الله وإلى ما شاء الله نعوذ بالله من عذاب الله لذلك لا مجال إلى رده في حديث سيدتنا عائشة الصديقة رضي الله عنها يهودية دخلت على سيدتنا عائشة فذكرت لها عذاب القبر فقالت أعاذك الله من عذاب القبر فقالت عائشة: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “عذاب القبر حق” قالت عائشة: فما سمعته يصلي صلاة بعد إلا تعوذ فيها من عذاب القبر يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في كل صلاة يتعوذ بالله من عذاب القبر بعد التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقبل السلام في هذا الموضع فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا فرغ أحدكم من صلاته فليدعو بأربع ثم ليدعو بعد بما شاء اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال” وهذا رواه مسلم .
هذه الأربع هذه يا إخوة من الدعاء المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا ينبغي أن لا نتركه هذا قبل أن نسلم في كل صلاة بعد التشهد الأخير وبعد الصلاة الإبراهيمية بعد ذلك وقبل السلام نقول هذا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات فكان نبينا صلى الله عليه وسلم مواظبا على ذلك.
أختم بما حدث به أبو نعيم قال حدثنا الربيع قال قال الشافعي: (إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وإن أعمال الناس خلق من الله فعل للعباد وإن القدر خيره وشره من الله عز وجل وإن عذاب القبر حق ومساءلة أهل القبور حق والبعث والحساب والجنة والنار وغير ذلك مما جاءت به السنن وظهرت على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين حق).