بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ (29) وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ (30) قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ (31) ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ (33) وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ (34) وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36) رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37) رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ (38) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (40) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الفناء الحسن سلام الله ورحمته وبركاته على سيدنا ومولانا محمد أفضل البشر وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار(28) ﴾
﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله﴾ أي شكرَ نعمةِ الله الإسلام، تركوا شكر نعمة الله تعالى وجعلوا مكان ذلك الكفر والعياذ بالله لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرًا فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلًا، وفيمن نزلت هذه الآية؟
نزلت في أهل مكة لذلك قالوا وهم أهل مكة أكرمهم بمحمد عليه السلام فكفروا نعمةَ الله بدل ما لزمهم من الشكر، بعث الله تعالى فيهم نبيًّا رسولًا منهم بلسانهم من قبيلتهم من أشرفهم كانوا يقولون عنه الصادق الأمين وأعطاهم الله تعالى نعمة الأمن في مكة ونعمة البيت وعندما بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل أن يشكروا نعمة الله تعالى جعلوا مكان ذلك الكفر فإلى ماذا آل أمرهم؟ الله قال:
﴿وأحلوا قومهم﴾ الذين تابعوهم على الكفر
﴿دار البوار﴾ دار الهلاك وهذا حال الذي يكفر بالله عزَّ وجلّ ولا يشكر الذي يكفر بالله لا يسمى شاكرًا إلا من كان قد آمن بالله سبحانه وتعالى وبنبيّه صلى الله عليه وسلم أما الذي يكفر بالله حتى التسمية بالشاكر لم ينلها، ثم العبد إذا تمكن في الشكر صار شكورًا قال سبحانه ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، فهؤلاء الذين كانوا في قرية آمنة مطمئنة ماذا آل إليه أمرهم عندما كفروا بالله تعالى؟
﴿أحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾
هو قال ﴿دار البوار جهنم﴾ عطف بيان ﴿وأحلوا قومهم﴾ بسبب ماذا؟ بسبب كفرهم
﴿أحلوا قومهم﴾ وهذا ينبغي أن نذكره وألا ننساه عندما نعيش في رغد وفي أمن وفي سعة يجب أن نحافظ على نعمة الله سبحانه وتعالى ألا نكفر بالله إذا رأيتم الكفر قد انتشر في بلد فهي مقدمات البوار أليس نحن أحيانًا نقول هذا شيء بار أو بالي؟ معنى ذلك هذا انتهى هذا شيء انتهى، الأمة البلد القرية المكان الذي يصير فيه الكفر وليس هناك من ينكر هذا الكفر هذا والعياذ بالله مقدمات البوار، ولذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
“إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه قبل أن يموتوا”
بل قال بعض أهل العلم كثير من الأمراض التي انتشرت في هذا الزمان وما عدنا نعرف من أين جاءت وكل مرة انظروا ليست متباعدة اسم جديد مرض جديد ما كان يطرق سمعنا قبل ثم الدنيا تستنفر لهذه الأمراض من أين جاءت؟ قالوا هذا بسبب كثرة انتشار المنكر وسبب ترك إنكار المنكر الحمد لله سيبقى بقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم تنصر الدين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر تناوىء عن الدين تحذر من أهل البدع والضالين وهؤلاء هم الفرقة الناجية ولكن هؤلاء غرباء في زمانهم لذلك ليعلم هذا الذي يثبت على الحق، والحمد لله أننا على الحق ليعلم أنه سيلقى معارضات كثيرة وسيتعرض لابتلاءات كثيرة وسيحارب حتى من بعض أقرب الناس إليه وسيجد كثيرًا ممن يحاول إبعاده عن الثبات والمضي في هذا الطريق ولكن مت مسلمًا ولا تبالي
(جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ (29) )
﴿جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ وبئس المقر جهنم، كيف واحد تقول له أين ساكن؟ يصفه لك مكان كذا تقول له شو هالمكان الذي أنت ساكن فيه هذا مكان موحش هذه الصفات التي أنت تصفها هذا مكان موحش فكيف إذا واحد سيكون سكنه والعياذ بالله جهنم؟ إذا كان هذا هو المكان الذي سيستقر فيه داره ستكون جهنم؟ ﴿جهنم يصلونها وبئس القرار﴾، وماذا كان من حال هؤلاء الكفار؟
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ (30) ﴾
﴿وجعلوا لله أندادًا﴾ أمثالًا، الند المثل والله سبحانه وتعالى لا ند له لا مثل له، وهؤلاء المشركون جعلوا لله أندادًا أمثالًا في العبادة أو في التسمية فأطلقوا على بعض أصنامهم أسماء هي خاصة بالله وأطلقوا أوصافًا على أصنامهم وما أشركوا به في العبادة مع الله تعالى ما هو خاص بالله تعالى هذا من ناحية ثم أيضا في بعض الأشياء النعم التي كانوا يتقلبون فيها صاروا يقولون هذه لله وهذه لشركائنا الأصنام وعبدوا تلك الأصنام والأوثان مع الله والعياذ بالله
﴿وجعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله﴾ هذه لام كي، يعني ﴿جعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله﴾ لأجل أن يضلوا عن سبيله، أضل يُضِل وقل أنت ليَضِلوا عن سبيله ضل يَضِل أضل يُضِل، ﴿وجعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله﴾ وهذا من أسباب الإضلال
وهكذا المجسمة الذين يقولون بأن الله تعالى جسم ويقعد على العرش وينزل بذاته كل ليلة إلى السماء الدنيا ويقولون له أعضاء هؤلاء جعلوا لله تعالى أمثالًا كثيرة لا تحصى، ﴿وجعلوا لله أندادًا﴾ هؤلاء يُضِلون عن سبيل الله بقولهم ﴿ليضلوا عن سبيله﴾ ﴿قل تمتعوا﴾ في الدنيا، والمراد به الخذلان
﴿قل تمتعوا﴾ الصيغة صيغة الأمر أليس كذلك؟ لكن هذا للتهديد والوعيد، ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ ليس هذا معناه الأمر بالكفر وليس معناه التخيير بين الإيمان والكفر وليس معناه أنه لكم الحق والعياذ بالله أن تختاروا أن تكونوا مؤمنين أو تكونوا غير مؤمنين قد يأتي هذا صحيح فعل أمر لكن في مثل هذا المراد منه التهديد والوعيد، ﴿قل تمتعوا﴾ أكمل حتى يظهر المعنى ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾، وهناك في الكهف ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ أكمل ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها﴾ إذًا تهديد ووعيد وليس تخييرًا، ﴿قل تمتعوا﴾ وقال ذو النون رحمه الله التمتع أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته، ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾، وذكر بعضهم لطيفة فقال وجاء التعبير بقوله ﴿قل تمتعوا﴾ قال فإن كل ما يكون لهم من التمتع في هذه الدنيا ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾ غمسة واحدة في النار تنسي الواحد حلاوة الدنيا ولو كان أكثر أهل الدنيا تلذذًا وتمتعًا ومالًا، ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ مرجعكم إليها
(قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ (31))
﴿قل لعبادي الذين آمنوا﴾ خصهم بالإضافة إليه تشريفًا، أليس الله قال ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ ﴿وعباد الرحمن﴾، في المعراج لما عرج بالنبيّ عليه الصلاة والسلام فشُرِّف أنه عبد الله عبد الله فهذا تشريف
﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية﴾ ماذا نلاحظ هنا في هذه الآية كم وصف ذُكر هنا؟ ثلاثة الإيمان إقامة الصلاة الإنفاق، ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ في سورة البقرة ماذا ذُكر؟ الإيمان ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ بعدها لأهمية الصلاة يا شباب المسلمين يا أبناءنا يا إخوانا لأهمية الصلاة بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى والصلاة المفروضة أفضل العبادات البدنية الصلاة وقَدم ذكر الإيمان لماذا؟
لأن العمل الصالح لا يكون مقبولًا عند الله تعالى إلا بالإيمان، الحمد لله عندما نقول في أيام مباركة أي عمل أنت تقدمه أي حسنة مهما كنت تراها هذه قليلة قد يكون تبسمًا في وجه أخيك المسلم صدقة ولا ننسى الصدقة أيضًا في هذه الأيام تأتي مواسم الصدقات تقدم الصدقة لوجه الله تعالى الأضاحي تقدم الأضحية لوجه الله تعالى مع نعمة الإيمان يعظم هذا الثواب لذلك يقدَّم ذكر الإيمان، الإيمان بالله معناه الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى موجود بلا كيف ولا مكان
﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية﴾ انتصب على الحال أي سرًّا وعلانية ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين في بعض الأحيان قد تقع هذه الصدقة سرًّا في بعض الأحيان قد تكون علانية، لما وقف سيّدنا عثمان رضي الله عنه عندما جهز جيش العسرة وكان النبيّ عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك وقف على المنبر وحث الصحابة على الصدقة وكانت قافلة جاءت لسيّدنا عثمان فقام سيّدنا عثمان وقال يا رسول الله علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها علانية يشجع غيره يُخلص أحيانًا يحتاج أن يشجع الآخرين يحتاج أن يشجع الآخرين، إذًا ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين، إذًا هذا إذا انتصب على الحال أو على الظرف أي وقتَي سرٍّ وعلانية هذا وجه ثاني أو انتصبا على المصدر أي إنفاقَ سرٍّ وإنفاق علانية والمعنى قال بعضهم إخفاء التطوع وإعلان الواجب مثلًا الواجب كالزكاة المفروضة إن كانت وجبت عليه
﴿سرًّا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال﴾ يعني تصدقوا عباد الله أقيموا صلاتكم وابذلوا صدقاتكم، الآن باب الصدقة الآن إذا نزلت إلى قبرك مالك صار تركة السكر والأرز الذي كنت اشتريته مونة لبيتك صار تركة إن خلفت أولادًا دون البلوغ أيتام صاروا أيتام صار هذا مال أيتام لا يتصرف فيه إلا لمصلحة اليتيم ما عاد في وسعك الآن أن تتصدق ثيابك التي أنت تلبسها حتى الثياب كله الساعة النظارة الخاتم كل ما خلفته صار تركة لذلك ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ هذه الصدقة ولا تخشى من الفقر، ﴿مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ﴾ ما فيه مفاداة أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة وإنما يُنتفع فيه بالإنفاق لوجه تعالى
)ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ (32))
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾
﴿وأنزل من السماء ماءً﴾ من السحاب مطرًا
﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾، ﴿من الثمرات﴾ بيانٌ للرزق أي أخرج به رزقًا هو ثمرات
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ﴾ هلّا عددتم معي؟ هنا جاء ذكر عشرة أنواع من الشواهد والدلائل على وحدانية الله وقدرة الله عزَّ وجلّ ومناسبة ذلك أن المشركين لما اتخذوا أندادًا وشركاء لله سبحانه وتعالى فجحدوا وحدانية الله تعالى وكفروا بالله تعالى فكان التذكير لهم، كيف تتركون عبادة الله سبحانه وتعالى وتعبدون تلك الأصنام كيف تتركون عبادة الله الذي خلق السماوات والأرض هنا صار ذكر هذه الأصناف العشرة خلق السماوات وخلق الأرض وأنزل من السماء ماء ولكن قَدم ذكر السماوات على ذكر الماء لأن الماء إنما ينزل من السماء، ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ وقدم ذكر الأرض على ذكر الثمرات لأن الثمرات إنما تخرج من الأرض، إذًا ذكرنا خلق السماوات خلق الأرض أنزل من السماء ماءً هذا الماء
﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره﴾ السفن، هذه الثمرات قد يكون هناك ثمرات في مكة المكرمة شرفها الله أو في المدينة المنورة على ساكنها محمد أفضل الصلاة وأتم السلام في ثمرات نشتهيها يشتهيها الناس في بلاد بعيدة فكان هنا الإشارة إلى أمر التجارة ونقل تلك الثمرات بطريق الفلك فكان عندهم هذه السفن فتذهب هذه السفن فتنقل هذه البضائع تنقل هذه الثمار من أرض إلى أرض، ﴿وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار﴾ نحن نعدد في هذه الأصناف والأنواع العشرة
(وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ (33))
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ﴾ وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلماتِ وإصلاحهما ما يُصلحان من الأرض والأبدان والنبات، ﴿دائبين﴾ دائمين في السير في الإنارة
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ هذه تسعة يتعاقبان خِيفةً لمعاشكم وسباتكم، تقول هذا خيفة لفلان يعني هذا يعقُب فلان كما أن بعضًا قد يقول خيفة عن الأولاد تذكرون هذا، وخيفة هذا خيفة لهذا على معنى التعاقب وهكذا يتعاقب الليل والنهار هذه تسعة العاشرة من هذه الأنواع
(وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ (34) )
﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ ﴾ زيادة على كل ما ذُكر
﴿وآتاكم من﴾ من هنا ما هي؟ قالوا من للتبعيض؟ أي آتاكم بعضَ جميع ما سألتموه، سألتم أشياء كثيرة سألتم هذا وهذا وهذا فأخذتم بعض هذا وبعض هذا وبعض هذا وبعض هذا، أو آتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه يوجد أشياء لم تسألوها والله أعطاكم إياها، أو ما موصولة أي وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه إما باللسان أو طلبتموه بلسان الحال، وبعد تعداد هذا
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ الحمد لله، لا تطيقوا عدَّها وبلوغَ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله، ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ
﴿إن الإنسان﴾ المراد هنا بالإنسان الكافر وهذا هو الصواب وليس هنا محمولًا على الجنس ليس المراد بالإنسان الجنس هنا المراد بالإنسان الكافر
﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بظلم النعمة بإغفال شكرها
﴿كفار﴾ شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع هكذا في الشدة كيف تجد حاله؟ يشكو ويجزع كفّارٌ في النعمة يجمع ويمنع، ظلومٌ في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع إذا صار في النعمة جموع منوع وبالشدة يشكو ويجزع
(وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (35) )
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا﴾ ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ واذكر إذ قال إبراهيم عليه السلام :
﴿رب اجعل هذا البلد آمنًا﴾ أي البلد الحرام بلغنا الله مكة مكرمة
﴿رب اجعل هذا البلد﴾ أي البلد الحرام
﴿آمنًا﴾ ذا أمن، والفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها، في سورة البقرة ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا﴾ في سورة البقرة أما هنا في سورة إبراهيم قال ﴿رب اجعل هذا البلد﴾ أما هناك ﴿بلدًا آمنًا﴾ فما الفرق؟ قال هنا الفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها يعني في البقرة في سورة البقرة قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها ﴿رب اجعل هذا بلدًا آمنًا﴾ يعني من جملة البلدان التي يأمن أهلها وفي الثاني ما المراد في الثاني هنا؟ يعني الموضع الذي في سورة إبراهيم ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد﴾ أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن كأنه قال هو بلد مَخُوفٌ فاجعله آمِنًا، ﴿رب اجعل هذا البلد آمنًا﴾ وبعّدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها كما قال ﴿واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾
﴿واجعلنا مسلمين لك﴾ أي ثبتنا على الإسلام
﴿واجنبني وبني﴾ أراد بنيه من صلبه
﴿رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ من أن نعبد الأصنام وما هو الصنم؟ الصنم هو ما اتُّخذ ليعبد من دون الله، ثم فصّل بعض العلماء فقال فأما إن كان هذا منحوتًا مصوَّرًا يعني شيء مما هو له جثة فهذا يسمى صنمًا إذا اتخذ ليعبد من دون الله فإذا لم يكن منحوتًا مصورًا واتخد ليعبد من دون الله فيقال له وثن وبهذا فرق بعضهم ما بين معنى الصنم والوثن وذكر ربنا الأثير عن بعضهم قال وبعضهم قال هما بنفس المعنى،
﴿وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ﴾ من أن نعبد الأصنام
(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36))
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ﴾ جُعِلن مُضلات على طريق التسبيب لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي﴾ على ملتي وكان حنيفًا مسلمًا، ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ﴾ ( قد يقال أي هو بعضه لفرض اختصاصه به)
﴿وَمَنۡ عَصَانِي﴾ فيما دون الشرك
﴿فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36) ﴾ لأنه قال ﴿فإنك غفور رحيم﴾، ﴿ومن عصاني﴾ يعني فيما دون الشرك في المعاصي، أو قالوا ﴿ومن عصاني﴾ عصيان شركٍ، ﴿فإنك غفور رحيم﴾ إن تاب وآمن يعني قبل أن يموت
﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37) ﴾
﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾ بعض أولادي وهم إسماعيل ومن وُلِد منه، ﴿بواد﴾ هو وادي مكة
﴿غير ذي زرع﴾ وهذا من أسماء مكة لا يكون فيه شيء من زرع
﴿عند بيتك المحرم﴾ هو بيت الله، سمي به لأن الله تعالى حرم التعرضَ له والتهاون به وجعل ما حوله حرمًا لمكانه يعني لوجوده لأجله ما عليه من المسافة المحدودة جُعِل حرامًا، مكة المكرمة كلها حرم ولكن الحرم أوسع من مكة يزيد عن مكة إلى مسافة عشرين كيلو مترا في بعض النواحي، أو لأنه لم يزل مُمَنَّعًا يهابه كل جبار، أو لأنه لذلك تسميته محرم لأجل ذلك أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها
﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾ الله متعلق بماذا؟ بـ ﴿أسكنت﴾ أسكنتهم ربنا لماذا؟ ﴿ليقيموا الصلاة﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلَقَع، البلقع الخالي من كل شيء لا أناس ولا كلأ ولا ماء ولا ثمرات فيقال وادٍ بلقع، أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك
﴿فاجعل أفئدة من الناس﴾ أفئدةً من أفئدة الناس قالوا ولذلك ﴿من﴾ هنا للتبعيض، ﴿أفئدة من الناس﴾ ما قال أفئدة الناس؟ ﴿أفئدة من الناس﴾ يعني بعضًا من الأفئدة إن شاء الله تكون أفئدتنا من هذه الأفئدة التي تعلقت وهوت مكة والمدينة، لما رُوي المجاهد لو قال أفئدةَ الناس لزاحمتكم عليها فارس والروم والترك والهند لو قال أفئدة الناس فماذا قال؟ ﴿أفئدة من الناس﴾؟
زُر من هويتَ وإن شطت بك الدار*** أو حال من دونه حجُبٌ وأستار
(لا يمنعنك شيء من زيارته) صلى الله عليه وسلم
لا يمنعنك شيء من زيارته *** إن المُحِبَّ لمن يُحبُّ زَوّارُ
قلوب تتعلَّق بالعمرة والحج ومكة والمدينة وقلوب تتعلَّق بأشياء أخرى بمتاع الدنيا أي قلب قلبك؟ مكة المدينة الحرم الحج العُمرة الزيارة أم شيء آخر؟ ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ تُسرِع إليهم من البلاد الشاسعة وتصير نحوهم شوقًا
﴿وارزُقهم من الثمرات﴾ مع سُكناهم واديًا ما فيه شيء منها لأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة
﴿وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ يشكرون النعمة في أن يُرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء، مكَث إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة في فلسطين واستقرَّ بها وكانت سارة عقيمًا لا تلد وكان يُحزنُها أن ترى زوجها ليس له ولد وقيل كان قد بلغ من العمر ستًا وثمانين سنة سيّدنا إبراهيم وهي جاوزت السبعين ولم تُرزق الولد فوهبت سارة هاجر وأعطتها لزوجها إبراهيم عليه السلام فقبِل إبراهيم ذلك، صارت هاجر ملكَ يمين لإبراهيم عليه السلام لأنها كانت أمةً مملوكة ثم حملت هاجر بغلامٍ زكي هو سيّدنا إسماعيل عليه السلام الذي جاء من نسله سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ففرح إبراهيم عليه السلام بهذا المولود الجديد إسماعيل ثم أمره الله تعالى أن يأخذه وأمه إلى مكة ليعيشا فيها هناك فلما بلغ إبراهيم مع ابنه إسماعيل وأمه هاجر مكة وكانت هاجر ترضع ولدها إسماعيل وضعها إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عند دوحة الشجرة الكبيرة فوق زمزم في أعلى المسجد وكان مكانًا قفرًا خاليًا وليس بمكة يومئذ أحد ولا بنيان ولا عمران ولا ماء ولا كلأ أرض قفر تركهما هناك هاجر وإسماعيل الذي كان طفلًا رضيعًا، تركهما هناك وترك لهما كيسًا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم لما أراد إبراهيم عليه السلام العودة إلى بلاد فلسطين سيترك هاجر وإسماعيل في مكة وحدهما وقفّى راجعًا لحقته هاجر أم إسماعيل وهي تقول له يا إبراهيم أين تتركنا في هذا المكان الذي ليس فيه سمير ولا أنيس؟ وجعلت تقول له مرارًا تكرر عليه ثم قالت له آلله أمرك بهذا؟ قال نعم فقالت له بلسان اليقين وبالمنطق القويم إذًا لا يضيعنا ثم رجعت، ولما ابتعد إبراهيم عليه السلام عن ولده وأم إسماعيل هاجر قليلًا وقف عند الثنية والتفت جهة البيت ووقف يدعو الله تبارك وتعالى
﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾، مكثت هاجر أم إسماعيل مع ولدها إسماعيل حيث وضعهما إبراهيم عليه السلام وصارت ترضع ولدهما إسماعيل وتشرب من ذلك الماء الذي تركه لهما إبراهيم حتى إذا نفد ما في ذلك السقاء عطشت وعطش ابنها وجعل يبكي من شدة الجوع والعطش وجعلت هي تنظر إليه وهو يتلوى فأخذت تفتش عن الماء ووجدت الصفا أقرب جبل يليها فصعدت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم ترى أحدًا فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي وصارت تسعى المجهود حتى وصلت إلى جبل المروة فصعدت عليه ونظرت فلم تجد أحدًا فأخذت تذهب وتجيء بين الصفا والمروة سبع مرات فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت أغثنا إن كان عندك غواث والصوت كان من جبريل عليه السلام وهذا دليل على أنه يجوز الاستغاثة بالملائكة كما أنه يجوز الاستغاثة بالأنبياء قالت أغثنا إن كان عندك غواث فرأت ملكًا وهو جبريل عليه السلام يضرب بقدمه الأرض حتى تفجر الماء السلسبيل العذب وهو ماء زمزم، فجعلت أم إسماعيل تحوِّط الماء وتغرف منه بسقائها وهو يفور وجعل جبريل يقول لها لا تخاف الضياع فإن لله ها هنا بيتًا وأشار إلى أكمةٍ مرتفعة من الأرض يبنيه هذا الغلام وأبوه
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم
“رحم الله أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم كان يتفجر أكثر”، أو قال “لو لم تغرف من الماء”، هي صارت تحوطه، “لو لم تغرف من الماء لكان زمزم عينًا مَعينًا زمزم لما شرب له”
النظر بالعين إلى ماء زمزم شفاء للعين، من اللطائف كان أهل مكة يتواصون فيما بينهم يقولون إذا مت غسلوني بماء زمزم حتى إن المشايخ الذين يرقون الرقية الشرعية الصحيحة إذا أرادوا القراءة على الماء يقولون أقوى إن كانت القراءة على ماء زمزم للأسرار التي فيها، هاجر شربت من ماء زمزم وارتوت وأرضعت ولدها إسماعيل شاكرة لله الكريم اللطيف على عظيم فضله ورحمته وعنايته، وبدأت الطيور ترد الماء وتحوم حوله مرت قبيلة يقال لها قبيلة جرهم العربية فرأوا الطيور حائمة حول الماء فاستدلوا بذلك على وجود الماء فوصلوا إلى ماء زمزم واستأذنوا من أم إسماعيل أن يضربوا خيامهم حول ذلك المكان قريبًا منه فأذنت لهم واستأنست بوجودهم حولها ثم أخذ العمران يتكاثر ببركة هذا الماء المبارك الذي خلقه الله في ذلك المكان من هذه البقعة المباركة الطيبة وأصبحت مكة مأهولة بالسكان منذ ذلك الحين بعد أن كانت جرداء وقفرًا موحشًا، وشب إسماعيل عليه السلام بين قبيلة جرهم العربية وتعلم منهم العربية وترعرع بينهم ولما أعجبهم سيرته وخلُقُه زوّجوه، وكان سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن رجع إلى فلسطين يذهب كل مدة إلى مكة يتردد إليهم ويتفقدهم
(رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ (38) )
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ﴾ ﴿ربنا﴾ النداء المكرر دليل التضرع واللجوء إلى الله يصح أن نقول اللجىء واللجوء، ﴿ربنا إنك تعلم﴾ انظروا في دعاء الأنبياء التوحيد لله ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن﴾ تعلم السر كما تعلم العلن
﴿وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾
هذا من كلام الله عزَّ وجلّ تصديقًا لإبراهيم عليه السلام أو من كلام إبراهيم، ومن للاستغراق كأنه قيل وما يخفى على الله شيء ما، انظروا في هذا الدعاء تعليم التوحيد يا رب أنت تعلم ما نسر وما نعلن، اسمعوا هذا أخرج الأزرقي بإسناده إلى عبد الله بن أبي سليمان مولى بني مخزوم أنه قال طاف آدم سبعًا بالبيت، الآن هنا دعاء من أعظم ما يقال من الأدعية عند الملتزم الملتزم الذي هو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود، طاف آدم سبعًا بالبيت حين نزل ثم صلى وجاه الكعبة ركعتين ثم أتى الملتزم فقال هذا الدعاء :
)اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنوبي وتعلم حاجتي فأعطني سُؤلي اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي ورضًى بما قضيت علي(
فأوحى الله تعالى إليه يا آدم قد دعوتني بدعوات واستجيب لك ولن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت همومه وكففت عليه ضيعته ونزعت الفقر من قلبه وجعلت الغنى في عينيه وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها قال فمنذ طاف آدم كانت سُنّة الطواف
(ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) )
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ﴾ ﴿على﴾ بمعنى مع وهو في موضع الحال أي وهب لي وأنا كبير
﴿وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ﴾
ورُوي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة ورُوي أنه ولد إسماعيل لأربع وستين وإسحاق لتسعين وإنما ذَكر حال الكبر
﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر﴾ لأن المنةَ بهبة للولد فيها أعظم لأنها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم
﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) ﴾ مجيب الدعاء من قولك سمع المَلِك كلام فلان إذا تلقاه بالإجابة والقبول، ومنه سمع الله لمن حمده وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال رب هب لي من الصالحين فشكر الله ما أكرمه به من إجابته وإضافة السميع إلى الدعاء ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ من إضافة الصفة إلى مفعولها وأصله لسميعُ للدعاة، وقد ذكر سيبويه فعيل سميع على هذا الوزن في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك هذا رحيمٌ أباه
(رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (40) )
﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ﴾ وبعضَ ذريتي عطفًا على المنصوب في ﴿اجعلني﴾ وإنما بعّضَ لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذريته كفار
لذلك قال ﴿ومن ذريتي﴾، عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ﴾ أي استجب دعائي أو عبادتي
(رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) )
﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ﴾ هنا والدي أي آدم وحواء
﴿وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ﴾ أي يثبت أو أسند إلى الحساب قيامَ أهله إسنادًا مجازيًا مثل ﴿واسأل القرية﴾، ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل دعاءنا وأن يتقبل منا وأن يجعل أبناءنا من الصالحين.