بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ (48) وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ (50) لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ (51) هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ(52) ﴾
الحمد لله الذي جعل الأرض قرارا وأرسل السماء مدرارا وسخر ليلا ونهارا وقدر آجالا وأعمارا وخلق الخلق أطوارا وجعل لهم إرادة واختيارا وأوجد لهم تفكرا واعتبارا ورحمهم صغارا وكبارا وصلى الله على محمد السامي فخارا الذي رفع الله به من شريعته للأمة منارا وأطفأ برسالته للشرك نارا حتى على الإسلام مقدارا وعز جارا ودارا فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا مختارا صلى الله عليه وعلى آله الطيبين مهاجرين وأنصارا صلاة نواليها إعلانا وإسرارا ونرجو بها مغفرة ربنا إنه كان غفارا.
﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ (48)﴾
﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾
والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة وتبدل السماوات غير السماوات وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات إذا قلت هذا حصل فيه تبديل فقد يكون هذا التبديل في عينه في ذاته وقد يكون في صفاته، والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف كقولك بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل.
وكلامنا إذًا عن الأرض المبدلة التي سنجمع عليها جميعا وسيجتمع عليها الخلائق ما هو هذا التبديل واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عواجا ولا أمتا لا انخفاض وارتفاع ولا ترى فيها ربوة أو هضبة من الطين مرتفعة وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (هي تلك الأرض وإنما تغير وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا وقيل تخلق بدلها أرض وسماوات أخر).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة) وعن علي رضي الله : (عنه تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب).
فكلامنا إذًا عباد الله عن الأرض المبدلة عندما يخرج الناس من قبورهم عندما يساقون إلى أرض المحشر وأرض المحشر تكون بر الشام أرض الشام حدها من العريش إلى بالس من عريش مصر إلى بالس التي وراء الرقة هذه الأرض تبدل صفاتها لا تبقى كما هي في يومنا هذا تبدل صفات الأرض ولا تنعدم ذاتها قال أهل العلم يجمع الناس على تلك الأرض.
فلنمثل لأنفسنا نحن الآن في هذه الأرض إخواننا حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفات في أرض عرفات والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها هؤلاء يذكرون الله هؤلاء يلبون هؤلاء يدعون هؤلاء يحضرون في مجالس العلم في الوقت الذي كثير من الناس حتى في مثل هذا اليوم المبارك منشغلون في ملذاتهم وشهواتهم وأهوائهم هذه أرضنا لكن ماذا عندما نخرج جميعا من قبورنا ونساق إلى تلك الأرض ونهيئ أنفسنا للحساب نهيئ أنفسنا بسؤال الله سبحانه وتعالى لنا، حياتنا انقضت أعمارنا ذهبت على أي حال خرجنا من الدنيا يخرج قوم من الدنيا وقد أعتق الله تعالى رقابهم من النار شهر رمضان المبارك كم يكون فيه من رقبة يعتقها الله تعالى من النار ويوم عرفة، ويوم عرفة خير يوم تطلع عليه الشمس كم من رقبة يعتقها الله تعالى من النار في يوم عرفة كما قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة” نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عتقاء يوم عرفة.
ذلك الموقف أيها الإخوة موقف عظيم نحن نسكن هذه الأرض وكثير من الأحيان والمواقف ننسى أننا سنبقى على هذه الأرض، هل تظن أن دارك ستبقى دارك هل ستظن أن أرضك ستبقى أرضك هل تظن أن بنيانك يبقى لك هذه الأرض كلها ستنسف جبالها وتبدل صفاتها، فيما إذًا يا عباد الله التهافت عليها وإن كنا نوقن أننا إلى باطنها فماذا نفعل على ظاهرها وما حالنا اليوم وما حال المسلمين اليوم أما نذكر أرضا مبدلة سنساق إليها هل سنحمل معنا زادا من الدنيا؟ هل سنحمل معنا تمرا؟ أم زيتا؟ أم طعاما؟ أم ثيابا؟ أم أثاثا؟ ماذا سنحمل معنا؟ ثيابنا التي علينا؟ لن نخرج من هذه الدنيا وهي علينا عندما ننزل إلى قبرنا وإلى باطن الأرض ومن باطن الأرض إلى تلك الأرض المبدلة، كم ضيع اليوم من أبناء المسلمين من الفرائض كم من مضيع للصلاة يا عباد الله.
نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب، قولوها بإخلاص قال صلى الله عليه وسلم: “من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له ما تقدم من ذنبه وإن كان قد فر من الزحف” وإنا قد أثقلنا أنفسنا من الذنوب وأوزارها قد أثقلتنا ذنوبنا أثقلتنا أوزارنا لإن كانت أقدامنا قد حملتنا فما أثقل حملنا من الذنوب والأوزار.
قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: “من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة” أي بكل مؤمن من زمن آدم عليه الصلاة والسلام إلى زمننا هذا كم عدد المؤمنين والمؤمنات من زمن آدم إلى زماننا هذا؟ فإن استغفرت للمؤمنين والمؤمنات كتب الله لك بكل مؤمن ومؤمنة حسنة.
ونحن لا نزال على هذه الأرض قبل أن نرحل عنها وقبل أن ننزل إلى باطنها وقبل أن نصير في قبورنا وقبل أن نحشر إلى الأرض المبدلة الآن نوقع في قلوبنا نستحضر في قلوبنا نعقد قلوبنا نعزم على أداء جميع الواجبات واجتناب جميع المحرمات إلى أن نموت نعقد هذا في قلوبنا تقول في قلبك أنوي لله تعالى أداء الواجبات واجتناب المحرمات ما أحياني الله سبحانه وتعالى.
﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ (48)﴾
وما هو هذا البروز وخرجوا من قبورهم وتقدم في هذه السورة الكريمة ما يكون في القبر من سؤال الملكين وما يكون من عذاب القبر وما يكون كذلك من نعيم القبر وبعد ذلك ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ خرجوا من قبورهم وهو كقوله ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ ملك ينادي وقد جمع الناس في الأرض المبدلة إن ربكم يقول لمن الملك اليوم ثم يجيب ملك مبلغا عن الله إن ربكم يقول لله الواحد القهار هذا الذي ورد أما ما هو مروي في بعض الكتب ثم يجيب الله نفسه بنفسه فهذا غير ثابت ولا يصح لماذا؟ لأن صفات الله سبحانه وتعالى أزلية أبدية ليس فيها سابق ومسبوق ليس فيها متقدم ومتأخر، الله تعالى أزلي أبدي وصفات الله أزلية أبدية الله تعالى متصف بصفة الكلام وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس حرفا وليس صوتا فكيف يقال ثم يجيب نفسه بنفسه، وكلامه سبحانه وتعالى أزلي أبدي.
في ذلك اليوم لا ملك إلا مالك الملك رب العالمين أما الملوك ذهب ملكهم وذهبت أملاكهم فلا جند ولا ملك ولا قصور ولا دور الجميع يجتمع، يا إخوة من يسر الله له الحج إلى بيت الله الحرام وأسأل الله أن ييسر لنا جميعا من حج منا من قبل ومن لم يحج أن يسر لنا حجا مبرورا تستشعر وأنت في مناسك الحج هذا الذي تسمعونه الآن عندما ترى الناس في صعيد عرفة ويجتمعون بملايين من حجاج بيت الله الحرام، ترى في هذا الجميع هذا المشهد المهيب الجميع، لا تميز لا تميز الرجل إحرامه في رأسه فلا شيء على رأسه ماذا يضعون الإزار والرداء فلا تميز، هذا ثوبه كذا وماذا يكون لون ثيابه في الغالب الإزار والرداء البياض وحدك ماذا تتذكر؟
تتذكر الكفن تتذكر كيف أن الناس الآن على اختلاف لغاتهم على اختلاف أجناسهم على اختلاف إمكانياتهم المالية سواء دفع ألفا للحج أو دفع عشرة آلاف وهذا يقف إلى جوار هذا وهذا يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك والذي إلى جواره والذي إلى جواره ثم تظن أن كل هؤلاء بنفس لسانك العربي فلما تكلمهم لا يعرف بما يجيبك ثم يرجع إلى التلبية فيلبي معك وتأتي عند الجمرات عند جمرة العقبة الله أكبر وكلهم العربي والأعجمي لباس واحد.
عندما نراجع حكم الحج نستشعر هذه المعاني لأن هذه المعاني تغيب عنا، أحيانا البعض يدخل إليه الشيطان يقول في نفسه انظر إلى ثيابي وانظر هذا ماذا يلبس كيف رائحتي وكيف رائحتك، يا أخي عندما تصير في القبر على حسب حالك رحل الفقير والغني من غير ثياب إلا هذه الأكفان وفي الحج وفي المناسك ليس هناك إلا هذا الإزار وهذا الرداء فيجتمعون هناك فيذكرون موسم الحج هذا الموسم العظيم الذي هو من شعائر الله يا أخوة الذي يكون صادقا صادق النية ويذهب ويحج يمسك نفسه عن المعاصي الكبيرة من أول إحرامه إلى أن ينفر من منى، صحيحا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإن مات وهو في النسك يبعث يوم القيامة ملبيا، مشاهد عظيمة و مهيبة.
أما حجاج بيت الله الحرام في يوم عرفة يلبون، يبدأ تكبيرهم مع رمي جمرة العقبة يستمرون بالتلبية من عرفات إلى مزدلفة فإذا أفضتم من عرفات إلى مزدلفة فاذكروا الله عند المشعر الحرام، يذهبون إلى مزدلفة والمشعر الحرام لا يزالون على التلبية، صبيحة يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر هناك يبدأون في منى برمي جمرة العقبة ثم ينحرون يذبحون ثم يحلقون ويقصرون ومع أول جمرة: الله أكبر، هذا الوقت الذي نحن هنا أيضاً نكون بدأنا بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد هذه المعاني ينبغي أن نستشعرها.
فمن أيام معلومات العشر منذ الحجة إلى أيام معدودات في أيام التشريق أيام طاعة، وتذكرنا هذه الأيام بموقف سنجتمع فيه جميعا الآن لا تُمكَّن من الحج إلا أن تأخذ ورقة حتى تدخل إلى المناسك وحتى تدخل إلى تلك الأرض، ولكن المبدلة سنساق لها جميعا بل ليس معنا كما كان هنا في الدنيا من يسمى مطوف هناك ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ الملائكة تسوقنا ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ لأن المُلك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره كان الأمر في غاية الشدة ولذلك ينبغي أن يكون لجوءنا إلى الله سبحانه وتعالى.
وإذا كان قد ذكر في هذه الآية الكريمة عن الأرض المبدلة إجمالا فانظروا في حال المجرمين والعياذ بالله، في أكثر من موضع في كتاب الله ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ من المجرمون هنا ؟ الكفار
﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ (49) ﴾
هؤلاء الكفار المجرمون الذين كان بعض الناس في الدنيا يقولون كلنا سواء يقولون لا فرق بين مؤمن وكافر لا يوجد فرق ﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَاد﴾ وترى المجرمين الكافرين يومئذ متى؟ يوم القيامة كيف يكون حالهم في تلك الأرض؟
﴿مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَاد﴾ قرن بعضهم مع بعض، فتجد هذا من سيكون معه؟ يعني مع فرعون؟ مع أبي جهل؟ مع أبي لهب؟ مع قارون؟ الكفار مقرنون أنت أين تحب أن تكون؟ كلنا نحب أن نكون مع محمد عليه الصلاة والسلام لذلك نحن نحب محمد صلى الله عليه وسلم ونسأل الله شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ونسأل الله بجاه محمد صلى الله عليه وسلم وبحق محمد صلى الله عليه وسلم بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أن نكون معه في الجنة.
لما ذاك الرجل ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه كان قد أسدى معروفا خدمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي يحب أن يكافئ عليه الصلاة والسلام فقال له “سل” يريد أن يكافئه عليه الصلاة والسلام قال: “سل” قال: أسألك مرافقتك في الجنة قال: “أوَ غير ذلك” وفي رواية “أوْ غير ذلك قال: هو ذاك يا رسول الله.
ماذا يطلب ربيعة؟ يطلب مرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة قال صلى الله عليه وسلم: “فأعني على نفسك بكثرة السجود” بكثرة الصلاة ومن أراد أن يكون مرافقا لمحمد صلى الله عليه وسلم فليتعلم ما علم محمد عليه الصلاة والسلام فليتعلم علم الدين، من أراد مرافقة محمد صلى الله عليه وسلم فلينصر دين محمد، فلينصر أهل السنة والجماعة فليدافع عن دين الله فلينصر هذا الدين فليحذر من أهل البدع هذا يقربنا منزلة من محمد عليه الصلاة والسلام.
كم من قلب مكلوم مجروح يشتعل حريق قلبه نارا شديدة وكن كالقطران قد أذيب فيه النار شوقا لزيارة محمد عليه الصلاة والسلام وما زار محمد عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا لأنه لا يجد مالاً أو لا يجد سعة أو استطاعة لذلك ولكن قد يكون هذا لأنه ممن يدافع عن دين الله وينصر دين الله يعلم علم أهل السنة والجماعة يؤيد هذا الدين يؤيد هذه الدعوة يكون أقرب إلى محمد صلى الله عليه وسلم من كثير مِن مَن زاره عليه الصلاة والسلام مئات من المرات ومن أين هذا؟
اسمعوا ما قاله عليه الصلاة والسلام: “إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا” وهل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عزٌ إلا بمحمد؟ وهل لنا عظيم قدوة إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فما هذا الذي دخل إلينا إذًا؟ ما هذه الثياب الغريبة البعيدة عن لباس محمد صلى الله عليه وسلم صارت في بلاد المسلمين؟ ما بال ألسنتهم تلهج بما هو بعيد عن الذي كان من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة؟ ما هذا الذي دخل إلى قلوب وأبناء المسلمين اليوم من التكالب على الدنيا؟ من الضعف في طلب العلم؟ من ضعف الهمة في تحصيل علم الشريعة الإسلامية؟ أي حال دخل بلاد المسلمين؟ أي حال نحن الآن فيه؟
تعد من يحضر في بعض مجالس العلم كنا في بعض الأيام عدد الأصابع والأسواق تكاد لا تجد فيها موطئ قدم والمساجد بيوت الله شبه خالية وتسمع الأصوات مرتفعة هلموا إلى بضاعتي، بضاعتي الأرخص بضاعتي الأجود وتكاد لا تسمع من يقف وينادي في الناس علموا الإيمان بالله عز وجل علموا معنى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم احفظوا كتاب الله تعلموا تفسير القرآن الكريم اقرأوا في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم تفقهوا في الدين فعندما صار البعد عن هذا مات قلوب أكثر الناس ورجعت هذه الأمة إلى حال صعب صار الذي يتكلم فيه بالحق غريبا صار الذي يقف ويعلم الناس معنى توحيد الله يُعلم أن الله تعالى موجود بلا مكان غريبا يا من تجدون في ذلك أمرا غريبا أنتم ما أدركتم ولكنكم أيضا ما تعلمتم ولا تتبعتم ولا سمعتم ماذا كان الإمام السجاد رضي الله عنه زين العابدين ينادي في الناس في أرض عرفة في زمن السلف الصالح؟
كان يمشي الإمام السجاد رضي الله عنه وينادي في الملأ والناس تردد خلفه “سبحانك أنت الله الذي لا يحويك مكان” يعلم تنزيه الله عن المكان و من أين أخذ هذا؟ أليس جده خير الجدود؟ أخذه عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَاد﴾ قرن بعضهم مع بعض إما هذا أو أعوذ بالله مع الشيطان يعني الأغلال في أيديهم، من يكون معهم؟ الشيطان هذا وجه ثاني، وجه ثالث أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين في الأصفاد، متعلق بمقرنين أي يقرنون في الأصفاد أو غير متعلق به والمعنى مقرنين مصفدين، وما هي الأصفاد؟ والأصفاد القيود أو الأغلال.
﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ (50) ﴾
﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ﴾
في الأرض المبدلة أغلال تقيد أيديهم وأرجلهم مع من مقرنين؟ مع الشيطان ومع بقية المجرمين، ثم ماذا يلبسون؟ سرابيلهم أي قمصهم من قطران، ما هو القطران؟
القطران هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى يهنأ به يعني تطلى به إذا كانت إبل جربى بالقطران، وفي القطران ثلاثة لغات، يقال: قَطْران ويقال قَطِران وقِطْران، تطلى بها الإبل إذا أصابها الجرب، أهل البادية يعلمون بالقطران ماذا يفعل هذا القطران إذا طليت به الإبل فيحرق الجرب بحدته وحره.
فتصير هذه في ذلك الوقت سرابيل لهم ومن شأنه أي هذا القطران أن يسرع فيه اشتعال النار وهو أسود اللون منتن الريح، فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لدع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم واللون الوَحِش ونتن الريح، على أن التفاوت أيضا بين القطرانين كالتفاوت بين النارين وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثم، هنا قطران لكن أين ذلك القطران من هذا القطران الله الله، سرابيلهم من قطران في قراءة (من قطر آن) على أنها كلمة واحدة هذا زيد عن يعقوب وما هو قطر آن؟ نحاس مذاب بلغ حره إناه، إناه يعني الغاية في شدة الحرارة قطر آن يعني بلغ هذا القطر هذا النحاس بلغ الشدة في الاشتعال والحر، إذًا هذا أيضا عن اللباس وزيادة
﴿وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ(50) ﴾
تعلوها الإشتعال وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر البدن كالقلب في باطنه ولذا قال ﴿تطلع على الأفئدة﴾ لذلك تلك النار في جهنم تطلع تصل فتحرق الفؤاد، تصل إلى الفؤاد لماذا؟ لأن تلك الأفئدة هي كانت موطن العقائد الفاسدة.
﴿ لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ (51) ﴾
﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ﴾
أن يفعل بالمجرمين ما يفعل ﴿ليجزي كل نفس﴾ مجرمة ﴿ما كسبت﴾ أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لكن تلك المجرمة بالعذاب والمطيعة بالثواب لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامه فهو سبحانه وتعالى الذي عاقب المجرمين على ذلك، فكذلك لا بد أن يكون لهذا الطائع من غير أن يكون شيء من ذلك واجبا على الله لأن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب فبعدله وإذا أثاب فبرحمته سبحانه وتعالى ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ فليس شيء يكون واجبا على الله سبحانه وتعالى لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المؤمنين بطاعتهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ(51) ﴾
يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر
﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ﴾
هذا: أي ما وصفه في قوله ﴿ولا تحسبن﴾ إلى قوله ﴿سريع الحساب﴾ هذا بلاغ للناس كفاية في التذكير والموعظة
﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾
بهذا البلاغ وهو معطوف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا
﴿وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾
لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد واسمعوا لهذه العبارة واحفظوها واجعلوها في الفؤاد لأن الخشية أمُّ الخير كله، الخشية يعني الخوف الخشية أمُّ الخير.
﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ(52) ﴾
ذو العقول، تفكروا في الحشر والمعاد وتذكروا حين تقوم الأشهاد إن في القيامة لحسرات وإن في الحشر لزفرات وإن عند الصراط لعثرات، حاسب نفسك في خلوتك وتفكر في انقراض مدتك واعمل في زمان فراغك لوقت شدتك وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك وانظر هل نفسك معك أو عليك لقد سعد من حاسبها وفاز والله من حاربها
لياليك تفنى والذنوب كثيرة*** وعمرك يبلى والزمان جديد
وتحسب أن النقص فيك زيادة *** وأنت على النقصان حين تزيد
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة على الأبرار برحمتك يا عزيز يا غفار سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا نستغفرك ونتوب إليك صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.