﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ(27)﴾
﴿بالقول الثابت﴾ ثبتنا الله تعالى عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله الثبات عليها في الدنيا بحفظها باعتقادها بعدم نقضها،
﴿وفي الآخرة﴾ في القبر وهذا الذي أخبر عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها نزلت في عذاب القبر، التثبيت عند السؤال الإجابة ربي الله، ديني الإسلام، نبيّي محمد عليه الصلاة والسلام، قد ذكرنا أن تلقين الميت المسلم مستحب بل ينقل الإمام النووي رحمه الله في المجموع الإجماع ليس فقط إجماع المذهب ليس إجماع الشافعية فقط الإجماع إجماع يعني شافعية ومالكية وحنفية وحنابلة يعني علماء المسلمين فمن شذ عنهم شذ إلى النار، ينقل الإجماع على استحباب تلقين الميت وقد ذكرنا أدلته قبل، تقف عند رأس الميت متى؟ بعد إهالة التراب من غير أن تتأخر هكذا علم النبيّ صلى الله عليه وسلم الحديث رواه الحافظ الطبراني ورواه الحافظ الضياء والحافظ ابن حجر وغيرهم الكثير ممن روى هذا الحديث تقف عند رأس الميت تقول يا عبد الله يا ابن أمة الله يا عبد الله يا ابن أمة الله يا عبد الله يا ابن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأنك قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.
من لقن هذا التلقين وهو الذي يقال له التلقين الخاص يستثنى من سؤال الملكين كما جاء في الحديث “يقول الملكان منكر ونكير أحدهما لصاحبه ما يقعدنا عند من لقن حجته”، الذي يستثنى من سؤال الملكين الصبي الذين مات دون البلوغ وشهيد المعركة والأنبياء وكذلك الذي لقن هذا التلقين وهذه تكون نعمة من الله سبحانه وتعالى إن هيأ لك يا أخي من يلقنك عندما توارى الثرى، كثير من الناس كشأنهم اليوم على استعجال حتى في دفن موتاهم، بسرعة ضعوا الميت في القبر أهيلوا التراب عليه إما إن كان في الشتاء يخشون البرد وفي الصيف الحرارة وهكذا يستعجلون يتركون ميتهم من غير تلقين لماذا؟ تريدون السُّنة هذه سنة النبيّ عليه الصلاة والسلام.
جاء في الحديث الذي رويته قبل عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا) الحديث، ثم كما قدمنا إذا وضع الميت في القبر فإن الروح ترد إلى الجسد وإذا ردت الروح إلى الجسد فعندها يرجع الإحساس يسمع ويرى ويعقل كما ذكرنا في حديث سيّدنا عمر رضي الله عنه: (قال أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟) قال “نعم كهيئتكم اليوم”، قال فبفيه الحجر، فيسمع قرع النعال يرى الملكين منكر ونكير يشعر بنعيم القبر إن كان من أهله أو بعذاب القبر والعياذ بالله إن كان من أصحابه، إلى متى يستمر هذا في القبر؟
هذا الذي ذكرناه في القبر سواء من نعيم أو من عذاب ليس شيئًا معنويًا فقط بل هو أيضًا حسي بعضهم شبهه قال كالرؤية المنامية لكن لا يحس بشيء هذا غير صحيح، الروح رجعت له فهو يسمع ويرى ويعقل وكل الأحاديث والأخبار التي جاءت مما روينا وسنروي إن شاء الله تعالى في هذا المجلس أيضًا إن شاء الله تدل على ذلك إلى متى يبقى هذا؟ إلى أن يبلى الجسد.
ابتداءًا يوجد أجساد لا تبلى، أجساد الأنبياء لا تبلى وكذلك أجساد شهداء المعركة لا تبلى وبعض الأولياء أجسادهم لا تبلى هؤلاء أجسادهم لا تبلى، أحد الصحابة من شهداء مؤتة بعد مئات من السنين فتح قبره وظهر جسده كما هو حتى إن بعضهم أخبرني قال لي حفروا في الأردن في مؤتة قبل نحو مئة سنة جاء سيل قال الناس رأوا بعض الأجساد كما هي قبل مئة سنة من الآن واحد من هؤلاء لما ظهر جسده كان يضع يده على جرحه حيث الضربة جاءت أصيب ووضع يده على جرحه قُبض روحه فيده كانت لا تزال على موضع الجرح فلما رفعوا يده تفجر الدم كأنه الآن هذه من علامات صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات النبوة وهذه من العلامات الدالة على أن ديننا الإسلام حق.
هؤلاء أجسادهم لا تبلى، بعض الأولياء أجسادهم تبلى، تبلى لكن ليس بلاها من أكل الدود ومن غير أن يشعروا بعذاب ومن غير أن يشعروا من انزعاج إنما يكون ذلك بسبب طول المكث في التراب مع العوامل التي تحصل من الحرارة والرطوبة والبرودة، لكن لا ينزعج هذا الصالح الذي بلي جسده، بعض الصالحين لا تبلى أجسادهم لكن من بلي جسده من هؤلاء لا يكون بسبب أكل الدود إنما هذا الجسد الذي يتحلل من التراب وهذا الذي نقوله ليس من أكل الدود، الدود لا يتسلط عليهم في قبورهم.
و الجسد إذا بلي تدرون ماذا يبقى منه؟ كل هذا الجسد يبقى منه قطعة عظمة صغيرة بقدر حبة خردلة ربع حبة سمسم هذا الذي يبقى من كل هذا الجسد هذه كل ما كان من العضلات واللحم والعظام كله هذا يذهب هذه القطعة لا تبلى هي التي تبقى لو كان من الذين تبلى أجسادهم تبقى هذه القطعة عجب الذنب يقال لها لو سُلِّط على عجب الذنب نار شديدة لا يبلى يبقى بإذن الله تعالى.
وقد ورد في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “منهُ خُلِق الإنسان وعليه يركب” هذا الذي في أول العمود الفقري يعني سائر العظام تركّب على هذا العظم الصغير، فإذا بلي الجسد ولم يبقى إلا عجب الذنب فأين تذهب روح المؤمن التقي؟
تذهب روح المؤمن التقي إلى الجنة تكون على شكل طائر يتنعم بين أشجار الجنة أما أرواح عصاة المسلمين من أهل الكبائر ماتوا بلا توبة فبعد بلى الجسد بعض تلك الأرواح تكون بين السماء والأرض وبعضها تكون في السماء الأولى أما الكفار والعياذ بالله فبعد بلى الجسد أرواحهم تنزل سجين، سجين مكان في الأرض السفلى في الأرض السابعة، الشهداء قلنا أرواحهم أول ما تقبض تصعد أرواحهم فورًا إلى الجنة ونزع روحهم يكون يسيرًا العلماء يقولون الذي يموت فجأة يكون خروج الروح يعني بالنسبة له لمن يموت فجأة كقرصة النحل قالوا الشهيد أقل من ذلك، كيف قرصة النحل هذا يكون شيء شيء خفيف.
في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه في مصنف عبد الرزاق والسيوطي رواها كذلك في الدر المنثور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ قال “نزلت في عذاب القبر” هذا تصريح من رسولنا صلى الله عليه وسلم لإثبات عذاب القبر فبعد ثبوت الخبر أيبقى لأحد أن يقول لا أقبل هذا الخبر إلا بعد النظر وأي نظر وقد ثبت الخبر عن سيّد البشر صلى الله عليه وسلم، بل لا يكون هذا بنظر يكون قصورًا في النظر بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا لأحد أن يقول، كأننا وصلنا إلى زمن تقول لبعضهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك لكن أنا أريد أن أفكر في الأمر، تفكر في ماذا تفكر في كلام النبيّ عليه الصلاة والسلام تريد أن تعرضه على فكرك حتى تصل بالنتيجة إنه هذا صحيح أو غير صحيح؟ بعد سماعك لكلام النبيّ عليه الصلاة والسلام إذا كان هناك فكر ينبغي أن يكون هذا الفكر بالاعتبار بالتأمل بالتدبر بالخشوع بمثل هذا لكن هذا الزمان الذي نحن الآن فيه، بعض أهل العلم من أكثر من ثلاثين سنة قال نحن قد وصلنا إلى الزمن الذي ورد فيه “يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل”، وصلنا إلى هذا صار كلام النبيّ عليه الصلاة والسلام عندهم محل مراجعة، ما كنا نسمع مثل هذا، هذه من مسائل وبلايا المعتزلة، ثم بعض سلكوا مسلكًا شيئا فشيئًا أخذوا من المعتزلة شئ ثم زادوا في أشياء صاروا يقولون نحن لا نأخذ إلا من القرآن ولا نأخذ من الحديث، والقرآن هذا هو القرآن ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول﴾ ومن يفسر ذلك؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم القرآن يأمرنا بأن نأخذ بكلام النبيّ عليه الصلاة والسلام.
إذًا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ قال “نزلت في عذاب القبر”، وفي رواية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال “المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾”، وفي رواية قال “﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ نزلت في عذاب القبر” “يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيّي محمد صلى الله عليه وسلم”، وعنه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة” اللهم اجعلنا من هؤلاء، “وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة”، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن المؤمن في قبره لفي روضةٍ خضراءَ ويُرحَب له قبره سبعون ذراعًا ويُنور له كالقمر ليلةَ البدر أتدرون فيمن أُنزلت هذه الآية ﴿فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ أتدرون ما المعيشة الضنكا؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا أتدرون ما التنين سبعون حية لكل حية سبع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة”، اللهم سلّمنا.
وعن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله تُبتَلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ رضي الله عنها إذا كانت سيدتنا عائشة تقول ذلك أفقه نساء العالمين أحب نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم إليه بعد خديجة تقول: كيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ انظروا ماذا أجاب صلى الله عليه وسلم قال ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾، هذا هو التثبيت الذي يكون من الله سبحانه وتعالى لمن شاء من عباده.
قال هانىء مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكي حتى يَبُلَّ لحيته، هذا عثمان الذي كان يختم القرآن الكريم في ركعة، إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتذكر القبر فتبكي؟ فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “القبر أولُ منزلٍ من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسرُ منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد”، قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ما رأيت منظرًا قطُّ إلا والقبر أفظعُ منه”.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كنا مع نبيّنا صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال يا أيها الناس “إن هذه الأمة تُبتَلى في قبرها فإذا الإنسان دُفن فتفرق عنه أصحابه جاءه ملكُ في يده مطراق”، مطرقة مرزبة، “فأقعده فقال له ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنًا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقال له صدقت ويفتح له باب إلى النار فيقال له هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إن آمنت به فإن الله أبدلك به هذا فيفتح له باب من الجنة فيريد أن ينهض إليه” فرح رأى هذا المنزل يريد أن ينهض إليه مستعجل إليه، “فيقال له اسكن ويفسح له في قبره وأما الكافر أو المنافق فيقال له ما تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون قولًا فقلته فيقال لا دريت ولا تليت ولا اهتديت”، معناه لم تهتد للإيمان في الدنيا ولأنك لم تهتد للإيمان في الدنيا فإنك لم تهتد في القبر إلى الجواب، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويقال هذا كان منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت بربك فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب من النار ثم يقمعه ذلك الملك قمعة بالمطراق فيسمعها خلق الله كلهم إلا الثقلين”، قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منا أحد يقوم على رأسه ملك في يده مطراق إلا ذَهَل عند ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾.
عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا دخل المؤمن قبره فأتاه ملكان فانزهراه فيقوم يكُبُّ كما يكُب النائم فيسألانه به من ربك وما دينك ومن نبيّك فيقول الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيّي”، اللهم أجر ذلك على ألسنتنا، فيقولان له صدقت فارفع رأسك فرفعتُ رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا ذاك منزل قلت دعاني أدخل منزل قالا إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت إليه. معناه لم يأت بعد أجلك.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا جنازة لاحظوا في كثرة الأحاديث كم يقولون شهدنا جنازة وكم نشهد نحن من الجنائز ولماذا قلوبنا تختلف علينا إلا من جملة أسباب ذلك لقلة ما نشهد من الجنائز ولقلة ما نزور القبور، قال شهدنا جنازة مع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إنه الآن يسمع خفق نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر”، أي قرون البقر، “وأصواتهما مثل الرعد فيُجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن كان نبيه فإن كان ممن يعبد الله قال كنتُ أعبد الله والنبيّ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالبينات والهدى” هكذا يقول، “وقد آمنا به واتبعناه فذلك قول الله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فيقال له على اليقين حييت وعليه مت وعليه تُبعث ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في الحفرة وإن كان من أهل الشك قال لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته فيقال له على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وثعابين لو نفخ أحدها على الدنيا ما أنبتت شيئًا تنهشه وتؤمر الأرض تُضَمُّ حتى تختلف أضلاعه”.
وفي الصحيحين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي أيوب قال خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما غابت الشمس فسمع صوتًا فقال “يهود تعذب في قبورها”، وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم”، في رواية قال “بلى”، يعني هو كبير لكن الناس لا تراه كبيرًا، “أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة”، قال أحدهم:
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها *** محاسنهم فيها (بَوَالٍ) دوائر
(بوال) يعني تبلى
تخلَّوا عن الدنيا وما جمعوا لها *** وضمتهم تحت التراب الحفائرُ
خَلَت دورهم منهم وأقوت عراصهُم *** وساقَتهم نحو المنايا المقادر
وأنت على الدنيا حريصٌ منافس *** أتدري أيَا مغرور فيم تخاطر
وإنّ امرَءًا يسعى لدنياه جاهدًا *** ويذهل (يزهد) عن أخراه لا شك خاسر
أقوت عراصهُم أخلت خلت أي الأماكن الخالية.
قال السيوطي في التثبيت إن القرآن الكريم أشار إلى عذاب القبر وقال:
أتى به القرآن بالإشارة *** ووافقت آياته الإنارة
وقال بعضهم إن الله تعالى أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وحيَين واجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما وهما الكتاب والحكمة والحكمة سنته عليه الصلاة والسلام، روى البخاري عن عائشة عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ “اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن عذاب النار وأعوذ بك من فتنة القبر وأعوذ بك من فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال”، بعض الناس فتنتهم في الغنى وبعضهم فتنتهم في فقد المال.
وقال الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إذا كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة”، قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: (في هذا الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد)، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر”، يعني التشهد الأخير بعد الصلاة على النبيّ قبل السلام هذا الدعاء، “فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال”.
قال مسلم أيضًا عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه قال لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا”، وروى مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر”، لكن خشية أن تتركوا التدافن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “إن الموتى ليعذبون في قبرهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم”.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت أتيت عائشة حين خَسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي فقلت ما للناس فأشارت بيدها إلى السماء وقالت سبحان الله فقلت: أية فأشارت أن نعم قالت: فقمت حتى تجلاني غَشي فجعلت أصب الماء فوق رأسي فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ثم قال: “ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ولقد أوحي إلي أنكم تُفتَنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة الدجال لا أدري أيتهما قالت أسماء، يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن فلا أدري أي ذلك قال أسماء فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحًا قد علمنا أن كنت لمؤمنًا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيتهما قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
وروى ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر”، من حافظ على قراءة سورة الملك كل ليلة لا يعذب في قبره يقرأها مرة واحدة ولو قرأها في الصلاة ولو قرأها في صلاة المغرب ولو قرأها في صلاة العشاء في الليل، الليل ما بين المغرب إلى الفجر من حافظ على قراءتها كل ليلة هذا بإذن الله تعالى لا يعذب في قبره.
روى أبو داود عن البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمّا يُلحَد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وقال “استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثة”، وقال “وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له يا هذا من ربك وما دنيك ومن نبيك قال ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم قال فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان وما يدريك، وهما يمتحنانه فيقول قرأت كتاب الله فآمنت وصدّقت فذلك قول الله عز رجل ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾” قال “فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة وألبسوه من الجنة فيأتيه من رَوحها وطيبها ويفتح له فيها مد بصره” قال “وإن الكافر”، فذكر موته، قال “وتعاد الروح في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ها ها”، هذه الكلمة يقولها المتحيّر “لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول ها ها لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول ها ها لا أدري”، أعوذ بالله، “فينادي منادٍ من هذا من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ثم يقيض له (قد يقال أعمى أبكم) معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابًا فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا ثم تعاد فيه الروح”.
لقد أخفى الله سبحانه وتعالى عنا عذاب القبر وفي ذلك حكم منها عدم إزعاج أهل الميت لأن أهل الميت لأن أهل الميت إذا سمعوا ميتهم يعذب فذلك يجلب الحزن لهم باستمرار وكذلك في إخفاء عذاب القبر إذا كان مسلمًا عاصيًا من أهل الكبائر سترٌ عليه حتى لا تكون فضيحة وكذلك في إخفاء عذاب القبر عدم شعور أهل الميت بالخجل لأن بعض الناس يقولون انظروا هذا أبوكم هذا أخوكم هذا ولدكم يعذب في قبره هذا ثم إن في ذلك ابتلاء للعباد حتى يعظم أجرهم عندما يؤمنون بالغيب بشيء غاب عن أعينهم ولكن أثبته نبيّهم صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه.
﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾، ثبتنا الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويفعل الله ما يشاء الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.