إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
لَا يَستَحِقُّ أَحَدٌ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (إيَّاكَ نَعْبُدُ) أَي نُوَحِّدُ وَنُطِيعُ طَاعَةً نَخضَعُ فِيهَا لَكَ، أَي نَخُصُّكَ بِالعِبَادَةِ وَهِيَ أَقصَى غَايَةِ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَلَا نَعبُدُ غَيرَكَ([1])، وَهُوَ تَعلِيمٌ، عَلَّمَ المُؤمِنِينَ مَاذَا يَقُولُونَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُم بِأَن يَذكُرُوا عُبُودِيَّتَهُم وَضَعفَهُم حَتَّى يُوَفِّقَهُم وَيُعِينَهُم.
بَيَانُ مَعنَى العِبَادَةِ عِندَ الفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ
العِبَادَةُ كَمَا عَرَّفَهَا عُلَمَاءُ اللُّغَةِ كَالسُّبكِيِّ: أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ([2]).اهـ وَقَالَ الرَّازِيُّ عِندَ شَرحِ قَولِهِ تَعَالَى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) ([3]): المَسأَلَةُ الأُولَى: ذَكَرنَا أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ التَّذَلُّلُ وَالخُضُوعُ لِلمَعبُودِ عَلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ([4]).اهـ وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: وَقَد قَالُوا: «العِبَادَةُ هِيَ أَقصَى غَايَةِ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ»، وَلِذَلِكَ لَا تُستَعمَلُ إِلَّا للهِ تَعَالَى([5]).اهـ وَقَالَ المُفَسِّرُ الخَازِنُ: فَقَولُ العَبدِ: إِيَّاكَ نَعبُدُ، مَعنَاهُ لَا أَعبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ، وَالعِبَادَةُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ مِنَ العَبدِ وَنِهَايَةُ التَّعظِيمِ لِلرَّبِّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ العَظِيمُ المُستَحِقُّ لِلعِبَادَةِ، وَلَا تُستَعمَلُ العِبَادَةُ إِلَّا فِي الخُضُوعِ للهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ مَولَى أَعظَمِ النِّعَمِ وَهِيَ إِيجَادُ العَبدِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ ثُمَّ هَدَاهُ إِلَى دِينِهِ، فَكَانَ العَبدُ حَقِيقًا بِالخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ([6]).اهـ وَقَالَ العَينِيُّ: قَولُهُ: «أَن تَعبُدُوا اللهَ» مِنَ العِبَادَةِ وَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ خُضُوعٍ وَتَذَلُّلٍ([7]).اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ عِندَ شَرحِ قَولِهِ ﷺ: «الإِسلَامُ أَن تَعبُدَ اللهَ لَا تُشرِكَ بِهِ شَيئًا»: أَمَّا العِبَادَةُ فَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ خُضُوعٍ، فَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ المُرَادُ بِالعِبَادَةِ هُنَا مَعرِفَةَ اللهِ تَعَالَى وَالإِقرَارَ بِوَحدَانِيَّتِهِ([8]).اهـ قَالَ الأَزهَرِيُّ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) : إِيَّاكَ نُطِيعُ الطَّاعَةَ الَّتِي نَخضَعُ مَعَهَا.اهـ وَقَالَ أَيضًا: وَمَعنَى العِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ([9]).اهـ وَقَالَ ابنُ مَنظُورٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ([10]): أَي نُطِيعُ الطَّاعَةَ الَّتِي يُخضَعُ مَعَهَا، وَقِيلَ: إِيَّاكَ نُوَحِّدُ، وَقَالَ: وَمَعنَى العِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ([11]).اهـ وَقَالَ الزَّبِيدِيُّ فِي قَولِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ([12]): “أَي نُطِيعُ الطَّاعَةَ الَّتِي يُخضَعُ مَعَهَا، وَقِيلَ: إِيَّاكَ نُوَحِّدُ، قَالَ: وَمَعنَى العِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ([13]).اهـ وَقَالَ الأَصفَهَانِيُّ: العُبُودِيَّةُ إِظهَارُ التَّذَلُّلِ، وَالعِبَادَةُ أَبلَغُ مِنهَا لِأَنَّهَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ وَلَا يَستَحِقُّهَا إِلَّا مَن لَهُ غَايَةُ الإِفضَالِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)اهـ([14])([15]).
قَصَصٌ تُبَيِّنُ انْقِطَاعَ الصَّالِحِينَ لِعِبَادَةِ اللهِ وَالتَّجَرُّدِ لَهَا([16])
قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَتَرَكَهَا وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَدَعَا بِمَا شَاءَ، فَتَعَجَّبْنَا، فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ نَاقَتَهُ فَقَالَ يَدْعُو رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَهِي أَدَّيْتُ أَمَانَتَكَ فَأَدِّ إِلَيَّ أَمَانَتِي؟ قَالَ الرَّاوِي: فَزِدْنَا تَعَجُّبًا، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَتِهِ وَسَلَّمَ النَّاقَةَ إِلَيْهِ. وَالأَمرُ أَنَّهُ لَمَّا حَفِظَ أَمَانَةَ اللهِ بِعِبَادَتِهِ سُبحَانَهُ حَفِظَ اللهُ أَمَانَتَهُ.اهـ
وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا لِانقِطَاعِهِ فِي العِبَادَةِ.اهـ
وَوَقَعَتِ الْآكِلَةُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى قَطْعِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةُ بِذَلِكَ الْقَطْعِ.اهـ
(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) أَي نَخُصُّكَ بِطَلَبِ المَعُونَةِ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا،وَيُفهَمُ مِن مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ هُوَ المُستَحِقُّ أَنْ يُتَذَللَ لَهُ نِهَايَةَ التَّذَلُّلِ وَهُوَ الَّذِي يُطلَبُ مِنهُ العَونُ عَلَى فِعلِ الخَيرِ وَدَوَامِ الهِدَايَةِ لِأَنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللهِ تَعَالَى.
الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيهَا الأَمرُ بِالِاستِعَانَةِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ
هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةَ أَنْ يَستَعِينَ العَبدُ بِخَالِقِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ أُمُورِهِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا وَهَذَا مَا أَرشَدَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدْ رَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ([17])».اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البَيهَقِيِّ: «فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ([18])».اهـ
مِنْ صُوَرِ الِاستِعَانَةِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ([19])
مَا أَعْظَمَ أَنْ يَسأَلَ العَبْدُ رَبَّهُ كُلَّ شَىءٍ يُرِيدُهُ مِنْ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَعَلَى هَذَا كَانَ نَبِيُّنَا المُصْطَفَى ﷺ وَالصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ([20])، فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ».اهـ وَكَانَ ﷺ يَقُوْلُ فِي خُطْبَتِهِ وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُوْلُوا: «الحَمْدُ للهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ».اهـ وَأَمَرَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَنْ لَا يَدَعَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُوْلَ: «اللهم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».اهـ وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ: «يَا رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ».اهـ وَفِي دُعَاءِ القُنُوتِ الَّذِي كَانَ يَدْعُوْ بِهِ عُمَرُ وَغَيْرُهُ: «اللهم إِنَّا نَسْتَعِينُكَ».اهـ وَيُقَالُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ لَمَّا ضَرَبَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ: «اللهم لَكَ الحَمْدُ وَإِلَيْكَ المُشْتَكَى، وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ وَبِكَ المُسْتَغَاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ([21])».اهـ
فَالعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَى الِاسْتَعَانَةِ بِاللهِ فِي فِعْلِ المَأمُوْرَاتِ، وَفِي تَرْكِ المَحْظُوْرَاتِ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى المَقْدُوْرَاتِ، كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِبَنِيهِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18) ([22]). وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمَّا قَالَ أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا. وَقَالَ مُوْسَى لِقَوْمِهِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ ([23])، وَقَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (112) ([24])، وَلَمَّا بَشَّرَ ﷺ عُثْمَانَ بِالجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ قَالَ: اللهُ المُسْتَعَانُ. وَلَمَّا دَخَلُوْا عَلَى عُثْمَانَ وَضَرَبُوْهُ جَعَلَ يَقُوْلُ وَالدِّمَاءُ تَسِيْلُ عَلَيْهِ: «لَا إلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، اللهم إِنِّي أَسْتَعِيذُ بِكَ عَلَيهِمْ وَأَسْتَعِيْنُكَ عَلَى جَمِيعِ أُمُورِي، وَأَسْأَلُكَ الصَّبْرَ عَلَى مَا ابْتَلَيْتَنِي».اهـ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ حِيْنَ لَقِيَ العَدُوَّ: «يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».اهـ قَالَ أَبُوْ طَلْحَةَ:«فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ».اهـ
وَالعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَى الِاستِعَانَةِ بِاللهِ فِي مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، كَمَا قَالَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِّ فِي وَصِيَّتِهِ لِابنِهِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ: إِنْ عَجَزْتَ فَاسْتَعِنْ بِمَوْلَايَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيرِ، اقْضِ عَنْهُ دَينَهُ فَيَقْضِيَهُ.اهـ
وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ خَطَبَها عَلَى المِنْبَرِ: أَلَا إِنَّ أَكْثَرَ العَرَبَ جَمَلٌ أَنِفٌ([25]) قَدْ أَخَذْتُ بِخِطَامِهِ([26])، أَلَا وَإِنِّي حَامِلُهُ عَلَى الْمَحَجَّةِ([27]) وَمُسْتَعِينٌ بِاللهِ عَلَيهِ.اهـ
وَكَذَلِكَ يَحتَاجُ العَبْدُ الِاستِعَانَةَ بِاللهِ عَلَى أَهْوَالِ المَوتِ.
يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا احْتَضَرَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَسْتَعِينُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَبَكَى عَامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى حَرِّ النَّهَارِ وَبَردِ القِيَامِ([28]) وَقَالَ: إِنِّي أَسْتَعِينُ بِاللهِ عَلَى مَصْرَعِي هَذَا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ: يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ يَرْجُوْ غَيْرَكَ! عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كَيْفَ يَسْتَعِينُ بِغَيرِكَ! وَكَتَبَ الحَسَنُ إِلَى عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ: لَا تَسْتَعِنْ بِغَيرِ اللهِ فَيَكِلْكَ اللهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَاسْتَعِنْ بِاللهِ فَإِنَّهُ خَيْرُ مُسْتَعَانٍ.اهـ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَكَمِ بنِ مُوسَى قَالَ: أَصْبَحْتُ يَومًا، فَقَالَتْ لِي المَرْأَةُ([29]): لَيْسَ عِندَنَا دَقِيقٌ وَلَا خُبزٌ! فَخَرَجْتُ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَقُلْتُ فِي الشَّارِعِ: “اللهم إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّه لَا دَقِيقَ لِي وَلَا خُبزَ وَلَا دَرَاهِمَ، فَأْتِنَا بِذَلِكَ”. فَلَقِيَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: خُبزًا تُرِيدُ أَوْ دَقِيقًا؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَحَدَهُمَا ثُمَّ مَشَيْتُ نَهَارِي أَجْمَعَ لَا أَقْدِرُ عَلَى شَىءٍ فَرَجَعْتُ فَقَدَّمَ أَهْلِي إِلَيَّ خُبْزًا، وَلَحْمًا وَاسِعًا، فَقُلْتُ: مِنْ أَينَ هَذَا لَكُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الَّذِي وَجَّهْتَ بِهِ، فَسَكَتُّ.اهـ
وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا فِي الطَّوَافِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنِّي فَقِيرٌ كَمَا تَرَى، وَصِبْيَتِي قَدْ عَرَوْا كَمَا تَرَى، وَنَاقَتِي قَدْ عَجِفَتْ([30]) كَمَا تَرَى، فَإِذَا بِصَوتٍ مِنْ خَلْفِهِ: يَا عَاصِمُ، يَا عَاصِمُ، اِلْحَقْ عَمَّكَ! فَقَدْ هَلَكَ بِالطَّائِفِ وَقَدْ خَلَّفَ أَلْفَ نَعْجَةٍ، وَثَلَاثَمِائَةِ نَاقَةٍ وَأَربَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَربَعَةَ عَبِيدٍ، وَثَلَاثَةَ أَسيَافٍ يَمَانِيَّةٍ، فَامْضِ فَخُذْهَا فَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا عَاصِمُ، إِنَّ الَّذِي دَعَوْتَ لَقَدْ كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ([31])، قَالَ: يَا هَذَا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَه تَعَالَى: وإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ ([32]).
وَرَوَى الشَّيخُ أَبُو الفَرَجِ فِي “تَارِيخِهِ الكَبِيرِ” بِإِسْنَادِهِ عَنِ الحَسَنِ بنِ سُفْيَانَ الفَسَوِيِّ الحَافِظِ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بِمِصْرَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَكْتُبُونَ الحَدِيثَ، فَاحْتَاجُوا فَبَاعُوا مَا مَعَهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَا يُبَاعُ، وَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جِيَاعًا لَا يَجِدُوْنَ شَيئًا يَكُونُ، وَأَصْبَحُوا فِي اليَومِ الرَّابِعِ وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى المَسْأَلَةِ([33]) لِشِدَّةِ الضَّرُوْرَةِ، فَاقْتَرَعُوا([34]) عَلَى مَنْ يَسْأَلُ لَهُمْ، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَى الحَسَنِ بنِ سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَحَيَّرْتُ وَدُهِشْتُ وَلَمْ تَسْمَحْ لِيْ نَفْسِي بِالمَسأَلَةِ، فَعَدَلْتُ إِلَى زَاوِيَةِ المَسْجِدِ أُصَلِّي رَكْعَتَينِ طَوِيلَتَينِ وَأَدْعُو اللهَ لِكَشْفِ الضُّرِّ وَسِيَاقَةِ الفَرَجِ([35])، فَلَمْ أَفَرُغْ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى دَخَلَ المَسجِدَ رَجُلٌ مَعَهُ خَادِمٌ فِي يَدِهِ مِنْدِيلٌ، فَقَالَ: مَنْ مِنْكُمُ الحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ؟ فَرَفَعْتُ رَأسِي مِنَ السُّجُودِ وَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: إِنَّ الأَمِيرَ ابنَ طُولُونَ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَالتَّحِيَّةَ، وَيَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ فِي الغَفْلَةِ عَنْ تَفَقُّدِ أَحْوَالِكُمْ وَالتَّقْصِيرِ الوَاقِعِ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِكُمْ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيكُمْ بِمَا يَكْفِي نَفَقَةَ الوَقْتِ، وَهُوَ زَائِرٌ لَكُمْ غَدًا وَمُعْتَذِرٌ إِلَيْكُمْ بِلَفْظِهِ، وَوَضَعَ بَينَ يَدَي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا وَسَأَلْنَاهُ عَنِ السَّبَبِ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ اليَومَ نَائِمًا فَرَأَى فَارِسًا فِي الهَوَاءِ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فَأَدْرِكِ الحَسَنَ بنَ سُفْيَانَ وَأَصحَابَهُ؛ فَإِنَّهُمْ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جِيَاعٌ فِي المَسجِدِ الفُلَانِيِّ! فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رِضْوَانُ صَاحِبُ الجَنَّةِ. قَالَ الحَسَنُ: فَشَكَرْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَصْلَحْنَا أَحْوَالَنَا وَسَافَرْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ مِصْرَ خَشْيَةَ أَنْ يَزُوْرَنَا الأَمِيرُ، فَيُطْلِعَ النَّاسَ عَلَى أَسْرَارِنَا فَيَكُوْنَ ذَلِكَ سَبَبَ ارْتِفَاعِ اسْمٍ، وَانْبِسَاطِ جَاهٍ، وَيَتَّصِلَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ([36]).اهـ
وَرَوَى ابنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ قَالَ: كُنْتُ مَحْبُوسًا فِي سِجْنِ الْحَجَّاجِ وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ([37])، فَبَاتَ فِي السِّجْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا أَسْمَاءَ، فِي أَيِّ شَيْءٍ حُبِسْتَ؟ قَالَ: جَاءَ الْعَرِيفُ فَتَبَرَّأَ مِنِّي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يُكْثِرُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ([38])، قَالَ: وَاللهِ، إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، إِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا السِّجْنَ، فَقُلْنَا: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا قِصَّتُكَ؟ وَمَا أَمْرُكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ مَا أَدْرِي، وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنِّي أُخِذْتُ فِي رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَيَا للهِ إِنَّهُ لَرَأْيٌ مَا رَأَيْتُهُ، وَلَا هَوَيْتُهُ، وَلَا أَحْبَبْتُهُ، وَلَا أَحْبَبْتُ أَهْلَهُ، يَا هَؤُلَاءِ ادْعُوا لِي بِوَضُوءٍ([39])، قَالَ: فَدَعَوْنَا لَهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقَالَ: اللهم إِنَّكَ تَعْلَمُ عَلَى إِسَاءَتِي وَظُلْمِي وَإِسْرَافِي أَنِّي لَمْ أَجْعَلْ لَكَ وَلَدًا، وَلَا نِدًّا، وَلَا صَاحِبَةً، وَلَا كُفُؤًا، فَإِنْ تُعَذِّبْ فعَبْدُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، اللهم إِنِّي أَسْأَلُكُ يَا مَنْ لَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لَا يُبَرِّمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ أَنْ تَجْعَلَ لِي فِي سَاعَتِي هَذِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَمِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ، وَمِنْ حَيْثُ أَعْلَمُ وَمِنْ حَيْثُ لَا أَعْلَمُ، وَمَنْ حَيْثُ أَرْجُو وَمِنْ حَيْثُ لَا أَرْجُو، وَخُذْ لِي بِقَلْبِ عَبْدِكَ الْحَجَّاجِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ، حَتَّى تُخْرِجَنِي فِي سَاعَتِي هَذِهِ، فَإِنَّ قَلْبَهُ وَنَاصِيَتَهُ فِي يَدِكَ، أَيْ رَبِّ، أَيْ رَبِّ، أَيْ رَبِّ، قَالَ: فَأَكْثَرَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إلهَ غَيْرُهُ، مَا قَطَعَ دُعَاءَهُ إِذْ ضُرِبَ بَابُ السِّجْنِ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ فَقَامَ صَاحِبُنَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، إِنْ تَكُنِ الْعَافِيَةُ فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ هَذَا الدُّعَاءَ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَجَمَعَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَبَلَغَنَا مِنْ غَدٍ أَنَّهُ خُلِّيَ عَنْهُ([40]).اهـ
مَا أَحْسَنَ الِاستِعَانَةَ بِاللهِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، وَلَا يُغْلِقُ بَابَهُ وَلَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ وَلَا يَخِيْبُ مَنْ رَجَاهُ، وَصَدَقَ أَبُو القَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ المَغْرِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ شَارِحُ السِّيْرَةِ حَيْثُ قَالَ([41]):
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ
أَنْتَ الْعَلِيْمُ بِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا
يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ
فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ
فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ
إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا
الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
وَتُفِيدُ الآيَةُ أَيضًا أَنَّهُ يُستَعَانُ بِاللهِ الِاستِعَانَةَ الخَاصَّةَ أَي أَنَّ اللهَ يَخلُقُ لِلعَبدِ مَا يَنفَعُهُ مِمَّا يَقُومُ عَلَيهِ أَمرُ المَعِيشَةِ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُ لَا يُستَعَانُ بِغَيرِ اللهِ مُطلَقَ الِاستِعَانَةِ([42]) بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «وَاللهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيهِ([43])».اهـ
قَالَ الرَّازِيُّ: إِيَّاكَ نَعبُدُ مَعنَاهُ لَا أَعبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ، فإنَّ العِبَادَةَ عِبَارَةٌ عَن نِهَايَةِ التَّعظِيمِ، وإِيَّاكَ نَعبُدُ يُفِيدُ الحَصرَ([44]).اهـ وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: إِنَّ مَن عَرَفَ فَوَائِدَ العِبَادَةِ طَابَ لَهُ الِاشتِغَالُ بِهَا، وَثَقُلَ عَلَيهِ الِاشتِغَالُ بِغَيرِهَا([45]).
لَطِيفَةٌ مُستَخْرَجَةٌ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
أَنْتَ أَيُّهَا القَارِئُ بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ الآيَةَ تُجَدِّدِ الإِخْلَاصَ للهِ بِقَوْلِكَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وَتُجَدِّدُ العَجْزَ وَالِاحتِيَاجَ وَالتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ وَالْقُوَّةِ بِقَوْلِكَ: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5))، وَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مَا تَيَسَّرَتْ طَاعَتُكَ إِلَّا بِإِعَانَتِهِ وَأَنَّ لَهُ المِنَّةَ إِذْ وَفَّقَكَ لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَجَعَلَكَ أَهْلًا لِمُنَاجَاتِهِ([46]).اهـ
مَوعِظَةٌ وَعِبْرَةٌ وَخَاتِمَةٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا تَأْكِيدٌ عَلَى العِبَادِ أَنَّهُمْ مُفْتَقِرُوْنَ إِلَى خَالِقِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الغَنِيُّ عَنْهُمْ وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَاللهُ تَعَالَى لَا يَتَشَرَّفُ بِشَىءٍ مِنْ مَخْلُوْقَاتِهِ، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ) ([47])، أَيِ الْتَجِئُوا إِلَيهِ سُبْحَانَهُ، اعْتَمِدُوا عَلَيهِ، ارْجِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ، اثْبُتُوا عَلَى طَرِيقِ التَّوبَةِ، إِيَّاكُمْ وَالمَعْصِيَةَ وَالذُّنُوبَ فَإِنَّهَا مُهْلِكَةٌ لِلْعَبْدِ، وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى هَذِهِ المَعَانِي السَّامِيَةِ وَخُصُوصًا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتِي اشْتَدَّ كَرْبُ المُسْلِمِينَ فِيهَا، فَنَقُوْلُ: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ) الْتَجِئُوْا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُوْنَ وَعِبَادُ اللهِ الصَّالِحُوْنَ فَرَفَعَ عَنْهُمُ البَلَاءَ.
اللهم إِنَّا نَلْتَجِئُ إِلَيْكَ لِتَرْفَعَ البَلَاءَ عَنْ أُمَّةِ الإِسْلَامِ فَقَدْ طَالَ وَكَثُرَتْ أَيَّامُهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا نُوْحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ فَنَجَّاهُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ سَخِرُوْا مِنْهُ وَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ وَأَغْرَقَهُمْ بِالطُّوْفَانِ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ الخَلِيلُ إِبْرَاهِيْمُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلِ فَأَنْقَذَهُ اللهُ مِنْ نَارِ النُّمْرُوْدِ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا يَعْقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَبَعْدَ أَنْ اشْتَدَّ كَرْبُهُ لِفِرَاقِ وَلَدِهِ يُوْسُفَ الصِّدِّيْقِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ فَرَدَّهُ اللهُ إِلَيْهِ وَرَدَّ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا يُوْسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الْبِئْرِ وَمِنْ مَكْرِ إِخْوَتِهِ وَمِنْ مَكْرِ امْرَأَةِ العَزِيزِ وَمِنْ مَكْرِ النِّسْوَةِ وَمَلَّكَهُ خَزَائِنَ الأَرْضِ وَرَدَّهُ لِأَبِيْهِ يَعْقُوْبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ أَيُّوْبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَشَفَاهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ غَيْرِ الْمُنَفِّرِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَرَدَّ لَهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَيْتَهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا يُوْنُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَنْقَذَهُ اللهُ مِنْ ظُلْمَةِ البَحْرِ وَظُلْمَةِ بَطْنِ الحُوتِ وَظُلْمَةِ اللَّيلِ وَرَدَّهُ إِلَى قَوْمِهِ وَهَدَاهُمْ أَجْمَعِيْنَ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا مُوْسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ وَهَدَاهُمْ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَحِزْبَهُ وَنَجَّى مُوْسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَالمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ اليَهُوْدِ المُعْتَدِيْنَ وَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ يَعْبُدُ رَبَّهُ مَعَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَمَا ذَهَبَ إِلَى الطَّائِفِ وَانْقَطَعَتْ بِهِ الأَسْبَابُ الأَرْضِيَّةُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِ المُشْرِكُوْنَ سُفَهَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ يَرْمُوْنَهُ بِالحِجَارَةِ فَقَالَ مُلْتَجِئًا إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «اللهم إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيْلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي».اهـ الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي الهِجْرَةِ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا». أَيْ حَافِظُنَا وَنَاصِرُنَا. الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالأَحْزَابِ وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ وَخَيْبَرٍ وَفِي تَبُوْكَ فَنَصَرَهُ اللهُ وَأَعْلَى كَلِمَتَهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ أَبُوْ بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَبَعْدَ أَنْ ارْتَدَّ أَكْثَرُ العَرَبِ وَمَنَعَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةَ فَنَصَرَ اللهُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّيْنِ رَحِمَهُ اللهُ فَنَصَرَهُ اللهُ، الْتَجِئُوْا إِلَى اللهِ كَمَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ المُظَفَّرُ قُطُزُ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَعْرَكَةِ عَيْنِ جَالُوتَ وَكَانَتْ أَغْلَبُ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ احْتُلَّتْ مِنَ التَّتَارِ المُعْتَدِينَ فَصَاحَ السُّلْطَانُ قُطُزُ صَيْحَتَهُ المَشْهُوْرَةَ فِي عَينِ جَالُوتَ قَائِلًا: وَاإِسْلَامَاهُ وَاإِسْلَامَاهُ وَاإِسْلَامَاهُ فَنَصَرَهُ اللهُ عَلَيهِمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، فَمَا خَابَ بَعْدَ كُلِّ هَذَا مَنِ اسْتَغَاثَ بِاللهِ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ وَصَفَاءِ القَلْبِ.
سَبَبُ تَقدِيمِ العِبَادَةِ عَلَى الِاستِعَانَةِ فِي الآيَةِ وَتَنَاسُبُهَا مَعَ الَّتِي بَعدَهَا
اعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْعُبُودِيَّةَ مَقَامٌ عَالٍ شَرِيفٌ، كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ فِي الْعِبَادَةِ فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِتْمَامِهَا، فَلَا تَمْنَعْنِي مِنْ إِتْمَامِهَا بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْمَرَضِ وَلَا بِقَلْبِ الدَّوَاعِي وَتَغَيُّرِهَا. كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ: يَا إِلَهِي إِنِّي أَتَيْتُ بِنَفْسِي إِلَّا أَنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِحْضَارِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ إِحْضَارُ الْقَلْبِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللهِ. فَقُدِّمَتِ العِبَادَةُ عَلَى الِاستِعَانَةِ لِأَنَّ العِبَادَةَ وَسِيلَةٌ لِقَبُولِ الحَاجَةِ، وَتَقدِيمُهَا أَقرَبُ إِلَى الإِجَابَةِ لِتَتَنَاوَلَ كُلَّ مُستَعَانٍ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ المُرَادُ الِاستِعَانَةَ بِهِ وَبِتَوفِيقِهِ عَلَى أَدَاءِ العِبَادَاتِ، وَيَكُونَ قَولُهُ: (اهْدِنَا)فِي الآيَةِ الَّتِي بَعدَهَا بَيَانًا لِلمَطلُوبِ مِنَ المَعُونَةِ، كَأَنَّهُ قِيلِ كَيفَ أُعِينُكُم فَقَالُوا: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُ
([1])تَهذِيبُ اللُّغَةِ، لِأَبِي مَنصُورٍ الأَزهَرِيِّ (ج2 ص138)، لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص273)، تَاجُ العَرُوسِ، لِمُحَمَّد مُرتَضَى الزَّبِيدِيِّ (ج8 ص331).
([2])فَتَاوَى السُّبكِيِّ، لِتَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ (ج1 ص7).
([4])التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج32 ص302).
([5]) مِرقَاةُ المَفَاتِيحِ شَرحُ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ، لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي (ج1 ص191).
([6])لُبَابُ التَّأوِيلِ فِي مَعَانِي التَّنزِيلِ، لِأَبِي الحَسَنِ الخَازِنِ (ج1 ص20).
([7])عُمدَةُ القَارِي شَرحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِبَدرِ الدِّينِ العِينِيِّ (ج1 ص281).
([8]) المِنهَاجُ شَرحُ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ، لِلإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ (ج1 ص129).
([9])تَهذِيبُ اللُّغَةِ، لِأَبِي مَنصُورٍ الأَزهَرِيِّ (ج2 ص138).
([10])[سُورَةُ الفَاتِحَةِ:5].
([11])لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص273).
([12])[سُورَةُ الفَاتِحَةِ:5].
([13]) تَاجُ العَرُوسِ، لِمُحَمَّد مُرتَضَى الزَّبِيدِيِّ (ج8 ص331).
([14]) [سُورَةُ الإِسرَاءِ:23].
([15]) المُفرَدَاتُ فِي غَرِيبِ القُرءَانِ، لِلرَّاغِبِ الأَصفَهَانِيِّ (ص542).
([16])ذَكَرتُهَا مُلَخَّصَةً مِنَ: التَّفسِيرِ الكَبِيرِ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص213).
([17]) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، لِأَبِي عِيْسَى التِّرْمِذِيِّ (ج6 ص201).
([18]) شُعَبُ الإِيْمَانِ، لِأَبِي بَكْرٍ البَيْهَقِيِّ (ج2 ص41).
([19]) أَذْكُرُهَا مُلَخَّصَةً وَمُرَتَّبَةً مِنْ كِتَابِ: نُورِ الِاقْتِبَاسِ فِي مِشْكَاةِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِابنِ عَبَّاسٍ، لِابنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (ج3 ص130-136). وَكِتَابِ: الفَرَجِ بَعدَ الشِّدَّةِ، لِابنِ أَبِي الدُّنْيَا القُرَشِيِّ (ص51).
([20]) وَلَيسَتْ صُورَةُ الِاستِعَانَةِ المَذكُورَةُ وَالأَقْوَالُ المَنْقُولَةُ عَلَى مَعْنَى تَحْرِيمِ الِاستِعَانَةِ بِغَيرِ اللهِ مُطْلَقًا إِنَّمَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الأَوْلَى الِاسْتِعَانَةُ بِاللهِ فِي كُلِّ حَالٍ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَسْتَعِينَ العَبْدُ بِغَيْرِ اللهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللهَ يَخْلُقُ لَهُ العَوْنَ بِمَا يَسْتَعِينُ بِهِ وَيَجْعَلُهُ سَبَبًا لِإِعَانَتِهِ.
([21]) مَعْنَى لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللهِ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبَزَّارُ. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: مَعنَى لَا حَولَ: لَا تَحوِيلَ لِلعَبدِ عَن مَعصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصمَةِ اللهِ وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلَّا بِتَوفِيقِ اللهِ، وَقِيلَ: مَعنَى لَا حَولَ: لَا حِيلَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ استِسلَامٍ وَتَفوِيضٍ وَأَنَّ العَبدَ لَا يَملِكُ مِن أَمرِهِ شَيئًا وَلَيسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلبِ خَيرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى.اهـ فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج13 ص340).
([23]) [سُورَةُ الأَعْرَافِ:128].
([24]) [سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ:112].
([25]) رَوَى ابنُ مَاجَهْ وَأَحمَدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ».اهـ قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الجَمَلُ الأَنِفُ: أَيِ الذَّلُولُ، وَقِيلَ: الجَمَلُ الأَنِفُ: الذَّلِيلُ الْمُؤَاتِي الَّذِي يَأنَفُ مِنَ الزَّجْرِ وَمِنَ الضَّرْبِ، ويُعطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ السَّيْرِ عَفْوًا سَهْلًا، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى زَجْرٍ وَلَا عِتَابٍ وَمَا لَزِمَهُ مِنْ حَقٍّ صَبَرَ عَلَيْهِ وَقَامَ بِهِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج9 ص13).
([26]) قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الخُطُمُ: جَمْعُ خِطامٍ، وَهُوَ الْحَبَلُ الَّذِي يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ. اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج12 ص186).
([27]) أَيْ عَلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. قَالَ الفَيُّومِيُّ: وَالْمَحَجَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَادَّةُ الطَّرِيقِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص121).
([28]) يَعنِي: صِيَامَ النَّهَارِ وَقِيَامَ اللَّيلِ.
([31]) أَيْ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَقُرْبُ اللهِ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى مَعْنَى الحِفْظِ وَالعِلْمِ وَالإِعَانَةِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ قُرْبَ مَكَانٍ وَجِهَةٍ.
([32]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:186].
([33]) أَيْ أَنْ يَسْأَلُوا النَّاسَ مَا يُطْعِمُوْنَهُمْ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَاجَةِ وَالجُوْعِ الَّذِي أَصَابَهُمْ.
([34]) أَيْ عَمِلُوا قُرْعَةً أَيُّهُمْ يَسْأَلُ النَّاسَ حَاجَتَهُمْ.
([35]) أَيْ أَنْ يَسُوْقَ لَنَا مَا يُفَرِّجُ بِهِ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقٍ.
([36]) وَمَا فِعْلُهُمْ هَذَا إِلَّا خَوْفَ الفِتْنَةِ وَخَوفَ أَنْ يَصِيرَ لَهُمْ سُمْعَةٌ بَينَ النَّاسِ، وَهُمْ بِهَذَا يَتَّهِمُوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَيَهْرُبُوْنَ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا.
([37]) وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
([38]) شَكَّ فِيهِ بَعْضُ جُنْدِ الحَجَّاجِ الظَّلَمَةِ مِنْ جَهْلِهِ وَظَنَّهُ مِنَ الخَوَارِجِ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ عِبَادَتِهِ، وَقَدْ عُرِفَ الخَوَارِجُ بِأَنَّهُمْ يُكْثِرُوْنَ مِنْ صُوْرَةِ العِبَادَةِ للهِ تَعَالَى وَيُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الجَهْلِ العَظِيمِ، وَكَانُوْا قَدِ انْتَشَرُوا فِي تِلْكَ الأَزْمَانِ.
([39]) أَيْ بِمَاءِ الوُضُوءِ.
([40]) الفَرَجُ بَعدَ الشِّدَّةِ، لِابنِ أَبِي الدُّنْيَا القُرَشِيِّ (ص51).
([41]) وَفَيَاتُ الأَعيَانِ وَأَنْبَاءُ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ، لِابنِ خِلِّكَان (ج3 ص143).
([42]) تَنبِيهٌ: لَيسَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) ، أَنَّهُ لَا يُتَوسَّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لَا، بَل إِنَّهُ ثَبَتَ فِي العَقلِ وَالنَّقلِ جَوَازُ ذَلِكَ مِن بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ، وَالأَخذُ بِالأَسبَابِ مَعَ اعتِقَادِ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ لَا يُعَارِضُ الدِّينَ وَلَا يَقدَحُ فِي التَّوحِيدِ وَهُوَ أَمرٌ جَائِزٌ مُجمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ، كَمَا قَالَ الفَقِيهُ المُجتَهِدُ عَلِيٌّ السُّبكِيُّ فِي كِتَابِهِ شِفَاءِ السَّقَامِ. فَالتَّوَسُّلُ هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ أَوِ اندِفَاعُ مَضَرَّةٍ مِن اللهِ بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ إِكرَامًا لِلمُتَوَسِّلِ بِهِ. فَالتَّوَسُّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ جَائِزٌ فِي حَالِ حَضرَتِهِم وَفِي حَالِ غَيبَتِهِم، وَمُنَادَاتُهُم جَائِزَةٌ فِي حَالِ غَيبَتِهِم وَفِي حَالِ حَضرَتِهِم كَمَا دَلَّت عَلَى ذَلِكَ الأَدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ. فَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَّمَ الأَعمَى أَن يَتَوَسَّلَ بِهِ فَتَوسَّلَ الأَعمَى الضَّرِيرُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ بَصَرَهُ. عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَقُولَ: «اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِتُقضَى لِي»، الرَّوضُ الدَّانِي عَلَى المُعجَمِ الصَّغِيرِ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج1 ص306)، المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج9 ص30)، وَأَلَّفَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ الكُتُبَ فِي الِاستِشفَاعِ وَالتَّوَسُّلِ نَذكُرُ مِنهَا:
- الوَفَا بِأَحْوَالِ المُصطَفَى لِابنِ الجَوزِيِّ، أَفرَدَ بَابًا حَولَ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبَابًا لِلِاستِشفَاءِ بِقَبرِهِ الشَّرِيفِ.
- وَشِفَاءُ السَّقَامِ لِتَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ حَيثُ تَعَرَّضَ لِمَسأَلَةِ التَّوَسُّلِ بِشَكلٍ تَحلِيلِيٍّ مُعتَبَرٍ.
3- وَمِصبَاحُ الظَّلَامِ فِي المُستَغِيثِينَ بِخَيرِ الأَنَامِ لِمُحَمَّدِ بنِ نُعمَانَ المَالِكِيِّ وَغَيرُهُم كَثِيرٌ.
وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَعدٍ قَالَ: “خَدِرَت رِجلُ ابنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اذكُر أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ.اهـ الأَدَبُ المُفرَدُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ (ص758)، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيبَتِهِ بِـ(يَا مُحَمَّدُ) جَائِزٌ. وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ شِعَارُ كَتِيبَتِهِ يَومَ اليَمَامَةِ “يَا مُحَمَّدَاهُ”.اهـ الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، لِعِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج2 ص217)، فَخَالِدٌ نَادَى بِذَلِكَ وَنَادَى بِنِدَائِهِ الجَيشُ فَهَل يَكُونُ هَذَا إِلَّا إِقرَارًا مِن هَذَا الجَيشِ الكَرِيمِ عَلَى تَصوِيبِ مَا أَمَرَ بِهِ خَالِدٌ وَقَد كَانَ فِي الجَيشِ مِنَ الحُفَّاظِ وَالعُلَمَاءِ وَالبَدرِيِّينَ وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ، فَقَولُهُ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) ، أَيِ الِاستِعَانَةَ الخَاصَّةَ فَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ أَي نَحنُ نَطلُبُ مِنكَ يَا رَبِّ أَن تَخلُقَ لَنَا العَونَ وَهَذَا لَا يَقدِرُ عَلَيهِ أَحَدٌ غَيرُكَ، فَالوَاحِدُ مِنَّا إِذَا استَعَانَ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لَا نَقُولُ عَنهُ إِنَّه أَشرَكَ.
وَاعلَم أَنَّهُ لَا دَلِيلَ حَقِيقِيٌّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ فِي حَالِ الغَيبَةِ أَو بَعدَ وَفَاتِهِم بِدَعوَى أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لِغَيرِ اللهِ، لِأَنَّهُ لَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ لِحَيٍّ أَو مَيِّتٍ، وَلَا مُجَرَّدُ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ، وَلَا مُجَرَّدُ قَصدِ قَبرِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ لِلتَّبَرُّكِ، وَلَا مُجَرَّدُ طَلَبِ مَا لَم تَجرِ بِهِ العَادَةُ بَينَ النَّاسِ، وَلَا مُجَرَّدُ صِيغَةِ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، أَي لَيسَ ذَلِكَ شِركًا، لِأَنَّهُ لَا يَنطَبِقُ عَلَيهِ تَعرِيفُ العِبَادَةِ عِندَ اللُّغَوِيِّينَ، لِأَنَّ العِبَادَةَ عِندَهُمُ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ أَيضًا مَا صَحَّ عَن أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «انطَلَقَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّن كَانَ قَبلَكُم حَتَّى آوَاهُمُ المبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانحَدَرَت صَخرَةٌ مِنَ الجَبلِ فَسَدَّت عَلَيهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنجِيكُم مِنَ الصَّخرَةِ إِلَّا أَن تَدعُوا اللهَ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعمَالِكُم، قَالَ رَجُلٌ مِنهُم: اللهم كَانَ لِي أَبَوانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنتُ لَا أَغبِقُ (أَي كُنتُ لَا أُقَدِّمُ فِي شُربِ المَاءِ) قَبلَهُمَا أَهلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى (أَي بَعُدَ) بِيَ طَلَبُ الشَّجَرِ يَومًا، فَلَم أُرِح عَلَيهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا (الغَبُوقُ: الطَّعَامُ الَّذِي يَكُونُ فِي النِّصفِ الأَخِيرِ مِنَ النَّهَارِ كَالَّذِي يُؤكَلُ العَصرَ)، فَوَجَدتُهُمَا نَائِمَينِ، فَكَرِهتُ أَن أُوقِظَهُمَا وَأَن أَغبِقَ قَبلَهُمَا أَهلًا أَو مَالًا، فَلَبِثتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدِي أَنتَظِرُ استِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجرُ وَالصِّبيَةُ يَتَضاغَونَ (يَصِيحُونَ مِنَ الجُوعِ، وَمَا كَانَ يَلْحَقُهُم بِذَلِكَ ضَرَرٌ وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَقصِيرٌ فِي النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ عَلَيهِ) عِندَ قَدَمَيَّ، فَاستَيقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللهم إِن كُنتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ (أَي ذَاتِكَ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ دُنيَوِيٍّ، وَنَقُولُ أَيضًا: عَمِلتُ كَذَا لِوَجهِ اللهِ أَي طَلَبًا لِلأَجرِ مِنَ اللهِ) فَفَرِّج عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ مِن هَذِهِ الصَّخرَة، فانفَرَجَت شَيئًا لا يَستَطيعُونَ الخُرُوجَ مِنهُ» الحَدِيثَ، فَإِذَا كَانَ التَّوَسُّلُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ جَائِزًا كَمَا فِي الحَدِيثِ السَّابِقِ الذِكرِ، فَكَيفَ لَا يَصِحُّ بِالذَّوَاتِ الفَاضِلَةِ كَذَوَاتِ الأَنبِيَاءِ كَمَا قَالَ الحَافِظُ السُّبكِيُّ وَالحَافِظُ الغُمَارِيُّ.
وَكَذَلِكَ لُيَعلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوَسُّلِ وَالِاسْتِغَاثَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُسْتَغِيثَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ تَعَالَى لَهُ الْعَوْنَ مُتَّخِذًا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَلِهَذَا فَالتَّوَسُّلُ قَدْ يُسَمَّى اسْتِغَاثَةً كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ. وَرِوَايَةُ أَنَسٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الِاسْتِشْفَاعِ وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيحِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِشْفَاعَ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْحَافِظُ السُّبْكِيُّ فِي شِفَاءِ السَّقَامِ: إِنَّ التَّوَسُّلَ وَالِاسْتِغَاثَةَ وَالتَّجَوُّهَ وَالتَّوَجُّهَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.اهـ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ المُتَوَسِّلُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَلَى مَعنَى: بِجَاهِهِ فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلاةِ فَقَالَ: “اللهم إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلا بَطَرًا وَلا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ”، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ»، رَوَاهُ أَحمَدُ وَحَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي تَخرِيجِ الأَذكَارِ.
وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاءُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، كَالرَّملِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَالسُّبكِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابنِ الحَاجِّ وَالقَاضِي عِيَاضٍ مِنَ المَالِكِيَّةِ، وَمِنَ الحَنَابِلَةِ نَصَّ عَلَيهِ المَردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي كِتَابِ الإِنصَافِتَحتَ عُنوَانِ “فَوَائِدُ” قَالَ مَا نَصُّهُ: وَمِنهَا (أَي وَمِنَ الفَوَائِدِ) يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ المَذهَبِ، وَقِيلَ يُستَحَبُّ، وَقَد قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلمَروَذِيِّ:يَتَوَسَّلُ – أَيِ الدَّاعِي عِندَ القَحطِ وَقِلَّةِ المَطَرِ أَوِ انقِطَاعِهِ – بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَائِهِ.اهـ وَفِي كِتَابِ إِتحَافِ السَّادَةِ المُتَّقِينَ بِشَرحِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَا نَصُّهُ: “وَكَانَ صَفوَانُ بنُ سُلَيمٍ المَدَنِيُّ أَبُو عَبدِ اللهِ، وَقِيلَ: أَبُو الحَارِثِ القُرَشِيُّ الزُهرِيُّ الفَقِيهُ العَابِدُ، وَأَبُوهُ سُلَيمٌ مَولَى حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُوَ يُستَسقَى بِحَدِيثِهِ وَيَنزِلُ القَطرُ مِنَ السَّمَاءِ بِذِكرِهِ، وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ ثِقَةٌ مِن خِيَارِ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، قَالَ الوَاقِدِيُّ وَغَيرُهُ: مَاتَ سَنَةَ اثنَتَينِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَنِ اثنَتَينِ وَسَبعِينَ سَنَةً.اهـ وَمِنَ الحَنَفِيَّةِ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي وَابنُ عَابِدِينَ وَغَيرُهُمْ.
وَعَلَى هَذَا فَالتَّوَسُّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعدَ وَفَاتِهِمْ يَجُوزُ وَهُوَ مِن بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ كَمَا أَنَّ اللهَ جَعَلَ الدَّوَاءَ سَبَبًا لِلشِّفَاءِ فَقَدْ جَعَلَ التَّوَسُّلَ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَمِن جُملَةِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ كَذَلِكَ وَالَّتِي لَا تُعَارِضُ الدِّينَ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَالتَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ زِيَادَةِ الْخَيْرِ، وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ بِذَاتِهِ وَمَا هُوَ مِنْهُ كَشَعَرِهِ الشَّرِيفِ -كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ شَعَرَهُ بَينَ الصَّحَابَةِ لِيَتَبَرَّكُوا بِهِ- وَبِمَا انْفَصَلَ عَنْهُ كَعَرَقِهِ ﷺ -كَمَا رَوَى مُسلِمٌ- وَبِمَا لَمَسَهُ وَلابَسَهُ وَحَلَّ فِيهِ كَقَمِيصِهِ -كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ- وَجُبَّتِهِ -كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ- فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَلا زَالَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى ذَلِكَ. وَجَوَازُ هَذَا الأَمْرِ يُعْرَفُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِقْرَارِهِ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسلِمٍ عَنْ بَعضِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِمَا لَامَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ مَا نَصُّهُ: “هَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا مَسَّهُ أَوْ لَبِسَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ فِيهِ سَبَبٌ، وَهَذَا نَحْوُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ شَعرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْطَاؤُهُ ﷺ حِقْوَةً لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ ﷺ وَتَمَسَّحُوا بِوَضُوئِهِ ﷺ وَدَلَّكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ ﷺ، وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيْهِ.اهـ نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ البَرَكَةِ يَجعَلُهَا فِيمَا شَاءَ وَفِيمَنْ شَاءَ مِنْ خَلقِهِ، وَلِهَذَا أَجَازَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ مِنْ بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ التَّبَرُّكَ بِقُبُورِ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ أَيضًا، فَقَدْ رَوَى الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ فِي تَارِيخِ بَغدَادَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ لَأَتَبَرَّكُ بِأَبِيْ حَنِيْفَةَ وَأَجِيْءُ إِلَىْ قَبْرِهِ فِيْ كُلِّ يَوْمٍ -يَعْنِيْ زَائِرًا- فَإِذَا عَرَضَتْ لِيْ حَاجَةٌ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَجِئْتُ إِلَىْ قَبْرِهِ وَسَأَلْتُ اللهَ تَعَالَىْ الْحَاجَةَ عِنْدَهُ فَمَا تَبْعُدُ عَنِّيْ حَتَّىْ تُقْضَىْ.اهـ
الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِتَقسِيمِ التَّوحِيدِ: لَقَدِ ابتَدَعَ بَعْضُ النَّاسِ تَقسِيمًا لِلتَّوحِيدِ بِنَاءً عَلَى هَوَاهُم، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ التَّوَصُّلَ إِلَى تَكفِيرِ المُسلِمِينَ المُتَوَسِّلِينَ وَالمُستَغِيثِينَ وَالمُتَبَرِّكِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَو غَيرِهِ حَيثُ قَالُوا: “إِنَّ الرُّسُلَ لَم يُبعَثُوا إِلَّا بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ إِفرَادُ اللهِ بِالعِبَادَةِ، وَأَمَّا تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ اعتِقَادُ أَنَّ اللهَ رَبُّ العَالَمِينَ المُتَصَرِّفُ فِي أُمُورِهِم فَلَم يُخَالِف فِيهِ أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ وَالمُسلِمِينَ بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ [سُورَةُ لُقمَانَ:25]”، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ رَدَّ عَلَيهِ العُلَمَاءُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ وَأَسهَبُوا فِي الرَّدِّ عَلَيهِ، وَتَقسِيمُهُم التَّوحِيدَ بِدعَةٌ بَاطِلَةٌ مُنكَرَةٌ لم يَرِد ذَلكَ في القُرءَانِ وَلا في الحَدِيثِ وَلا على لِسَانِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَو أَحَدِ العُلَمَاءِ المعتَبَرِينَ، إِنَّمَا هِي بِدعَةٌ تَفَرَّدَ بِها البَعْضُ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ. وَالدَّلِيلُ على فَسَادِ تَقسِيمِهِم هَذَا، أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إله إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»، وَلَم يَقُل الرَّسُولُ ﷺ: حَتَّى يُوَحِّدُوا تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا زَعَمُوا. وَهَذا الحديثُ مُتَواتِرٌ رَوَاهُ عَن رسولِ اللهِ ﷺ جَمعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنهم العَشَرَةُ المُبَشَّرُونَ بِالجَنَّةِ وَقَد أَورَدَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، فَفِيهِ جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ اعْتِرَافَ العَبْدِ بِتَفْرِيْدِ اللهِ بِالأُلُوْهِيَّةِ وَبِوَصْفِ رَسُوْلِ اللهِ بِالرِّسَالَةِ كَافِيًا لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذَا نَطَقَ الكَافِرُ بِهَذَا يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِيْمَانِهِ لِمَا بَدَا لَهُ ظَاهِرًا ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِن أُمُوْرِ الدِّيْنِ كَمَا رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الاعْتِقَادِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي سُؤَالِ القَبْرِ حَدِيْثَانِ، حَدِيْثٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَحَدِيْثٌ بِلَفْظِ: “اللهُ رَبِّي”، وَهَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ شَهَادَةٌ بِرُبُوْبِيَّةِ اللهِ. وَمُرَادُ المشبِّهَةِ النُّفَاةِ مِن هَذِه البِدعَةِ أَن يُكَفِّرُوا المسلِمَ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ إِذا تَوَسَّلَ بِالرَّسُولِ أَو بِوَلِيٍّ مِن الأَولِيَاءِ، فَهُم يَزعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَحَّدَ اللهَ تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
وَهَذِهِ الآيَةُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) لَا تَتَعَارَضُ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ [سُورَةُ البَقَرَةِ:45]، فَالِاستِعَانَةُ بِالمَخلُوقِ لَيسَت لِمُجَرَّدِهَا شِركًا وَخُرُوجًا عَنِ الدِّينِ، بَل يَجُوزُ أَن نَستَعِينَ بِبَعضِنَا البَعضِ.
([43]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الذِّكرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوبَةِ وَالِاستِغفَارِ – بَابُ فَضلِ الِاجتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ القُرآنِ وَعَلَى الذِّكرِ، رَقمُ الحَدِيثِ: (2699).
([44]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص208).
([45]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص213).
([46]) ذَكَرْتُهُ مُلَخَّصًا مِنْ: إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، لِلإِمَامِ الغَزَالِيِّ (ج1 ص168).