اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
(اهْدِنَا ([1]) الصِّرَاطَ) أَيِ الطَّرِيقَ، وَالمَعنَى ثَبِّتنَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَالمُرَادُ بِهِ طَرِيقُ الحَقِّ وَهُوَ([2]) مِلَّةُ الإِسلَامِ([3]) ، (الْمُسْتَقِيمَ (6)) أَيِ المِنهَاجَ الوَاضِحَ([4])، أَي أَكرِمنَا بِاستِدَامَةِ الهِدَايَةِ عَلَى الإِسلَامِ، أَو يَكُونُ المَعنَى اهدِنَا فِي المُستَقبَلِ كَمَا هَدَيتَنَا فِي الحَالِ، أَو أَرشِدنَا، أَو قَدِّمنَا إِلَيهِ، أَو وَفِّقنَا، أَوِ ارزُقنَا الهِدَايَةَ، وَكُلُّهَا أَقوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ([5])، وَالهُدَى بِضَمِّ الهَاءِ وَفَتحِ الدَّالِ: الرَّشَادُ وَالدِّلَالَةُ([6]).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)) : هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ العِبَادِ غَيْرَهُ. وأَصْلُ الصِّرَاطِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرِيقُ. وَالْمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ، وَقَد حمَلَهُ بَعضُهُم عَلَى طَرِيقِ أَهلِ التَّوَكُّلِ وَالِانكِسَارِ للهِ تَعَالَى([7]).
قِصَّةٌ وَعِبْرَةٌ
مَا خَابَ مَنْ سَلَكَ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ وَسَأَلَ بَارِئَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَيْهِ، فَدِينُ الإِسْلَامِ هُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ وَمَا وَافَقَ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ فَهُوَ صِرَاطٌ مُسْتَقِيْمٌ بِإِذْنِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ([8])، يُحْكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا شَيْخُ إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، قَالَ: لَا أَرَى لَكَ مَرْكِبًا، وَلَا زَادًا، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ! فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ لِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةً وَلَكِنَّكَ لَا تَرَاهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْتُ مَرْكِبَ الصَّبْرِ، وَإِذَا نَزَلَ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْتُ مَرْكِبَ الشُّكْرِ وَإِذَا نَزَلَ بِيَ الْقَضَاءُ رَكِبْتُ مَرْكِبَ الرِّضَا، وَإِذَا دَعَتْنِي النَّفْسُ إِلَى شَيْءٍ عَلِمْتُ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْعُمُرِ أَقَلُّ مِمَّا مَضَى، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: سِرْ بِإِذْنِ اللهِ فَأَنْتَ الرَّاكِبُ وَأَنَا الرَّاجِلُ([9]).اهـ
إِشَارَةٌ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
جَعَلَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ عِظَمَ الدُّعَاءِ وَجُمْلَتَهُ مَوْضُوعًا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، نِصْفُهَا فِيهِ مَجْمَعُ الثَّنَاءِ، وَنِصْفُهَا فِيهِ مَجْمَعُ الْحَاجَاتِ. وَالمُصَلِّي عِنْدَمَا يَقُوْلُ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)) فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يَسُوقُهُ إِلَى حِفْظِهِ وَيُفْضِي بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ.
الشَّيطَانُ يَسْعَى لِصَرْفِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ
إِنَّ إِبْلِيسَ وَأَعْوَانَهُ يُرِيدُوْنَ إِبْعَادَنَا عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَهُوَ يَأْمُرُ بِسُلُوكِ الطُّرُقِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الصِّرَاطِ وَشِمَالِهِ، وَيَصُدُّ عَنْ سُلُوكِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) ([10]). وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) ([11]). وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) ([12]).
فَهَنِيئًا لِمَنْ غَلَبَ الشَّيطَانَ وَثَبَتَ عَلَى الإِسْلَامِ فَفِيهِ نَجَاتُنَا مِنَ الخُلُودِ فِي النِّيرَانِ، وَيَا لَهُ مِنْ فَضْلٍ وَخَيرٍ عَظِيمٍ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّه قَالَ: رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ؛ رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا، وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي خَادِمٌ فَرَفَعَني مِنْ خَلْفِي بِيَدِهِ فَرَقَيْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ. فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي([13])، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ»([14]).اهـ
طَرِيقُ الإِسلَامِ هُوَ الطَّرِيقُ الوَسَطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ
قَالَ تَعَالَى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ([15])، أَيْ كَمَا هَدَيْنَاكُمْ إِلَيهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) خِيَارًا عُدُولًا، فَكَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ وَسَطَ الْأَرْضِ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، أَيْ جَعَلْنَاكُمْ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَفَوْقَ الْأُمَمِ. وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ أَحْمَدَ الْأَشْيَاءِ أَوْسَطُهَا. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ([16]) قَالَ: «عَدْلًا».
وَقَدْ قِيلَ: لَا تَذْهَبَنَّ فِي الْأُمُورِ فَرَطَا … لَا تَسْأَلَنَّ إِنْ سَأَلْتَ شَطَطَا … وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا وَسَطَا…
قَالَ القُرطُبِيُّ: وَلَمَّا كَانَ الوَسَطُ مُجَانِبًا لِلغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ كَانَ مَحْمُودًا، أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَمْ تَغْلُ غُلُوَّ النَّصَارَى فِي أَنْبِيَائِهِمْ، وَلَا قَصَّرُوا تَقْصِيرَ الْيَهُودِ فِي أَنْبِيَائِهِمْ([17]).اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَدِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ([18])، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ ([19])، وَقَالَ تَعَالَى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ([20])، وَهُوَ بَينَ الغُلُوِّ([21]) وَالتَّقصِيرِ وَبَينَ التَّشبِيهِ([22]) وَالتَّعطِيلِ([23]) وَبَيْنَ الجَبرِ([24]) وَالقَدَرِ([25]) وَبَينَ الأَمنِ([26]) وَالإِيَاسِ([27])، فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَنَحْنُ بُرَءَاءُ إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، وَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ وَيعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ([28]) وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ مِثْلِ الْمُشَبِّهَةِ([29]) وَالْمُعْتَزِلَةِ([30]) وَالْجَهْمِيَّة وَالْجَبْرِيَّةِ([31]) وَالْقَدَرِيَّةِ([32]) وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءٌ وَبِاللهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.اهـ
تَنَاسُبُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ مَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا
وَبَعدَ أَنْ ذُكِرَ الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَصَفَ اللهُ فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ الصِّرَاطَ بِأَنَّهُ: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أَي دِينَ الَّذِينَ أَكرَمتَهُم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمَلائِكَةِ وَهُوَ الإِسلَامُ.
([1]) وَليُعلَم أَنَّ الهِدَايَةَ علَى وَجهَينِ: أَحَدُهُمَا إِبَانَةُ الحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيهِ (أَيِ الأَمرُ بِهِ) وَنَصبُ الأَدِلَّةِ عَلَيهِ وَعَلَى هَذَا الوَجهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ للهِ تَعَالَى كَقَولِهِ تَعَالَى فِي رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي سُورَةِ الشُّورَى ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52))، [سُورَةُ الشُّورَى:52]، أَي إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ تَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ القَوِيمِ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّكَ تَخلُقُ الِاهتِدَاءَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ القَصَصِ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ )، [سُورَةُ القَصَصِ:56]، أَي لَا تَستَطِيعُ أَن تَخلُقَ الِاهتِدَاءَ فِي قَلبِ مَن أَحبَبتَ اهتِدَاءَهُ وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِى يَخلُقُ الِاهتِدَاءَ فِي قَلبِ مَن شَاءَ لَهُ الِاهتِدَاءَ فِي الأَزَلِ، وَجَاءَتِ الهِدَايَةُ أَيضًا عَلَى مَعنَى تَبيِينِ الحَقِّ وَالدِّلالَةِ عَلَيهِ فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَت (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ)، [سُورَةُ فُصِّلَت:17]، أَي بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لِثَمُودَ طَرِيقَ الهُدَى وَأَرسَلَ فِيهِم نَبِيَّ اللهِ صَالِحًا فَكَذَّبُوهُ وَاختَارُوا الضَّلالَ وَلَم يَقبَلُوا الإِيمَانَ فَأَمَرَ اللهُ سَيِّدَنَا جِبرِيلَ فَصَاحَ بِهِم فَهَلَكُوا وَالثَّانِي مِن مَعَانِى الهِدَايَةِ مَا يَكُونُ مِن جِهَةِ هِدَايَةِ اللهِ لِعِبَادِهِ عَلَى مَعنَى إِيجَادِ أَي خَلقِ الِاهتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِم كَقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ) أَي أَن يَجعَلَهُ مُهتَدِيًا (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ) وَيُزَيِّنهُ لَهُ (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) [سُورَةُ الأَنعَامِ:125]، وَالإِضلالُ هُوَ خَلقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهلِ الضَّلالِ فَمَن شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَكُونَ كَافِرًا يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ الإِيمَانِ فَيَضِيقُ صَدرُهُ عَنهُ وَيَنفِرُ قَلبُهُ عَن قَبُولِهِ فَالعِبَادُ مَخلُوقُونَ مُحتَاجُونَ مَقهُورُونَ فِي قَبضَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَحتَ سُلطَانِهِ، مَشِيئَتُهُم تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ لا غَالِبَةٌ لَهَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِنسَانِ وَغَيرِهَا (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ)، [سُورَةُ الإِنسَانِ:30]. وَمِنأَسمَاءِ اللهِ الهَادِي وَهُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَى مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ بِالهِدَايَةِ وَالسَّدَادِ، قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (25)) [سُورَةُ يُونُسَ:25]، وَقَالَ تَعَالَى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ )(26) [سُورَةُ البَقَرَةِ:26]، فَهَاتَانِ الآيَتَانِ دَلِيلٌ عَلَى بُطلَانِ قَولِ المُعتَزِلَةِ فِي نَفيِ تَقدِيرِ اللهِ تَعَالِى حَيثُ قَالُوا إِنَّ اللهَ شَاءَ الخَيرَ وَلَم يَشَأِ الشَّرَّ مِن أَعمَالِ العِبَادِ، وَفِي قَولِهِم إِنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ، وَفِي قَولِهِم: اللهُ خَلَقَ فِي العَبدِ الخَيرَ كَالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَشَاءَ الإِيمَانَ لِكُلِّ العِبَادِ وَلَم يَخلُقِ الشَّرَّ كَالكُفرِ وَالمَعصِيَةِ وَلَم يَشَأهُ مِنهُم، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الكُفرِ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يَهدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ، وَلَيسَ العَبدُ إِذَا أَرَادَ الهِدَايَةَ اللهُ يَهدِيهِ وَإِذَا أَرَادَ الضَّلَالَ اللهُ يُضِلُّهُ، فَمَن قَالَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ كَالمُعتَزِلَةِ وَمَن لَفَّ لَفَّهُم جَعَلَ مَشِيئَةَ اللهِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ العَبدِ وَجَعَلَ اللهَ مُنقَادًا لِخَلقِهِ، وَهَذَا ضَلَالٌ لَا يُشَكُّ بِبُطلِانِهِ.
([2]) أَيِ الطَّرِيقُ، وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص371).
([3]) أَمَرَ الشَّرْعُ الحَنِيفُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِسْلَامِ لِآخِرِ العُمُرِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَىْ: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99))، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)) ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ حِفظُ إِسلَامِهِ وَصَونُهُ عَمَّا يُفسِدُهُ وَيُبطِلُهُ وَيَقطَعُهُ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَالرِّدَّةُ وَهِيَ قَطعُ الإِسلَامِ، وَتَنقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: أَفعَالٍ وَأَقوَالٍ وَاعتِقَادَاتٍ كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَهلُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَغَيرُهُم، كَالنَّوَوِيِّ وَغَيرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابنِ عَابِدِينَ وَغَيرِهِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَمُحَمَّدٍ علِيش وَغَيرِهِ مِنَ المَالِكِيَّةِ، وَالبُهُوتِيِّ وَغَيرِهِ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَكُلٌّ مِنَ الأَقسَامِ الثَّلَاثَةِ كُفرٌ بِمُفرَدِهِ، فَالكُفرُ القَولِيُّ كُفرٌ وَلَو لَم يَقتَرِن بِهِ اعتِقَادٌ أَو فِعلٌ أَوِ انشِرَاحُ الصَّدرِ بِهِ، وَالكُفرُ الفِعلِيُّ كُفرٌ وَلَو لَم يَقتَرِن بِهِ قَولٌ أَوِ اعتِقَادٌ، وَالكُفرُ الِاعتِقَادِيُّ كُفرٌ وَلَو لَم يَقتَرِن بِهِ قَولٌ أَو فِعلٌ، وَسَوَاءٌ حَصَلَ هَذَا مِن جَاهِلٍ بِالحُكمِ أَو هَازِلٍ أَو غَضبَانَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) [سُورَةُ التَّوبَةِ:66-65]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكلَّمُ بِالكلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا يَهوِي بِهَا سَبعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ»، وَقَالَ الإِمَامُ المُجتَهِدُ المُفَسِّرُ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّ مِنَ المُسلِمِينَ مَن يَخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ مِن غَيرِ أَن يَقصِدَ الخُرُوجَ مِنهُ.اهـ وَقَالَ الحَافِظُ الكَبِيرُ أَبُو عَوَانَةَ الَّذِي عَمِلَ مُستَخرَجًا عَلَى مُسلِمٍ: وَفِيهِ أَنَّ مِنَ المُسلِمِينَ مَن يَخرُجُ مِنَ الدِّينِ مِن غَيرِ أَن يَقصِدَ الخُرُوجَ مِنهُ وَمِن غَيرِ أَن يَختَارَ دِينًا عَلَى دِينِ الإِسلَامِ.اهـ
وَقَالَ السَّيِّدُ البَكرِيُّ الدِّميَاطِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ: وَاعلَم أَنَّهُ يَجرِي عَلَى أَلسِنَةِ العَامَّةِ جُملَةٌ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ مِن غَيرِ أَن يَعلَمُوا أَنَّهَا كَذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَى أَهلِ العِلمِ أَن يُبَيِّنُوا لَهُم ذَلِكَ لعَلَّهُم يَجتَنِبُونَهُ إِذَا عَلِمُوهُ لِئَلَّا تَحبَطَ أَعمَالُهُم وَيَخلُدُوا فِي أَعظَمِ العَذَابِ وَأَشَدِّ العِقَابِ، وَمَعرِفَةُ ذَلِكَ أَمرٌ مُهِمٌّ جِدًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَن لَم يَعرِفِ الشَّرَّ يَقَع فِيهِ وَهُوَ لَا يَدرِي، وَكُلُّ شَرٍّ سَبَبُهُ الجَهلُ، وَكُلُّ خَيرٍ سَبَبُهُ العِلمُ، فَهُوَ النُّورُ المُبِينُ، وَالجَهلُ بِئسَ القَرِينُ.اهـ
وَيَقُولُ الحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الإِحْيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَقَد أَلَّفَ فِيهَا – أَيِ الرِّدَّةِ – غَيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِنَ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ رَسَائِلَ وَأَكثَرُوا فِي أَحكَامِهَا.اهـ
فَأَذكُرُ أَمثِلَةً منها تَحْذِيرًا وَتَنْبِيهًا عَلَيْهَا وَلَستُ فِي هَذَا أَدَّعِي الحَصرَ لِكَثرَتِهَا:
مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: قَالَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو بَكرٍ الحِصنِيُّ الشَّافِعِيُّ: “فَصلٌ فِي الرِّدَّةِ: وَفِي الشَّرعِ الرُّجُوعُ عَنِ الإِسلَامِ إِلَى الكُفرِ وَقَطعُ الإِسلَامِ، وَيَحصُلُ تَارَةً بِالقَولِ وَتَارَةً بِالفِعلِ وَتَارَةً بِالِاعتِقَادِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِن هَذِهِ الأَنوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ مَسَائِلُ لَا تَكَادُ تُحصَرُ، فَنَذكُرُ مِن كُلِّ نُبذَةٍ مَا يُعرَفُ بِهَا غَيرُهُ.
أَمَّا القَولُ: فَلَو سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنبِيَاءِ أَوِ استَخَفَّ بِهِ فَإِنَّهُ يَكفُرُ بِالإِجمَاعِ، وَلَو قَالَ لِمُسلِمٍ يَا كَافِرُ بِلَا تَأوِيلٍ كَفَرَ لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسلَامَ كُفرًا.
وَأَمَّا الكُفرُ بِالفِعلِ: فَكَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَالشَّمسِ وَالقَمَرِ وَإِلقَاءِ المُصحَفِ فِي القَاذُورَاتِ وَالسِّحرِ الَّذِي فِيهِ عِبَادَةُ الشَّمسِ، وَلَو فَعَلَ فِعلًا أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصدُرُ إِلَّا مِن كَافِرٍ وَإِن كَانَ مُصَرِّحًا بِالإِسلَامِ مَعَ فِعلِهِ.
وَأَمَّا الكُفرُ بِالِاعتِقَادِ: فَكَثِيرٌ جِدًّا، فَمَنِ اعتَقَدَ قِدَمَ العَالَمِ أَو حُدُوثَ الصَّانِعِ، أَوِ اعتَقَدَ نَفيَ مَا هُوَ ثَابِتٌ للهِ تَعَالَى بِالإِجمَاعِ، أَو أَثبَتَ مَا هُوَ مَنفِىٌّ عَنهُ بِالإِجمَاعِ كَالأَلوَانِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ كَانَ كَافِرًا، أَوِ استَحَلَّ مَا هُوَ حَرَامٌ بِالإِجمَاعِ، أَو حَرَّمَ حَلَالًا بِالإِجمَاعِ، أَوِ اعتَقَدَ وُجُوبَ مَا لَيسَ بِوَاجِبٍ كَفرَ، أَو نَفَى وُجُوبَ شَيءٍ مُجمَعٍ عَلَيهِ عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرَ، وَقَد جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِن شَرحِ المُهَذَّبِ بِتَكفِيرِ المُجَسِّمَةِ، قُلتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنهُ إِذ فِيهِ مُخَالَفَةُ صَرِيحِ القُرءَانِ، قَاتَلَ اللهُ المُجَسِّمَةَ وَالمُعَطِّلَةَ مَا أَجرَأَهُم عَلَى مُخَالَفَةِ مَن (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ) .اهـ بِتَصَرُّفٍ قَلِيلٍ وَتَوْضِيحٍ مِنْ كِفَايَةِ الأَخْيَارِ، لِتَقِيِ الدِّينِ الحِصْنِيِّ الشَّافِعِيِّ (ص495).
وَقَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبكِيُّ فِيْ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى مَا نَصُّهُ: وَلَا خِلَافَ عِندَ الأَشعَرِيِّ وَأَصحَابِهِ بَل وَسَائِرِ المُسلِمِينَ أَنَّ مَن تَلَفَّظَ بِالكُفرِ أَو فَعَلَ أَفعَالَ الكُفرِ أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللهِ العَظِيمِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ وَإِن عَرَفَ قَلبُهُ.اهـ وَقَالَ الإِمَامُ يَحيَى بنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ مَا نَصُّهُ: كِتَابُ الرِّدَّةِ: هِيَ قَطعُ الإِسلَامِ بِنِيَّةٍ أَو قَولِ كُفرٍ أَو فِعلٍ سَوَاءٌ قَالَهُ استِهزَاءً أَو عِنَادًا أَوِ اعتِقَادًا.اهـ
مِنَ المالِكِيَّةِ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ اليَحصُبِيُّ المَالِكِيُّ فِي الشِّفَا: مَن سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَو عَابَهُ أَو أَلحَقَ بِهِ نَقصًا فِي نَفسِهِ أَو نَسَبِهِ أَو دِينِهِ أَو خَصلَةٍ مِن خِصَالِهِ، أَو عَرَّضَ بِهِ أَو شَبَّهَهُ بِشَيءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أَوِ الإِزرَاءِ عَلَيهِ أَوِ التَّصغِيرِ لِشَأنِهِ أَوِ الغَضِّ مِنهُ وَالعَيبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ لَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سُحنُونَ: أَجمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ شَاتِمَ النَّبِيِّ ﷺ المُنتَقِصَ لَهُ كَافِرٌ، وَالوَعِيدُ جَارٍ عَلَيهِ بِعَذَابِ اللهِ لَهُ، وَمَن شَكَّ فِي كُفرِهِ وَعَذَابِهِ كَفَرَ.اهـ
وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو عَبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ علِيش المَالِكِيُّ مُفتِي الدِّيَارِ المِصرِيَّةِ الأَسبَقُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: وَسَوَاءٌ كَفَرَ بِقَولٍ صَرِيحٍ فِي الكُفرِ كَقَولِهِ: أَكفُرُ بِاللهِ أَو بِرَسُولِ اللهِ أَو بِالقُرءَانِ أَوِ الإِلَهُ اثنَانِ أَو ثَلَاثَةٌ، أَوِ المَسِيحُ ابنُ اللهِ، أَوِ العُزَيرُ ابنُ اللهِ، أَو بِلَفظٍ يَقتَضِيهِ أَي يَستَلزِمُ اللَّفظُ لِلكُفرِ استِلزَامًا بَيِّنًا كَجَحدِ مَشرُوعِيَّةِ شَيءٍ مُجمَعٍ عَلَيهِ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ يَستَلزِمُ تَكذِيبَ القُرءَانِ أَوِ الرَّسُولِ، وَكَاعتِقَادِ جِسمِيَّةِ اللهِ وَتَحَيُّزِهِ أَو بِفِعلٍ يَتَضَمَّنُهُ أَي يَستَلزِمُ الفِعلُ الكُفرَ استِلزَامًا بَيِّنًا كَإِلقَاءِ أَي رَميِ مُصحَفٍ بِشَيءٍ قَذِرٍ.اهـ
مِنَ الحَنَفِيَّةِ: قَالَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ الحَنَفِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا أَقسَامُ الكُفرِ فَهِيَ بِحَسَبِ الشَّرعِ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ تَرجِعُ جَمِيعُ أَنوَاعِ الكُفرِ إِلَيهَا وَهِيَ: التَّشبِيهُ، وَالتَّعطِيلُ، وَالتَّكذِيبُ، وَأَمَّا التَّشبِيهُ: فَهُوَ الِاعتِقَادُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، كَالَّذِينَ يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جِسمٌ فَوقَ العَرشِ، أَو يَعتَقِدُونَ أَنَّ لَهُ يَدَينِ بِمَعنَى الجَارِحَتَينِ، وَأَنَّ لَهُ الصُّورَةَ الفُلَانِيَّةَ أَو عَلَى الكَيفِيَّةِ الفُلَانِيَّةِ، أَو أَنَّهُ نُورٌ يَتَصَوَّرُهُ العَقلُ، أَو أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ (أَي سَاكِنُ السَّمَاءِ)، أَو فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ، أَو أَنَّهُ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ أَو فِي جَمِيعِ الأَمَاكِنِ، أَو أَنَّهُ مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، أَو أَنَّ لَهُ الحُلُولَ فِي شَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ أَو فِي جَمِيعِ الأَشيَاءِ، أَو أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ أَو فِي جَمِيعِ الأَشيَاءِ، أَو أَنَّ الأَشيَاءَ مُنحَلَّةٌ مِنهُ أَو شَيئًا مِنهَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ كُفرٌ صَرِيحٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَسَبَبُهُ الجَهلُ بِمَعرِفَةِ الأَمرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ.اهـ
مِنَ الحَنَابِلَةِ: قَالَ مُوَفَّقُ الدِّينِ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ بنِ قُدَامَةَ المَقدِسِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي المُغْنِي مَا نَصُّهُ: بَابُ حُكمِ المُرتَدِّ: وَهُوَ الَّذِي يَكفُرُ بَعدَ إِسلَامِهِ؛ فَمَنَ أَشرَكَ بِاللهِ أَو جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ أَو وَحدَانِيَّتَهُ أَو صِفَةً مِن صِفَاتِهِ أَوِ اتَّخَذَ للهِ صَاحِبَةً أَو وَلَدًا، أَو جَحَدَ نَبِيًّا أَو كِتَابًا مِن كُتُبِ اللهِ تَعَالَى أَو شَيئًا مِنهُ، أَو سَبَّ اللهَ تَعَالَى أَو رَسُولَهُ كَفَرَ.اهـ
وَليُعلَم أَنَّ الخَلَاصَ مِنَ الكُفرَ يَكُونَ بِتَركِ مَا صَدَرَ مِنهُ وَالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ لِلدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، قَالَ الدِّميَاطِيُّ فِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ: يَجِبُ عَلَيهِ (أَي عَلَى المُرتَدِّ) العَودُ فَورًا إِلَى دِينِ الإِسلَامِ، وَلَا يَحصُلُ إِلَّا بِالتَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ وَالإِقلَاعِ عَمَّا وَقَعَت بِهِ الرِّدَّةُ وَ(يَجِبُ عَلَيهِ لِيَسلَمَ مِنَ الإِثمِ) النَّدَمُ عَلَى كُلِّ مَا صَدَرَ مِنهُ وَالعَزمُ عَلَى أَن لَا يَعُودَ لِمِثلِهِ.اهـ
([4]) اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَا يُرَادُ بِالصِّرَاطِ المُستَقِيمِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ القُرآنُ، وَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ الإِيمَانُ، وَأَيَّهُمَا كَانَ فَهُوَ القَائِمُ الَّذِي لَا عِوَجَ لَهُ وَالقَيِّمُ الَّذِي لَا اختِلَافَ فِيهِ، مَن لَزِمَهُ وَصَلَ إِلَى مَا ذُكِرَ.اهـ تَأوِيلَاتُ أَهلِ السُّنَّةِ، لِأَبِي مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ (ج1 ص367).
([5])بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأبَادِيِّ (ج5 ص312).
([6])القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأبَادِيِّ (ص1345).
([7])التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص218).
([9])التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص218).
([13])قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَيْ أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ كَانَ حَالَ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَثَرَهَا بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَأَنْ يُصْبِحُ فَيَرَى يَدَهُ مَقْبُوضَةً. اهـ فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج7 ص131).
([14])صَحِيحُ مُسْلِمٍ، لِلْإِمَامِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ – بَابٌ: مِنْ فَضَائِـلِ عَـبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه – رَقَمُ الحَدِيثِ (2484).
([17])الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج2 ص154).
([18]) قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:19]، فَهُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ، لَم يَنزِل جِبرِيلُ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ بِغَيرِ الإِسلَامِ، قَالَ رسول الله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»، وَقَالَ نُوحٌ عليه السلام: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) [سُورَةُ يُونُسَ:72]، وَقَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:67]، وَقَالَ تَعَالَى: وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) [سُورَةُ البَقَرَةِ:132]، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) [سُورَةُ يُوسُفَ:101]، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن مَلِكَةِ سَبَأَ: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)، [سُورَةُ النَّملِ:44]، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) [سُورَةُ المَائِدَةِ:111]، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [سُورَةُ المَائِدَةِ:44]، وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِسلَامِ إِلَى آخِرِ العُمُرِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) [سُورَةُ آلِ عِمرَان:102]، وَقَالَ تَعَالَى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) [سُورَةُ الحِجرِ:99]، فَلَمْ يَرضَ سُبحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَمْ يَقبَلْ مِنْهُمْ دِينًا غَيرَ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ وَهُوَ دِينُ الإِسلَامِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) [سُورَةُ آلِ عِمرَان:85]، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ جَمِيعًا دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُختَلِفَةٌ، وَلَيسَتْ دِيَانَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةً بَلْ كُلُّهُمْ دَعَوْا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَإِلَى تَنزِيهِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى قَولِ: “لَا إلهَ إِلَّا اللهُ”، فَفِي مُوَطَّأ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».اهـ وقَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) [سُورَةُ الأنبياء:25]، فَهَذَا أَمْرٌ بِعِبَادَةِ اللهِ وَتَوحِيدِهِ، وَلَيسَ الأَمرُ فِي اخْتِيَارِ الإِسلَاِم مَبنِيًّا عَلَى التَّخيِيرِ وَالتَّشَهِّي وَالحُرِّيَةِ وَالهَوَى، وَأَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) [سُورَةُ الكَهفِ:29]، فَقَدْ قَالَ القُرطُبِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا بِتَرْخِيصٍ وَتَخْيِيرٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ. أَيْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمُ النار، وَإِنْ آمَنْتُمْ فَلَكُمُ الجَنَّةُ.اهـ وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي التَّفسِيرِ: نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الصِّيغَةُ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ وَلَيْسَتْ بِتَخْيِيرٍ.اهـ وَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ [سُورَةُ البَقَرَةِ:256]، كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ: قِيلَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَكْرَهَ الْعَرَبَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ، قَالَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نَسَخَتْهَا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ [سُورَةُ التَّوبَةِ:73]. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.اهـ وَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) [سُورَةُ الكَافِرُونَ:6]، كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: فِيهِ مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [سُورَةُ الشُّورَى:15] أَيْ إِنْ رَضِيتُمْ بِدِينِكُمْ، فَقَدْ رَضِينَا بِدِينِنَا. وَكَانَ هَذَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، فَنُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.اهـ
([19])[سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:19].
([20])[سُورَةُ المَائِدَةِ:3].
([21])قَالَ الفَيُّومِيُّ: وَغَلَا فِي الدِّينِ غُلُوًّا مِنْ بَابِ قَعَدَ تَصَلَّبَ وَشَدَّدَ حَتَّى جَاوَزَ الْحَدَّ. اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِلفَيُّومِيِّ (ج2 ص452).
([22])وَهُوَ تَشبِيهُ اللهِ بِخَلقِهِ وَهَذَا ضِدُّ القُرآنِ الكَرِيمِ، فَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَنزِيهُهُ سُبحَانَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ فَقَدْ قَالَ سُبحَانَهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([23])التَّعطِيلُ هُوَ نَفيُ وُجُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَيِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لَهُ سُبحَانَهُ، كَالوَحدَانِيَّةِ وَالقِدَمِ أَيِ الأَزَلِيَّةِ، وَالبَقَاءِ وَالحَيَاةِ وَالعِلمِ وَالكَلَامِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ أَيِ المَشِيئَةِ وَغَيرِهَا.
([24])أَصحَابُ هَذَا الِاعتِقَادِ الفَاسِدِ هُمُ الجَبرِيَّةُ يُسَمَّوْنَ الجَهمِيَّةَ هُمْ أَتبَاعُ جَهْمِ بنِ صَفوَانَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ تَبِيدَانِ وَتَفنَيَانِ، وَأَنَّ عِلمَ اللهِ تَعَالَى حَادِثٌ، وَامتَنَعَ مِنْ وَصفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ عَالِمٌ أَوْ حَيٌّ، وَقَالَ بِحُدُوْثِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى كَمَا قَالَتْ بَعضُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ أَكفَرُوهُ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ اللهَ خَالِقُ أَعمَالِ العِبَادِ» فَاتَّفَقَ أَصنَافُ النَّاسِ عَلَى تَكفِيرِهِ هُوَ وَجَمَاعَتُهُ.اهـ الفَرقُ بَينَ الفِرَقِ، لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ الفَصلُ السَّادِسُ، (ص199-200).
([25])أَصحَابُ هَذَا الِاعتِقَادِ الفَاسِدِ هُمُ الْقَدَرِيَّةُ وَهُمُ الَّذِيْنَ يَنْفُوْنَ تَقْدِيْرَ اللهِ تَعَالَىْ لِكُلِّ الْأَشْيَاءِ فَيَقُوْلُوْنَ: اللهُ قَدَّرَ الْخَيْرَ دُوْنَ الشَّرِّ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَىْ فَكَذَّبُوْا الْقُرْآنَ بِذَلِكَ فَإِنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كَمَا جَاءَ فِيْ الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ حَيْثُ يَقُوْلُ سُبْحَانَهُ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) [سُورَةُ الفُرْقَان:2].
([26])أَيِ الأَمنِ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ، وَهُوَ الِاسْتِرْسَالُ فِي الْمَعَاصِي مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ.
([27])الآيِسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَيِ القَانِطُ مِنْ رَحمَةِ اللهِ وَهُوَ أَنْ يُسِىءَ الْعَبْدُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَيَظُنَّ أَنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ لَهُ وَأَنَّ اللهَ لا مَحَالَةَ سيُعَذِّبُهُ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ.
([28])الأَهْوَاءُ جَمْعُ هَوًى، وَهُوَ الأَمْرُ البَاطِلُ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيهِ النُّفُوسُ، وَقَدْ يُطلَقُ الْهَوَى بِمَعنَى الحُبِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ المَعنَى المَقصُودَ هُنَا.
([29])الْمُشَبِّهَةُ: مِنَ الْفِرَقِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَهُمْ أَيِ الْمُشَبِّهَةُ صِنْفَانِ: صِنْفٌ شَبَّهُوْا ذَاتَ الْبَارِئِ بِذَاتِ غَيْرِهِ، وَصِنْفٌ آخَرُوْنَ شَبَّهُوْا صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ غَيْرِهِ، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذِيْنِ الصِّنْفَيْنِ مُفْتَرِقُوْنَ إِلَىْ أَصْنَافٍ شَتَّىْ، وَأَوَّلُ ظُهُوْرِ التَّشْبِيْهِ صَادِرٌ عَنْ بَعْضِ الْغُلَاةِ وَمِنْهُمُ السَّبَائِيَّةُ -أَوِ السَّبَئِيَّةُ- الَّذِيْنَ سَمَّوْا عَلِيَّ بْنَ أَبِيْ طَالِبٍ إِلَهًا وَشَبَّهُوْهُ بِذَاتِ الْإِلَهِ، وَمِنْهُمُ الْبَيَانِيَّةُ أَتْبَاعُ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِيْ زَعَمَ أَنَّ مَعْبُوْدَهُ إِنْسَانٌ مِنْ نُوْرٍ عَلَىْ صُوْرَةِ الْإِنْسَانِ فِيْ أَعْضَائِهِ وَأَنَّهُ يَفْنَىْ كُلُّهُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيْرٌ.اهـ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ، لِأَبِيْ مَنْصُوْرٍ الْبَغْدَادِيِّ (ص 214).
([30]) الْمُعْتَزِلَةُ: يَنْقَسِمُوْنَ إِلَىْ عِشْرِيْنَ فِرْقَة، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا تُكَفِّرُ سَائِرَهَا، وَيَجْمَعُهَا كُلَّهَا فِيْ بِدْعَتِهَا أُمُوْرٌ، مِنْهَا نَفْيُهَا كُلِّهَا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ صِفَاتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، وَمِنْهَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَىْ الْقَوْلِ بِحُدُوْثِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَىْ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ جَمِيْعًا بِأَنَّ اللهَ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَكْسَابِ النَّاسِ وَلَا لِشَىْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْحَيَوَانَاتِ وَلِأَجْلِ هَذَا سَمَّاهُمُ الْمُسْلِمُوْنَ قَدَرِيَّةً، وَمِنْهَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَىْ دَعْوَاهُمْ فِيْ الْفَاسِقِ مِنْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَلِأَجْلِ هَذَا سَمَّاهُمُ الْمُسْلِمُوْنَ مُعْتَزِلَةً لِاعْتِزَالِهِمْ قَوْلَ الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الضَّلَالَاتِ.اهـ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ، لِأَبِيْ مَنْصُوْرٍ الْبَغْدَادِيِّ (ص93-94)، الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
وَقِيْلَ أَوَّلُ مَا سُمُّوْا الْمُعْتَزِلَةَ فِيْ زَمَنِ الْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ لِأَنَّ زَعِيْمَهُمْ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ اعْتَزَلَ حَلْقَةَ دَرْسِ الْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ، وَهُوَ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ رَأُسُ الْاعْتِزَالِ، طَرَدَهُ الْحَسَنُ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمَّا قَالَ: الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَمْرٌو، وَاعْتَزَلَا الْحَلْقَةَ، وَكَانَ مِنْ جَهْلِهِ يُجِيْزُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَىْ، وَمِمَّا خَالَفَ فِيْهِ صَرِيْحَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيْمَانِ قَوْلُهُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَإِنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. وَمِنْ مُصَنَّفَاتِهِ: «أَصْنَافُ الْمُرْجِئَةِ» وَ «الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ» وَ«طَبَقَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ». وُلِدَ سَنَةَ 80 هـ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 131هـ .اهـ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، لِلذَّهَبِيِّ (ج5 ص294).