صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
وَصَفَ اللهُ فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ الصِّرَاطَ بِأَنَّهُ: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) أَي دِينَ الَّذِينَ أَكرَمتَهُم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمَلائِكَةِ وَهُوَ الإِسلَامُ.
وَاختَلَفَ النَّاسُ فِي المُنعَمِ عَلَيهِمُ المَذكُورُونَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقَالَ الجُمهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ أَرَادَ صِرَاطَ النَّبِيِّينَ([1]) وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ([2]) وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) ([3])، فَالآيَةُ تَقتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ([4])، وَهُوَ المَطلُوبُ فِي آيَةِ الحَمدِ، وَجَمِيعُ مَا قِيلَ إِلَى هَذَا يَرجِعُ.
الأَمْرُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ وَهَكَذَا تَكُوْنُ النَّجَاةُ
ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ وَالمُؤَاخَذَةِ وَالعِقَابِ قَلِيْلِهِ وَكَثِيرِهِ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَكُوْنُ إِلَّا بِالْتِزَامِ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ ) ([5])، وَهُمْ مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ([6]) حُمَاةُ الدِّينِ وَحُرَّاسُ العَقِيدَةِ وَالذَّابُّونَ عَنْ دِينِ اللهِ المُدَافِعُونَ عَنْهُ بِالحَالِ وَالمَقَالِ، وَهُمْ مَنِ اتَّبَعُوْا جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ وَنَثَرُوا عِلْمَهُمْ فِي البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ([7])، وَثَبَّتُوا مَنْهَجَ أَهْلِ الحَقِّ وَأَمْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيْكُمْ كَمَقَامِ رَسُوْلِ اللهِ فِيْنَا فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَماعَةَ([8])».اهـ
وَلُزُوْمُ الْجَمَاعَةِ لَا يَعْنِي الْبَحْثَ عَنِ الأَوْسَعِ شُهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ لُزُوْمُ الْجَمَاعَةِ مَعْنَاهُ الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ الْمَوْرُوثِ الثَّابِتِ عَنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَرَسُوْلِ الْأُمَّةِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَالْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، فَمَنِ الْتَزَمَ الَّذِي وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ هُوَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ قَاصٍ بَعِيْدٌ عَنِ الْحَقِّ وَلَوْ كَانَ حَوْلَهُ أُلُوْفُ الْأَصْوَاتِ وَالنَّوَاعِقِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ هُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. فأَمْرُ الدِّينِ لَيسَ فِكْرَةً مُسْتَحْدَثَةً، أَوْ شِعَارًا يَرْفَعُهُ الْبَعْضُ لِأَغْرَاضِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ بَلْ أَمْرُ الدِّيْنِ يَكُوْنُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ أُوْلَئِكَ الْأَكَابِرِ وَالْتِزَامِ طَرِيْقِهِمْ وَمَا كَانُوْا عَلَيْهِ، بِمَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَقْلًا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
الأُصُولُ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيهَا عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ فِي العَقَائِدِ
أَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ جُمهُورُ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِي المُعتَقَدِ أَيْ أُصُولِ الِاعتِقَادِ، وَهِيَ الأُمُورُ السِّتَّةُ المَذكُورَةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: “الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ([9])”.اهـ
فَالَّذِي عَلَيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ هُوَ التَّوحِيدُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ وَكَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ حُمَاةُ الدِّينِ، كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ بِالأُصُولِ المَذكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ كَمَا صَاغَ اعْتِقَادَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ حَيثُ أَلَّفُوا فِي التَّوحِيدِ، وَمِنهُمُ ابنُ عَسَاكِرَ حَيثُ قَالَ([10]):
اعْلَمْ أَرْشَدَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ فِى مُلْكِهِ، خَلَقَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ، وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا. جَمِيعُ الْخَلائِقِ مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِهِ، لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لَيْسَ مَعَهُ مُدَبِّرٌ فِى الْخَلْقِ وَلا شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ، حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ، يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا، وَلا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ. أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْغِنَى وَلَهُ الْعِزُّ وَالْبَقَاءُ وَلَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ وَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، لَا دَافِعَ لِمَا قَضَى وَلا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، يَفْعَلُ فِى مُلْكِهِ مَا يُرِيدُ وَيَحْكُمُ فِى خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، لا يَرْجُو ثَوَابًا وَلا يَخَافُ عِقَابًا، لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ يَلْزَمُهُ وَلا عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. مَوْجُودٌ قَبْلَ الْخَلْقِ لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ وَلا بَعْدٌ وَلا فَوْقٌ وَلا تَحْتٌ وَلا يَمِينٌ وَلا شِمَالٌ وَلا أَمَامٌ وَلا خَلْفٌ وَلا كُلٌّ وَلا بَعْضٌ، وَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ وَلا أَيْنَ كَانَ وَلا كَيْفَ، كَانَ وَلا مَكَانَ كَوَّنَ الأَكْوَانَ وَدَبَّرَ الزَّمَانَ لا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالْمَكَانِ وَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَلا يَلْحَقُهُ وَهْمٌ وَلا يَكْتَنِفُهُ عَقْلٌ وَلا يَتَخَصَّصُ بِالذِّهْنِ وَلا يَتَمَثَّلُ فِي النَّفْسِ وَلا يُتَصَوَّرُ فِي الْوَهْمِ وَلا يَتَكَيَّفُ فِي الْعَقْلِ، لا تَلْحَقُهُ الأَوْهَامُ وَالأَفْكَارُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.اهـ
قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ بَعدَ نَقْلِهِ هَذِهِ العَقِيدَةَ: هَذَا آخِرُ العَقِيدَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنْكِرُهُ سُنِّيٌّ([11]).اهـ
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)) بَدَلٌ مِنَ (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يَعنِي أَنَّ المُنعَمَ عَلَيهِم هُمُ الَّذِينَ سَلِمُوا مِن غَضَبِ اللهِ وَالضَّلَالِ، أَو صِفَةٌ لِ(الَّذِينَ)، يَعنِي أَنَّهُم جَمَعُوا بَينَ النِّعمَةِ المُطلَقَةِ وَهِيَ نِعمَةُ الإِيمَانِ وَبَينَ السَّلَامَةِ مِن غَضَبِ اللهِ وَالضَّلَالِ. وَفُسِّرَ بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَقَد رَوَى الطَّيَالِسِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَإِنَّ اليَهُودَ مَغضُوبٌ عَلَيهِم([12]) وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ([13])»، وَالغَضَبُ فِي اللُّغَةِ الشِّدَّةُ. وَرَجُلٌ غَضُوبٌ أَي شَدِيدُ الخُلُقِ، وَمَعنَى الغَضَبِ فِي صِفَةِ اللهِ تَعَالَى إِرَادَةُ العُقُوبَةِ([14]). وَالضَّلَالُ فِي كَلَامِ العَرَبِ هُوَ الذَّهَابُ عَن سَنَنِ القَصدِ وَطَرِيقِ الحَقِّ([15])، وَمِنهُ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي المَاءِ أَي غَابَ، وَمِنهُ: (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ )([16]) أَي غِبنَا بِالمَوتِ وَصِرنَا تُرَابًا([17]).
أَثْبَتَتِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ تَدْعُو إلِى الِاعْتِدَالِ فِي العَقِيدَةِ وَتَنْبُذُ الغُلُوَّ([18])
مَنْ نَظَرَ إِلَى نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ تَبَيَّنَ لَهُ وَبِوُضُوحٍ أَنَّ الإِسْلَامَ يُنَفِّرُ مِنَ الغُلُوِّ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) ([19])، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ([20])»، فَقَولُهُ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ»، عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الغُلُوِّ فِي الِاعتِقَادَاتِ وَالأَعْمَالِ، وَالغُلُوُّ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ. وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُوْنَ([21])»، أيِ الْمُتَعَمِّقُوْنَ الغالُونَ المُجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ.
وَمَنْبَعُ هَذِهِ الوَسَطِيَّةِ فِي دِيْنِ الإِسْلَامِ هُوَ العَقِيدَةُ الإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذَا أَوَّلُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ لِيُبَلِّغُوْهُ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ([22])»، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا دَعَا إِلَيْهِ أَنْبِيَاءُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ تَوْحِيدُ اللهِ وَتَنْـزِيهُهُ عَنْ مُشَابَـهَةِ المَخْلُوْقِينَ، وَهَكَذَا بَدَأَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ وَتَرَعْرَعَتْ عَقِيدَةُ الإِسْلَامِ فِي رُبُوعِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَاسْتَمَرَّتِ العَقِيدَةُ النَّقِيَّةُ الخَالِصَةُ حَتَّى خَرَجَتِ الفُتُوحَاتُ تَجُوبُ أَرْضَ المَعْمُوْرَةِ لِنَشْرِهَا فِيْ رُبُوعِهَا، فَاصْطَدَمَ الفَاتِحُوْنَ بِكَثِيرٍ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي تِلْكَ الدِّيَارِ البَعِيدَةِ، وَهَذَا مِمَّا أَدْخَلَ عَلَى النَّاسِ بِاسْمِ العَقِيدَةِ الْكَثِيرَ مِنَ الشَّوَائِبِ. وَلَعَلَّ دُخُولَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ إِلَى التَّفَاسِيْرِ القُرْآنِيَّةِ وَالأَحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ هُوَ مِنْ أَخْطَرِ مَا وَاجَهَ العَقِيدَةَ الإِسْلَامِيَّةَ. فَتَأَثَّرَ بِهَذِهِ الأَفْكَارِ الكَاسِدَةِ عِدَّةُ فِرَقٍ، مِنْ أَبْرَزِهِمُ المُعْتَزِلَةُ وَالقَدَرِيَّةُ، الَّتِي ظَهَرَتْ فِي بِدَايَةِ القَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ الَّذِي كَانَ مُشْبَعًا بِآثَارِ مَا يُسَمَّى الثَّقَافَاتِ الأَجْنَبِيَّةَ، وَالقَدَرِيَّةُ هُمُ القَائِلُوْنَ بِنَفْيِ صِفَاتِ اللهِ وَأَنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ وَأَنَّ اللهَ لَمْ يُقَدِّرْ كُلَّ شَىءٍ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
وَمِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي دَخَلَتْ إِلَى أَفْكَارِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِاسْمِ عَقِيدَةِ الإِسْلَامِ مِمَّا امْتَلَأَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ المُحَرَّفَةُ، عَقِيدَةُ: أَنَّ اللهَ جِسْمٌ وَأَنَّهُ ذُو صُورَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، وَأَنَّهُ يُوصَفُ بِالمُشَافَهَةِ وَالتَّكَلُّمِ جَهْرًا، وَقَوْلُهُمْ طُلُوعُ اللهِ فِي السَّحَابِ وَكِتَابَةُ التَّوْرَاةِ بِيَدِهِ، وَالِاسْتِقْرَارُ وَظُهُورُ نَوَاجِذِهِ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ.اهـ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ المُعْتَقَدِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَيُعْتَبَرُ عَبْدُ اللهِ بنُ سَبَأٍ لَعَنَهُ اللهُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ لَفْظَ (الجِسْمِ) بِاسْمِ الإِسْلَامِ وَأَطْلَقَهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى. وَبِظُهُورِ الإِمَامِ المُجْتَهِدِ السُّنِّيِّ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ انْطَفَأَتْ كَثِيْرٌ مِنَ الفِتَنِ فَهُوَ الَّذِي كَانَ مِنْ كِبَارِ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ فِي عَصْرِهِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَانَى مِنْ ظُلْمِ وَاضْطهَادِ المُعْتَزِلَةِ، وَلَكِنَّهُ ابْتُلِيَ بِكَثِيرٍ مِمَّنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ كَانُوا يُحَمِّلُوْنَ آرَاءَهُ مَا لَا تَحْتَمِلُ وَيَكْذِبُوْنَ عَلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ المُفْتَرُونَ وَهُمْ غُلَاةُ الحَنَابِلَةِ جَمَعُوا مَا تَفَرَّقَ مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَزَادُوا عَلَيْهِ وَنَشَرُوهُ وَدَافَعُوا عَنْهُ نَتِيجَةً لِلْخُصُومَةِ مَعَ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُبَالِغُ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ. وَعِنْدَ زِيَادَةِ انْتِشَارِ المُبْتَدِعَةِ، ظَهَرَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ رَحِمِهُ اللهُ بِوَسَطِيَّتِهِ فَلَمْ يَمِلْ إِلَى الحَشْوِيَةِ المُجَسِّمَةِ وَلَا إِلَى المُعْتَزِلَةِ المُعَطِّلَةِ، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الأُصُولِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيهَا القَوْلُ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ، وَأَنَّ العَبْدَ كَاسِبٌ لِفِعْلِهِ لَا خَالِقٌ لَهُ. وَأَثْبَتَ الصِّفَاتِ القَدِيمَةَ للهِ وَنَزَّهَ ذَاتَ البَارِئِ تَعَالَى عَنْ حُلُولِ الحَوَادِثِ فِيْهِ. فَالمُعْتَزِلَةُ نَفَتْ عَنِ اللهِ الصِّفَاتِ، وَنَفَتْ شُمُوْلَ قُدْرَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَاعْتَبَرَتْ أَنَّ العَبْدَ خَالِقٌ لِفِعْلِهِ الاِختِيَارِيِّ، وَالمُجَسِّمَةُ شَبَّهُوا اللهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ، فَأَثْبَتُوا للهِ حَدًّا وَجِهَةً وَحُلُوْلَ الحَوَادِثِ فِي ذَاتِهِ سُبْحَانَهُ. وَهَكَذَا نَجِدُ أَنَّ الأَشَاعِرَةَ أَخَذُوا طَرِيقًا وَسَطًا بَينَ الحَشْوِيَّةِ وَالِاعْتِزَالِ. فَالأَشَاعِرَةُ وَمَعَهُمُ المَاتُرِيدِيَّةُ نَجَحُوا فِي أَنْ يَنْتَزِعُوا فِكْرَةَ التَّشْبِيهِ مِنْ أَذْهَانِ الكَثِيرِينَ، كَمَا إِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا أَنَّ النَّقْلَ([23]) هُوَ الأَسَاسُ وَأَنَّ العَقْلَ شَاهِدٌ لِصِحَّةِ الْنَّقْلِ، وَوَسِيلَةٌ لِإِثْبَاتِهِ وَبُرْهَانٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَلَا نَنْسَى أَنَّ الإِمَامَ أَبَا الحَسَنِ لَمْ يَبْتَدِعْ مَذْهَبًا جَدِيدًا، وَإِنَّمَا جَمَعَ مَا تَفَرَّقَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَيَّدَ النَّقْلَ بِالعَقْلِ. وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَبُوْ مَنْصُوْرٍ المَاتُرِيدِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى. فَالأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، السَّوَادُ الأَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى العَقِيدَةِ الحَقَّةِ الَّتِي كَانَ عَلَيهَا النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ، اسْتَمَرُّوا فِيِ تَقْرِيرِ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الصَّافِيَةِ المُسْتَقَاةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَمَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، الخَالِيَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَنِسْبَةِ الحَدِّ وَالجِهَةِ وَالمَكَانِ للهِ، وَمِنَ التَّعْطِيلِ وَالحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَالإِلْحَادِ وَمِنْ تَعْقِيدَاتِ الفَلَاسِفَةِ وَالنِّحَلِ الْمُرْدِيَةِ كَالمُشَبِّهَةِ وَالخَوَارِجِ وَالجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَقَدْ تَبِعَ الإِمَامَينِ الجَلِيلَيْنِ -أَقْصِدُ الأَشْعَرِيَّ وَالمَاتُرِيدِيَّ- أُلُوفُ المُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءُ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ عَبْرَ الزَّمَنِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ أُمَّةَ الإِسْلَامِ أُمَّةٌ وَسَطٌ كَمَا وَصَفَهَا رَبُّنَا فِي الآيَةِ الشَّرِيفَةِ: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)([24]) فَهِيَ وَسَطٌ فِي اعْتِقَادِهَا وَبَرِيئَةٌ مِنَ الغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ البَغِيضِ وَالتَّفْرِقَةِ الْمُنْتِنَةِ وَالأَفْكَارِ المَوْبُوءَةِ.
وَبِهَذِهِ الوَسَطِيَّةِ تُصَانُ المُجْتَمَعَاتُ وَأَجْيَالُ أَبْنَاءِ وَبَنَاتِ المُسْلِمِينَ عَبْرَ الزَّمَنِ، لِأَنَّ الفِرَقَ الضَّالَّةَ الَّتِي شَذَّتْ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ الحَقِّ إِذَا انْتَشَرَتْ بَينَ المُسْلِمِينَ فَإِنَّهَا سَتَنْشُرُ التَطَرُّفَ وَالغُلُوَّ، وَلَا يَخْفَى مَا يَتبَعُ هَذَا مِنِ انتِشَارِ التَّقتِيلِ وَاسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَإِرَاقَتِهَا بِغَيرِ حَقٍّ وَكُلُّهُ مِنْ مُنْطَلَقٍ عَقَدِيٍّ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ بِزَعْمِهِمْ يَسْتَبِيْحُونَ الدِّمَاءَ وَيَقُوْلُونَ نَتَقَرَّبُ بِإِرَاقَتِهَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالأَمْثِلَةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ عَبْرَ التَّارِيخِ -نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخِذْلَانِ-.
وَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مِمَّنْ أَوْصَى بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ فِي المُعْتَقَدِ وَتَرْكِ الشُّذُوذِ([25]):
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الْهُدَى
وَلَا تَكُ بِدْعِيًا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي
أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُو وَتَرْبَحُ
وَقُلْ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلَامُ مَلِيكِنَا
بِذَلِكَ دَانَ الْأَتْقِيَاءُ وَأَفْصَحُوا
وَلَا تَغْلُ فِي الْقُرْآنِ بِالْوَقْفِ قَائِلًا
كَمَا قَالَ أَتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا
وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ
وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ
وَقُلْ: إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (26)
وَزِيرَاهُ قِدْمًا ثُمَّ عُثْمَانُ الْأَرْجَحُ
وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمُ
عَلِيٌّ حَلِيفُ الْخَيْرِ بِالْخَيْرِ مُنْجِحُ
وَإِنَّهُمُ وَالرَّهْطُ لَا رَيْبَ فِيهِمُ
عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْخُلْدِ تَسْرَحُ
سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ
وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ
وَبِالْقَدَرِ الْمَقْدُورِ أَيْقِنْ فَإِنَّهُ
دِعَامَةُ عِقْدِ الدِّينِ وَالدَّيْنُ أَفْيَحُ
وَلَا تُنْكِرَنَّ جَهْلًا نَكِيرًا وَمُنْكَرًا
وَلَا الْحَوْضَ وَالْمِيزَانَ إِنَّكَ تُنْصَحُ
وَقُلْ: يُخْرِجُ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ
مِنَ النَّارِ أَجْسَادًا مِنَ الْفَحْمِ تُطْرَحُ
عَلَى النَّهَرِ فِي الْفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ
كَحَبَّةِ حَمْلِ السَّيْلِ إِذْ جَاءَ يَطْفَحُ
وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لِلْخَلْقِ شَافِعٌ
وَقُلْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ: حَقٌّ مُوَضَّحُ
وَلَا تُكَفِّرَنَّ أَهْلَ الصَّلَاةِ وَإِنْ عَصَوْا
فَكُلُّهُمْ يَعْصِي وَذُو الْعَرْشِ يَصْفَحُ
وَلَا تَعْتَقِدْ رَأْيَ الْخَوَارِجِ إِنَّهُ
مَقَالٌ لِمَنْ يَهْوَاهُ يُرْدِي وَيَفْضَحُ
وَلَا تَكُ مُرْجِئِيًّا لَعُوبًا بِدِينِهِ
أَلَا إِنَّمَا الْمُرْجِيُّ بِالدَّيْنِ يَمْزَحُ
وَقُلْ: إِنَّمَا الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَنِيَّةٌ
وَفِعْلٌ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُصَرَّحُ
وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً
بِطَاعَتِهِ يُنَمَّى وَفِي الْوَزْنِ يَرْجَحُ
وَدَعْ عَنْكَ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ
فَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ أَزْكَى وَأَشْرَحُ
وَلَا تَكُ مِنْ قَوْمٍ تَلَهَّوْا بِدِينِهِمْ
فَتَطْعَنُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْدَحُ
إِذَا مَا اعْتَقَدْتَ الدَّهْرَ يَا صَاحِ هَذِهِ
فَأَنْتَ عَلَى خَيْرٍ تَبِيتُ وَتُصْبِحُ
فَأَقُولُ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إِنَّ عَقِيدَةَ المُسْلِمِينَ عَقِيدَةٌ سَلِيمَةٌ بَعِيدَةٌ كُلَّ البُعْدِ عَنِ الغُلُوِّ وَالتَّعْقِيدِ وَالتَّطَرُّفِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَنَّ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ وَأَعْدَاءَ هَذِهِ العَقِيدَةِ مِنَ الفِرَقِ الشَّاذَّةِ يُعَادُوْنَ أَهْلَهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى مَنْ وُصِفُوا بِسُوْرَةِ الفَاتِحَةِ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ
قَالَ الرَّازِيُّ: أَوَّلُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَدْحِ لَهُ، وَآخِرُهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الذَّمِّ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِقْرَارِ بِطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَطْلَعَ الْخَيْرَاتِ وَعُنْوَانَ السَّعَادَاتِ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَطْلَعَ الْآفَاتِ([27]) وَرَأْسَ الْمَخَافَاتِ([28]) هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَالبُعْدُ عَنْ طَاعَتِهِ وَالِاجْتِنَابُ عَنْ خِدْمَتِهِ([29]).اهـ
قَوْلُ القَارِئِ لِلْفَاتِحَةِ فِي آخِرِهَا: “آمِينَ”
يُسَنُّ التَّأمِينُ بَعدَ الفَاتِحَةِ لِنَعلَمَ أَهَمِّيَّةَ الدُّعَاءِ([30])، أَيْ أَنْ يُقَالَ “آمِينَ” وَمَعنَاهَا: يَا رَبِّ اسْتَجِبْ لَنَا فَالإِنسَانُ يَطْلُبُ بِهَذَا مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ دُعَاءَهُ([31]).
وَيُسَنُّ قَولُهَا عَقِبَ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلاةِ لِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَصحَابُ السُّنَنِ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)) فَقُولُوا آمِين»([32])، قَالَ القُرطُبِيُّ: وَيُسَنُّ لِقَارِئِ القُرآنِ أَن يَقُولَ بَعدَ الفَرَاغِ مِنَ الفَاتِحَةِ بَعدَ سَكتَةٍ عَلَى نُونِ (وَلَا الضَّالِّينَ (7)): آمِينَ، لِيَتَمَيَّزَ مَا هُوَ قُرآنٌ مِمَّا لَيسَ بِقُرآنٍ. فقد ثَبَتَ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَن وَافَقَ تَأمِينُهُ تَأمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»([33]).اهـ
([1])يَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ أَجمَعِينَ، وَالنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ هُوَ إِنسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ لا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ بَلْ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَوَّلُ رُسُلِ اللهِ هُوَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَءَاخِرُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
([2])مِنْ إِنعَامِ اللهِ عَلَى النَّبِيِّينَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ ثَبَتَتْ لَهُمُ العِصمَةُ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجمَاعِ، فَقَد ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ يُنَافِى مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ، وَتَجِبُ لَهُمُ الأَمَانَةُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ فَلا يَغُشُّونَ النَّاسَ إِنْ طَلَبُوا مِنْهُمُ النَّصِيحَةَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَتَجِبُ لَهُمُ الْفَطَانَةُ فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ أَذْكِيَاءُ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْغَبَاوَةُ أَيْ ضَعْفُ الْفَهْمِ لِأَنَّ الْغَبَاوَةَ تُنَافِي مَنْصِبَهُمْ لِأَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُمْ لِيُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَانِدِينَ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ أَيْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الِاتِّصَافُ بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا الرَّذَالَةُ وَهِيَ أَخْلاقُ الأَسَافِلِ الدُّونِ فَلَيْسَ فِي الأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَسْرِقُ وَلَوْ حَبَّةَ عِنَبٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ السَّفَاهَةُ وَهِيَ التَّصَرُّفُ بِخِلَافِ الحِكْمَةِ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ البَلادَةُ فلَيسَ فِيهِم مَنْ هُوَ بَلِيدُ الذِّهْنِ عَاجِزٌ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يُعَارِضُهُ وَلا ضَعِيفُ الْفَهْمِ لا يَفْهَمُ الكَلامَ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُكَرَّرَ عَلَيْهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُبْنُ أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كَالنُّفُورِ مِنَ الْحَيَّةِ إِذَا تَفَاجَأَ بِهَا الإِنْسَانُ. وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ سَبْقُ اللِّسَانِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا كُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ كَالأَمْرَاضِ الْمُنَفِّرَةِ وَذَلِكَ كَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ، وَتَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ أَيِ الْحِفْظُ التَّامُّ بِلا انْخِرَامٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا فَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ وَمِنَ التَّلَبُّسِ بِالذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي وهِيَ الصَّغَائِرُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالأَنْبِيَاءِ فِي تِلْكَ الصَّغِيرَةِ غَيْرُهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ فَيَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا لِأَنَّهُمْ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ.
([3]) [سُورَةُ النِّسَاءِ:69].
([4]) وَهَذَا بِمَثَابَةِ زِيَادَةِ تَوضِيحٍ لِحَالِ مَن خُتِمَت سُورَةُ الفَاتِحَةِ بِذِكرِهِم وَمَن خُتِمَت فِي الِاستِعَاذَةِ مِن طَرِيقِهِم: فَالَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم هُمُ الَّذِينَ رَضِيَ لَهُمُ الإِسلَامَ دِينًا وَهُم أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَهُم عُدُولٌ دَائِمًا بَينَ أَطرَافِ شُذُوذٍ، ثُمَّ جُمهُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ: كَأَنَّ الإِنسَانَ يَقُولُ: فِي الطَّرِيقِ (أَي فِي سَيرِنَا فِي هَذِهِ الدُّنيَا) كَثيرٌ مِن الأَحبَابِ يَجُرُّونَنِي إِلَى طَرِيقٍ (أَي طَرِيقِ الهِدَايَةِ المُستَقِيمِ وَهُوَ طَرِيقُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ)، وَالأَعدَاءُ (أَيِ الضَّالُّونَ) إِلَى طَرِيقٍ ثَانٍ (وَهُوَ طَرِيقُ الهَلَاكِ وَمَا يُوصِلُ إِلَيهِ)، وَالشَّيطَانُ إِلَى طَرِيقٍ ثَالِثٍ (وَهُوَ طَرِيقُ جَهَنَّمَ)، وَكَذَا القَولُ فِي الشَّهوَةِ وَالغَضَبِ وَالحِقدِ وَالحَسَدِ (فَهِيَ مُوصِلَةٌ إِلَى عَذَابِ اللهِ غَالِبًا)، وَكَذَا القَولُ فِي التَّعطِيلِ (أَي نَفيِ وُجُودِ اللهِ أَو أَيِّ صِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ) وَالتَّشبِيهِ (أَي تَشبِيهِ اللهِ تَعَالَى بِخَلقِهِ بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ) وَالجَبرِ (أَيِ القَولِ بِأَنَّ العِبَادَ لَا مَشِيئَةَ لَهُم وَمُجبَرُونَ عَلَى أَعمَالِهِم وَهُوَ مُعَارِضٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ) [سُورَةُ الإِنسَانِ:30]) وَالقَدَرِ (أَيِ القَولِ بِنَفيِ تَقدِيرِ اللهِ لِكُلِّ شَيءٍ خَيرًا كَانَ أَم شَرًّا وَقَولُهُم هَذَا مُعَارِضٌ لِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)) [سُورَةُ القَمَرِ:49]) وَالإِرجَاءِ (أَيِ القَولِ بِنَفيِ العَذَابِ عَن عُصَاةِ المُسلِمِينَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللهِ: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)) [سُورَةُ النِّسَاءِ:10]) وَالوَعِيدِ (وَهِيَ مَسأَلَةٌ قَالَ بِهَا فِرقَةٌ مِنَ النَّصَارَى، قَالُوا إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَ الطَّائِعِينَ بِالنَّعِيمِ وَتَوَعَّدَ العُصَاةَ بِالعَذَابِ، قَالُوا وَلَا يَجُوزُ أَن يُخلِفَ فِي الوَعدِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالكَرِيمِ وَلَكِن يُخلِفُ فِي الوَعِيدِ فَلَا يُعَذِّبُ العُصَاةَ بَل يُعِيدُ النَّاسَ كُلَّهُم إِلَى فَرَحٍ وَسُرُورٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَا عَلَيهِ المُسلِمُونَ قَاطِبَةً) وَالرَّفضِ (فِرقَةٌ مِن شِيعَةِ الكُوفَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُم رَفَضُوا أَي تَرَكُوا زَيدَ بنَ عَلِيٍّ حِينَ نَهَاهُم عَن الطَّعنِ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمَّا عَرَفُوا مَقَالَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَبرَأُ مِن الشَّيخَينِ رَفَضُوهُ ثُمَّ استُعمِلَ هَذَا اللَّقَبُ فِي كُلّ مَن غَلَا فِي هَذَا المَذهَبِ وَأَجَازَ الطَّعنَ فِي الصَّحَابَةِ) وَالخُرُوجِ (أَي أَقوَالِ كُلِّ الخَوَارِجِ كَتَكفِيرِ كُلِّ مَن خَالَفَهُم) (كُلُّ مَا ذَكَرنَاهُ مِنَ الأَقوَالِ فِي الفِرَقِ مُلَخَّصٌ مِنَ المِلَلِ وَالنِّحَلِ، لِأَبِي الفَتحِ الشَّهرَستَانِيِّ، وَمِنَ الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ، لِأَبِي مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ، وَمِنَ التَّبصِيرِ فِي الدِّينِ، لِأَبِي المُظَفَّرِ الأَسْفَرَايِينِيِّ)، وَالعَقلُ ضَعِيفٌ، وَالعُمرُ قَصِيرٌ، وَالصِّنَاعَةُ طَوِيلَةٌ، وَالتَّجرِبَةُ خَطِرَةٌ (أَي يُخَافُ مِنهَا الهَلَاكُ وَالتَّلَفُ)، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص173))، وَالقَضَاءُ عَسِيرٌ، وَقَد تَحَيَّرتُ فِي الكُلِّ فَاهدِنِي إِلَى طَرِيقٍ أَخرُجُ مِنهُ إِلَى الجَنَّةِ.اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِلإِمَامِ فَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص218).
([5]) [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ:103].
([6]) لَمَّا اشتَدَّ الأَمرُ عَلَى المُسلِمِينَ مِن كَثرَةِ أَهلِ البَاطِلِ البِدعِيِّينَ وَإِذَاعَتِهِم الشُّبَهَ، اشتَغَلَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ فِي نُصرَةِ مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَتَبِعَهُ مَنْ أَخَذَ مِنهُ العِلمَ وَسَارَ عَلَى دَربِهِ مِن عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ صَارَ يُشَارُ إِلَيهِم بِالبَنَانِ، وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فَقَد قَامَا بِتَدوِينِ عِلمِ التَّوحِيدِ بِقَوَاعِدِهِ وَمَسَائِلِهِ، فَقَرَّرَا عَقَائِدَ أَهلِ السُّنَّةِ وَأَوضَحَاهَا إِيضَاحًا تَامًّا مَعَ الرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِينَ مِن مُعتَزِلَةٍ وَمُشَبِّهَةٍ وَغَيرِهِم، فَصَارَ كُلُّ أَهلِ السُّنَّةِ بَعدَ هَذَينِ الإِمَامَينِ يُنسَبُونَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَيُقَالُ لِبَعضِ أَهلِ السُّنَّةِ أَشعَرِيَّةٌ وَلِبَعضٍ مَاتُرِيدِيَّةٌ، وَكِلَا الفَرِيقَينِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ لَيسَ بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي أُصُولِ العَقَائِدِ، إِنَّمَا بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي بَعضِ فُرُوعِ العَقَائِدِ، وَهَذَا لَا يُعَابَانِ بِهِ، لِأَنَّ مِثلَ هَذَا حَصَلَ فِي الصَّحَابَةِ. فَيَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم هُمُ الَّذِينَ ارتَضَوا مَنهَجَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَثَبَتُوا عَلَيهِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالثَّبَاتِ عَلَى مَنهَجِ النُّبُوَّةِ وَلَا سِيَّمَا فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ، وَجُمهُورُ المُسلِمِينَ اليَومَ فِي العَقِيدَةِ هُمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ، هَؤُلَاءِ اليَومَ مِئَاتُ المَلَايِينِ مِنَ المُسلِمِينَ. وَقَد أَوصَى الشَّرعُ الحَنِيفُ بِالتِزَامِ مَا عَلَيهِ جَمَاعَةُ المُسلِمِينَ وَحَذَّرَ مِن مُخالَفَتِهِم فَإِنَّ فِي المُخَالَفَةِ لَهُم هَلَاكًا وَضَلَالًا مُبِينًا، فَيَنبَغِي عَلَى مُرِيدِ رِضَا اللهِ وَسَلَامَةِ دِينِهِ أَن يَعرِفَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ فَيَلتَزِمَهُ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَلَى عَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوِ اختَلَفُوا فِي الفُرُوعِ وَالأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ، وَمِنهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ.
([7]) وَفِي هَذَا رَاجِعْ كِتَابَنَا: “إِظْهَارُ العَقِيدَةِ الأَشْعَرِيَّةِ بِشَرْحِ العَقِيدَةِ الصَّلَاحِيَّةِ“، فَقَدْ بَسَطْنَا الكَلَامَ هُنَاكَ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الأَمْرِ مَعَ ضَرْبِ الأَمْثِلَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ مُوَثَّقَةً بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى.
([8]) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج4 ص38).
([9]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الإِيمَانِ – بَابُ مَعْرِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالْقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ – رَقَمُ الحَدِيثِ (8).
([10]) طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى، لِتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ (ج8 ص186).
([11]) طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى، لِتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ (ج8 ص186).
([12]) وَصَفَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ (أَي قَولُهُ تَعَالَى:غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وَالحَدِيثُ الشَّرِيفُ اليَهُودَ بِأَنَّهُم مَغضُوبٌ عَلَيهِم، وَاستَحَقُّوا هَذَا الوَصفَ لِأَنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ فَتَجَرَّؤُوا عَلَى تَشبِيهِ اللهِ بِخَلقِهِ، فَقَد رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيرُهُ أَنَّ اليَهُودَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَعِبَ وَجَلَسَ عَلَى العَرشِ لِلِاستِرَاحَةِ بِزَعمِهِم، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38)، [سُورَةُ ق:38]، تَفسِيرُ الطَّبَرِيِّ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج20 ص383)، فَهُم كَفَرُوا بِذَلِكَ، وَصَفُوا اللهَ بِالتَّعَبِ وَالِاستِرَاحَةِ وَالجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ، وَصَفُوهُ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ فَاستَحَقُّوا اللَّعنَ وَاستَحَقُّوا أَن نَصِفَهُم بِأَنَّهُم مَغضُوبٌ عَلَيهِم، نَعَم، مَن قَالَ إِنَّ اللهَ يَجلِسُ عَلَى العَرشِ فَهَذَا وَافَقَ اليَهُودَ فِي مُعتَقَدِهِمُ الفَاسِدِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَرَبُّنَا لَا يُوصَفُ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ، وَقَد كَفَّرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَن وَصَفَ اللهَ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ، أَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5)، [سُورَةُ طَهَ:5]، أَي حَفِظَ العَرشَ وَقَهَرَهُ مِن أَن يَسقُطَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ فَيُدَمِّرَهَا تَدمِيرًا، فَالعَرشُ أَكبَرُ مَخلُوقَاتِ اللهِ حَجمًا، وَالَّذِي حَفِظَهُ وَأَبقَاهُ فِي مَكَانِهِ هُوَ اللهُ فَهُوَ الحَفِيظُ وَالقَاهِرُ لِلعَرشِ وَمَا دُونَ العَرشِ. وَالنَّصَارَى استَحَقُّوا هَذَا الوَصفَ لِأَنَّهُم نَسَبُوا الزَّوجَةَ وَالوَلَدَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَبُّنَا يَقُولُ: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا (93)لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)، [سُورَةُ مَريَمَ:88-95].
([13]) مُسنَدُ الطَّيَالِسِيِّ، لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ (ج2 ص371).
([14]) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِمَجدِ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج3 ص370).
([15]) مَشَارِقُ الأَنوَارِ عَلَى صِحَاحِ الآثَارِ، لِلقَاضِي عِيَاضٍ المَالِكِيِّ (ج2 ص58).
([16]) [سُورَةُ السَّجدَةِ:10].
([17]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِلقُرطُبِيِّ (ج1 ص150) ، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص363).
([18]) ذَكَرْتُهُ مَجْمُوعًا وَمُلَخَّصًا مِنْ: تَبْيِينِ كَذِبِ المُفْتَرِي فِيْمَا نَسَبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، لِابنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيِّ. نَجْمِ المُهْتَدِي وَرَجْمِ المُعْتَدِي، لِابنِ المُعَلِّمِ القُرَشِيِّ. طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى، لِتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ. التَّبْصِيرِ فِي الدِّينِ، لِأَبِي المُظَفَّرِ الأَسْفَرَايِينِيِّ. الفَرْقِ بَينَ الفِرَقِ، لِأَبِي مَنْصُوْرٍ البَغْدَادِيِّ. المِلَلِ وَالنِّحَلِ، لِلشَّهْرسْتَانِيِّ.
([20]) سُنَنُ ابنِ مَاجَه، لِأَبِي عَبدِ اللهِ ابنِ مَاجَه القَزوِينِيِّ (ج2 ص1008).
([21]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ العِلمِ – بَابُ هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ.
([22]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الزَّكَاةِ – بَابُ أَخذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغنِيَاءِ – رَقمُ الحَدِيثِ (1496).
([23]) أَيِ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ الثَّابِتَةَ.
([24]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:143].
([25]) نَسَبَهَا الآجُرِّيُّ فِي كِتَابِهِ الشَّرِيعَةِ لِأَبِي بَكْرِ ابنِ أَبِي دَاودَ السِّجِسْتَانِيِّ. اهـ الشَّرِيعَةُ، لِلآجُرِّيِّ (ج5 ص2562).
([26]) أَيْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِلَّا فَالأَنبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمْ أَفضَلُ مِنَ الأَولِيَاءِ.
([27]) أَيْ أَسَاسَ الآفَاتِ وَالبَلَايَا هُوَ الإِعرَاضُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
([28]) أَيْ رَأسَ مَا يُخَافُ وَيُخشَى عَلَى العَبدِ مِنْهُ هُوَ الإِعرَاضُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ سُبحَانَهُ.
([29]) التَّفْسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص223).
([30]) حَثَّ الشَّرعُ الحَنِيفُ عَلَى الدُّعَاءِ حَثًّا بَلِيغًا، فَهُوَ مِنَ العِبَادَاتِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهَا أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً فِي حَيَاةِ المُسلِمِ، لِمَا لَهَا مِن أَثَرٍ كَبِيرٍ فِي الدُّنيَا بِدَفعِ البَلَاءِ وَرَفعِ المَصَائِبِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالأَجرِ الكَبِيرِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ، وَلِذَلِكَ نَرَى أَنَّ النُّصُوصَ القُرآنِيَّةَ قَد أَمَرَت بِهِ وَحَثَّت عَلَيهَ. قَالَ تَعَالَى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ ، [سورة غافر: 60]، وَقَالَ تَعَالَى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )، [سورة النمل: 62].
([31]) قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: وَهُوَ اسمٌ مَبنِيٌّ عَلَى الفَتحِ، وَمَعنَاهُ اللهم استَجِب لِي، وَقِيلَ مَعنَاهُ: كَذَلِكَ فَليَكُن، يَعنِي الدُّعَاءَ، يُقَالُ أَمَّنَ فُلَانٌ يُؤَمِّنُ تَأمِينًا. اهـ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِابنِ الأَثِيرِ الجَزَرِيِّ (ج1 ص72).
([32]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرآنِ – تَفسِيرُ سُورَةِ الفَاتِحَةِ – بَابُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) – رَقمُ الحَدِيثِ: (4475).
([33]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِلقُرطُبِيِّ (ج1 ص127).