(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا )(10)
فَهَذَا ذِكرُ مَا فِي قِصَّةِ أَهلِ الكَهفِ عَلَى التَّفصِيلِ وَقَد أُوجِزَت فِي القُرآنِ الكَرِيمِ بِأَبلَغِ بَيَانٍ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
( إِذْ) أَي وَاذكُر إِذ
(أَوَى الْفِتْيَةُ) أَيِ التَجَأَ أَصحَابُ الكَهفِ وَهُم مِنَ الشَّبَابِ
(إِلَى الْكَهْفِ) وَجَعَلُوهُ مَأوَاهُم، وَكَانُوا فِتيَةً مُؤمِنِينَ بِاللهِ مِن أَشرَافِ قَومِهِمُ الرُّومُ، فَأَرَادَهُم مَلِكُهُم دِقيَانُوسُ عَلَى الشِّركِ، فَفَرُّوا بِدِينِهِم إِلَى الكَهفِ وَاشتَغَلُوا بِالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ وَالدُّعَاءِ
( فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً) أَي رَحمَةً خَاصَّةً مِن خَزَائِنِ رَحمَتِكَ وَهِيَ المَغفِرَةُ وَالرِّزقُ وَالأَمنُ مِنَ الأَعدَاءِ
( وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا) أَي وَاجعَل لَنَا مِن أَمرِنَا الَّذِي نَحنُ عَلَيهِ مِن مُفَارَقَةِ الكُفَّارِ وَالمُثَابَرَةِ عَلَى طَاعَتِكَ
(رَشَدًا )حَتَّى نَكُونَ بِسَبَبَهِ رَاشِدِينَ مُهتَدِينَ، مَعنَاهُ يَسِّر لَنَا مَا نَلتَمِسُ مِنهُ رِضَاكَ وَمَا فِيهِ رُشدُنَا
(فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (11)
(فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ) مَعنَاهُ أَنَمنَاهُم، وَتَقدِيرُ الكَلَامِ أَنَّه تَعَالَى ضَرَبَ عَلَى آذَانِهِم حِجَابًا يَمنَعُ مِن أَن تَصِلَ إِلَى أَسمَاعِهِمُ الأَصوَاتُ المُوقِظَةُ، إِذ أَلقَى اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ النَّومَ وَمَنَعَ أَسمَاعَهُم مِنَ التَّنَبُّهِ لِلأَصوَاتِ وَأَنَامَهُمُ اللهُ
( فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) ذَوَاتِ عَدَدٍ، فَهُوَ صِفَةٌ لِسِنِينَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: أَي تُعَدُّ عَدَدًا لِكَثرَتِهَا([1]).اهـ لِأَنَّ القَلِيلَ يُعلَمُ مِقدَارُهُ مِن غَيرِ عَدَدٍ، فَإِذَا كَثُرَ عُدَّ، فَأَمَّا
(دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) ([2])، فَهِيَ عَلَى القِلَّةِ، لِأَنَّهُم كَانُوا يَعُدُّونَ القَلِيلَ وَيَزِنُونَ الكَثِيرَ،
(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) (12)
(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ) يُرِيدُ مِن بَعدِ نَومِهِم يَعنِي أَيقَظنَاهُم بَعدَ نَومِهِم
(أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) المَعنَى لِتَعلَمُوا أَنتُم أَيَّ الحِزبَينِ المُختَلِفَينِ مِنهُم فِي مُدَّةِ لُبثِهِم، أَي لِيُظهِرَ اللهُ مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ، وَهُوَ كَونُ إِحدَى الطَّائِفَتَينِ المُتَنَازِعَتَينِ فِي المَدِينَةِ فِي مُدَّةِ لُبثِ أَصحَابِ الكَهفِ، أَمَّا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَعِلمُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَطرَأُ عَلَيهِ زِيَادَةٌ وَلَا يَطرَأُ عَلَيهِ نُقصَانٌ، فَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ
( أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) أَي أَحفَظُ لِمَا مَكَثَ الفِتيَةُ فِي كَهفِهِم نِيَامًا، وَقِصَّةُ أَصحَابِ الكَهفِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ الكَرَامَاتَ([3]).
ثُمَّ امتَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِإِنبَائِهِ عَن خَبَرِ أَهلِ الكَهفِ بِالوَحيِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ :
(نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (13)
(نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم) أَي نُخبِرُكَ بِبَعضِ تَفَاصِيلِ أَخبَارِهِم
(بِالْحَقِّ) أَي بِالصِّدقِ
(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) جَمعُ فَتًى، وَالفُتُوَّةُ بَذلُ النَّدَى([4]) وَكَفُّ الأَذَى وَتَركُ الشَّكوَى وَاجتِنَابُ المَحَارِمِ وَاستِعمَالُ المَكَارِمِ([5])، وَقِيلَ: الفَتَى مَن لَا يَدَّعِي قَبلَ الفِعلِ وَلَا يُزَكِّي نَفسَهُ بَعدَ الفِعلِ([6]).
(آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) أَي آمَنُوا بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَزَادَهُمُ اللهُ هُدًى أَي يَقِينًا وَإِيمَانًا وَبَصِيرَةً فثَبَّتنَاهُم عَلَى دِينِ الإِسلَامِ، وَكَانُوا مِن خَوَاصِّ دِقيَانُوسَ فَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَخَافَ بَعضُهُم بَعضًا، وَقَالُوا: لِيَخلُ اثنَانِ اثنَانِ مِنَّا فَيُظهِرَ كِلاهُمَا مَا يُضمِرُ لِصَاحِبِهِ فَفَعَلُوا فَحَصَلَ اتِّفَاقُهُم عَلَى الإِيمَانِ
(وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (14)
(وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) وَقَوَّينَاهُم بِالصَّبرِ عَلَى هُجرَانِ الأَوطَانِ، وَالفِرَارِ بِالدِّينِ وَالتَّثبِيتِ وَنُورِ الإِيمَانِ، وَجَسَّرنَاهُم عَلَى القِيَامِ بِكَلِمَةِ الحَقِّ وَإِظهَارِ الإِسلَامِ مِن غَيرِ خَوفٍ، وَعَلَى الوُقُوفِ فِي وَجهِ الظَالِمِ دِقيَانُوسَ الجَبَّارِ
( إِذْ قَامُوا) بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ وَهُوَ دِقيَانُوسُ مِن غَيرِ مُبَالَاةٍ بِهِ حِينَ عَاتَبَهُم عَلَى تَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ وَعَدَمِ الذَّبحِ لِلطَّوَاغِيتِ
( فَقَالُوا) أَيِ الفِتيَةُ بِجُرأَةٍ فِي الصَّدعِ بِالحَقِّ
(رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُفتَخِرِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّ دِقيَانُوسَ كَانَ يَدعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الطَّوَاغِيتِ، فَثَبَّتَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الفِتيَةَ حَتَّى عَصَوا ذَلِكَ الجَبَّارَ، وَأَقَرُّوا بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ، وَصَرَّحُوا بِالبَرَاءَةِ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالأَندَادِ
(لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا) أَي لَن نَعبُدَ غَيرَ اللهِ، وَكَانَ أَكثَرُ قَومِهِم عَبَدَةَ أَصنَامٍ
(لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) ([7])أَي لَو عَبَدنَا غَيرَ اللهِ إِلَهًا لَقُلنَا قَولًا مُفرِطًا فِي الظُّلمِ، مُتَجَاوِزِينَ بِهِ الحَدَّ خَارِجِينَ بِهِ عَن حَدِّ العُقُولِ، وَالعَبدُ إِذَا خَالَفَ أَمرَ اللهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ، فَلَا يَلحَقُ اللهَ مِن عِصيَانِ العُصَاةِ ضُرٌّ([8]) وَلَا مِن طَاعَةِ الطَائِعِينَ نَفعٌ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الغَنِيُّ عَنِ العَالَمِينَ
(هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) (15)
(هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) وَهُوَ إِخبَارٌ فِي مَعنَى الإِنكَارِ، أَي هَؤُلَاءِ أَهلُ بَلَدِنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَصنَامًا يَعبُدُونَهَا
(لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ) هَلَّا يَأتُونَ عَلَى عِبَادَتِهِم بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ، فَلَولَا لِلتَّحضِيضِ، لَكِنَّهُ فِي مَعنَى الإِنكَارِ وَالتَّعجِيزِ، فَقَولُهُم ذَلِكَ فِي مَقَامِ التَّبكِيتِ لِلكُفَّارِ وَإِلقَامِ الحَجَرِ، فَإِنَّ الإِتيَانَ بِحُجَّةٍ عَلَى عِبَادَةِ الأَصنَامِ مُحَالٌ
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) بِنِسبَةِ الشَّرِيكِ إِلَيهِ بِزَعمِهِ أَنَّ للهِ شَرِيكًا أَو وَلَدًا، أَي لَا ظُلمَ أَشَدُّ مِنَ الكُفرِ، سَوَاءٌ كَانَ كُفرَ إِشرَاكٍ أَو غَيرَهُ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([9])، مَعنَاهُ الكَامِلُونَ فِي الظُّلمِ، فَأَكبَرُ الظُّلمِ وَأَشَدُّ الظُّلمِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالشِّركُ بِاللهِ هُوَ الذَّنبُ الَّذِي لَا يَغفِرُهُ اللهُ تَعَالَى، أَي لِمَن استَمَرَّ عَلَيهِ إِلَى أَن مَاتَ، لِقَولِهِ تَعَالَى:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) ([10]).
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) (16)
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) خِطَابٌ مِن بَعضِهِم لِبَعضٍ حِينَ صَمَّمَت عَزِيمَتُهُم عَلَى الفِرَارِ بِدِينِهِم وَالِاعتِزَالِ وَالمُفَارَقَةِ، وَالمُرَادُ مُفَارَقَةُ عَبَدَةِ الأَصنَامِ
( وَمَا يَعْبُدُونَ) أَيِ اعتَزَلُوا الكُفَّارَ وَمَعبُودَاتِهِم
( إِلَّا اللَّهَ )استِثنَاءٌ مُتَّصِلٌ([11])، لِأَنَّهُم كَانُوا يُقِرُّونَ بِالخَالِقِ بِأَلسِنَتِهِم وَيُشرِكُونَ مَعَهُ غَيرَهُ كَأَهلِ مَكَّةَ، يَقُولُونَ يُوجَدُ خَالِقٌ لَكِنَّهُم يُشرِكُونَ بِاللهِ، هَكَذَا كَانَ المُشرِكُونَ، أَو يَكُونُ الِاستِثنَاءُ مُنقَطِعًا([12])، أَي وَإِذِ اعتَزَلتُمُ الكُفَّارَ وَالأَصنَامَ الَّتِي يَعبُدُونَهَا مِن دُونِ اللهِ، أَو هُوَ كَلَامٌ مُعتَرِضٌ([13])، إِخبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَنِ الفِتيَةِ أَنَّهُم لَم يَعبُدُوا غَيرَ اللهِ
(فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) سِيرُوا إِلَيهِ أَوِ اجعَلُوا الكَهفَ مَأوَاكُم
(يَنشُرْ لَكُمْ) أَي يَبسُط عَلَيكُم
( رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ )رِزقَهُ أَو كُلَّ مَا يَدفَعُ عَنكُمُ الهَلَاكَ
(وَيُهَيِّئْ) أَي وَيُسَهِّل
(لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم) الَّذِي أَنتُم فِيهِ
( مِّرْفَقًا) تَرتَفِقُونَ بِهِ أَي تَنتَفِعُونَ بِهِ مِن رِزقٍ وَغَيرِهِ، وَهُوَ مَا يُرتَفَقُ بِهِ أَي يُنتَفَعُ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِفَضلِ اللهِ وَقُوَّةً فِي رَجَائِهِم لِتَوَكُّلِهِم عَلَيهِ وَنُصُوعِ يَقِينِهِم.
ثُمَّ أَخبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن حَالِ الفِتيَةِ بَعدَمَا أَوَوا إِلَى الكَهفِ فَقَالَ:
(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) (17)
([14]) (وَتَرَى الشَّمْسَ) أَي وَلَو رَأَيتَ كُنتَ تَرَى الشَّمسَ
(إِذَا طَلَعَت) وَأَشرَقَ ضَوؤُهَا
(تَّزَاوَرُ) مِنَ الزَّورِ وَهُوَ المَيلُ([15])، وَمِنهُ زَارَهُ إِذَا مَالَ إِلَيهِ، وَالزُّورُ المَيلُ عَنِ الصِّدقِ، وَالمَعنَى إِذَا مَالَت بِضَوئِهَا
(عَن كَهْفِهِمْ) أَي تَمِيلُ عَنهُ وَلَا يَقَعُ شُعَاعُهَا عَلَيهِم
(ذَاتَ الْيَمِينِ) جِهَةَ اليَمِينِ، وَحَقِيقَتُهَا الجِهَةُ المُسَمَّاةُ بِاليَمِينِ
( وَإِذَا) أَي وَكُنتَ تَرَاهَا عِندَمَا
(غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) تَقطَعُهُم، أَي تَترُكُهُم وَتَعدِلُ عَنهُم إِلَى جِهَةِ شَمَالِ الكَهفِ
( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ) أَي وَمَعَ أَنَّهُم فِي مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهفِ مُعَرَّضٍ لِلإِصَابَةِ بِضَوءِ الشَّمسِ إِلَّا أَنَّهَا كَانَت لَا تُصِيبُهُم فِي طُلُوعِهَا وَلَا فِي غُرُوبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَد حَفِظَ اللهُ أَبدَانَهُم وَهَوَاءَ الغَارِ مِنَ التَّعَفُّنِ، وَقِيلَ: فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ أَي مُنفَسَحٍ مِن غَارِهِم يَنَالُهُم فِيهِ رَوحُ الهَوَاءِ وَبَردُ النَّسِيمِ وَلَا يُحِسُّونَ كُرَبَ الغَارِ
(ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) أَي مَا صَنَعَهُ اللهُ بِهِم مِنَ ازوِرَارِ الشَّمسِ وَقَرضِهَا طَالِعَةً وَغَارِبَةً آيَةٌ مِن آيَاتِ اللهِ، يَعنِي أَنَّ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ اليَومِ تُصِيبُهُ الشَّمسُ وَلَا تُصِيبُهُم اختِصَاصًا لَهُم بِالكَرَامَةِ، وَقِيلَ: بَابُ الكَهفِ شَمَالِيٌّ مُستَقبِلٌ لِبَنَاتِ نَعشٍ، فَهُم فِي مَقنَأَةٍ([16]) أَبَدًا وَمَعنَى ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَنَّ شَأنَهُم وَحَدِيثَهُم مِن آيَاتِ اللهِ، أَي مِن عَجَائِبِ صُنعِ اللهِ وَالدِّلَالَاتِ عَلَى عَظِيمِ قُدرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَمَا أَنَّ حِفظَ أَهلِ الكَهفِ بِتَقدِيرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَدبِيرِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَجرِي فِي هَذَا العَالَمِ بِتَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى، مَا كَانَ خَيرًا وَمَا كَانَ شَرًّا، فَكَذَلِكَ هِدَايَةُ أَهلِ الكَهفِ إِلَى الإِيمَانِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ وَتَدبِيرِهِ
(مَن يَهْدِ اللَّهُ) أَي مَن يَهدِهِ اللهُ إِلَى الإِيمَانِ كَأَصحَابِ الكَهفِ
(فَهُوَ الْمُهْتَدِ) المُفلِحُ، وَهَوُ ثَنَاءٌ عَلَيهِم بِأَنَّهُم جَاهَدُوا فِي اللهِ وَأَسلَمُوا لَهُ وُجُوهَهُم، فَأَرشَدَهُم إِلَى نَيلِ تِلكَ الكَرَامَةِ السَّنِيَّةِ
(وَمَن يُضْلِلْ) أَي وَمَن يُضلِلهُ اللهُ بِأَن يَخلُقَ فِيهِ الضَّلَالَةَ وَلَا يُرشِدَهُ إِلَى الحَقِّ كَدِقيَانُوسَ وَتَابِعِيهِ عَلَى الكُفرِ
(فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) أَي مَن أَضَلَّهُ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ يُرشِدُهُ وَيَهدِيهِ، وَالمَعنَى أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَهدِي مَن أَضَلَّهُ اللهُ
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا )(18)
(وَتَحْسَبُهُمْ) أَي لَو رَأَيتَهُم لَحَسِبتَهُم، وَالخِطَابُ لِكُلِّ أَحَدٍ
( أَيْقَاظًا) جَمعُ يَقِظٍ، أَي غَيرَ نَائِمِينَ، لِأَنَّ أَعيُنَهُم كَانَت مُفَتَّحَةً
(وَهُمْ رُقُودٌ) أَي نِيَامٌ، عُيُونُهُم مُفَتَّحَةٌ وَهُم نِيَامٌ، فَيَحسَبُهُمُ النَّاظِرُ لِذَلِكَ أَيقَاظًا، (وَنُقَلِّبُهُمْ) أَي يَخلُقُ اللهُ فِيهِمُ التَّقَلُّبَ، وَفِعلُ اللهِ تَعَالَى لَيسَ بِالجَوَارِحِ، وَلَيسَ بِالمُبَاشَرَةِ وَلَا بِالمُمَاسَّةِ، لَيسَ كَفِعلِ المَخلُوقِينَ، بَل فِعلُهُ تَعَالَى خَلقٌ وَإِيجَادٌ، فَكَانُوا يَتَقَلَّبُونَ تَقَلُّبَ النَّائِمِ أَثنَاءَ نَومِهِ، وَقِيلَ: لَهُم تَقَلُّبَتَانِ فِي السَّنَةِ، وَقِيلَ: تَقَلُّبَةٌ وَاحِدَةٌ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ
(ذَاتَ الْيَمِينِ )أَي جِهَةَ أَيمَانِهِم تَقَلُّبَةٌ
( وَذَاتَ الشِّمَالِ )أَي وَجِهَةَ شِمَالِهِم تَقَلُّبَةٌ، مِن جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، لِئَلَّا تَأكُلَ الأَرضُ لُحُومَهُم مِن طُولِ المُكثِ وَامتِنَاعِ النَّسِيمِ عَنِ الجَنبِ الَّذِي يَلِي الأَرضَ، وَلَو شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَحَفِظَ أَبدَانَهُم مِن دُونِ تَقلِيبٍ لَهُم، وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ لِحِكمَةٍ، فَهُوَ خَالِقُ الأَسبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ
(وَكَلْبُهُم) وَاسمُهُ قِطمِيرُ أَو غَيرُهُ، وَهُوَ رَاقِدٌ
(بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ) أَي مَادٌّ لَهُمَا
(بِالْوَصِيدِ) بِالفِنَاءِ([17])، أَو بِالعَتَبَةِ، وَهُوَ جَاعِلٌ وَجهَهُ تُجَاهَ الفِتيَةِ، وَقِيلَ: كَانَ يَتَقَلَّبُ مَعَ تَقَلُّبِهِم، فَإِذَا انقَلَبُوا جِهَةَ اليَمِينِ لَوَى أُذُنَهُ اليُمنَى وَرَقَدَ عَلَيهَا، وَإِذَا انقَلَبُوا جِهَةَ الشِّمَالِ لَوَى أُذُنَهُ اليُسرَى وَرَقَدَ عَلَيهَا، وَقِيلَ: لَمَّا فَرُّوا لَيلًا مِن مَلِكِهِم مَرُّوا بِكَلبٍ فَنَبَحَ عَلَيهِم، فَطَرَدُوهُ فَعَادَ، فَفَعَلُوا مِرَارًا، فَأَنطَقَ اللهُ الكَلبَ فَقَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنِّي، لَا تَخشَوا جَانِبِي، أَنَا أُحِبُّ أَحِبَّاءَ اللهَ، فَنَامُوا حَتَّى أَحرُسَكُم.
تَنبِيهٌ: لَا يَصِحُّ مَا يُروَى فِي بَعضِ الكُتُبِ بِلَا سَنَدٍ مِن أَنَّهُ يَدخُلُ الجَنَّةَ بَعضٌ مِنَ البَهَائِمِ الَّتِي كَانَت فِي الدُّنيَا، كَدُلدُلَ بَغلَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَاقَةِ صَالِحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَعِجلِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَبَقَرَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ زَمَنَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَحُوتِ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَحِمَارِ عُزَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَنَملَةِ وَهُدهُدِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَلبِ أَهلِ الكَهفِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا يُقَالُ إِنَّهُم يَصِيرُونَ عَلَى صُورَةِ كَبشٍ وَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ، كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا لَا أَصلَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ لِقَائِلِهِ عَلَيهِ، وَإِن وُجِدَ ذَلِكَ فِي بَعضِ كُتُبِ التَّفسِيرِ، بَلِ الأَصلُ عَدَمُ وُرُودِ استِثنَاءِ شَيءٍ فِي قَضِيَّةِ مَآلِ البَهَائِمِ وَهُوَ الفَنَاءُ، قَالَ تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (26) ([18])، وَكَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَوقُوفًا عَلَيهِ: “يُحشَرُ الخَلقُ كُلُّهُم يَومَ القِيَامَةِ، البَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالطَّيرُ وَكُلُّ شَيءٍ، فَيَبلُغُ مِن عَدلِ اللهِ تَعَالَى أَن يَأخُذَ لِلجَمَّاءِ([19]) مِنَ القَرنَاءِ([20]) ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا فَذَلِكَ: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) (40) ([21])([22]).اهـ أَمَّا البُرَاقُ الَّذِي رَكِبَهُ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رِحلَةِ الإِسرَاءِ فَهُوَ مِن دَوَابِّ الجَنَّةِ وَقَد أُعِيدَ إِلَى الجَنَّةِ بَعدَ مَا رَكِبَهُ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رِحلَةِ الإِسرَاءِ.
ﱡ( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) لَوَ أَشرَفتَ عَلَيهِم فَنَظَرتَ إِلَيهِم وَهُم فِي حَالِ الرُّقَادِ وَأَعيُنُهُم مُفَتَّحَةٌ
( لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) لَأَعرَضتَ عَنهُم وَلَفَرَرتَ مِمَّا شَاهَدتَ( فِرَارًا) مَنصُوبٌ عَلَى المَصدَرِ، لِأَنَّ مَعنَى (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ) فَرَرتَ مِنهُم، وَذَلِكَ لِمَا أَلبَسَهُمُ اللهُ مِنَ الهَيبَةِ فَلَا يَصِلُ إِلَيهِم أَحَدٌ
(وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ) أَي مِن رُؤيَتِهِم
( رُعْبًا ) أَي خَوفًا، وَهُوَ الخَوفُ الَّذِي يُرعِبُ الصَّدرَ أَي يَملَأُهُ، وَذَلِكَ لِمَا أَلبَسَهُمُ اللهُ مِنَ الهَيبَةِ أَو لِطُولِ أَظفَارِهِم وَشُعُورِهِم وَعِظَمِ أَجرَامِهِم، وَعَن مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ غَزَا الرُّومَ فَمَرَّ بِالكَهفِ فَقَالَ: أُرِيدُ أَن أَدخُلَ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: لَقَد قِيلَ لِمَن هُوَ خَيرٌ مِنكَ (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) فَدَخَلَت جَمَاعَةٌ بِأَمرِهِ فَأَحرَقَتهُم رِيحٌ([23]).اهـ وَهَذَا عَلَى قَولِ بَعضِ المُفَسِّرِينَ، وَإِلَّا فَإِنَّ جُمهُورَ المُفَسِّرِينَ قَالُوا: إِنَّهُم غُيِّبُوا وَمَا عَادَت أَجسَادُهُم تَظهَرُ فِي الكَهفِ لِلنَّاسِ.
(وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا )(19)
وَأَخبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن حَالِ أَهلِ الكَهفِ بَعدَ استِيقَاظِهِم مِن رُقَادِهِم، فَقَالَ تَعَالَى
( وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ) وَكَمَا أَنَمنَاهُم تِلكَ النَّومَةَ كَذَلِكَ أَيقَظنَاهُم إِظهَارًا لِلقُدرَةِ عَلَى الإِنَامَةِ وَالبَعثِ جَمِيعًا، فَبَعَثَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِن نَومَتِهِمُ الَّتِي تُشبِهُ المَوتَ مِن غَيرِ أَن تَبلَى أَجسَادُهُم أَو أَن تَتَعَفَّنَ عَلَى مَدَى زَمَانِ رُقَادِهِم، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى بَعثِ العِبَادِ
(لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) أَي لِيَسأَلَ بَعضُهُم بَعضًا وَيَتَعَرَّفُوا حَالَهُم وَمَا صَنَعَ اللهُ بِهِم، فَيَعتَبِرُوا وَيَستَدِلُّوا عَلَى عِظَمِ قُدرَةِ اللهِ، وَيَزدَادُوا يَقِينًا، وَيَشكُرُوا مَا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِم، وَلَمَّا أَفَاقُوا وَقَدِ استَنكَرُوا كَم نَامُوا
(قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ) وَهُوَ رَئِيسُهُم وَكَبِيرُهُم مُكَسلَمِينُ، وَقَالَ بَعضُهُم: بَل رَئِيسُهُم أَملِيخَا كَمَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ
(كَمْ لَبِثْتُمْ) فِي نَومِكُم
(قَالُوا) أَي قَالَ بَعضُهُم
(لَبِثْنَا) فِي رُقَادِنَا
(يَوْمًا) أَي كَم مُدَّةُ لُبثِكُم، أَي كَم مَرَّ عَلَينَا مُنذُ دَخَلنَا هَذَا الكَهفَ؟ وَقَولُهُم لَبِثنَا يَومًا أَو بَعضَ يَومٍ، جَوَابٌ مَبنِيٌّ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُم دَخَلُوا غَدوَةً وَبَعَثَهُمُ اللهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: لَمَّا رَأَوُا الشَّمسَ قَد بَقِيَ مِنهَا بَقِيَّةٌ لَم تَغرُب
( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وَرُوِيَ أَنَّهُم لَمَّا نَظَرُوا إِلَى طُولِ شُعُورِهِم وَأَظفَارِهِم عَلِمُوا أَنَّهُم لَبِثُوا أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ
( قَالُوا) أَي قَالَ بَعضُهُم:
(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) بِمُدَّةِ لُبثِكُم، إِنكَارٌ عَلَيهِم مِن بَعضِهِم، كَأَنَّهُم قَد عَلِمُوا بِالأَدِلَّةِ أَو بِإِلهَامٍ أَنَّ المُدَّةَ مُتَطَاوِلَةٌ وَأَنَّ مِقدَارَهَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَقَدِ استَدَلَّ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَدَدَهُم سَبعَةٌ، لِأَنَّهُ قَد قَالَ فِي الآيَةِ: قال (قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) ؟ وَهَذَا وَاحِدٌ، وَقَالُوا فِي جَوَابِهِ: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ )وَهُوَ جَمعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ قَالَ:( قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) وَهَذَا قَولُ جَمعٍ آخَرِينَ فَصَارُوا سَبعَةً، وَكَانَ الَّذِينَ قَالُوا:(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أَنَّ لُبثَهُم قَد تَطَاوَلَ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: القَائِلُ لِهَذَا رَئِيسُهُم، رَدَّ عِلمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَئِيسَهُم لَمَّا سَمِعَ الِاختِلَافَ بَينَهُم قَالَ: دَعُوا الِاختِلَافَ
( فَابْعَثُوا أَحَدَكُم) يَعنِي أَملِيخَا
(بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ) هِيَ الفِضَّةُ، مَضرُوبَةً كَانَت أَو غَيرَ مَضرُوبَةٍ، وَكَانَ عَلَيهَا ضَربُ طَابَعِ دِقيَانُوسَ
(إِلَى الْمَدِينَةِ) هِيَ أُفسُوسُ الَّتِي خَرَجتُم مِنهَا، وَحَملُهُم الوَرِقَ هُنَا بِكَسرِ الرَّاءِ عِندَ فِرَارِهِم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَملَ النَّفَقَةِ وَمَا يَصلُحُ لِلمُسَافِرِ هُوَ رَأيُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ دُونَ المُتَّكِلِينَ عَلَى مَا فِي أَوعِيَةِ القَومِ مِنَ النَّفَقَاتِ، وَعَن بَعضِ العُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الحَنِينِ إِلَى بَيتِ اللهِ، وَيَقُولُ: مَا لِهَذَا السَّفَرِ إِلَّا شَيئَانِ، شَدُّ الهَيمَانِ([24]) وَالتَّوَكُّلُ عَلَى الرَّحمَنِ
(فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا) أَيُّ أَهلِهَا
(أَزْكَىٰ طَعَامًا )أَي أَحَلُّ وَأَطيَبُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ فِي المَدِينَةِ مُؤمِنُونَ يُخفُونَ إِيمَانَهُم وَيَذبَحُونَ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ
( فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) أَي مِن هَذَا الطَّعَامِ الأَزكَى لِتَأكُلُوهُ
(وَلْيَتَلَطَّفْ) وَليَتَكَلَّفِ اللُّطفَ فِيمَا يُبَاشِرُهُ مِن أَمرِ المُبَايَعَةِ حَتَّى لَا يُغبَنَ، أَو فِي أَمرِ التَّخَفِّي حَتَّى لَا يَعرِفَ بِأَمرِهِ دِقيَانُوسُ وَجَمَاعَتُهُ
( وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) أَي وَلَا يَفعَلَنَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الشُّعُورِ بِنَا مِن غَيرِ قَصدٍ مِنهُ، فَسَمَّى ذَلِكَ إِشعَارًا مِنهُ بِهِم لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّزَوُّدَ مِنَ الحَلَالِ وَالعَمَلَ بِالأَسبَابِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ
(إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (20)
(إِنَّهُمْ) أَيِ الأَهلُ
( إِن يَظْهَرُوا) يَطَّلِعُوا
( عَلَيْكُمْ) أَي إِن يَطَّلِع كَفَرَةُ المَدِينَةِ عَلَيكُم
(يَرْجُمُوكُمْ) يَقتُلُوكُم أَخبَثَ القَتلِ رَجمًا بِالحِجَارَةِ
( أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) بِالإِكرَاهِ، وَالعَودُ بِمَعنَى الصَّيرُورَةِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِم([25])
(وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا )أَي وَلَن تُفلِحُوا إِن دَخَلتُم فِي دِينِهِم أَبَدًا، أَي إِذَا صِرتُم فِي دِينِ الكُفرِ فَلَن تُفلِحُوا، لِأَنَّهُ لَا يُفلِحُ الكَافِرُونَ
([1]) مَعَانِي القُرآنِ وَإِعرَابُهُ، لِأَبِي إِسحَقَ الزَّجَّاجِ (ج3 ص271).
([3]) قَالَ الإِمَامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: احتَجَّ أَصحَابُنَا الصُّوفِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى صِحَّةِ القَولِ بِالكَرَامَاتِ، وَهُوَ استِدلَالٌ ظَاهِرٌ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ كَرَامَاتِ الأَولِيَاءِ القُرآنُ وَالأَخبَارُ وَالآثَارُ وَالمَعقُولُ، أَمَّا القُرآنُ فَالمُعتَمَدُ فِيهِ عِندَنَا آيَاتٌ، الحُجَّةُ الأُولَى قِصَّةُ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ، الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ قِصَّةُ أَصحَابِ الكَهفِ وَبَقَاؤُهُم فِي النَّومِ أَحيَاءَ سَالِمِينَ عَنِ الآفَاتِ مُدَّةَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسعِ سِنِينَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ يَعصِمُهُم مِن حَرِّ الشَّمسِ، كَمَا قَالَ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) إِلَى قَولِهِ: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) أَمَّا الأَخبَارُ فَكَثِيرَةٌ:
الخَبَرُ الأَوَّلُ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَم يَتَكَلَّم فِي المَهدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، عِيسَى ابنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَصَبِيٌّ فِي زَمَنِ جُرَيجٍ النَّاسِكِ، وَصَبِيٌّ آخَرُ، أَمَّا عِيسَى فَقَد عَرَفتُمُوهُ، وَأَمَّا جُرَيجٌ فَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا بِبَنِي إِسرَائِيلَ…..” الحَدِيثَ. الخَبَرُ الثَّانِي وَهُوَ خَبَرُ الغَارِ، وَهُوَ مَشهُورٌ فِي الصِّحَاحِ، عَنِ الزُّهرِيِّ عَن سَالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “انطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهطٍ مِمَّن كَانَ قَبلَكُم فَآوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى غَارٍ…..” الحَدِيثَ. الخَبَرُ الثَّالِثُ قَولُهُ ﷺ: “رُبَّ أَشعَثَ أَغبَرَ ذِي طِمرَينِ لَا يُؤبَهُ لَهُ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ”.اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج21 ص431).
([4]) أَيِ الخَيرِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص598).
([5]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص288).
([6]) المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص288).
([7]) الشَّطَطُ: هُوَ الإِفرَاطُ فِي الظُّلمِ وَالإِبعَادُ فِيهِ، مِن شَطَّ يَشِطُّ وَيَشُطُّ يَعنِي بِكَسرِ الشِّينِ وَضَمِّهَا إِذَا بَعُدَ.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ (ج1 ص313).
([8]) أَي لَا يُصِيبُهُ مَكرُوهٌ وَلَا فَاقَةٌ وَلَا فَقرٌ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: الضُّرُّ الفَاقَةُ وَالفَقرُ بِضَمِّ الضَّادِ اسمٌ وَبِفَتحِهَا مَصدَرُ ضَرَّهُ يَضُرُّهُ مِن بَابِ قَتَلَ إذَا فَعَلَ بِهِ مَكرُوهًا.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص360).
([9]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:254].
([10]) [سُورَةُ النِّسَاءِ:116].
([11]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص289).
([12]) الِاستِثنَاءُ المُتَّصِلُ: كَقَولِكَ: قَامَ القَومُ إِلَّا زَيدًا، وَمَعنَى المُتَّصِلِ: أَن يَكُونَ المُستَثنَى مِن جِنسِ المُستَثنَى مِنهُ. وَالمُنقَطِعُ: كَقَولِكَ: “جَاءَ القَومُ إِلَّا حِمَارَهُم”، وَمَعنَى المُنقَطِعِ: أَن لَا يَكُونَ المُستَثنَى مِن جِنسِ المُستَثنَى مِنهُ.اهـ المُستَصفَى فِي أُصُولِ الفِقهِ، لِأَبِي حَامِدٍ الغَزَالِيِّ (ص258).
([13]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص289).
([15]) المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص260).
([16]) قَالَ ابن منظور: المَقنَأَةُ والمَقنُؤَةُ: المَكَانُ الَّذِي لَا تَطلُع عَلَيهِ الشَّمسُ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج1 ص135).
([17]) قَالَ الرَّازيُّ: فِنَاءُ الدَّارِ مَا امتَدَّ مِن جَوَانِبِهَا.اهـ مُختَارُ الصَّحَاحِ، لِزَينِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ص243).
([18]) [سُورَةُ الرَّحمَنِ:26].
([19]) أَي لَيسَ لَهَا قَرنٌ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: جَمِمَتِ الشَّاةُ جَمَمًا مِن بَابِ تَعِبَ إذَا لَم يَكُن لَهَا قَرنٌ فَالذَّكَرُ أَجَمُّ وَالأُنثَى جَمَّاءُ وَالجَمعُ جُمٌّ مِثلُ: أَحمَرَ وَحَمرَاءَ وَحُمرٍ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص110).
([20]) أَي لَهَا قَرنٌ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: شَاةٌ قَرنَاءُ خِلَافُ جَمَّاءَ.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص500).
([21]) [سُورَةُ النَّبَأِ:40].
([22]) المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج2 ص345).
([23]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص291).
([24]) أَيِ الَّذِي خَرَجَ عَلَى وَجهِهِ لَا يَدرِي أَينَ يَتَوَجَّهُ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص645).
([25]) أَي أَنَّ العَرَبَ استَعمَلَت عَادَ بِمَعنَى صَارَ كَثِيرًا.