(وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (21))
(وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) أَي وَكَمَا أَنَمنَاهُم وَبَعَثنَاهُم لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الحِكمَةِ أَطلَعنَا عَلَيهِم
(لِيَعْلَمُوا) أَيِ الَّذِينَ أَطلَعَهُمُ اللهُ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَهلِ الكَهفِ
(أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أَنَّ البَعثَ لِيَومِ الحِسَابِ كَائِنٌ صَادِقٌ لَا خُلفَ فِيهِ، لِأَنَّ الَّذِي خَرَقَ العَادَةَ فِي إِنَامَتِهِم وَإِيقَاظِهِم قَادِرٌ عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى
(وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) فَإِنَّهُم يَستَدِلُّونَ بِأَمرِهِم عَلَى صِحَّةِ البَعثِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا كَائِنَةٌ وَإِن وُجِدَ مِنَ الكَافِرِينَ مَن يُنكِرُهَا
(إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ) أَي وَاذكُر أَهلَ الزَّمَانِ حِينَ يَتَنَازَعُونَ
(أَمْرَهُمْ) أَي أَمرَ دِينِهِم وَيَختَلِفُونَ فِي حَقِيقَةِ البَعثِ فَكَانَ بَعضُهُم يَقُولُ تُبعَثُ الأَروَاحُ دُونَ الأَجسَادِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ تُبعَثُ الأَجسَادُ مَعَ الأَروَاحِ، لِيَرتَفِعَ الخِلَافُ وَلِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الأَجسَادَ تُبعَثُ حَيَّةً حَسَّاسَةً فِيهَا أَروَاحُهَا كَمَا كَانَت قَبلَ المَوتِ، فَالبَعثُ حَقٌّ بِالنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ وَبِإِجمَاعِ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً، وَيَكُونُ البَعثُ بِالرُّوحِ وَالجَسَدِ.
وَلَمَّا تَوَفَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَصحَابَ الكَهفِ رَأَى النَّاسُ مَا كَانَ مِن عَجِيبِ أَمرِهِم
ﱡ فَقَالُوا أَي قَالَ بَعضُهُم
(ابْنُوا) أَي عَلَى بَابِ كَهفِهِم لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيهِمُ النَّاسُ ضِمنًا بِتُربَتِهِم وَمُحَافَظَةً عَلَيهَا كَمَا حُفِظَت تُربَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَكَانِ المَخصُوصِ لَهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
(عَلَيْهِم بُنْيَانًا )مِن كَلَامِ المُتَنَازِعِينَ كَأَنَّهُم تَذَاكَرُوا أَمرَهُم وَتَنَاقَلُوا الكَلَامَ فِي أَنسَابِهِم وَأَحوَالِهِم وَمُدَّةِ لُبثِهِم فَلَمَّا لَم يَهتَدُوا إِلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ قَالُوا
(رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) أَو هُوَ مِن كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا لِقَولِ الخَائِضِينَ فِي حَدِيثِهِم
(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ) يَعنِي المُطَاعِينَ مِنَ المُسلِمِينَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ وَمَعَهُم مَلِكُهُمُ المُؤمِنُ بَيدَرُوسُ
(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم) عَلَى بَابِ الكَهفِ
ﱡﱣ (مَّسْجِدًا) يُصَلِّي فِيهِ المُسلِمُونَ وَيَتَبَرَّكُونَ بِمَكَانِهِم.
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22)
(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ)
الضَّمِيرُ فِي( سَيَقُولُونَ) لِمَن خَاضَ فِي قِصَّتِهِم فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُؤمِنِينَ وَأَهلِ الكِتَابِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنهُم، فَأَخَّرَ الجَوَابَ إِلَى أَن يُوحَى إِلَيهِ فِيهِم، فَنَزَلَت إِخبَارًا بِمَا سَيَجرِي بَينَهُم مِنَ اختِلَافِهِم فِي عَدَدِهِم، وَأَنَّ المُصِيبَ مِنهُم مَن يَقُولُ سَبعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلبُهُم، وَيُروَى أَنَّهُ اختَلَفَ نَصرَانِيَّانِ فِي عِدَّةِ أَصحَابِ الكَهفِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ، وَيُروَى أَنَّ القَائِلَ اسمُهُ السَّيِّدُ مِن نَصَارَى نَجرَانَ وَكَانَ تَابِعًا لِليَعقُوبِيَّةِ، فَقَالَ: كَانُوا ثَلَاثَةً رَابِعُهُم كَلبُهُم، وَقَالَ قَائِلٌ آخَرُ مِن نَصَارَى نَجرَانَ وَاسمُهُ العَاقِبُ وَكَانَ نُصطُورِيًّا([1]): كَانُوا خَمسَةً سَادِسُهُم كَلبُهُم، وَقَالَ المُسلِمُونَ: كَانُوا سَبعَةً وَثَامِنُهُم كَلبُهُم، فَحَقَّقَ اللهُ قَولَ المُسلِمِينَ، وَإِنَّمَا عَرَفُوا ذَلِكَ بِإِخبَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِمَا ذَكَرنَا مِن قَبلُ، وَعَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “هُم سَبعَةُ نَفَرٍ أَسمَاؤُهُم يَملِيخَا وَمَكشَلِينَا وَمَشلِيينَا، هَؤُلَاءِ أَصحَابُ يَمِينِ المَلِكِ، وَكَانَ عَن يَسَارِهِ: مَرنُوشُ وَدَبرَنُوشُ وَشَاذَنُوشُ، وَكَانَ يَستَشِيرُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةَ فِي أَمرِهِ، وَالسَّابِعُ الرَّاعِي الَّذِي وَافَقَهُم حِينَ هَرَبُوا مِن مَلِكِهِم دِقيَانُوسَ، وَاسمُ مَدِينَتِهِم أُفسُوسُ، وَاسمُ كَلبِهِم قِطمِيرُ”، وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يَقُولُونَ ذَلِكَ
(رَجْمًا بِالْغَيْبِ) أَي ظَنًّا مِنهُم بِأَمرٍ غَابَ عِلمُهُ عَنهُم، أَمَّا المُسلِمُونَ الَّذِينَ قَالُوا سَبعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلبُهُم قَالُوه عَن ثَبَاتِ عِلمٍ وَلَم يَرجُمُوا بِالظَّنِّ كَمَا رَجَمَ غَيرُهُم، دَلِيلُهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَتبَعَ القَولَينِ الأَوَّلَينِ قَولَهُ (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وَأَتبَعَ القَولَ الثَّالِثَ قَولَهُ
(وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) أَي بِعَدَدِ أَهلِ الكَهفِ، وَقَد أَخبَرَكُم بِمَا بِهَا بِقَولِهِ :
(مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ )أَي مَا يَعلَمُ عَدَدَهُم إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: “أَنَا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ، كَانُوا سَبعَةً وَكَلبَهُم”([2]).
ﱡ (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ) أَي فَلَا تُجَادِل أَهلَ الكِتَابِ فِي شَأنِ أَصحَابِ الكَهفِ
(إِلَّا مِرَاءً) أَي جِدَالًا
(ظَاهِرًا) غَيرَ مُتَعَمِّقٍ، وَذَلِكَ بِأَن تَقُصَّ عَلَيهِم مَا أَنزَلَ اللهُ فِي شَأنِ أَهلِ الكَهفِ فِي القُرآنِ فَحَسبُ وَأَن لَا تَزِيدَهُ، أَو أَن تَفعَلَ ذَلِكَ بِمَشهَدٍ مِنَ النَّاسِ لِيَظهَرَ صِدقُكَ
(وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا )
وَلَا تَسأَل أَحَدًا مِنهُم عَن قِصَّتِهِم سُؤَالَ مُتَعَنِّتٍ لَهُ حَتَّى يَقُولَ شَيئًا فَتَرُدَّهُ عَلَيهِ وَتُزَيِّفَ مَا عِندَهُ، وَلَا سُؤَالَ مُستَرشِدٍ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد أَرشَدَكَ بِأَن أَوحَى إِلَيكَ قِصَّتَهُم، فَلَا حَاجَةَ لِسُؤَالِ أَحَدٍ مِن أَهلِ الكِتَابِ عَن ذَلِكَ
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23))
وَرُوِيَ أَنَّ بَعضَ أَهلِ الكِتَابِ قَالُوا لِقُرَيشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الرُّوحِ وَعَن أَصحَابِ الكَهفِ وَعَن ذِي القَرنَينِ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ ﷺ: “أُخبِرُكُم غَدًا” وَلَم يَقُل إِن شَاءَ اللهُ، فَأَبطَأَ عَلَيهِ الوَحيُ أَيَّامًا ثُمَّ نَزَلَت([3])
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) لِأَجلِ شَيءٍ تَعزِمُ عَلَيهِ
(إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ) الشَّيءَ
(غَدًا )أَي فِيمَا يُستَقبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَم يُرِدِ الغَدَ خَاصَّةً، فالمَعنَى لَو كَانَ يُرِيدُ أَن يَتَكَلَّمَ عَمَّا يَفعَلُهُ بَعدَ سَنَةٍ أَو سَنَتَينِ أَو أَكثَرَ فِيمَا بَينَ اليَومِ الَّذِي يَلِي يَومَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَمَا بَينَ ذَلِكَ
(إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا) (24))
(إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) أَي إِلَّا مَعَ الِاستِثنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللهِ بِأَن تَقُولَ أَفعَلُ ذَلِكَ إِن شَاءَ اللهُ، وَلَيسَ هَذَا نَهيَ تَحرِيمٍ بَل هُوَ إِرشَادٌ لِلأَفضَلِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعنَاهُ: وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّي أَفعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ قَولَ القَائِلِ أَنَا أَفعَلُ ذَلِكَ إِن شَاءَ اللهُ مَعنَاهُ لَا أَفعَلُهُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ.اهـ
(وَاذْكُر رَّبَّكَ )أَي مَشِيئَةَ رَبِّكَ، وَقُل: إِن شَاءَ اللهُ
(إِذَا نَسِيتَ )الِاستِثنَاءَ بِهَا وَقَد عَزَمتَ عَلَى أَمرٍ فَاستَثنِ بِقَولِ: إِن شَاءَ اللهُ إِن تَنَبَّهتَ لَهَا عَن قُربٍ، وَالمَعنَى: إِذَا فَرَطَ([4]) مِنكَ نِسيَانٌ لِذَلِكَ وَنَسِيتَ كَلِمَةَ الِاستِثنَاءِ ثُمَّ تَنَبَّهتَ عَلَيهَا فَتَدَارَكهَا بِالذِّكرِ، وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: “مَا دَامَ فِي مَجلِسِ الذِّكرِ”([5])، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: “وَلَو بَعدَ سَنَةٍ”([6])، وَهَذَا مَحمُولٌ عَلَى تَدَارُكِ التَّبَرُّكِ بِالِاستِثنَاءِ، فَأَمَّا الِاستِثنَاءُ المُغَيِّرُ حُكمًا فَلَا يَصِحُّ إِلَّا مُتَّصِلًا([7])، أَو يَكُونُ مَعنَى الآيَةِ: وَاذكُر رَبَّكَ بِالتَّسبِيحِ وَالِاستِغفَارِ إِذَا نَسِيتَ كَلِمَةَ الِاستِثنَاءِ تَشدِيدًا فِي البَعثِ عَلَى الِاهتِمَامِ بِهَا، أَو صَلِّ صَلَاةً نَسِيتَهَا إِذَا ذَكَرتَهَا، أَو إِذَا نَسِيتَ شَيئًا فَاذكُرهُ
(وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ )أَي يُثَبِّتَنِي
(رَبِّي) عَلَى طَرِيقٍ
(لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا) هُوَ أَقرَبُ إِلَيهِ قُربًا مَعنَوِيًّا وَأَرشَدُ، يَعنِي إِذَا نَسِيتَ شَيئًا فَاذكُر رَبَّكَ، وَذِكرُ رَبِّكَ عِندَ النِّسيَانِ أَن تَقُولَ: عَسَى رَبِّي أَن يَهدِيَنِي لِشَيءٍ آخَرَ بَدَلَ هَذَا المَنسِيِّ أَقرَبَ مِنهُ رَشَدًا وَأَدنَى خَيرًا وَمَنفَعَةً، ثُمَّ أَخبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن مُدَّةِ لُبثِ أَهلِ الكَهفِ فِي كَهفِهِم فَقَالَ تَعَالَى:
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (25)
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) لَبِثُوا أَحيَاءَ رَاقِدِينَ قَد حُجِبَت أَسمَاعُهُم عَنِ التَّنَبُّهِ لِلأَصوَاتِ قَبلَ أَن يُحيِيَهُمُ اللهُ وَيَكشِفَ حَالَهُم لِلنَّاسِ وَيُخَاطِبَهُم المَلِكُ الصَّالِحُ بَيدَرُوسُ وَيُمِيتَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كَهفِهِم
(وَازْدَادُوا تِسْعًا) أَي تِسعَةَ سِنِينَ لِدِلَالَةِ مَا قَبلَهُ عَلَيهِ، وَرُوِيَ أَنَّ نَصَارَى نَجرَانَ قَالَت: أَمَّا ثَلَاثُمِائَةٍ فَقَد عَرَفنَا، وَأَمَّا التِّسعُ فَلَا عِلمَ لَنَا بِهَا، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى
(قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (26)
ﱡ (قُلِ) أَي وَإِن نَازَعَكَ أَهلُ الكِتَابِ أَو غَيرُهُم يَا مُحَمَّدُ فِي مُدَّةِ لُبثِ أَهلِ الكَهفِ فِي كَهفِهِم فَقُل
(اللَّهُ أَعْلَمُ) مِنكُم
(بِمَا) أَي بِالزَّمَانِ الَّذِي
(لَبِثُوا) فِيهِ، وَقَد أَخبَرَ بِمُدَّةِ لُبثِهِم، وَالجُمهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا إِخبَارٌ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُم لَبِثُوا فِي كَهفِهِم كَذَا مُدَّةً، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: بَيَانُ خَطَأِ نَصَارَى نَجرَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمُ اعتَبَرُوا العِدَّةَ بِالسِّنِينَ الشَّمسِيَّةِ فَعَدُّوهَا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَهِيَ بِالسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسعُ سِنِينَ كَمَا أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى([8])، فَلَا يَخفَى عَلَى اللهِ شَيءٌ، هُوَ أَعلَمُ بِحَالِ أَصحَابِ الكَهفِ وَغَيرِهِم، كَيفَ لَا وَهُوَ الَّذِي
(لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ذَكَرَ اختِصَاصَهُ بِعِلمِ مَا غَابَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَخَفِيَ فِيهَا مِنَ أَحوَالِ أَهلِهَا وَمِن غَيرِهَا
(أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ )أَي مَا أَعظَمَ شَأنَهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن سَامِعٍ لَا كَالسَّامِعِينَ، وَمُبصِرٍ لَا كَالمُبصِرِينَ، فَهُوَ بَصِيرٌ لِكُلِّ المُبصَرَاتِ، سَمِيعٌ لِسَائِرِ المَسمُوعَاتِ، وَسَمعُهُ وَبَصَرُهُ سُبحَانَهُ أَزَلِيَّانِ لَا يُشبِهَانِ سَمعَ وَبَصَرَ المَخلُوقَاتِ، فَلَيسَ سَمعُهُ سُبحَانَهُ بِجَارِحَةٍ، وَلَا بَصَرُهُ بِجَارِحَةٍ، بَصَرُ العِبَادِ وَسَمعُهُم يُدرَكُ وَيُتَصَوَّرُ، وَأَمَّا سَمعُ اللهِ وَبَصَرُهُ فَصِفَتَانِ مِن صِفَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ الوَاجِبَةِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّتِي يَجِبُ الإِيمَانُ بِثُبُوتِهَا لَهُ تَعَالَى، وَلَا يَصِحُّ تَصَوُّرُهَا وَلَا تَكَيِيفُهَا
(مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)أَي لَيسَ لِأَهلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ مِن مُتَوَلٍّ لِأَمرِهِم وَلَيسَ لَهُم نَاصِرٌ يَتَوَلَّى أُمُورَهُم وَيَنصُرُهُمُ استِقلَالًا، أَي بِدُونِ مَشِيئَتِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَحكُمُ فِي خَلقِهِ بِمَا يَشَاءُ
(وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ) أَي فِي قَضَائِهِ
(أَحَدًا)مِنهُم، لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الشَّرِيكِ وَيَستَحِيلُ عَلَيهِ الِاحتِيَاجُ، وَسَواءٌ صَدَّقَ الكُفَّارُ الَّذِينَ سَمِعُوا بِمَا جَاءَ فِي شَأنِ أَهلِ الكَهفِ وَغَيرِهِم فِي القُرآنِ أَو كَذَّبُوا بِذَلِكَ فَلَا تَلتَفِت إِلَيهِم.
(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (27)
وَكَانَ المُشرِكُونَ يَقُولُونَ لَلنَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ائتِ بِقُرآنٍ غَيرِ هَذَا أَو بَدِّلهُ، فَقِيلَ لَهُ(وَاتْلُ )أَي وَاقرَأ يَا مُحَمَّدُ
(مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ) أَي مَا أُنزِلَ عَلَيكَ
(مِن كِتَابِ رَبِّكَ )القُرآنِ مُتَّبِعًا مَا فِيهِ عَامِلًا بِهِ فَإِنَّهُ
(لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أَي لَا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَبدِيلِهَا أَو تَغيِيرِهَا، فَإِذَا أَخبَرَ اللهُ أَنَّ أَهلَ الكَهفِ مَكَثُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسعَةً مِنَ السِّنِينَ فَلَا يَتَبَدَّلُ قَولُ اللهِ وَلَا يَتَغَيَّرُ خَبَرُ القُرآنِ لِأَجلِ قَولِ نَصَارَى نَجرَانَ وَلَا غَيرِهِم، فَإِنَّ خَبَرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَجُوزُ فِيهِ الخُلفُ، هُوَ عَزَّ وَجَلَّ أَصدَقُ القَائِلِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَد ضَمِنَ حِفظَ القُرآنِ مِنَ التَّحرِيفِ وَالتَّبدِيلِ وَالتَّغيِيرِ إِلَى وَقتِ رَفعِهِ مِنَ الأَرضِ إِلَى السَّمَاءِ قُبَيلَ قِيَامِ السَّاعَةِ([9])، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(9)([10])
(وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ) أَي مِن دُونِ اللهِ
(مُلْتَحَدًا)أَي أَحَدًا تَلجَأُ إِلَيهِ، فَمَن تَرَكَ اتِّبَاعَ القُرآنِ فَلَا وَلِيَّ لَهُ وَلَا نَاصِرَ مِن دُونِ اللهِ، وَلَمَّا قَالَ قَومٌ مِن رُؤَسَاءِ الكَفَرَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَحِّ هَؤُلَاءِ المَوَالِي وَهُم صُهَيبٌ وَعَمَّارٌ وَخَبَّابٌ وَسَلمَانُ وَغَيرُهُم مِن فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ حَتَّى نُجَالِسَكَ نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) أَيِ احبِس نَفسَكَ يَا مُحَمَّدُ وَثَبِّتهَا
(مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم) كَصُهَيبٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ مِن فُقَرَاءِ المُؤمِنِينَ وَهُم دَائِبُونَ عَلَى تَسبِيحِ اللهِ وَالتَّحمِيدِ وَالتَّهلِيلِ وَالدُّعَاءِ وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ
(بِالْغَدَاةِ) أَوَّلِ النَّهَارِ، أَو صَلَاةِ الفَجرِ
( وَالْعَشِيِّ) آخِرِ النَّهَارِ أَوِ العَصرِ
(يُرِيدُونَ) بِعَمَلِ الطَّاعَاتِ
(وَجْهَهُ) أَي رِضَى اللهِ، لَا يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيَا الزَّائِلَ
(وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) أَي وَلَا تُجَاوِز، أَي لَا يَنصَرِف بَصَرُكَ عَن فُقَرَاءِ المُؤمِنِينَ إِلَى غَيرِهِم مِن ذَوِي الهَيئَاتِ وَالثَّروَةِ
(تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أَي مِن أَجلِ أَنَّكَ تَطلُبُ مُجَالَسَةَ الأَغنِيَاءِ أَشرَافِ القَومِ وَصُحبَةَ أَهلِ الدُّنيَا([11])، وَالخِطَابُ وَإِن كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّ التَحذِيرَ وَالنَّهيَ يَتَوَجَّهُ لِأُمَّتِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَزهَدُ النَّاسِ، وَهُوَ مَحفُوظٌ مِن أَن تَشغَلَهُ الدُّنيَا وَزِينَتُهَا عَن مَصَالِحِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَشَدُّ خَلقِ اللهِ تَوَاضُعًا، مَعصُومٌ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ وَإِيذَائِهِم لِفَقرِهِم، كَمَا أَنَّهُ ﷺ صَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ )(4) ([12])
(وَلَا تُطِعْ) فِي الإِشَارَةِ عَلَيكَ بِطَردِ فُقَرَاءِ المُؤمِنِينَ
(مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا) أَي مَن جَعَلنَا قَلبَهُ غَافِلًا عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَطَاعَتِهِ وَالإِيمَانِ بِكِتَابِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ أَفعَالِ العِبَادِ، وَالمَعنَى وَلَا تُطِع شَقِيًّا خَلَقنَا لَهُ الإِعرَاضَ وَاتَّبَعَ هُوَ هَوَاهُ بِالإِغفَالِ، فَالإِضلَالُ مِنَ اللهِ وَاتِّبَاعُ الهَوَى مِنَ العَبدِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ خَلقَ الضَّلَالَةِ فِي الكَافِرِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحدَهُ الخَالِقُ، وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ هُوَ بِخَلقِ اللهِ تَعَالَى، يَدخُلُ فِي ذَلِكَ العِبَادُ وَأَعمَالُ العِبَادِ وَالخَيرُ وَالشَرُّ وَالإِيمَانُ وَالكُفرُ وَالطَّاعَةُ وَالمَعصِيَةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )([13])
(وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) أَي مَن كَانَ غَافِلًا عَنِ الإِيمَانِ وَمُتَّبِعًا لِهَوَى نَفسِهِ فِي طَلَبِ الشَّهَوَاتِ
(وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) أَي وَكَانَ أَمرُ هَذَا الضَّالِّ المُتَّبِعِ هَوَاهُ فُرُطًا أَي ضَيَاعًا وَهَلَاكًا([14])، لِأَنَّهُ أَعرَضَ عَنِ الإِيمَانِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَكَانَ مُجَاوِزًا عَنِ الحَقِّ
(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (29)
(وَقُلِ) يَا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ وَاتَّبَعُوا هَوَاهُم، أَو وَقُل لِلنَّاسِ
(الْحَقُّ )الَّذِي أَتَيتُكُم بِهِ مِنَ الإِسلَامِ وَالقُرآنِ مُوحًى بِهِ إِلَيَّ
(مِن رَّبِّكُمْ) فَمِنَ اللهِ خَلقُ التَّوفِيقِ وَالخِذلَانِ، وَلَهُ تَصرِيفُ الهُدَى وَالضَّلَالِ كَمَا يَشَاءُ، لَيسَ إِلَيَّ مِن ذَلِكَ شَيءٌ، إِنَّمَا أَدعُوكُم وَلَا أَخلُقُ فِيكُمُ الهِدَايَةَ، وَقَد ظَهَرَ الحَقُّ
( فَمَن شَاءَ) أَي الأَخذَ فِي طَرِيقِ النَّجَاةِ
(فَلْيُؤْمِن) أَي فَقَد آمَنَ بِاختِيَارِهِ
( وَمَن شَاءَ) أَي الأَخذَ فِي طَرِيقِ الهَلَاكِ
(فَلْيَكْفُرْ )أَي فَقَد كَفَرَ بِاختِيَارِهِ أَيضًا، وَلَيسَ فِي ذَلِكَ إِبَاحَةٌ وَتَفوِيضٌ لِارتِكَابِ الكُفرِ أَو تَسوِيَةٌ بَينَهُ وَبَينَ الإِيمَانِ، إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّهدِيدِ كَقَولِهِ تَعَالَى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)([15])، فَمَن عَمِلَ شَرًّا فَعَلَيهِ إِثمُهُ، كَمَا أَنَّ مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاؤُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ المَعنَى مَن شَاءَ اللهُ لَهُ الإِيمَانَ آمَنَ، وَمَن شَاءَ اللهُ لَهُ الكُفرَ كَفَرَ([16]).اهـ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ( وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) مَحمُولٌ عَلَى مَعنَى التَّهدِيدِ لَا التَّرخِيصِ فِي الكُفرِ، وَهُوَ مِمَّا أَوعَدَ اللهُ بِهِ الكَافِرِينَ وَذَكَرَ الجَزَاءَ المُعَدَّ لَهُم، فَالقُرآنُ يُهَدِّدُ مَن كَفَرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ، ولَيسَ مَعنَاهُ لَكُم رُخصَةٌ أَن تَكفُرُوا، لَيسَ مَعنَاهُ مَسمُوحٌ لَكُمُ أَن تَكفُرُوا، بَلِ المَعنَى مَن كَفَرَ هَيَّأنَا لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ، فَهَذَا تَهدِيدٌ وَوَعِيدٌ، لِأَنَّهُ أَتبَعَهُ بِقَولِهِ:
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) أَي خَلَقَ اللهُ وَهَيَّأَ لِلكَافِرِينَ
(نَارًا ) عَظِيمَةً ذَاتَ أَهوَالٍ عَجِيبَةٍ
( أَحَاطَ بِهِمْ ) أَي يُحِيطُ بِالكَافِرِينَ فِيهَا
(سُرَادِقُهَا) شَبَّهَ مَا يُحِيطُ بِهِم مِنَ النَّارِ بِالسُّرَادِقِ وَهِيَ الحُجرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَولَ الفُسطَاطِ([17])، أَو هُوَ دُخَانٌ يُحِيطُ بِالكُفَّارِ قَبلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ، أَو هُوَ حَائِطٌ مِن نَارٍ يَطِيفُ بِهِم([18])، جُدُرٌ مِن نَارٍ تُحِيطُ بِالكَافِرِينَ مِن سَائِرِ الجِهَاتِ وَهُم فِي جَهَنَّمَ تَغشَاهُم مِن كُلِّ النَّوَاحِي، فَيَحتَبِسُ عَلَيهِم حَرُّهَا فَيَزدَادُونَ عَذَابًا فَوقَ عَذَابِ، وَجَهَنَّمُ لَهَا أَرضٌ مُستَقِلَّةٌ غَيرُ أَرضِنَا هَذِهِ وَغَيرُ الأَرضِ السَّابِعَةِ، جَهَنَّمُ تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ لَيسَت مُتَّصِلَةً بِهَا، وَلَهَا جُدرَانُ حَتَّى يَقوَى الحَرُّ عَلَى الكُفَّارِ، وَلَهَا غِطَاءٌ وَسَقفٌ حَتَّى يَزدَادَ الحَرُّ قُوَّةً، رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةُ جُدُرٍ، كُثُفُ كُلِّ جِدَارٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أَربَعِينَ سَنَةً([19])».اهـ وَقَد عَبَّرَ بِالظَّالِمِينَ عَنِ الكَافِرِينَ لِأَنَّ الكُفرَ أَشَدُّ الظُّلمِ، فَالَّذِينَ اختَارُوا الكُفرَ عَلَى الإِيمَانِ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم لِوَضعِهِمُ الشَّيءَ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ وَتَجَاوُزِهِم لِلحَدِّ، لِأَنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ تَعَالَى، وَتَرَكُوا أَعظَمَ حَقٍّ للهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَأَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ
(وَإِن يَسْتَغِيثُوا) أَي وَإِن يَطلُبِ الكَافِرُونَ الغَوثَ مَمَّا هُم فِيهِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ
(يُغَاثُوا) أَي يُجَابُوا فِي مُقَابَلَةِ الغَوثِ بِمَا فِيهِ عَذَابٌ فَوقَ العَذَابِ
(بِمَاءٍ )غَلِيظٍ أَسوَدَ
(كَالْمُهْلِ) كَعَكَرِ الزَّيتِ([20]) المُتَنَاهِي فِي الغَلَيَانِ، أَو كَخَلِيطِ الدَّمِ وَالقَيحِ المُغلَى، أَو كَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ المُذَابِ وَمَا أُذِيبَ مِن جَوَاهِرِ الأَرضِ، وَمِن صِفَةِ هَذَا الشَّرَابِ أَنَّهُ
(يَشْوِي الْوُجُوهَ) إِذَا قُدِّمَ لِيُشرَبَ انشَوَى الوَجهُ مِن حَرَارَتِهِ، فَتَسقُطُ جِلدَةُ وُجُوهِهِم فِيهِ، ثُمَّ تُفرِغُهُ المَلَائِكَةُ فِي أَفوَاهِهِم، رُوِيَ عِندَ التِّرمِذِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي المُهلِ: «كَعَكَرِ الزَّيتِ فَإِذَا قَرُبَ إِلَيهِ([21]) سَقَطَت فَروَةُ وَجهِهِ([22])([23])».اهـ وَقَد ذَمَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الشَّرَابَ مَعَ إِظهَارِهِ شِدَّتَهُ عَلَى الكَافِرِ فَقَالَ:
(بِئْسَ الشَّرَابُ) أَي قَبُحَ الَّذِي يُسقَاهُ الكُفَّارُ فِي النَّارِ
(وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) أَي وَقَبُحَتِ النَّارُ مَنزِلًا وَمَأوًى إِذ لَيسَ فِيهَا شَيءٌ إِلَّا العَذَابُ.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (30)
وَبَعدَ بَيَانِ مَا يَكُونُ لِلكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَاءَ الإِخبَارُ عَن بَعضِ أَحوَالِ المُؤمِنِينَ فِي الجَنَّةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَا نَزَّلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أَيِ الأَعمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُم مُؤمِنُونَ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ، فَمَن عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُثِيبُهُ أَجرًا عَظِيمًا فِي الآخِرَةِ
(إِنَّا لَا نُضِيعُ) أَي لَا يُبطِلُ اللهُ
( أَجْرَ) أَي ثَوَابَ
(مَنْ أَحْسَنَ) مِنَ المُؤمِنِينَ
(عَمَلًا) وَإِن قَلَّ، وَالمَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَترُكُ أَعمَالَ المُؤمِنِينَ تَذهَبُ ضَيَاعًا، بَل يُجَازِيهِم عَلَيهَا بِالثَّوَابِ
([1]) اليَعقُوبِيَّةُ وَالنّصطُورِيَّةُ هُمَا فِرقَتَانِ مِن فِرَقِ النَّصَارَى.
([2]) جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج17 ص642).
([3]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِلإِمَامِ الرَّازِيِّ (ج21 ص428).
([4]) أَي سَبَقَ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص469).
([5]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص296).
([6]) المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص296).
([7]) رُوِيَ عَن أَبِي يُوسُفَ قَالَ: دَعَا المَنصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ الرَّبِيعُ حَاجِبُ المَنصُورِ وَكَانَ يُعَادِي أَبَا حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ جَدَّكَ، وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الحَالِفُ عَلَى اليَمِينِ ثُمَّ استَثنَى بَعدَ ذَلِكَ بِيَومٍ أَو يَومَينِ جَازَ الِاستِثنَاءُ [وَهَذَا القَولُ يُروَى عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَلَا يَثبُتُ عَنهُ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَالَ ابنُ جَرِيرٍ: إن صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فَمَحمُولٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَن يَقُولَ الحَالِفُ “إن شَاءَ اللهُ” وَلَو بَعدَ سَنَةٍ]، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الِاستِثنَاءُ إِلَّا مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّ الرَّبِيعَ يَزعُمُ أَنَّهُ لَيسَ لَكَ فِي رِقَابِ جُندِكَ بَيعَةٌ، قَالَ: وَكَيفَ؟ قَالَ: يَحلِفُونَ لَكَ، ثُمَّ يَرجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِم فَيَستَثنُونَ، فَتَبطُلُ أَيمَانُهُم؟ قَالَ: فَضَحِكَ المَنصُورُ، وَقَالَ: يَا رَبِيعُ لا تَتَعَرَّض لِأَبِي حَنِيفَةَ.اهـ الأَذكِيَاءُ، لِابنِ الجَوزِيِّ (ص74).
([8]) زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج3 ص78).
([9]) مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَأَشرَاطِهَا أَن يُرفَعَ القُرءَانُ العَظِيمُ وَالذِّكرُ الحَكِيمُ مِنَ الصُّدُورِ وَالسُّطُورِ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا تَبقَى ءَايَةٌ مِنَ القُرءَانِ فِي الأَرضِ، وَعِندَئِذٍ يَمُوتُ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَد أَخرَجَ ابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “يَدرُسُ الإِسلَامُ كَمَا يَدرُسُ وَشيُ الثَّوبِ حَتَّى لَا يُدرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسرَى عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيلَةٍ فَلَا يَبقَى فِي الأَرضِ مِنهُ آيَةٌ، وَتَبقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، الشَّيخُ الكَبِيرُ وَالعَجُوزُ، يَقُولُونَ: أَدرَكنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَنَحنُ نَقُولُهَا“، فَقَالَ صِلَةُ بنُ زُفَرَ العَبسِيُّ لِحُذَيفَةَ: مَا تُغنِي عَنهُم (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَهُم لَا يَدرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟، فَأَعرَضَ عَنهُ حُذَيفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعرِضُ عَنهُ حُذَيفَةُ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَيهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ، تُنجِيهِم مِنَ النَّارِ، ثَلَاثًا.اهـ سُنَنُ ابنِ مَاجَه، لِابنِ مَاجَه القَزوِينِيِّ (ج2 ص1344).
([11]) لِيُعلَم أَنَّ مُجَالَسَةَ الأَغنِيَاءِ وَأَشرَافِ القَومِ إِذَا كَانَ لِمَصلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَهَذَا لَيسَ شَيئًا مَذمُومًا بَل هُوَ شَيءٌ حَسَنٌ، أَمَّا المُجَالَسَةُ الَّتِي تَكُونُ لِغَايَةِ الدُّنيَا فَهَذَا الَّذِي يَكُونُ مَذمُومًا.
([13]) [سُورَةُ الزُّمَرِ:62].
([14]) البَحرُ المَدِيدُ فِي تَفسِيرِ القُرءَانِ المَجِيدِ، لِأَبِي العَبَّاسِ ابنِ عَجِيبَةَ (ج3 ص265).
([16]) جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص10).
([17]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: الفُسطَاطُ بِضَمِّ الفَاءِ وَكَسرِهَا بَيتٌ مِنَ الشَّعَرِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص472).
([18]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص298).
([19]) سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج4 ص706).
([20]) أَي مَا تَرَسَّبَ مِنهُ فِي القَاعِ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: العَكَرُ بِفَتحَتَينِ مَا خَثُرَ وَرَسَبَ مِنَ الزَّيتِ وَنَحوِهِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص424).
([21]) أَي إِلَى الكَافِرِ فِي جَهَنَّمَ.
([23]) سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج4 ص704).