(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) (كهيعص (1)) ([1])
قِيلَ هُوَ اسمٌ لِلسُّورَةِ([2])، وَكَذَا وَقَعَتِ التَّسمِيَةُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ([3])
(ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2))
وَابتَدَأَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِذِكرِ قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَابنِهِ يَحيَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ فَقَالَ سُبحَانَهُ: (ذِكْرُ) أَي هَذَا ذِكرُ (رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) ([4])
(إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3))
دَعَاهُ سِرًّا كَمَا هُوَ المَأمُورُ بِهِ، وَهُوَ أَبعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَأَقرَبُ إِلَى الصَّفَاءِ، أَو أَخفَاهُ لِئَلَّا يُلَامَ عَلَى طَلَبِ الوَلَدِ فِي أَوَانِ الكِبَرِ لِأَنَّهُ كَانَ ابنَ مِائَةٍ وَعِشرِينَ سَنَةً
(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4))
(قَالَ رَبِّ) هَذَا تَفسِيرُ الدُّعَاءِ أَي يَا رَبِّ (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) ضَعُفَ، وَخَصَّ العَظمَ لِأَنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ وَبِهِ قِوَامُهُ، فَإِذَا وَهَنَ تَدَاعَى وَتَسَاقَطَت قُوَّتُهُ، وَلِأَنَّهُ أَشَدُّ مَا فِيهِ وَأَصلَبُهُ فَإِذَا وَهَنَ كَانَ مَا وَرَاءَهُ أَوهَنَ، وَوَحَّدَهُ([5]) لِأَنَّ الوَاحِدَ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الجِنسِ وَالمُرَادُ أَنَّ هَذَا الجِنسَ الَّذِي هُوَ العَمُودُ وَالقِوَامُ وَأَشَدُّ مَا تَرَكَّبَ مِنهُ الجَسَدُ قَد أَصَابَهُ الوَهَنُ (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ) أَي فَشَا فِي رَأسِي الشَّيبُ، وَاشتَعَلَتِ النَّارُ إِذَا تَفَرَّقَت فِي التِهَابِهَا وَصَارَت شُعَلًا، شَبَّهَ الشَّيبَ بِشُوَاظِ([6]) النَّارِ فِي بَيَاضِهِ، وَشَبَّهَ انتِشَارَهُ فِي الشَّعَرِ وَأَخذَهُ مِنهُ كُلَّ مَأخَذٍ بِاشتِعَالِ النَّارِ([7]) (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ) أَي بِدُعَائِي إِيَّاكَ (رَبِّ شَقِيًّا (4)) أَي كُنتُ مُستَجَابَ الدَّعوَةِ قَبلَ اليَومِ سَعِيدًا بِهِ غَيرَ شَقِيٍّ فِيهِ، ومَا عَوَّدتَنِي فِيمَا أَسأَلُكَ فِيهِ إِلَّا الإِجَابَةَ([8])
(إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5))
(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ) هُم عَصَبَتُهُ، إِخوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ، وَكَانُوا شِرَارَ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَخَافَهُم([9]) أَن يُغَيِّرُوا الدِّينَ وَأَن لَا يُحسِنُوا الخِلَافَةَ عَلَى أُمَّتِهِ، فَطَلَبَ عَقِبًا صَالِحًا مِن صُلبِهِ يُقتَدَي بِهِ فِي إِحيَاءِ الدِّينِ (مِن وَرَائِي) بَعدَ مَوتِي، أَو بِمَعنَى الوِلَايَةِ فِي المَوَالِي، أَي خِفتُ فِعلَ المَوَالِي وَهُوَ تَبدِيلُهُم وَسُوءُ خِلَافَتِهِم مِن وَرَائِي، أَو خِفتُ الَّذِينَ يَلُونَ الأَمرَ مِن وَرَائِي (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) عَقِيمًا لَا تَلِدُ (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ) اختِرَاعًا مِنكَ بِلَا سَبَبٍ بِحَولِكَ وَقُوَّتِكَ، لِأَنَّ امرَأَتِي لَا تَصلُحُ لِلوِلَادَةِ (وَلِيًّا (5)) ابنًا يَلِي أَمرَكَ بَعدِي([10])
(يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6))
(يَرِثُنِي) أَي هَب لِي وَلَدًا وَارِثًا مِنِّي العِلمَ وَالحُكمَ فِي بَنِي إِسرَائِيلَ والنُّبُوَّةَ، وَمَعنَى وِرَاثَةِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ يَصلُحُ لِأَن يُوحَى إِلَيهِ وَلَم يُرِد أَنَّ نَفسَ النُّبُوَّةِ تُورَثُ، أَو هُوَ جَوَابٌ لِلدُّعَاءِ، يُقَالُ وَرِثتُهُ وَوَرِثتُ مِنهُ (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ) أَي يَعقُوبَ بنِ إِسحَقَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، أي كَمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَأَسلَافُهُ مِن ذُرِّيَّةِ يَعقُوبَ أَنبِيَاءَ فَاجعَلهُ مِثلَهُم فِي الكَرَامَةِ الَّتِي أَكرَمتَهُم بِهَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالوَحيِ([11]) (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) ) مَرضِيًّا تَرضَاهُ، أَو رَاضِيًا عَنكَ وَعَن حُكمِكَ.
(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) )
فَأَجَابَ اللهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ([12]) وَقَالَ (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ) ([13]) حَتَّى يَرِثَكَ كَمَا سَأَلتَ، وَتَوَلَّى اللهُ تَسمِيَتَهُ تَشرِيفًا لَهُ (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)) لَم يُسَمَّ أَحَدٌ بِيَحيَى قَبلَهُ، وَقِيلَ: أَي لَم نَجعَل لَهُ مِثلًا وَشَبِيهًا، وَأَنَّهُ وُلِدَ بَينَ شَيخٍ وَعَجُوزٍ، وَأَنَّهُ كَانَ حَصُورًا([14])،
(قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8))
فَلَمَّا بَشَّرَتهُ المَلَائِكَةُ بِهِ (قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ) كَيفَ (يَكُونُ لِي غُلَامٌ) وَلَيسَ هَذَا بِاستِبعَادٍ([15])، بَل هُوَ استِكشَافٌ([16])، أَي بَأَيِّ طَرِيقٍ يَكُونُ؟ أَيُوهَبُ لَهُ وَهُوَ وَامرَأَتُهُ بِتِلكَ الحَالِ؟ أم يُحَوَّلَانِ شَابَّينِ؟، وَلَيسَ استِفهَامُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَكًّا فِي قُدرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى([17])، وَإِنَّمَا تَعَجُّبًا مِمَّا لَم يَعتَدِ النَّاسُ عَلَيهِ (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا ) عَقِيمًا لَا تَلِدُ (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)) أَي بَلَغتُ عِتِيًّا وَهُوَ اليُبسُ فِي المَفَاصِلِ وَالعِظَامِ كَالعُودِ اليَابِسِ بِسَبَبِ الكِبَرِ وَالطَّعنِ فِي السِّنِّ العَالِيَةِ،
(قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9))
وَهَكَذَا أُجِيبَ زَكَرِيَّا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ لَهُ المَلَكُ الَّذِي يُوحِي إِلَيهِ بِأَمرِ اللهِ مَا أَخبَرَ اللهُ بِهِ فِي قَولِهِ: (قَالَ كَذَٰلِكَ) أَيِ الأَمرُ كَذَلِكَ تَصدِيقًا لَهُ، ثُمَّ ابتَدَأَ (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أَي أَنَّ إِيجَادَ الوَلَدِ مِنكَ وَمِن زَوجَتِكَ هَذِهِ لَا مِن غَيرِهَا هَيِّنٌ يَسِيرٌ وَسَهلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ مَا هُوَ أَعجَبُ مِمَّا سَأَلَ عَنهُ، قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ) أَوجَدتُكَ مِن قَبلِ يَحيَى (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)) أَي لَم تَكُ شَيئًا مَذكُورًا، أَفَلَا أُوجِدُ مِنكَ وَلَدًا وَأَنتَ شَيخٌ كَبِيرٌ؟ جَلَّ اللهُ الخَالِقُ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ.
(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10))
(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ) عَلَامَةً أَعرِفُ بِهَا حَبَلَ امرَأَتِي (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)) يَعنِي عَلَامَتُكَ أَن لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا رَمزًا، وَأَنتَ سَلِيمُ الجَوَارِحِ مَا بِكَ خَرَسٌ وَلَا بَكَمٌ، وَأَنتَ فِي ذَلِكَ سَوِيُّ الخَلقِ، صَحِيحُ المِزَاجِ، مُعتَدِلُ البِنيَةِ، وَلَيسَ هَذَا الأَمرُ عَيبًا مُخِلًّا بِعِصمَةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَلَيسَ المَعنَى كَذَلِكَ أَنَّهُ سَيَرَى مُنكَرًا وَلَا يُنكِرُهُ، وَلَيسَ المَعنَى كَذَلِكَ أَنَّهُ يَحصُلُ مِنهُ تَقصِيرٌ فِي أَعمَالِ النُّبُوَّةِ، فَكَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِيَدِهِ وَبِالإِشَارَةِ، فَإِذَا أَرَادَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَذكُرَ اللهَ تَعَالَى انطَلَقَ لِسَانُهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدرَتِهِ الَّذِي يُنطِقُ مَن يَشَاءُ.
وَدَلَّ ذِكرُ اللَّيَالِي هُنَا وَذِكرُ الأَيَّامِ فِي آلِ عِمرَانَ([18]) عَلَى أَنَّ المَنعَ مِنَ الكَلَامِ استَمَرَّ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِذ إِنَّ ذِكرَ الأَيَّامِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي وَكَذَا ذِكرُ اللَّيَالِي يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ الأَيَّامِ عُرفًا.
(فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11))
(فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ) لَمَّا بُشِّرَ بِهَذِهِ البِشَارَةِ مَسرُورًا (مِنَ الْمِحْرَابِ) مِن مَوضِعِ صَلَاتِهِ وَكَانُوا يَنتَظِرُونَهُ وَلَم يَقدِر أَن يَتَكَلَّمَ (فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ) أَشَارَ بِإِصبَعِهِ، وَالوَحيُ هَهُنَا هُوَ الأَمرُ الخَفِيُّ إِمَّا بِكِتَابَةٍ أَو إِشَارَةٍ (أَن سَبِّحُوا) صَلُّوا (بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)) صَلَاةَ الفَجرِ وَالعَصرِ.
(يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12))
(يَا يَحْيَىٰ ) أَي وَهَبنَا لَهُ يَحيَى وَقُلنَا لِيَحيَى بَعدَ وِلَادَتِهِ وَأَوَانِ الخِطَابِ: يَا يَحيَى (خُذِ الْكِتَابَ) التَّورَاةَ (بِقُوَّةٍ ۖ) أَي بِجِدٍّ وَاستِظهَارٍ بِالتَّوفِيقِ وَالتَّأيِيدِ (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ) ([19]) أَيِ الحِكمَةَ، وَهُوَ الفِقهُ فِي الدِّينِ وَفَهمُ التَّورَاةِ بِجِدٍّ وَحِرصٍ وَاجتِهَادٍ (صَبِيًّا (12)) قِيلَ أُوتِيَ الفَهمَ وَالعِلمَ وَالنُّبُوَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ حَدَثٌ([20])
(وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13))
(وَحَنَانًا) أَي جَعَلنَاهُ ذَا حَنَانٍ أَي ذَا رَحمَةٍ، فَقَد كَانَت صِفَةُ الحَنَانِ وَالرَّحمَةِ مِن صِفَاتِ نَبِيِّ اللهِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ لِتَحَنُّنِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَبَوَيهِ فَقَد كَانَ شَفُوقًا عَلَيهِمَا وَبَارًّا بِهِمَا، وَوُصِفَ هَذَا الحَنَانُ بِقَولِهِ تَعَالَى: (مِّن لَّدُنَّا) مِن عِندِنَا(وَزَكَاةً ۖ) صَلَاحًا وَطَهَارَةَ الخُلُقِ وَسَلَامَتَهُ مِنَ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ([21]) (وَكَانَ تَقِيًّا (13)) مُسلِمًا مُطِيعًا.
(وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14))
(وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) وَبَارًّا بِهِمَا لَا يَعصِيهِمَا([22]) (وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا) مُتَكَبِّرًا (عَصِيًّا (14)) عَاصِيًا لِرَبِّهِ
(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15))
(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ ) أَمَانٌ مِنَ اللهِ لَهُ (يَوْمَ وُلِدَ) مِن أَن يَنَالَهُ الشَّيطَانُ (وَيَوْمَ يَمُوتُ) مِن فَتَّانَيِ القَبرِ (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)) مِنَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، قَالَ ابنُ عُيَينَةَ: إِنَّهَا أَوحَشُ المَوَاطِنِ([23]).
([1]) جَعَلَ اللهُ أَسرَارًا عَظِيمَةً فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَهِيَ المُسَمَّاةُ بِالأَحرُفِ النُّورَانِيَّةِ، وَهَذِهِ البَرَكَاتُ وَالأَسرَارُ تَكُونُ لِمَن قَرَأَهَا وَلِمَن كَتَبَهَا وَلِمَن حَمَلَهَا أَيضًا، قَالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ: كُلُّ حَرفٍ مِنهَا يَدُلُّ عَلَى اسمٍ مِن أَسمَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ بَعضُهُم: هَذِهِ أَسمَاءٌ لِلسُّوَرِ، وَقَالَ بَعضُهُم: اللهُ أَعلَمُ بِمَعَانِيهَا. اهـ الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج3 ص24-26).
([2]) قَالَ ابنُ حَجَرٍ: رَوَى الحَاكِمُ مِن طَرِيقِ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الكَافُ مِن كَرِيمٍ، وَالهَاءُ مِن هَادٍ، وَاليَاءُ مِن حَكِيمٍ، وَالعَينُ مِن عَلِيمٍ، وَالصَّادُ مِن صَادِقٍ. وَعَزِيزٌ بَدَلَ عَلِيمٍ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِن وَجهٍ آخَرَ عَن سَعِيدٍ نَحوُهُ لَكِن قَالَ: الكَافُ مِنَ كَبِيرٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَلحَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كهيعص (1)) قَسَمٌ أَقسَمَ اللهُ بِهِ، وَهُوَ مِن أَسمَائِهِ. وَمِن طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنتِ عَلِيٍّ قَالَت: كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: (كهيعص (1)) اغفِر لِي، وَقَالَ عَبدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعمَرٍ، عَن قَتَادَةَ: هِيَ اسمٌ مِن أَسمَاءِ القُرآنِ.اهـ فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج8 ص427).
([3]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرآنِ – بَابُ تَفسِيرِ سُورَةِ (كهيعص (1))
([4]) زَكَرِيَّا اسمٌ أَعجميٌّ يُقصَر ويُمدُّ، أَي يُقَالُ زَكَرِيَّا وَزَكَرِيَّاءُ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبعِ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ: هُوَ أَبُو يَحيَى النَّبِيّ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، مِن بَنِي إِسرَائِيلَ، دَخَلَ البَثَنِيَّةَ مِن أَعمَالِ دِمَشقَ فِي البَحثِ عَنِ ابنِهِ يَحيَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ بِدِمَشقَ حِينَ قُتِلَ ابنُهُ يَحيَى. وَاللهُ أَعلَمُ. وَيُقَالُ: زَكَرِيٌّ أَيضًا وَهُوَ زَكَرِيَّا بنُ آذَنَ بنِ مُسلِمِ بنِ صَدُوقَ، مِن أَولَادِ سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، أَرسَلَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى بَنِي إِسرَائِيلَ، وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّورَاةِ، وَكَانَ إِمَامَ عُلَمَاءِ بَيتِ المَقدِسِ وَمُقَدَّمَهُم، وَكَانَ فِي تَلَامِيذِهِ أَربَعَةُ آلَافِ عَالِمٍ قَارِئٍ لِلتَّورَاةِ، وَقَدِ استَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فِي وِلَادَةِ وَلَدِهِ يَحيَى بَعدَ أَن كَانَت زَوجَةُ زَكَرِيَّا عَاقِرًا. وَذُكِرَ اسمُ زَكَرِيَّا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ ثَمَانِي مَرَّاتٍ، وَذُكِرَت قِصَّتُهُ مَعَ شَىءٍ مِنَ التَّفصِيلِ فِي سُورَةِ ءالِ عِمرَانَ وَسُورَةِ مَريَمَ. وَذَكَرَهُ اللهُ فِي التَّنزِيلِ بِأَحَدَ عَشَرَ اسمًا وَوَصفًا: أَخبَرَ أَنَّهُ كَفِيلٌ فَقَالَ: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ دَاعٍ فَقَالَ: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ) وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُنَادٍ فَقَالَ: (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُنَادًى فَقَالَ: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ قَائِمٌ وَمُصَلٍّ فَقَالَ: (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي)، وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُبَشَّرٌ فَقَالَ: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُستَجَابُ الدَّعوَةِ فَقَالَ: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)، وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُسَارِعٌ فِي الخَيرِ فَقَالَ: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ فَقَالَ: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ)، وَأَخبَرَ أَنَّهُ خَاشِعٌ فَقَالَ: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ ذَاكِرٌ رَبَّهُ فَقَالَ: (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ مُسَبِّحٌ فَقَالَ: (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)) ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ عَبدٌ فَقَالَ: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) ، وَذَكَرَهُ بِاسمِهِ فَقَالَ: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ)، (لَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا)، (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ)، (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85))، (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ) ، (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) ، (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ) ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا».اهـ وَهَذَا مِنَ الفَضَائِلِ لِقَولِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «أَفضَلُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ».اهـ وَقُتِلَ زَكَرِيَّا بَعدَ قَتلِ ابنِهِ يِحيَى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمَا.اهـ مُلَخَّصًا مِن: تَارِيخِ دِمَشقَ، لِابنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشقِيِّ (ج19 ص52-56). بَصَائِرِ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص92-93).
([5]) أَي قَالَ: وَهَنَ العَظمُ، وَلَم يَقُل: وَهَنَتِ العِظَامُ.
([6]) قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الشِّوَاظُ وَالشُّوَاظُ: اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ فِيهِ. اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج7 ص446).
([7]) قَالَ النَّسَفِيُّ: وَلَا تَرَى كَلَامًا أَفصَحَ مِن هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصلَ الكَلَامِ يَا رَبِّ قَد شِختُ، إِذِ الشَّيخُوخَةُ تَشتَمِلُ عَلَى ضَعفِ البَدَنِ وَشَيبِ الرَّأسِ المُتَعَرَّضِ لَهُمَا، وَأَقوَى مِنهُ ضَعُفَ بَدَنِي وَشَابَ رَأسِي، فَفِيهِ مَزِيدُ التَّقرِيرِ لِلتَّفصِيلِ، وَأَقوَى مِنهُ وَهَنَت عِظَامُ بَدَنِي، فَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ التَّصرِيحِ إِلَى الكِنَايَةِ فَهِيَ أَبلَغُ مِنهُ، وَأَقوَى مِنهُ أَنَا وَهَنَت عِظَامُ بَدَنِي، وَأَقوَى مِنهُ إِنِّي وَهَنَت عِظَامُ بَدَنِي، وَأَقوَى مِنهُ إِنِّي وَهَنَتِ العِظَامُ مِن بَدَنِي، فَفِيهِ سُلُوكُ طَرِيقَيِ الإِجمَالِ وَالتَّفصِيلِ، وَأَقوَى مِنهُ إِنِّي وَهَنَتِ العِظَامُ مِنِّي، فَفِيهِ تَركُ تَوسِيطِ البَدَنِ، وَأَقوَى مِنهُ إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي، لِشُمُولِ الوَهَنِ العِظَامَ فَردًا فَردًا بِاعتِبَارِ تَركِ جَمعِ العَظمِ إِلَى الإِفرَادِ لِصِحَّةِ حُصُولِ وَهَنِ المَجمُوعِ بِالبَعضِ دُونَ كُلِّ فَردٍ فَردٍ، وَلِهَذَا تُرِكَتِ الحَقِيقَةُ فِي شَابَ رَأسِي إِلَى أَبلَغَ وَهِيَ الِاستِعَارَةُ، فَحَصَلَ اشتِعَالُ شَيبِ رَأسِي، وَأَبلَغُ مِنهُ اشتَعَلَ رَأسِي شَيبًا لِإِسنَادِ الِاشتِعَالِ إِلَى مَكَانِ الشَّعَرِ وَمَنبِتِهِ وَهُوَ الرَّأسُ لِإِفَادَةِ شُمُولِ الِاشتِعَالِ الرَّأسَ، إِذ وِزَانُ اشتَعَلَ شَيبُ رَأسِي وَاشتَعَلَ رَأسِي شَيبًا وِزَانُ اشتَعَلَ النَّارُ فِي بَيتِي وَاشتَعَلَ بَيتِي نَارًا، وَالفَرقُ نَيِّرٌ، وَلِأَنَّ فِيهِ الإِجمَالَ وَالتَّفصِيلَ كَمَا عُرِفَ فِي طَرِيقِ التَّميِيزِ، وَأَبلَغُ مِنهُ وَاشتَعَلَ الرَّأسُ مِنِّي شَيبًا لِمَا مَرَّ، وَأَبلَغُ مِنهُ وَاشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا، فَفِيهِ اكتِفَاءٌ بِعِلمِ المُخَاطَبِ إِنَّهُ رَأسُ زَكَرِيَّا بِقَرِينَةِ العَطفِ عَلَى وَهَنَ العَظمُ.اهـ مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ المَعرُوفُ بِـ: تَفسِيرِ النَّسَفِيِّ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص326).
([8]) قَالَ النَّسَفِيُّ: يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ بِحَاجَتِهِ إِذَا ظَفِرَ بِهَا وَشَقِيَ إِذَا خَابَ وَلَم يَنَلهَا، وَعَن بَعضِهِم أَنَّ مُحتَاجًا سَأَلَهُ وَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَحسَنتَ إِلَيَّ وَقتَ كَذَا، فَقَالَ: مَرحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنَا إِلَينَا وَقتَ حَاجَتِهِ، وَقَضَى حَاجَتَهُ. اهـ مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ المَعرُوفُ بِـ: تَفسِيرِ النَّسَفِيِّ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص326).
([9]) الخَوفُ الَّذِي قَد يَحصُلُ مَعَ أَنبِيَاءِ اللهِ هُوَ الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ كالنُّفُورِ مِنَ الأَفعَى مَثَلًا، وَهُوَ كَنَحوِ مَا ذُكِرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) )[سُورَةُ طَه:67]، أَمَّا الخَوفُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ جُبنٌ فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالأَنبِيَاءِ، فَالأَنبِيَاءُ هُم أَشجَعُ النَّاسِ.
([10]) قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ فِي بَصَائِرِ ذَوِي التَّميِيزِ: قَالَ بَعضُهُم:
قَالَ النَّبِيُّ المُستَجَابُ دُعَاؤُهُ
مَا كُنتُ رَبِّي بِالدُّعَاءِ شَقِيَّا
هَب لِي بفَضلِكَ وَارِثًا مُتَعَبِّدًا
وَاجعَلهُ يَا رَبَّ العِبَادِ رَضِيَّا
فَأَجَابَ دَعوَتَهُ وَأَنجَزَ وَعدَهُ
بِفَتَاهُ، أَعنِي عَبدَهُ زَكَرِيَّا
بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص93).
([11]) وَلَيسَ المُرَادُ هَاهُنَا وِرَاثَةَ المَالِ، فقد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ: «نَحنُ مُعَاشِرَ الأَنبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ». اهـ فإِنَّ الدُّنيَا أَحقَرُ عِندَ الأَنبِيَاءِ مِن أَن يَكنِزُوا لَهَا أَو يَلتَفِتُوا إِلَيهَا أَو يُهِمَّهُم أَمرُهَا، فَكَيفَ يَسأَلُونَ الأَولَادَ لِيَحُوزُوهَا بَعدَهُم.
([12]) هذِهِ القِصَّةُ مِنَ القَصَصِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ، مِن وِلَادَةِ يَحيَى مِن أَبَوَينِ كَبِيرَينِ بَعدَ أَن كَانَت أُمُّهُ عَاقِرًا وَبَلَغَت سِنًّا كَبِيرًا.
([13]) قِيلَ: إِنَّهُ أُطلِقَ عَلَيهِ هَذَا الِاسمُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَالِ شَيخُوخَةِ الوَالِدَينِ، وَغَالِبًا لَا يَطُولُ عُمُرُ مَن كَانَ كَذَلِكَ، فَوَهَبَهُ اللهُ هَذَا الِاسمَ اطمِئنَانًا لِقَلبِهِمَا وَشَرحًا لِصَدرِهِمَا أَنَّهُ يَحيَا كَبِيرًا، وَأَنَّهُ وُلِدَ حَيَّ القَلبِ بِالمَحَبَّةِ، حَيَّ الجِسمِ بِالطَّاعَةِ، حَيَّ اللِّسَانِ بِالذِّكرِ، حَيَّ السِرِّ بِالمَعرِفَةِ، مَعصُومًا مِنَ الزَّلَّةِ. وَقَد وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِخَمسَةَ عَشَرَ وَصفًا فِي التَّنزِيلِ، فَوُصِفَ بِأَنَّهُ: طَيِّبٌ قَالَ تَعَالَى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ) ، وَبِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) ، وَبِأَنَّهُ سَيِّدٌ وَحَصُورٌ وَنَبِيٌّ وَصَالِحٌ قَالَ تَعَالَى: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)) وَبِأَنَّهُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ، قَالَ سُبحَانَهُ: (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ) ، وَبِأَنَّهُ وَليٌّ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5))، وَبِأَنَّهُ وَارِثٌ وَذَلِكَ فِي قَولِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ) ، وَبِأَنَّهُ رَضِيٌّ وَذَلِكَ فِي قَولِهِ: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)) وَبِأَنَّهُ غُلَامٌ، قَالَ تَعَالَى: (نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ)، وَبِأَنَّهُ زَكِيٌّ قَالَ تَعَالَى: (وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ) ، وَبِأَنَّهُ تَقِيٌّ، قَالَ تَعَالَى: ( وَكَانَ تَقِيًّا (13)) وَبِأَنَّهُ قَوِيٌّ، قَالَ تَعَالَى: (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ) ، وَبِأَنَّهُ أُوتِيَ الحُكمَ صَبِيًّا، قَالَ تَعَالَى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)) ، وَبِأَنَّهُ بَارٌّ، قَالَ تَعَالَى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) . وَذَكَرَهُ بِاسمِهِ “يَحيَى” فِي مَوَاضِعَ فِي القُرآنِ مِنهَا: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ) ، وَ(نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ) ، وَ (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ) ، وَ (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ) ، وَ (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ). وَقُتِلَ يَحيَى قَبلَ أَبِيهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابنَيِ الخَالَةِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ، وَيَحيَى بنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيرٍ».اهـ قَالَ الثَّعلَبِيُّ: كَانَ مَولِدُ يَحيَى قَبلَ مَولِدِ عِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ بِسِتَّةِ أَشهُرٍ. وَقَالَ الكَلبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَومَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ ابنَ ثِنتَينِ وَتِسعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابنَ تِسعٍ وَتِسعِينَ سَنَةً، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ ابنَ عِشرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتِ امرَأَتُهُ بِنتَ ثَمَانٍ وَتِسعِينَ سَنَةً. قَالَ كَعبُ الأَحبَارِ: وَكَانَ يَحيَى حَسَنَ الصُّورَةِ وَالوَجهِ، لَيِّنَ الجَنَاحِ أَي مُتَوَاضِعًا، قَلِيلَ الشَّعَرِ، قَصِيرَ الأَصَابِعِ طَوِيلَ الأَنفِ، وَكُلُّ هَذَا مِن غَيرِ قُبحٍ فِي الصُّورَةِ فَالأَنبِيَاءُ جَمِيلُو المَنظَرِ، مَقرُونَ الحَاجِبَينِ، رَقِيقَ الصَّوتِ، كَثِيرَ العِبَادَةِ، قَوِيًّا فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَسَادَ النَّاسَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ.اهـ مُلَخَّصًا مِن: بَصَائِرِ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص94-95).
([14]) مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى فِي وَصفِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:39]، إِنَّهُ الحَلِيمُ التَّقِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّرِيفُ، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: اعلَم أَنَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالَى عَلَى يَحيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ، لَيسَ كَمَا قَالَ بَعضُهُم: أَنَّهُ كَانَ هَيُوبًا، أَو لَا ذَكَرَ لَهُ، بِل قَد أَنكَرَ هَذَا حُذَّاقُ المُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ العُلَمَاءِ، وَقَالُوا: هَذِهِ نَقِيصَةٌ وَعَيبٌ وَلَا يَلِيقُ بِالأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا يَأتِي الذُّنُوبَ كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنهَا، وَقِيلَ: مَانِعًا نَفسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ.اهـ الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى، لِلقَاضِي عِيَاضٍ اليَحصُبِيِّ (ج1 ص88).
وَالقَولُ الصَّحِيحُ أَنَّ مَعنَى: (وَحَصُورًا) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:39]، إِنَّهُ كَانَ لَا يَأتِي النِّسَاءَ لَيسَ عَجزًا بَل تَرَكَ ذَلِكَ عَنِ اختِيَارٍ مِنهُ وَلَو أَرَادَ لَاستَطَاعَ. فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ أَنَّهُ قَالَ: (وَحَصُورًا) لَا يَأتِي النِّسَاءَ.اهـ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَصلُ الحَصرِ الحَبسُ وَالمَنعُ، يُقَالُ لِمَن لَا يَأتِي النِّسَاءَ أَعَمُّ مِن أَن يَكُونَ ذَلِكَ بِطَبعِهِ كَالعِنِّينِ أَو بِمُجَاهِدَةِ نَفسِهِ، وَهُوَ المَمدُوحُ وَالمُرَادُ فِي وَصفِ السَّيِّدِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ.اهـ فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج8 ص209).
([15]) أَي لَيسَ نَفيًا لِكَونِهِ سَيَحصُلُ.
([16]) أَي هُوَ سُؤَالٌ عَنِ الكَيفِيَّةِ أَي كَيفَ سَيَصِيرُ هَذَا.
([17]) يَجِبُ أَن يُعلَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَلَا يُعجِزُهُ شَىءٌ، وَلَا يُمَانِعُهُ مِن تَكوِينِ مَا سَبَقَت بِهِ إِرَادَتُهُ أَحَدٌ، مُتَّصِفٌ بِالقُدرَةِ التَّامَّةِ، وَقُدرَتُهُ سُبحَانَهُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لَهُ إِجمَاعًا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللهُ بِهَا فِي المُمكِنَاتِ، أَي فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِي العَقلِ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخرَى، فَبِالقُدرَةِ يُوجِدُ الأَشيَاءَ وَيُعدِمُها. فَمَن أَنكَرَ صِفَةَ القُدرَةِ للهِ تَعَالَى أَو صِفَةً أُخرَى مِن صِفَاتِ اللهِ الثَّلَاثَ عَشرَةَ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا فَلَيسَ مُسلِمًا، فَعُلِمَ مِن هَذَا أَنَّ الشَّكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ لَا يَحصُلُ مِنَ الأَنبِيَاءِ لِأَنَّ الكُفرَ يَستَحِيلُ عَلَيهِم قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا.
([18]) وَهِيَ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ) ، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:41].
([19]) آتَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ الحُكمَ وَالنُّبُوَّةَ وَالعِلمَ صَبِيًّا وَعَلَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الكِتَابَ وَهُوَ التَّورَاةُ الَّتِي كَانُوا يَتَدَارَسُونَهَا فِيمَا بَينَهُم وَقَد كَانَ سِنُّهُ إِذ ذَاكَ صَغِيرًا.
([20]) قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: وَقَالُوا فِي قَولِهِ تَعَالَى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا )(12) قِيلَ إِنَّ يَحيَى قَالَ لَهُ أَترَابُهُ مِنَ الصِّبيَانِ -أَي مَن يُقَارِبُونَهُ فِي السِّنِّ-: اذهَب بِنَا نَلعَب، فَقَالَ: مَا لِلَّعِبِ خُلِقتُ. وَقِيلَ: إِنَّه نُبِّئَ صَغِيرًا، وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ وَيَقِفُ لَهُم فِي أَعيَادِهِم وَمَجَامِعِهِم وَيَدعُوهُم إِلَى اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ سَاحَ يَدعُو النَّاسَ.اهـ بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص95).
([21]) عَصَمَ اللهُ أَنبِيَاءَهُ جَمِيعًا قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا مِنَ القَبَائِحِ كَالكُفرِ وَكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصَغَائِرِهَا الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ، فَلَا يَقَعُونَ بِكُفرٍ وَلَا زِنًا وَلَا شُربِ خَمرٍ وَلَا يَهُمُّونَ بِذَلِكَ أَصلًا.
([22]) وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مِن صِفَاتِ أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ البِرَّ بِالوَالِدَينِ وَهُوَ أَمرٌ أَوجَبَهُ اللهُ تَعَالَى وَحَثَّ عَلَى الدُّعَاءِ وَالإِحسَانِ لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعدَ وَفَاتِهِمَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) سُورَةُ الإِسرَاءِ:24]، قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: الوَيلُ كُلُّ الوَيلِ لِعَاقِّ وَالِدَيهِ، وَالخِزيُ كُلُّ الخِزيِ لِمَن مَاتَا غِضَابًا عَلَيهِ، أُفٍّ لَهُ هَل جَزَاءُ المُحسِنِ إِلا الإِحسَانُ إِلَيهِ، أَتبِعِ الآنَ تَفرِيطَكَ فِي حَقِّهِمَا أَنِينًا وَزَفِيرًا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) كَم آثَرَاكَ بِالشَّهَوَاتِ عَلَى النَّفسِ، وَلَو غِبتَ سَاعَةً صَارَا فِي حَبسٍ، حَيَاتُهُمَا عِندَكَ بَقَايَا شَمسٍ، لَقَد رَعَيَاكَ طَوِيلًا فَارعَهُمَا قَصِيرًا، (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) كَم لَيلَةٍ سَهِرَا مَعَكَ إِلَى الفَجرِ، يُدَارِيَانِكَ مُدَارَاةَ العَاشِقِ فِي الهَجرِ، فَإِن مَرِضتَ أَجرَيَا دَمعًا لَم يَجرِ، تَاللَّهِ لَم يَرضَيَا لِتَربِيَتِكَ غَيرَ الكَفِّ وَالحِجرِ سَرِيرًا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) يُعَالِجَانِ أَوساخَكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ، وَلَو لَقِيتَ مِنهُمَا أَذَى شَكَوتَ شَقَاءَكَ، مَا تَشتَاقُ لَهُمَا إِذَا غابا ويشتاقان لِقَاءَكَ، كَم جَرَّعَاكَ حُلوًا وَجَرَّعتَهُمَا مَرِيرًا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) أَتَجزِي الإِسَاءَةَ فِي مُقَابَلَةِ الإِحسَانِ، كَيفَ تُقابلُ حُسنَ فَضلِهِمَا بِقُبحِ العِصيَانِ، ثُمَّ تَرفَعُ عَلَيهِمَا صَوتًا جَهِيرًا، (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) تُحِبُّ أَولادَكَ طَبعًا، فَأَحبِب وَالِدَيكَ شَرعًا، وَارعَ أَصلًا أَثمَرَ لَكَ فَرعًا، وَاذكُر لُطفَهُمَا بِكَ وَطِيبَ المَرعَى أَوَّلا وَأَخِيرًا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) تَصَدَّق عَنهُمَا إِن كَانَا مَيِّتَينِ، وَادعُ لَهُمَا وَاقضِ عَنهُمَا الدَّينَ، وَاستَغفِر لَهُمَا وَاستَدِم هَاتَينِ الكَلِمَتَينِ، وَما تُكَلَّفُ إِلا أَمرًا يَسِيرًا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)).اهـ التَّبصِرَةُ، لِابنِ الجَوزِيِّ (ج1 ص192-193).
([23]) قِيلَ: إِنَّ أَوحَشَ مَا يَكُونُ الإِنسَانُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ، يَومَ يُولَدُ فَيَرَى نَفسَهُ خَارِجًا مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَيَومَ يَمُوتُ فَيَرَى قَومًا لَم يَكُن عَايَنَهُم، وَيَومَ يُبعَثُ فَيَرَى نَفسَهُ فِي مَحشَرٍ لَم يَرَهُ، فَهَذِهِ الأَوقَاتُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَستَرُ مَا تَكُونُ عَلَى الإِنسَانِ فَإِنَّهُ يَنتَقِلُ فِي كُلٍّ مِنهَا مِن عَالَمٍ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ فَيَفقِدُ الأَوَّلَ بَعدَمَا كَانَ أَلِفَهُ وَعَرَفَهُ، وَيَصِيرُ إِلَى الآخَرِ وَلَا يَدرِي مَا بَينَ يَدَيهِ، وَلِهَذَا يَستَهِلُّ الطِّفلُ صَارِخًا إِذَا خَرَجَ مِن بَينِ الأَحشَاءِ وَفَارَقَ لِينَهَا، وَيَنتَقِلُ إِلَى هَذِهِ الدُّنيَا لِيُكَابِدَ هُمُومَهَا وَغَمَّهَا، وَإِذَا فَارَقَ هَذِهِ الدَّارَ وَانتَقَلَ إِلَى عَالَمِ البَرزَخِ وَصَارَ بَعدَ الدُّورِ وَالعِيشَةِ الَّتِي أَلِفَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى حَالِ الأَموَاتِ سُكَّانِ القُبُورِ وَانتَظَرَ هُنَاكَ النَّفخَةَ فِي الصُّورِ لِيَومِ البَعثِ وَالنُّشُورِ فَمِنهُم مَسرُورٌ وَمِنهُم مَحزُونٌ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ بَعضُهُم:
وَلَدَتكَ إِذ وَلَدَتكَ أُمُّكَ بَاكِيًا
وَالقَومُ حَولَكَ يَضحَكُونَ سُرُورَا
فَاعمَل لِيَومٍ كُنتَ فِيهِ إِذَا بَكَوا
فِي يَومِ مَوتِـكَ ضَاحِكًا مَسـرُورَا
وَلَمَّا كَانَت هَذِهِ المَوَاطِنُ الثَّلَاثَةُ أَشَقَّ مَا تَكُونُ عَلَى ابنِ آدَمَ رَخَّصَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِيهَا بِالكَرَامَةِ وَالسَّلَامَةِ فِي هَذِهِ المَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ.اهـ مُلَخَّصًا مِنَ: الجَامِعِ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج2 ص74).