إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا ضِدَّ وَلَا نَدَّ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا مُحَمَّدًا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبَهُ. أَشْهَدُ أَنَّكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ وَنَصَحْتَ لِلْأُمَّةِ وَجَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الْجِهَادِ، فَجَزَاكَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيْرًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ صَلَاةً كَامِلَةً وَسَلِّمْ سَلَامًا تَامًّا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ الْعُقَدُ وَتَنْفَرِجُ بِهِ الْكُرُوبُ وَتُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ وَتُنَالُ بِهِ الرَّغَائِبُ وَحُسْنُ الْخَوَاتِيمِ وَيُسْتَسْقَى الْغِمَامُ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.
عِبَادُ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، كَمْ يَؤَثِّرُ الْكَلَامُ عَنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي نُفُوسِنَا! كَمْ نَذْكُرُ الْأَقْصَى بِشَوْقٍ، كَمْ تَحِنُّ قُلُوبُنَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى! كَمْ نَذْكُرُ الأَقْصَى وَالْقُدْسَ الَّتِي طَالَ احْتِلَالُهَا، طَالَ الظُّلْمُ عَلَى أَرْضِهَا، طَالَ لَيْلُهَا، طَالَ ظُلْمُ مُحْتَلِيهَا.
كَمْ كَلَامُنَا عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، كَمْ يَحْرِقُ قُلُوبَنَا مَعَ كُلِّ حُبِّنَا وَتَعْظِيمِنَا وَشَوْقِنَا لِلْمَسْجِدِ الْأَقْصَى! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مُحْتَلٌّ، لِأَنَّهُ مُغْتَصَبٌ، لِأَنَّنَا قَدْ سُلِبَتْ تِلْكَ الأَرْضُ، وَلِأَنَّ مُحْتَلَّهَا غَاصِبٌ، ظَالِمٌ، عَاتٍ، وَمَاكِرٌ، لَئِيمٌ.
الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، عِبَادُ اللَّهِ، هَذَا الْبَيْتُ الْمُشَرَّفُ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ الإِسْرَاءِ.
المَسْجِدُ الْأَقْصَى… مَتَى كَانَ؟ مَتَى بُنِيَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى؟ مَنْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى؟ مَاذَا يَعْنِي الْأَقْصَى بِالنِّسْبَةِ لَنَا؟ مَاذَا يَعْنِي الْأَقْصَى بِالنِّسْبَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى بَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا بِالنَّصِّ عَلَى حَدِيثٍ جَاءَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، قَدْ بُنِيَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى بَعْدَ الْكَعْبَةِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً.
أَمَّا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الأَرْضِ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ بِالنَّصِّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}.
الْكَعْبَةُ… مَنْ بَنَاهَا؟ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
مَا دِينُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ الإِسْلَامُ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ نَبِيًّا وَرَسُولًا.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائي يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، اصْطِفَاءً بِالنُّبُوَّةِ.
فَآدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ نَبِيًّا وَرَسُولًا، وَكَانَ لَهُ شَرِيعَةٌ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِهَا وَعَلَّمَ أَبْنَاءَهُ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَتَّى كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ اللُّغَاتِ.
وَحَجَّ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَنَى الْكَعْبَةَ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَلَهُ دُعَاءٌ مَشْهُورٌ دُعَاءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْمُلْتَزِمِ، سَبَقَ وَذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا الْأَقْصَى، وَهُوَ كَلامُنَا الْيَوْمَ يَا عُشَّاقَ الْأَقْصَى، فَالْأَقْصَى بَنَاهُ كَذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ سُمِّيَ مَسْجِدًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بِنَاءِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَعِنْدَمَا نَقُولُ الْأَقْصَى، لَيْسَ فَقَطْ مَا تَرَاهُ مِنَ الْبِنَاءِ، فَيُوجَدُ تَبَعٌ ضِمْنَ السُّورِ، ضِمْنَ أَسْوَارِ الْأَقْصَى، هِيَ لِلْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَكَانَتْ أَرْضًا وَقَفُوا فِيهَا الأَنْبِيَاءُ فِي بَاحَاتِ الْأَقْصَى، فِي سَاحَاتِ الْأَقْصَى، لَيْسَ فَقَطْ الْبِنَاءُ، هُوَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا الْقَائِمُ هُوَ هَذَا الْبِنَاءُ.
وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى كَانَ لَهُ فِي قَلْبِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ.
نَعَمْ، عِبَادَ اللَّهِ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى خَيْرِ الْخَلْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، اخْتُلِفَ فِيهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِي صَلَاتِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. قِيلَ ١٧ أَوْ ١٦ شَهْرًا بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا كَانَ اخْتِبَارًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالْعَرَبُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهَا بَيْتُ اللَّهِ الْكَعْبَةُ، وَكَانَ مَعْرُوفًا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي جَدَّدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وَصَارَ بِسَبَبِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ يَتَكَلَّمُ مِنَ السُّفَهَاءِ، وَصَارَتْ فِتْنَةٌ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلِ اللَّهُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، أَمَرَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَاسْتَقْبَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفْسُهُ تَتَوَقُّ إِلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ أَحْيَانًا إِلَى السَّمَاءِ كَالَّذِي يَنْتَظِرُ خَبَرًا.
ثُمَّ جَاءَ الْوَحْيُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، ١٥ مِنْ شَوَّالَ فِي يَوْمِ الثُّلاَثَاءِ: نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} رَجَعَ الْأَمْرُ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَفِي مَسْجِدٍ فِي الْمَدِينَةِ مَعْرُوفٍ كَانَ مَعْرُوفًا بِاسْمِ مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ وَالْيَوْمَ هُوَ مَعْرُوفٌ بِاسْمِ مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ. سَتَرَى عَلَى عَلَامَةٍ عَلَى الْقِبْلَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَلَامَةً عَلَى الْمِحْرَابِ الَّذِي هُوَ إِلَى الْكَعْبَةِ. كَانَ الصَّحَابَةُ يُصَلُّونَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَكَانُوا يُصَلُّونَ. فَجَاءَ مُؤَذِّنٌ وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ الْقِبْلَةَ تَحَوَّلَتْ، رَجَعَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ. الْكَعْبَةُ هِيَ فِي الأَصْلِ قِبْلَةُ آدَمَ، وَبَقِيَتْ هِيَ قِبْلَةً حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا أَنَّ أَمَرَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَجَاءَ الْخَبَرُ وَنَادَى أَحَدُ الصَّحَابَةِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكَعْبَةِ. فِي صَلَاتِهِمْ تَحَوَّلُوا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ. قِسْمٌ مِنْ صَلَاتِهِمْ — فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ — إِنْ أَخَذْنَا عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَسُمِّيَ هَذَا الْمَسْجِدُ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا يَدُلُّ دَلَالَةً عَظِيمَةً عَلَى مَكَانَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى حَيْثُ كَانَ قِبْلَةً لِلْمُسْلِمِينَ. دَلَّنَا هَذَا عَلَى مَا لِلْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي قَلْبِ نَبِينَا مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ: “أَعْدَدْتُ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ” فَذَكَرَ مَوْتِي وَفَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ كَانَ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى يَدِ الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى لَمَّا كَانَ مُحْتَلًّا مُغْتَصَبًا أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ عَامًا تَحْتَ الفُرْنِجِ، مَاذَا فَعَلَ نُورُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ وَمِنْ بَعْدِهِ صَلَاحُ الدِّينِ؟ عَمِلَا عَلَى تَوْحِيدِ أُمَّةِ الإِسْلَامِ، لأَنَّ هَذَا هُوَ طَرِيقُ الْأَقْصَى، هُوَ طَرِيقُ الْقُدْسِ، هُوَ طَرِيقُ فِلَسْطِينَ. وَحَدَّ مِصْرَ وَالشَّامَ، ضَمَّ الْيَمَنَ، أَرْسَلَ إِلَى بِرْقَةَ وَتُونِسَ وَضَمَّهَا إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَكَذَا صَارَتْ سلْطَنَةٌ وَاسِعَةٌ تَحْتَ حُكْمِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ رضي اللَّهُ عَنْهُ.
هَذَا الإِمَامُ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ لِكِتَابِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ الأَشْعَرِيُّ، الَّذِي كَانَ عَلَى مِذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الَّذِي كَانَ يَحْرِصُ عَلَى خِتَامِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي خِيَمِ الْجُنُودِ. صَلَاحُ الدِّينِ بَنَى مَدَارِسَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَظَرَ إِلَى الْأَطْفَالِ — أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ — قَالَ: “هَذَا جِيلُ النَّصْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ”، بَنَى لَهُمْ الْمَدَارِسَ، مَا تَرَكَهُمْ فِي الطُّرُقَاتِ، مَا تَرَكَهُمْ فِي الضِّيعِ. كَيْفَ جَمَعَ الأُمَّةَ صَلَاحُ الدِّينِ؟ كَيْفَ انْتَصَرَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي حطيْنَ؟ كَيْفَ رَدَّ صَلَاحُ الدِّينِ الْأَقْصَى وَفِلَسْطِينَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ عِنْدَمَا وَحَّدَ أُمَّةَ الإِسْلَامِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ هَذَا كَانَ يَا عِبَادَ اللَّهِ طَرِيقَ النَّصْرِ.
فَكَانَ الصِّبْيَانُ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ، يَتَعَلَّمُونَ الْعَقِيدَةَ، يَتَعَلَّمُونَ التَّوْحِيدَ، يَتَعَلَّمُونَ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. عَلَّمَهُمْ مَعْنَى “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”. رَسَخَتْ هَذِهِ الْعَقِيدَةُ فِي نُفُوسِ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ، فَكَانَ جَيْشُ صَلَاحِ الدِّينِ الَّذِي نَصَرَهُ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ حطيْنَ — مَا أَعْظَمَ ذِكْرَى حطّيْنَ! ذِكْرَى صَارَتْ لَنَا نَنْتَظِرُ يَوْمًا مِثْلَ حطيْنَ. مَشَاعِرُنَا تَذْهَبُ كُلَّمَا سَمِعْنَا عَنْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَأَنَّكَ يَا صَلَاحُ الدِّينِ صَارَ اسْمُكَ مُرْتَبِطًا بِالْأَقْصَى، صَارَ مُرْتَبِطًا بِالْقُدْسِ. إِنْ ذَكَرْنَا صَلَاحَ الدِّينِ ذَكَرْنَا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَالْقُدْسَ.
وَذَكَرْنَا شَيْئًا آخَرَ: لَا بُدَّ لأُمَّةِ الإِسْلَامِ أَنْ تَنْتَصِرَ، لَا بُدَّ لِلْحَقِّ أَنْ يَعْلُوَ، لَا بُدَّ أَنْ تَعُودَ لَنَا فِلَسْطِينُ كُلُّهَا، لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، لَا بُدَّ مِنْ ارْتِفَاعِ الْأَذَانِ عَلَى مُنَابِرِ الْأَقْصَى، عَلَى مَنَائِرِ الْأَقْصَى. وَقَدْ حَرَّرَ هَذَا الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ رَدُّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمُسْلِمِينَ رَدًّا جَمِيلًا.
اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، يَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، ثمَّ الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا الهادي محمّدٍ رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاه.
عبادَ اللهِ، أُوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ، فاتّقوا اللهَ العليَّ العظيمَ وأطيعوه.
إخوةَ الإسلامِ والإيمانِ، في ليلةِ الإسراءِ والمعراجِ أُسريَ برسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم من المسجدِ الحرامِ من أُمِّ القُرى مكّةَ المكرَّمةِ إلى المسجدِ الأقصى.
هناك في المسجدِ الأقصى، ومنه عُرِجَ بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى السماواتِ العُلا، فأطلَعَ اللهُ تعالى نبيَّه محمّدًا عليهِ الصلاةُ والسلامُ على عجائبَ في العالمِ العُلويِّ، تشريفًا وتعظيمًا لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.
في المسجدِ الأقصى، هناك، عندما وصل جبريلُ عليهِ السلامُ ومعهُ النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم راكبًا على البُراق، وصل إلى المسجدِ الأقصى، وربطَ جبريلُ البُراقَ في حلقةٍ هناك يُربطُ بها الأنبياءُ.
نزل جبريلُ، ونزل نبيُّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ودخلا المسجدَ الأقصى، فماذا كانت تلك الساعةُ في المسجدِ الأقصى؟
أنبياءُ اللهِ، رُسُلُ اللهِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، جمعَ اللهُ تعالى في المسجدِ الأقصى في تلك الليلةِ كلَّ الأنبياءِ من آدمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى عيسى عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، فرآهم صلّى اللهُ عليهِ وسلّم صفوفًا في المسجدِ الأقصى، وجمعَ اللهُ من جمعَ معهم من الملائكة.
ثمَّ قدَّمَ جبريلُ نبيَّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ إمامًا ليُصلِّيَ محمّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم إمامًا بالأنبياءِ في المسجدِ الأقصى.
هاتوا لي بقعةً في هذه الدنيا قدِ اجتمعَ فيها كلُّ الأنبياءِ كما حصلَ ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ مع نبيِّنا محمّدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.
كلُّ الأنبياءِ اجتمعوا تلك الليلةَ، وتقدَّمَ نبيُّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فصلّى بهم نبيُّنا صلّى اللهُ عليهِ وسلّم إمامًا في المسجدِ الأقصى.
فماذا نقولُ اليومَ عن تلك الأرضِ التي شرَّفها الأنبياءُ؟ ماذا نقولُ عن تلك الأرضِ التي جمعَ اللهُ تعالى فيها كلَّ الأنبياءِ؟ ماذا نقولُ عن تلك الأرضِ المباركةِ التي دنَّسها اليهودُ؟ ماذا نقولُ عن هذا المحتلِّ الظالمِ الذي دنَّسَ، وحرَّقَ، وقتلَ، وسلبَ، وسبى؟ ماذا نقولُ عن هذا الذي أخافَ المصلِّينَ، وأرعبَ الناسَ هناك الذين قصدوا المسجدَ الأقصى؟
ماذا نقولُ اليومَ وتلك الأرضُ أرضُ محمّدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، أرضُ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، أرضُ آدمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، أرضُ الإسلامِ، لأنَّ الإسلامَ هو دينُ جميعِ الأنبياءِ؟
ماذا نقولُ؟
في القدسِ صلّيتَ يا خيرَ النبيِّينَ *** وقدسُنا اليومَ نبكيها وتُبكينا
إليكَ منّي رسولَ اللهِ معذرةً *** ماذا أقولُه وقد ضاعت أراضينا؟
إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون.
عِبَادُ اللَّهِ اللَّهُ عَظَّمَ قَدْرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ وَأَنَالَهُ فَضْلًا لَدَيْهِ عَظِيمًا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ قَالَ لِخَلْقِهِ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ،{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ،عِبَادُ اللَّهِ إِنِّي دَاعٍ لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي حَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدَنَا وَغَائِبَنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تُوُفِّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ اللَّهُمَّ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ ارْفَعِ الْبَلَاءَ عَنْ غَزَّةَ اللَّهُمَّ ارْفَعِ الْبَلَاءَ عَنْ غَزَّةَ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ أَغِثْ غَزَّةَ اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ الْحِصَارَ وَالْجُوعَ وَالْعَطَشَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مَوْتَاهُمْ شُهَدَاءَ اللَّهُمَّ أَخْلِفْهُمْ فِي أَهْلِهِمْ بِخَيْرٍ اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ خَيْرًا مِنْ دُورِهِمْ اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ خَيْرًا مِمَّا فَقَدُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ اللَّهُمَّ عَوِّضْهُمْ خَيْرًا اللَّهُمَّ عَوِّضْهُمْ خَيْرًا اللَّهُمَّ عَوِّضْهُمْ خَيْرًا اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ فِي غَزَّةَ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ فِي أَرْضِهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَأَعِنْ إِخْوَانَنَا فِي الضِّفَّةِ وَسَلِّمِ الضِّفَّةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا رَبُّ سَلِّمِ الضِّفَّةَ يَا رَبُّ سَلِّمِ الضِّفَّةَ يَا رَبُّ سَلِّمِ الضِّفَّةَ يَا رَبُّ سَلِّمِ الْقُدْسَ يَا رَبُّ سَلِّمِ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى يَا رَبُّ سَلِّمِ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى يَا رَبُّ سَلِّمِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يَا رَبُّ سَلِّمْ كُلَّ فِلَسْطِينَ يَا رَبُّ سَلِّمْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ انْصُرْنَا عَلَى الْيَهُودِ الْغَاصِبِينَ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً اجْعَلْ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ سَخَاءً رَخَاءً يَا رَبِّ وَفِّقْ مَلِكَ الْبِلَادِ لِخَيْرِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ عِبَادُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يُعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَلِذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ