دَعَى سيدنا زكريا الله سبحانه وتعالى سِرًّا كَمَا هُوَ المَأمُورُ بِهِ، وَهُوَ أَبعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَأَقرَبُ إِلَى الصَّفَاءِ، أَو أَخفَاهُ لِئَلَّا يُلَامَ عَلَى طَلَبِ الوَلَدِ فِي أَوَانِ الكِبَرِ لِأَنَّهُ كَانَ ابنَ مِائَةٍ وَعِشرِينَ سَنَةً
وكانت عَصَبَتُهُ، أي إِخوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ، شِرَارَ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَخَافَهُم([1]) أَن يُغَيِّرُوا الدِّينَ وَأَن لَا يُحسِنُوا الخِلَافَةَ عَلَى أُمَّتِهِ، فَطَلَبَ عَقِبًا صَالِحًا مِن صُلبِهِ يُقتَدَي بِهِ فِي إِحيَاءِ الدِّينِ بَعدَ مَوتِه، وَكَانَتِ امْرَأَتِه عَاقِرًا عَقِيمًا لَا تَلِدُ، فدعا الله أن يهب له وَلَدًا وَارِثًا مِنِّه العِلمَ وَالحُكمَ فِي بَنِي إِسرَائِيلَ والنُّبُوَّةَ، وَمَعنَى وِرَاثَةِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ يَصلُحُ لِأَن يُوحَى إِلَيهِ كَمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَأَسلَافُهُ مِن ذُرِّيَّةِ يَعقُوبَ أَنبِيَاءَ مِثلَهُم فِي الكَرَامَةِ الَّتِي أَكرَمهم الله بِهَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالوَحيِ وَأن يجْعَلْهُ مَرضِيًّا.
فَأَجَابَ اللهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ وَقَالَ (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ)وَتَوَلَّى اللهُ تَسمِيَتَهُ تَشرِيفًا لَهُ (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)) وكَانَ مَولِدُ يَحيَى قَبلَ مَولِدِ عِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ بِسِتَّةِ أَشهُرٍ.
وَقَالَ الكَلبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَومَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ ابنَ ثِنتَينِ وَتِسعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابنَ تِسعٍ وَتِسعِينَ سَنَةً، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ ابنَ عِشرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتِ امرَأَتُهُ بِنتَ ثَمَانٍ وَتِسعِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا بَشَّرَتهُ المَلَائِكَةُ بِهِ (قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ) كَيفَ (يَكُونُ لِي غُلَامٌ) وَلَيسَ هَذَا بِاستِبعَادٍأَي لَيسَ نَفيًا لِكَونِهِ سَيَحصُلُ، بَل هُوَ استِكشَافٌأَي هُوَ سُؤَالٌ عَنِ الكَيفِيَّةِ أَي كَيفَ سَيَصِيرُ هَذَا، أَي بَأَيِّ طَرِيقٍ يَكُونُ؟ أَيُوهَبُ لَهُ وَهُوَ وَامرَأَتُهُ بِتِلكَ الحَالِ؟ أم يُحَوَّلَانِ شَابَّينِ؟، وَلَيسَ استِفهَامُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَكًّا فِي قُدرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا تَعَجُّبًا مِمَّا لَم يَعتَدِ النَّاسُ عَلَيهِ
وكانت عَلَامَتُه أَن لَا يكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا رَمزًا، وَهو سَلِيمُ الجَوَارِحِ مَا بِكه خَرَسٌ وَلَا بَكَمٌ، وَهو فِي ذَلِكَ سَوِيُّ الخَلقِ، صَحِيحُ المِزَاجِ، مُعتَدِلُ البِنيَةِ، وَلَيسَ هَذَا الأَمرُ عَيبًا مُخِلًّا بِعِصمَةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَلَيسَ المَعنَى كَذَلِكَ أَنَّهُ سَيَرَى مُنكَرًا وَلَا يُنكِرُهُ، وَلَيسَ المَعنَى كَذَلِكَ أَنَّهُ يَحصُلُ مِنهُ تَقصِيرٌ فِي أَعمَالِ النُّبُوَّةِ، فَكَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِيَدِهِ وَبِالإِشَارَةِ، فَإِذَا أَرَادَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَذكُرَ اللهَ تَعَالَى انطَلَقَ لِسَانُهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدرَتِهِ الَّذِي يُنطِقُ مَن يَشَاءُ، واستَمَرَّ المَنعَ مِنَ الكَلَامِ استَمَرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ.
ووَهَب الله لَهُ يَحيَى وآتَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ الحُكمَ أي الحكمة وَهُوَ الفِقهُ فِي الدِّينِ وَفَهمُ التَّورَاةِ بِجِدٍّ وَحِرصٍ وَاجتِهَادٍ وَالنُّبُوَّةَ وَالعِلمَ صَبِيًّا وَعَلَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الكِتَابَ وَهُوَ التَّورَاةُ الَّتِي كَانُوا يَتَدَارَسُونَهَا فِيمَا بَينَهُم وَقَد كَانَ سِنُّهُ إِذ ذَاكَ صَغِيرً.
قَالَ كَعبُ الأَحبَارِ: وَكَانَ يَحيَى حَسَنَ الصُّورَةِ وَالوَجهِ، لَيِّنَ الجَنَاحِ أَي مُتَوَاضِعًا، قَلِيلَ الشَّعَرِ، قَصِيرَ الأَصَابِعِ طَوِيلَ الأَنفِ، وَكُلُّ هَذَا مِن غَيرِ قُبحٍ فِي الصُّورَةِ فَالأَنبِيَاءُ جَمِيلُو المَنظَرِ، مَقرُونَ الحَاجِبَينِ، رَقِيقَ الصَّوتِ، كَثِيرَ العِبَادَةِ، قَوِيًّا فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَسَادَ النَّاسَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ ولَم يُسَمَّ أَحَدٌ بِيَحيَى قَبلَهُ، وَقِيلَ أُطلِقَ عَلَيهِ هَذَا الِاسمُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَالِ شَيخُوخَةِ الوَالِدَينِ، وَغَالِبًا لَا يَطُولُ عُمُرُ مَن كَانَ كَذَلِكَ، فَوَهَبَهُ اللهُ هَذَا الِاسمَ اطمِئنَانًا لِقَلبِهِمَا وَشَرحًا لِصَدرِهِمَا أَنَّهُ يَحيَا كَبِيرًا، وَأَنَّهُ وُلِدَ حَيَّ القَلبِ بِالمَحَبَّةِ، حَيَّ الجِسمِ بِالطَّاعَةِ، حَيَّ اللِّسَانِ بِالذِّكرِ، حَيَّ السِرِّ بِالمَعرِفَةِ، مَعصُومًا مِنَ الزَّلَّةِ.
فَقَد كَانَت صِفَةُ الحَنَانِ وَالرَّحمَةِ مِن صِفَاتِ نَبِيِّ اللهِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ لِتَحَنُّنِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَبَوَيهِ فَقَد كَانَ شَفُوقًا عَلَيهِمَا وَبَارًّا بِهِمَا، وكان مُسلِمًا مُطِيعًا.
([1]) الخَوفُ الَّذِي قَد يَحصُلُ مَعَ أَنبِيَاءِ اللهِ هُوَ الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ كالنُّفُورِ مِنَ الأَفعَى مَثَلًا، وَهُوَ كَنَحوِ مَا ذُكِرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) )[سُورَةُ طَه:67]، أَمَّا الخَوفُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ جُبنٌ فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالأَنبِيَاءِ، فَالأَنبِيَاءُ هُم أَشجَعُ النَّاسِ.